islamaumaroc

العرش المغربي البيعة والاستمرارية

  محمد حدو أمزيان

العدد 246 جمادى 2 1405- مارس 1985

يتربع جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله وأمد في أيامه السعيدة على عرش أصيل عربي في المجد والتقدم، أنه عرش يحتل قلوب الأمة المغربية ويلفت حوله شعب حر أبي عرف بعزة النفس والتشبث بالاستقلال والحرية منذ أقدم العصور، سواء قبل الإسلام أو بعده. فقبل الإسلام عاش المغاربة في وطنهم أحرار لم يخضعوا لدخيل رغم كثرة الوافدين من الفاتحين، فلما جاء الفتح الإسلامي قاوم المغاربة الفاتحين ولم يخضعوا إلا بعد حين حتى إذا فتح الله قلوبهم للإسلام وأدركوا حقيقته تحولوا إلى جنوده المدافعين عنه ففتحوا البلاد ونشروا هذا الدين وأصبح المغرب مركز الإشعاع الإسلامي بعد ذلك ولا يزال ولن يزال بحول الله.
إن هذه الأرض الطيبة التي تحتل جزءا مهما في غرب العالم الإسلامي والتي سماها المسلمون باسم المغرب ذلك الاسم الذي جاء في القرآن المجيد في قوله تعالى (حتى إذ بلغ مغرب الشمس) وهذا الشعب الكريم الذي سكنه منذ القدم عرفه التاريخ وعرف أصالته وصفاء سيرته وطهارتها لأنه شعب متشبع بالخير وحريص على خدمة الحضارة والمدينة في ظل وحدته واستقلاله ولذلك لما كان الفتح الإسلامي وعاش فترة من الزمن في ظل حكم الحكام ولم يطمئن إلى حالته تاقت نفسه إلى الاستقلال وإلى بناء دولته وتأسيس عرشه ولكن أنى له بهذا العرش وهو متشبث ليس له زعامة ولا بين تجتمع عليه فئات الشعب كلها.
إذا أراد الله أمرا هيأ له أسبابه فقد كان أهل البيت العلوي في المشرق مضطهدين من طرف أبناء عمومتهم العباسيين إلى أقصى حد من الاضطهاد، ويشاء الله أن ينجو مولاي إدريس هاربا إلى المغرب كما هرب غيره من العلويين إلى أطراف البلاد الإسلامية فوجد فيه المغاربة ضالتهم المنشودة وتمسكوا به تمسك الغريق بحبل النجاة فبايعوه عن إيمان واختيار سنة 171 هـ، وبذلك تأسس العرش المغربي وتكونت دولة المغرب مستقلة عن الخلافة الإسلامية في المشرق تلك الخلافة التي كانت قد اتسعت وكثرت مشاكلها الداخلية والخارجية ومالت أطراف أخرى منها إلى الاستقلال وفي مقدمتها الأندلس الذي استقل سنة 138 قبل المغرب.
ومولاي إدريس هرب إلى المغرب وأسس دولته فيه على أساس المذهب الشيعي الذي يرى أن الخلافة حق لأبناء علي وفاطمة ولكن التشيع لم يكن مقبولا عند المغاربة كما لم يقبلوا أي حزب من الأحزاب الأخرى مثل الخوارج وهذا ما برهن على أصالة هذا الشعب واستقامة فكره فهو لا يمكن أن يجتمع على ضلال ولا يمكن لأي نزعة ضالة أن تنجح في السيطرة على قلبه المتمسك بالكتاب والسنة والجادة.
أسس مولاي إدريس أول عائلة ملكية في المغرب المسلم وتربعت على عرشه المكين مدة 133 سنة ثم تحولت السياسة وسقطت العائلة الإدريسية وقامت عائلة ثانية وهكذا تعاقبت على عرش المغرب 6 عائلات كبرى وهي الأدارسة والمرابطون والموحدون والمرينيون والسعديون والعلويين أدام الله عهدهم وسدد للعاهل الكريم مولاي الحسن الثاني خطاه آمني، وبجانب هذه العائلات الكبرى برزت في تاريخ المغرب عائلات صغيرة حاولت التربع على العرش ولكن في ظروف قاسية لم يتم لها الأمر كما يراد، وهذه العائلات هي عائلة آل موسى بن أبي العافية، وعائلة مغراوة وبني يغرن ثم عائلة الوطاسيين والعرض الذي ظهر فيه هذه العائلات كان من أقسى العصور في المغرب حيث كاد المغرب يفقد استقلاله بسبب كثرة المطامع الأجنبية فيه ولكن الله سبحانه كلما ساء الظروف فيض للمغرب من رجاله من ينقذه ويأخذ بيده نحو شاطئ السلامة.
نرجع إلى تصفح التاريخ وتجريد حوادث الأطوار التي مر فيها المغرب والتي كانت سبب قيام الدول وتبدل العائلات على العرش المغربي لنرى مدى صدق قولنا أن العرش المغربي وحدة ثابتة ومؤسسة خالدة وما المتربعون عليه في كل زمان إلا عائلات مغربية حلت محل من قبلها لتستأنف السير وتواصل التاريخ فلم يكن في المغرب دول مختلفة ذات مذاهب متباينة وإنما كان المغرب ولا يزال له دولة واحدة قائمة على الكتاب والسنة والجماعة فهذه هي الدول الحاكمة الثابتة الخالدة أما العائلات فلم تكن إلا خادمة لهذه المبادئ وحارسة لهذه الخطة التي قررها الشعب من أول يوم دخل في الإسلام. فكم رأينا في التاريخ من محاولة للسيطرة على البلاد ولكن لم يكن النجاح يتم إلا أولئك الرجال الذين برهنوا على صدق الإيمان بعقيدة الشعب وإخلاصهم في خدمة الدين والوطن.
في القرن الرابع الهجري كان المغرب يعيش في ظروف حالكة من جراء سوء الأحوال الداخلية وتلاشي السلطة الشرعية وتكالب المطامع الأجنبية ففي الشرق كانت تمتد جحافل الفاطميين للسيطرة على المغرب وجعله ولاية تابعة لهم على يد موسى بن أبي العافية وفي الشمال امتدت أطماع الأمويين على يد مغراوة في محاولة فاشلة للسيطرة على المغرب ولكن المغرب قاوم وتشبث بالحياة واستقلال عرشه ودولته حتى إذا ما انتصف القرن الخامس كانت عائلة مغربية قادمة من الجنوب الغربي للبلاد تتقدم لتؤسس دولة سنية سلفية أصلية هي دولة لمرابطين التي قامت على الجهاد لمحاربة التخلف والانحراف والفساد الذي تفشى في الشعب وخاصة في الصحراء والسهل الغربي حيث انتشرت بدعة البرغواطيين وقوى سلطانها حتى جاء المرابطون بقيادة عبد الله بن ياسين وصحبه فأزالوا من المغرب تلك البدع والانحرافات وأرجعوا الشعب إلى الستة والجماعة وأسسوا عاصمة مراكش التي أصبحت مقر العرش المغربي المتجدد الخالد، وسرعان ما تراجعت تلك القوى الأجنبية الطامعة في المغرب فقد ضعفت الدولة الأموية في الأندلس واتجهت نحو السقوط ودخلت في عصر ملوك الطوائف المعروف أما الدولة الفاطمية التي كانت في الشرق فقد انتقلت إلى مصر وانشغلت بمشاكلها في الشرق ومنافساتها مع الخلافة العباسية على قيادة العالم الإسلامي.
وبذلك أتيحت الفرصة للمرابطين ليقيموا دولتهم ويعيدوا للمغرب استقلاله وأمنه وليستأنف السير في طريق المجد والحضارة النظيفة لا في الداخل فقط بل ليمد يده إلى الأندلس لينقذه من الخطر المحقق الذي كان محدقا به وليعطوه نفسا جديدا لاستمرار حضارة العرب بالأندلس قرونا أخرى عديدة.
لقد عاشت دولة المرابطين من الزمن 87 سنة أنجيت ملكا واحدا ولكن كان عظيما جدا يعدل عدة ملوك ذلك هو أمير المسلمين المصلح الصالح السلفي المجاهد يوسف بن تاشفين، ثم لم تعش الدولة بعده إلا أياما من الاحتلال والتعثر فاتجهت نحو السقوط وهي في ريعان الشباب ذلك أن دعوة المهدي بن تومرت كانت لها بالمرصاد فاستغل الظروف السيئة وأعلن دعوة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي تأثر بها المشرق كما تأثر بأفكار الشيعة فتسمى بالمهدي المنتظر ثم تسلح بسلاح المذهب الأشعري لمحاربة المرابطين السلفيين فاتهمهم بالتحسيم وسمي أصحابه الموحدين.
تلك عائلة ثالثة جاءت إلى العرش المغربي كانت العائلة السابقة تنسب إلى قبيلة صنهاجة المغربية الصحراوية أما هذه فهي من قبيلة مصمودة وكلتاهما من قبائل المغرب الأقصى المشهورة قبل الإسلام وبعده. وقد احتل الموحدون العاصمة مراكش وتربعوا على عرش المغرب مدة 117 سنة أنبجت الدولة من الملوك العظماء عددا كافيا لتأسيس إمبراطورية مغربية تاريخية شملت شمال إفريقيا كله والأندلس وبذلك استولى العرش المغربي على منافسيه القدماء وضم ممتلكاتهم إلى دولته فأصبحت الدولة القوية القائمة على حماية الإسلام وحضارته في هذه الجهة من العالم الإسلامي الدوام لله وحده لقد ذهبت دولة الموحدين القوية وبقى العرش المغربي يبحث في أبناء شعبه عمن يقوم بمهمة أحياء المجد والحفاظ على الوطن والعرش، ولما بلغ الحالة السيئة درجة الخطورة حتى طمح الصليبيون في الانقضاض على بلاد الأندلس التي كانت قائمة على حماية الدولة المغربية لم يطل الانتظار فقد كانت عائلة رابعة في انتظار وعلى أهبة استعداد لاستلام الأمر وحماية العرش المغربي من الاندثار، جاءت العائلة المرينية هذه المرة من الصحراء الشرقية ودخلت المغرب واحتلت العرش من سنة 668 إلى سنة 876، عاش المغرب في ظل عرش المرينيين في سعة وتقدم وازدهار وانتعشت المعارف والحضارة ونبغ رجال الفكر ولعل من أبرز النماذج ظهور ابن الخطيب وابن خلدون في هذا العصر وخدمتهما للعرش المغربي في عهد المرينيين غير أن الدولة كانت قد أنهدت في الشمال من جرا هزائم المسلمين في الأندلس وضعف الحكم اللامركزي هناك ورغم ذلك فقد كان المرينيون يشعرون بواجبهم نحو الأندلس والدفاع عنه فكانوا في تعبئة دائمة للدفاع عن الأندلس وكم من وقائع وهزائم ألحقوها بالصلبيين حتى كسروا شوكتهم وخففوا بذلك الحمل على مسلمي الأندلس ولكن إلى متى يبقى المغرب حاملا لهذا العبء وحده، هكذا تكاثرت الخطوب على المرينيين من الأندلس تارة ومن إفريقيا تارة أخرى حتى بلغ الكتاب أجله وانحلت الدولة وبعبارة أصح انحدرت العائلة المرينية وهي الرابعة وبقي الشعب في فوضى واتجه نحو الانحلال وفساد الأحوال بل أن الأدهى من ذلك هو امتداد المطامع الصليبية إلى المغرب بعدما صفى أمر الأندلس فاحتل البرتغال شواطئه وبلغ المغاربة شفى الهاوية وتمكن اليأس من القلوب وفسدت الأخلاق وأصبحت الحالة تتطلب الإنقاذ قبل حصول الكارثة.
في هذا الظرف العصيب كانت عائلة السعديين تعيش في إقليم درعة وتلقت من الشعب كل إلحاح في القيام بمهمة الدعوة إلى إنقاذ البلاد وإصلاح الأحوال فقاموا بالأمر خير قيام وتقبل الشعب دعوتهم للجهاد خصوصا وهم من أهل الصلاح والتقوى والنسب الشريف وهكذا قامت للعائلة السعدية بمهمة مكافحة المستعمر البرتغالي ونجحت في تحرير بعض الشواطئ وأثناء ذلك كانت العائلة تتبوأ مكانة تؤهلها للتربع على العرش المغربي عن حب وثقة من الشعب. وهكذا دخل السعديون مراكش وتربعوا على العرش وحكموا المغرب 113 سنة، أنجبوا أعظم زعيم للإسلام هو بطل موقعة وادي المخازن أحمد المنصور الذهبي الذي اتجه بالدولة المغربية نحو القارة السمراء فون فكون إمبراطورية، تمد إلى مدينة (تمبكثو) ونعمت البلاد بالغنى والسعادة خليقة بالدولة السعدية كما أوقف السعديون مطامع الصليبية في المغرب فخف الضغط على الشواطئ المغربية إلى حين يظهر أنه أصبح من العادة السارية في المغرب أنه كلما ظهر عظيم وبلغت الدولة المغربية في أيامه غاية المنى ونهاية الطلب واتجهت أمورها عقب ذلك إلى السقوط والانهيار، بسرعة غريبة وهكذا فبعد أحمد المنصور الذهبي مباشرة اختلف أمور الدولة وتفرقت العائلة السعدية وانقسمت على فرعين إحداهما في مراكش العاصمة الأصلية والأخر في فاس العاصمة الأولى، ولم يقف الأمر إلى هذا الحد فقد كانت الزوايا تنتشر في المغرب وتقوم بالدعوة إلى الإصلاح والجهاد على نمط الدعوة التي اتخذها السعديون في أول أمرهم ولكن كثرة الزعماء فرق كلمة الأمة وأصبح مركز القيادة فارغا وأظلم الجو وانتشر اليأس والعدو يستشرى في السواحل ويستحوذ على البلاد وفي هذا الجو قيض الله لهذه الأمة عائلة أخيرة عائلة شريفة النسب شريفة المبادئ والمقاصد هي العائلة العلوية من بيت النبوة وقد تبوأت الزعامة عن جدارة لأنها اتجهت إلى الإصلاح والجهاد وذلك ما ينتظره الشعب لتستقيم الأحوال وتعود الأمور إلى طبيعتها.
قدم مولاي رشيد إلى المغرب وقضى على أكبر قوة للزوايا المتمثلة في الزوايا الدلائية ثم اتجه إلى العاصمة مراكش فدخلها وتم تأسيس الأسرة العلوية الشريفة سنة 1079 هـ هذه الأسرة التي خدمت المغرب ورفعت قدره بين الأمم وأنجبت من العظماء من العظماء مولاي إسماعيل ومولاي محمد بن عبد الله مولاي الحسن الأول ثم شهدت عصرا سقط فيه المغرب تحت الحماية الأجنبية في حديث طويل إلى أن جاء الوقت للنهوض من الغفوة والرجوع إلى الجادة وامتحن المغرب عرشا وشعبا ولكن العافية للصابرين وهكذا أحرز المغرب على استقلاله بفضل جهاد العرش والشعب فحمى الله الأسرة العلوية المجاهدة وحيى الله بطل الإسلام الخالد مولانا محمد الخامس قدس الله روحه ونور ضريحة وأمد الله في حياة وأورث سره جلالة الملك الثاني العظيم.
وبمناسبة الذكرى الرابعة والعشرين لتربع جلالته على عرش أسلافه الكرام هذا العرش الخالد المكين نجدد لجلالته آيات الولاء ومراسيم البيعة سائلين الله تعالى أن يسدد خطاه وينصر أعلامه ويديم عليه نعمة العافية ويقر عينه بسمو ولي عهده الجليل مولاي محمد وبصنوه السعيد مولاي رشيد وسائر الأسرة الشريفة آمين.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here