islamaumaroc

الإسفاف والتردي ..وحضارة الغرب.

  عبد القادر العافية

العدد 245 جمادى 1 1405- فبراير 1985

كرم الله بني آدم، وفضله على كثير من مخلوقاته وجعل منه خليفته في الأرض، وزوده بالعقل والإدراك والإحساس والشعور والمواهب المختلفة.
فالإنسان مخلوق متميز بمميزات لا تتوفر لغيره، فخالقه وهبه صفات نبيلة، واستعدادات فطرية متميزة، ومن تكريم الله له، ومن أجل المحافظة على مزايا الإنسان ومميزاته، بعث الله له موجهين ومرشدين، ووضع له شرائع وقوانين تهذبه، وتهذب أخلاقه وسلوكه، وتنمي نوازع الخير فيه. وتحد من نزواته وشهواته، وتحسن علاقته ببني جنسه وتعطي لحياته قيمة ومعنى، وكرامة ونبلا...
ولما كان التجانس من أقوى غرائز الإنسان ضبطت القوانين الشرعية علاقة الرجل بالمرأة بضوابط أخلاقية، وعلاقة إنسانية رحيمة كريمة، وعواطف سامية: من مودة، ورحمة، وضمان حقوق وواجبات، كل ذلك في نبل وكرامة واستمرارية...
وبذلك تتمثل الروابط بين أفراد المجتمعات فينهض وينتج، وينمو ويزدهر...
نظمت الشريعة الإلهية علاقة الناس فيما بينهم في مختلف مجالات الحياة وميادينها، وفي نفس الوقت نظمت علاقتهم بربهم وصلتهم بخالقهم تزكية للنفس وتقوية واطمئنانا...
وبالتزام منهج القانون الرباني الذي وضع على أقوم أسس للنفس البشرية، حيث وازن بين غرائزها وكرامتها، وسموها ومتطلباتها... والهدف والمقصد: هو تكريم الإنسان والسمو به، في هذا الإطار نظمت العلاقة بين الرجل والمرأة.
وجاءت حضارة الغرب لتشكك الناس في أسس المنهج الرباني، وعملت على تحطيم الطموح الروحي في الإنسان، وعلى تدمير القيم النبيلة فيه، وجدت في نسف ما بناه الدين، وشيدته الأخلاق، من همم، ونخوة وكرامة... ورحمة، ومحبة... فأباحت شتى المحظورات.
واستهانت بالقيم والأخلاق... فأباحت الزنا والفجور، وفككت الروابط القدسية بين الأسرة، ووضعت الحواجز بين الصلات الرحيمة، فاستقلت بنفسها، واستقل الفتى، وافنصما عن روابط الأسرة، وتحررت الزوجة من روابط الزوجية،واستقلت بنفسها، وتحررت من تبعات البيت ومتطلباته، وتحرر الزوج بدوره وبذلك خالل كل واحد منهما ما شاء، وعبث كيف شاء. فتمزقت الأسرة وتصرف كل واحد من أفرادها حسب أهوائه الدنيئة، وهتك ستر الحياء؟، وحلت الحيوانية محل المروءة والكرامة، والدنايا محل العفة والنبل... فتلاشت القيم الأخلاقية.
وعرفت الأسرة في أوروبا وأمريكا انحدارا لم يعرف التاريخ له مثيلا.
وبذلك انحط المجتمع الغربي، وتفنن في الانحطاط الأخلاقي، فأبيحت العلاقات غير الشرعية، وأصبحت ظاهرة عادية مألوفة، بل هي القاعدة العامة، والشاذ هو الزواج القانوني. وأبيح الشذوذ الجنسي، وأقيمت النوادي لممارسة الشذوذ والتبجح به. بل أباحت القوانين الغربية ربط صلات جنسية (قانونية) بين ذكر، وذكر، وأنثى وأنثى !؟؟ وبالرغم من ظهور مرض (الإدز) الوباء الخطير فإن القوم سادرون. وأقيمت نوادي العراة قي أماكن مختلفة، ومارس الفتيان والفتيات الجنس في سن مبكرة، في إباحية تامة، بلا وازع ولا رادع. وشجعت الحضارة الغربية على ذلك، وأتت هذه الحضارة بمفاهيم وأفكار تحط من قدر الإنسان ومن قيمته.
وأدهى من ذلك أن التجارب التي كانت تجري على الحيوانات أصبحت تجري على الإنسان؟ ومن ذلك التجارب التناسلية، والتلقيح الصناعي الذي انتقل من ميدان الحيوان الأعجم إلى بني آدم الإنسان الذي كرمه الله وسما به خالقه.
وبذلك انعدم الفرق بين الحضارة الغربية بين الإنسان المكرم، والحيوان الأعجم، وظهر إنسان الأنبوب، وبنوك المني، والبويضات وانحصرت قيمة المرأة في هذه الحضارة الغربية، فأصبحت تستأجر رحمها، كما تستأجر أواني الطبخ في المناسبات !! تستأجر رحمها لتلقيح مني الرجال !! وأصبحت البويضات تنتزع من رحم النساء لتباع ولتلقح بمني رجال أجانب.
وفي هذا الانحدار الحضاري تخلى الإنسان عن التكريم الذي ميزه الله به. وفضله به على كثير من خلقه. !!
وهكذا استبدل القرار المكين بالأنبوب، والفراش المصون بتنقل النطفة بين أيدي الأطباء والممرضين والممرضات...
قال تعالى: ?ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين?...
ونبي الإسلام صلى الله عليه وسلم يقول: «الولد للفراش» والغريب في الأمر أن التخلي عن الكرامة الإنسانية جاء باسم العلم، والتطور العلمي فالحضارة الغربية ضحت بكل القيم الإنسانية لتنحدر إلى مستوى أخس أنواع الحيوان، كالكلاب والقردة والتيوس...
باسم التطور العلمي تقدم المرأة نفسها للطبيب ليدخل برحمها مني رجل أجنبي يريد الإنجاب من غير شريكة حياته، فتمتص النطفة من دمها وعظامها وغددها، وتظل تعاني من منغصات الحمل تسعة اشهر كاملة... وفي النهاية تقذف ما برحمها لصاحب المني المستأجر (بالكسر) وربما استأجرت رحمها من جديد... !!
وهكذا حطت الحضارة الغربية من قيمة المرأة وجعلت من رحمها مجرد وعاء للإيجار !! يستقبل مني الرجال ونطفهم. !!
كل هذا لأن أنانية المرأة العاقر في المجتمع الأوروبي أبت عليها أن يتزوج زوجها بطريقة مشروعة فيكون ذا أولاد يتمتعون بدفء الفراش، وحنان الأمومة، وعاطفة الأبوة...
فالله تعالى الذي أباح التعدد الشرعي، حفظ بذلك كرامة المرأة حتى لا يصبح رحمها وعاء يستأجره المستأجرون.
كيف تتصور المرأة التي دخلت إلى المستشفى وهي حامل في الشهر التاسع وقد عانت من الحمل، ومن الوضع، ثم خرجت منه وهي فارغة الوطاب، وقد تركت مولدها للآخرين !!
مسكينة تلك المرأة الاسترالية المستأجرة (بالفتح) التي أبت أن تتخلى عن المولود الذي ولدته وعانت من حمله ورأت في النهاية أنها مغبونة، وأن الأجرة التي أخذتها لا تعوضها ما أعطته من دمها ولحمها وعظامها. لكن المحكمة حكمت عليها بأنها مجرد مسأجرة !!
أليس في هذا أكبر إهانة للمرأة باسم العلم؟! وباسم التطور العلمي والحضاري؟!
وحتى طفل الأنبوب عند ما يكبر ويعلم أن المرأة التي هو معها ليست أمه التي حملته، ووضعته، وأن التي قامت بذلك هي مجرد مستأجرة !! كيف ينظر هذا الطفل إلى نفسه؟ وإلى المجتمع الذي هو فيه؟ عندما يعلم ويتيقن أن هذا الجو الذي هو فيه مجرد جو اصطناعي محاط بالنفاق والخداع... فهذه التي هو معها وتزعم أنها أمه ليست بأمه، وأمها ليست بجدته، وأخواتها وإخوانها ليسوا بخالاتها ولا بأخوالها... !!
طفل الأنبوب في المدرسة وفي الشارع وعرض للمز والغمز... يتساءل مع نفسه ما علاقته بكل من حوله؟!
وحتى علاقته بأبيه علاقة ضعيفة وغامضة جدا، لأن تنقل نطفته بين الأيدي والأنابيب والأطباء والممرضات... كل ذلك جعل الانتساب إلى هذا الأب ضعيفا جدا. ومن الميسور تعويض نطفة بأخرى...
فطفل الأنبوب يولد معقدا تتقاذفه أمواج الشكوك والتساءلات. اللهم إلا إذا اعتبر نفسه مجرد حيوان يأكل ويشرب لا أقل ولا أكثر، وفي هذا انحطاط الإنسانية إلى الدرك الأسفل الذي ما بعده انحطاط. 
وهكذا تعبث الحضارة الغربية بالكرامة الإنسانية، وأضافت إلى الإباحية والفجور، والاتجار بالأعراض، وإباحة الشذوذ، وتفكك الأسر وما إليه من العبث بكرامة المرأة، وجعلها عارضة أزياء وبضائع، أو عارضة جسدها من وراء الواجهات الزجاجية لطلاب الشهوة الحيوانية، أضافت إلى كل ذلك: العبث بنطفة الإنسان، ورحم المرأة وتحاول هذه الحضارة أن تجعل من التوالد الصناعي الحيواني ظاهرة عادية بين الناس !!
إلى هذا الدرك انحطت الإنسانية في حضارة الغرب، وبذلك ابتعد الإنسان في هذه الحضارة بعدا كبيرا عن التكريم الذي منحه الله إياه.
?فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور?.
صدق الله العظيم

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here