islamaumaroc

وهذا صراط ربك مستقيما

  محمد العربي الزكاري

العدد 246 جمادى 2 1405- مارس 1985

حديثنا عن عيد العرش المغربي يرتبط ارتباطا وثيقا بأحداث داخلية لها أثرها في بلورة الكفاح الشعبي سياسيا وحربيا، ويدفعنا من المواجهة الخارجية إلى إلقاء نظرة على الأنظمة المعاصرة، مساهمة منا في توضيح الصورة بالنسبة لأسس وأبعاد حكم يستمد جذوره من شريعة الله، وتسليطا للأضواء على أنظمة نابعة عن أعراف مدنية تخضع في أغلبها للتقلبات السياسية والممارسات الحزبية والمتطلبات الظرفية.
و في هذا السياق نجد كتاب الله تعالى يحدد لنا مهمة الإنسان في هذا الكوكب "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة) (1) ومعنى (الآية الكريمة أن حكم البر في الأرض يتمثل في الخلافة عن الله، وإذا فالخليفة يستمد سلطته ومسؤوليته من القرآن باعتبار المصدر الأول للتشريع، وحيث يستحيل تطبيق الأحكام من لدن المجتمع ككل، أرشدنا الحق تعالى إلى الحل العلمي لهذا الإشكال في قوله سبحانه "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" (2).
وأولي الأمر في مفهومنا الفقهي يخضع لرأي الأمة وللقرار الإجماعي الذي يتخذه "أهل الحل والعقد" باعتبارهم نخبة الجماعة الإسلامية المكونة من صفوف العلماء والوجهاء والأعيان ذوي الرأي الحصيف والمتصفين بالإخلاص والنزاهة وعمق الإيمان، ومن هذا المنطلق لابد وأن يرتكز اختيارهم في الأساس على إسناد هذه المسؤولية العظمى لشخصية تتوفر فيها المؤهلات الشرعية، بالإضافة إلى التزام المرح بتنفيذ شروط أساسية لفائدة الأمة وصالح الجماعة.
ومن هنا جاءت "البيعة" في الإسلام عقدا مقدسا بين الحكام والمحكومين، ورغما، عن أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم غير مطالب ببيعة تزكي اضطلاعه بالإشراف على مصالح المؤمنين بحكم نبوته ورسالته الإلهية العامة، فقدسن عيه الصلاة والسلام هذا المبدأ منذ فجر الإسلام كإرشاد لما يجب أن تسير عليه الجماعة الإسلامية بعد التحاقه بالرفيق الأعلى، وقد أكده فيما بعد بقوله   صلى الله عليه وسلم: "من مات وليس في عنقه بيعة مات موتة جاهلية".
وجدير بنا أن نقارن بين الحكم في المجتمع الإسلامي وبين أنظمة مدنية صرفة، وأول نموذج من الحكم المدني يتمثل في أولئك المتسلقين لكراسي القيادة عن طريق التسلط وبواسطة الاغتصاب، وهو نوع ساد كثيرا من مراحل التاريخ البشري، فتحملت المجتمعات سلبياته الكثيرة وإيجابياته القليلة تبعا لأهواء الحاكم وميوله وما يتوفر عليه من رغبة في تصحيح أوضاع فاسدة، أو طمعا في السيطرة وتطلعا لإشباع نزوات شخصية جامحة.
ونجد على الساحة نظاما آخر يعتمد على التنافس بين شخصين فأكثر، ينتهج كل واحد في جملته وسيلة التنقيص من أهمية منافسه وإن كان يفوقه ثقافة وكفاءة وإخلاصا، وهذا السلوك يؤدي في الغالب الأغلب احترام النقاش والمواجهة الكلامية ليصل الصراع إلى الاتهام! وفي المقابل يخلع المهاجم على نفسه هالة القداسة والمؤهلة للقيادة والتي يرفضها الإسلام في قوله تعالى: "فلا تزكوا أنفسكم، هو اعلم بمن اتقى" (3).
وكبرهان قاطع وحجة ملموسة على أن هذا النوع من الاختيار لا يقوم – في أغبيت – على أساس اقتناع الناخبين المجرد، وإنما هو نتيجة تأثيرات دعائية وإعلامية موجهة، ولعل أهم ما يؤخذ عليه أن المنهزم لا يتورع – في كثير من الحالات – عن مباركة استحقاق خصمه للقيادة، والتحليل المنطقي لمثل هذا الموقف أن كل ما قيل أثناء التنافس على كرسي القيادة لا يتم إلى الحقيقة بصلة، وإنما أملته مصلحة المد أو لهيئة التي يمثلها.
وليس عرضنا من هذه المقارنة معارضة الأنظمة المدنية أو التشهير بها، فلكل وجهة هو موليها، وامتنا ولله الحمد في منجاة من هذه الممارسات وإنما غرضنا الأول والأخير تعميق الوعي في المجتمع الإسلامي عموما والمغربي بصفة خاصة، بأن نظامنا الإسلامي أسمى الأنظمة وأنفعها للسير في بالإنسانية في الاتجاه الكفيل بسعادة البشر في الدنيا والآخرة، وإن المسلم يجب عليه الاهتداء بهدى السماء وأن ا خير مطلقا في أنظمة تخضع في جورها لعوامل الدعاية المتقلبة وأساليب السياسة الملتوية، وصدق الله العظيم "وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله، إن يتبعون إلا الظن، وإن هم إلا يخرصون" (4).
ونحمد الله الذي دانا منذ الإشراقة الإسلامية علينا لسير في الخط السوي ولصراط المستقيم الذي خطه الرسول الكريم وأسعفنا على الدوام بمرده العزيز وسنده الكبير، بحيث لم نحد عن توجيهاته تعالى ولم تنحرف عن تعليماته في اختيار الحكم الصالح، ولا أدل على هذه العناية الربانية من المحنة التي عناها تحت وطأة الاستعمار وجبروته، فخرج منها عبنا قوي العزيمة لمواصلة السير، فتبين الإيمان لمواكبة يقظة المسلمين، حريصا على أن يرمم ما تزعزع ويجدد معالم ما تصدع.
فاختيارنا للكية المستمرة من البيعة اختيار للملكية المستمرة من البيعة اختيار موفق، جنبنا كثيرا من الهزات، وحال بيننا وبين الارتباك أمام التحديات، فقد جمعت ملكيتنا الشرعية الشمل ووحدت الأهداف وبرمجت الانطلاق وكانت باستمرار في طليعة جولاتنا السياسية وتحركاتنا الوطنية وملاحمتنا الحربية، وها نحن اليوم أكثر ما نكون التحاما وأشد تماسكا للدفاع عن وحدتنا الترابية التي زكتها عدالة دولية لا تخضع لألاعيب السياسة ولا تنجذب لإغراءات الذهب الأسود!.
ومن حقنا أن نؤكد على أن السر الدفين في النجاح الباهر الذي واكب انتفاضتنا ضد الاستعمار، والمحور الذي ارتكزت عليه انطلاقتنا لانتزاع الاستقلال، نبع من وحدة الشعب والعرش، الأمر الذي أقلق دهاقنة الاستعمار في الماضي فحاولوا بكل ما يتوفرون عليه من إمكانيات تحطيم الحلقة الروحية التي جمعت بين محمد الخامس رضوان الله عليه وشعبه المتعلق بعرشه والمتشبث ببيعته.
ومن الظريف أن الهستيرية الاستعمارية جاءت حقنة لرفع معنويات الشعب واندفاعه الهادر لزعزعة دعائم الحكم الدخيل، فكلما أمعن في جبروته وبطشه وطغيانه ازدادت أواصرنا متانة، ومحبتنا استحكاما، ووشائجنا رسوخا، مما أدى بالمستعمر إلى الرضوخ لمطلبنا في مباركة عيد العرش أولا، وعودة محمد الخامس إلى عرشه ثانيا، والاعتراف باستقلالنا ثالثا.
فهذه المكاسب الباهرة والانتصارات الساحقة لم تكن إلا نتيجة طبيعة "للبيعة" الدينية التي أبى شعبنا التنكر لها رغم غطرسة الدخيل ووعده ووعيده وإغراءاته التي حاول بها تفيتيت الإجماع المغربي حول ملكه الشرعي.
ومن هذه الزاوية تتجلى حكمة الله في البيعة التي يقول سبحانه في شأنها "إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله، يد الله فوق أيديهم" (5) فهي الرابطة المتينة التي تربط بين أفراد الأمة، والأساس القوي الذي يرتكز عليه الإجماع الوطني، والضمانة الكبرى والقلعة الحصينة التي يعتمدها المغرب في مواجهة التحديات، وهي في نهاية المطاف "الرباط" الذي تنطلق منه جحافل الفدائيين والمجاهدين لتأديب من تسول له نفسه التطاول على حق من حقوقنا.
فالاعتماد دائما وأبدا على الله القوي العزيز الذي يبارك الحكم الشرعي بين عباده، والاتكال بعد ذلك على تماسك جبهتنا الموحدة والمرتكز على بلورة هذه الوحدة في مظاهر رائعة كلما أظلتنا ذكرى عيد العرش التي تحل اليوم في ظروف استثنائية يواجهها الشعب بصبر وحزم وتصميم وعزم ويعالجها الملك المطاع، بلباقة السياسي الماهر وعبقرية القائد الشجاع.
فعلى بركة الله نواصل السير تظلنا بيعة دينية، وترفرف علينا وحدة وطنية، وتحرسنا عناية ربانية "وهذا صراط ربك مستقيما" (6).

ـــــــــــــــــــ
(1) سورة البقرة (20)
(2) سورة النساء (59)
(3) سورة النجم (32)
(4) سورة الأنعام (116)
(5) سورة الفتح (10)
(6) سورة الأنعام (126)

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here