islamaumaroc

في خلوة شوبان

  دعوة الحق

29 العدد

فدريكو فرانسيسكو شوبان  هكذا تسمى. آه ! وفي الاسم نكهة الرماد، وعلة زهر الزعفران. واللقب يذكرني بسقوط أوراق الخريف واحدة واحدة، كما تسقط قطرات الأجراس فتتهشم على الأرض، أو كما تنتشر أزهار اللوز على صغار الأعشاب فتكتنفها بردائها الربيعي الموشى بالزقزقات، وما أن يهب النسيم عليها، حتى يبعثها من نعشها الأخضر صبايا يافعات.
أنطق باسمك خافتان وخافتا أعيده، فاستنشق رائحة الصندل المحروق، فأرى غزالا من حرير اصفر يقفز من نجمة إلى نجمة، ويعدو وراء القمر لاهثا، والقمر في انتظاره.
وأعيد نطقه جهرا، ولكن بعيني:
فدريكو...،...
والصدى يرن غريبا موحشا فيضيء زوايا وحنايا خلوتك فتصحو ذكريات من جوف الغبار، وتفرك عينيها من نوم طويل.
صدقوني. لولا شعوري في ذلك الحين، بان خيالي باقة من الأزهار الطويلة ممتدة في الهواء، وأن قدمي جدران من شجر الزيتون، متغلغلان في باطن الأرض، لما استطعت أن أرى هذه الذكريات، وألمسها بجناح خيالي.
ما زالت أغصان الأشجار تهتز وهي مثقلة بندى الألحان، وعليها صغار الطيور قطرات الموسيقى، وتبلل بها حناجرها. وهذه الساقية التي تغسل فيها الخلوة ظلها، قد أصبحت شاحبة كذوب السنابل، تتعثر في طريقها وتسعل سعالا مخنقا. وكلما وقعت عيناي عليها أقول في الحال: الآن ستختنق. وأمد أصابعي في الهواء، في قلب ومشاعر هواء هذه الخلوة – دون شعور مني – فالمس لحنا شيخا، ضريرا تائها في غابات الهواء وأدغالها يطلب لنفسه مخرجا ولا مخرج له.
كم آلمني هذا الشيخ الضرير الذي لم ير النور في مقطوعتك الأخيرة التي لم تنهها يا فدريكو فولد يتيما،وعاش تائها يفتش عن أناملك وفي أناملك نور له وحياة وخلود. لكنك ككل الفنانين لابد أن تترك ورائك لحنا لم يتم، ولن يتم أبدا...كما ترك من قبلك وكما سيترك من بعدك فنانون، وشعراء، وكتاب، أفكارا غير مفروغة في قوالبهم وذلك سر ظمأ الفنان الخالد، وتلك طبيعة فوارة الحياة التي تفور أبدا بالسر والعجيبة. فلا الفنان يستطيع أن يروي ظمأه منها، ولا هي باستطاعتها أن تكف عن فورانها بما تثيره في مشاعره من خواطر، وأحاسيس، وعواطف، وما تشعله في خياله من صور وألوان، وما تحدثه فيه من ظلال وأدهان.
وتلك الآلة الخشبية العجيبة التي يدعونها« البيانو» يمر عليها نور عينيي فيلفها، فيمسحها من الآلاف نظرات الزوار المتجمدة عليها، وفي كل نظرة إعجاب وتقدير وحب والفت إلى خشبة باب الخلوة المفتوح، فإذا بالزوار العديدين المختلفة أجناسهم وألوانهم ولغاتهم يقتحمونه دون أن يعيروا أدنى اهتمام إلى هذه الخشبة العريضة السميكة التي انفتحت أمامهم.
ما الفرق يا ترى بين خشبة الباب، وخشبة«البيانو»؟                     
كلتاهما خشبة قطعت من الغاب، وكلتاهما تؤدي مهمة في الحياة.
إذا فما السر الذي يدني هذه الجماهير الغفيرة الزائرة من خشبة« البيانو»، فتقف أمامه بإعجاب وخشوع، وتتفحص كل جزء من أجزائها، وقطعة من قطعها، وكأنها في صلاة خاشعة، بينما تمر على خشبة الباب فتدوس عتبتها دون مبالاة، لتفسح لها المجال لمشاهدة الخشبة الأخرى.
لعل الأقدار قد تكون هيئات لأن تقطع هاتان الخشبتان من دوحة واحدة، فجعلت من الأولى صندوقا موسيقيا خالدا، ومن الثانية ممسحة للأحذية، ومرتعا للأوساخ والأقذار.
ما اقرب التوأمين، وأحبهما إلى بعضهما في حضن أمهما، والتحامهما ببعضهما! وما أبعدهما عن نفسها في دروب الحياة التي لا ترحم أما ولا أبا، ولا أخا ، ولا شقيقا، ولا توأما!
كل ما تألفه الطبيعة في حضنها الأم برحمة وعدل وإنصاف ومحبة، تفرقه الحياة وتوزعه في شعاب سراديبها بقساوة، وإجحاف، وكراهية.
فكل ائتلاف مآله إلى فراق، وكل جمع مصيره إلى شتيت وكل طريق مسلكه حتما إلى الانتهاء.
وينفر نور عيني من الخشبتين التوأمتين المفترقتين، شاعرا بغصة في حلقي، ودمعة من عصير الشوك تدمي قلبي.
وأخرج على حديقة الخلوة – لا روح عن نفسي – ويسراي على قلبي فأستريح على مقعد أخبرت من قبل أنه كان مطية للمطارحات الغرامية بين صاحب الخلوة، وبين حبيبته« جوج صاند» التي تنسك فيها، وفي مشاعرها زمنا كتب فيه أحسن مقطوعاته، وكتبت هي فيه اخلد روائعها.
جميع ما في الحديقة من نسيم، وطير، وجدول، وما إلى ذلك من شجر، وظل، ونور، وتراب، يتألف من نسج وذرات السكينة والوحدة،حتى أنني في ذلك الحين، وأنا ملتف في رداء هذه السكينة، وهذه الوحدة كنت أفكر بهذا التفكير، إذ بي اسمع كل ما في الحديقة يعلنه بلسان العصافير. فأعجب من هذا الأمر الغريب، وأشعر بنفسي عاريا من نفسي، وكأني سرقت من الحياة،خفية عن الحياة.
وذلك هو شأن مهابط الإلهام، ومساقط الأرواح، وخلوات الفنانين التي تعلن كل سر، وتفضح كل خفي، وتكشف عن كل ما هو محجوب في حضرتها.

(1) ولد في فرصوفيا(بولونيا) بتاريخ 22 فبراير 1810. وتوفي بباريس في 17 أكتوبر سنة 1849.

 

 

 

 

 


 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here