islamaumaroc

من الرسائل المرابطية: رسالتان لم تنشرا بعد

  سعيد أحمد أعراب

العدد 245 جمادى 1 1405- فبراير 1985

هناك كثير من الرسائل المرابطية، بعضها نشر، وبعضها لم ينشر بعد، ومن ذلك رسالتان:
1- إحداهما من قاضي المرية (ابن الفراء)(1) - إلى يوسف بت تاشفين.
2- والأخرى من علي بن يوسف - إلى أهل المرية في شأن قاضيهم: أبي الحسن ابن أضحى.
وتشير الرسالة الأولى إلى أن أمير المسلمين يوسف بن تاشفين - لما عزم على الجهاد بأرض الأندلس، كتب إلى قضاة الجهات بالبلاد الأندلسية والمغربية - يطالبهم بجمع معونة مالية، مساهمة في أداء واجب الجهاد، وتذكر تلك الرسائل الدورية أن أمير المسلمين استفتى فقهاء العدوتين، فأفتوه بجواز ذلك، لكن قاضي المرية أبا عبد الله محمد بن يحيى بن زكرياء المعروف بابن الفراء أبى ذلك، وأجاب بالرفض والطعن في فتوى الفقهاء - وهو من عرف بعلمه ونزاهته، استشهد في غزوة قنتدة سنة (514 - 1120)(2).

نص الرسالة الأولى:
ونص الرسالة - وقد وقفت عليها مخطوطة في «الجواهر المختارة(3) للزياتي-: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
الحمد لله الذي إليه مآبنا، وعليه حسابنا، أما (بعد): (4) ما ذكره أمير المسلمين من ابتغاء المعونة، تأخرى عنها، وقوله: قد أفتى أبو الحسن(5)، وجميع القضاة والفقهاء بالعدوة (والأندلس)(6) - باقتضائها(7)، وذكروا أن عمر بن الخطاب - ض - صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووزيره، وضجيعه في قبره، ولا يشك في عدله، - فلست - يا أمير المؤمنين - بصاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا وزيره، ولا تكون ضجيعه في قبره، وقد شك في عدلك، على أن عمر بن الخطاب - ما اقتضاها حتى دخل مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحضرة أصحابه - رضوان الله عليهم، وحلف أن ليس عنده في بيت مال المسلمين درهم ينفقه عليهم، فإن كان الفقهاء والقضاة أنزلوك منزلته في العدل، فالله حسيبهم على تقلدهم (فيك)(8).
فليدخل أمير المسلمين الجامع بحضرة أهل العلم (9)، وليحلف أن ليس عنده في بيت مال المسلمين درهم (ينفقه)(10) عليهم(11)، والله على ذلك شهيد والسلام.
وقد أورد هذه الرسالة كل من ابن خلكان في وفيات الأعيان (12)، والناصري في الاستقصا(13)، مع اختلاف يسير، وقد أشرت إلى ذلك في الهوامش.
ولم يشر واحد إلى تاريخ صدورها، وربما يدلنا سياق الحديث الذي أوردها فيه ابن خلكان على أن كتابتها كانت بعد وقعت الزلاقة - مباشرة - أي في حدود سنة (479 - 1086)(14).
ويذكر صاحب الاستقصا من نتائج هذه الرسالة أنه ما بلغ أمير المسلمين كتاب قاضي المرية هذا اقتنع بذلك، ولم يفكر - بعد- في شأن المعونة، أو على حد تعبيره: (وعظه الله بقوله، ولم يعد عليه في ذلك قولا - والأعمال بالنيات((15).
ولعل ذلك ما جعل صاحب القرطاس يقول - في معرض الإشادة بأعمال يوسف بن تاشفين - واللمتونيين بعامة، وفي جملة ذلك: الاقتصار على الموارد الشرعية من زكوات، وأعشار، وجزية أهل الذمة، وأخماس غنائم المشركين: (... لم يجر في عملهم طول أيامهم - رسم مكس، ولا معونة، ولا خراج في بادية ولا في حاضرة) (16) - عكس ما كان يجرى بعدوة الأندلس في عهد ملوك الطوائف، فعظم ثراء يوسف بن تاشفين وكثر ماله، فقد جبى من الأموال ما لم يجبه أحد قبله، فلما مات وجدوا في بيت ماله ثلاثة عشر ألف ربع من الورق (الفضة)، وخمسة آلاف وأربعين ربعا من دنانير الذهب (17)، حتى قال بعضهم إن هذه الثروة الطائلة من الذهب والفضة تقوم بعدة ملايين (18).
أما الرسالة الثانية، وقد أوردها السلفي في معجمه - السفر(19)، فهي رسالة علي بن يوسف إلى أهل المرية - وقد عزل قاضيها أبا الحسن علي بن أضحى الذي ولي بعد وفاة سلفه (ابن الفراء) - الآنف الذكر.

نص الرسالة الثانية:
ونص الرسالة - بعد البسملة -: كتابنا - زكى الله أعمالكم، وكفر عنكم سيآتكم وأصلح بالكم، من حضرة مراكش - حرسها الله - بعد أن نمي إلينا، وتقرر لدينا - أن الجهول ابن أضحى أجهل بأحكام القضاة من العلجوم (20)، إذ قد أظهر فيكم أحكاما يترحم فيها على سدوم (21)، وقد
جعلنا شهب العزلة لشياطينه كالعرجوم، وقلدناه خطة الشوم (22)، ونبذناه - دون أن تدركه نقمة من ربه - بالعراء وهو مذموم، ولعل متعسفا يتعسف، وجائرا لا ينصف (23)، يلومنا في تقديمه، ينالنا من العتب بأليمه، فقد (24) اختار رسول الله -صلى الله عليه وسلم - لوحي الله لعين (25) بني سرح، واغتر عثمان بحمران(26)، ولسنا أول من خانه القياس، ومن لم يأته من الغوير باس (27)، والله يعصمنا من الناس - إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وأورد ابن عذاري (28) نفس الرسالة في ابن ملجوم - قاضي فاس، ويحدد تاريخ صدورها بسنة (528 - 1143).
فالتاريخ يحتملهما - وقد عاشا نفس الفترة، وولى كل قضاء بلده، وعزل على يد علي بن يوسف بن تاشفين، لكن سيرتهما المثلى، وشهرتهما بالعلم والنزاهة، تجعل الرسالة لا تنطبق على أي منهما، فكتب التراجم مطبقة على التنويه بهما، والإشادة بعلمهما وفضلهما، ولنقتصر على ما يقوله في حقهما ابن عبد الملك المراكشي وهو من هو قي تحريه ونقده النزيه - يقول في ابن ملجوم - وهو أبو محمد عيسى بن يوسف الأزدي الفاسي: (... كان محدثا حافظا، راوية مكثرا، عدلا ثقة، فقيها ذاكرا للمسائل، عارفا بالنوازل، مقدما في علم الفرائض، جماعا للدواوين العتيقة...استقضي بمكناسة الزيتونة، ثم فاس، ثم صرف - وأريد على معاودة القضاء فامتنع، واستعفى فأعفي، وأقبل على نشر العلم وتدريسه، واستمر على ذلك - إلى أن توفي بفاس (543 - 1148)(29).
وقال في ابن أضحى - وهو أبو الحسن علي بن عمر بن أضحى الهمداني - (... كان فقيها متقدما في حفظ المسائل، درس الفقه مدة، أديبا شاعرا مجودا ذا ارتجال، واستقضي بالمرية - بعد أبي عبد الله بن الفراء - سنة (514 - 1120) ثم صرف وعاد إلى غرناطة فاستقر بها، وصارت إليه رئاستها وتدبير أمرها...) (30). (تـ540 - 1145)(31).
ونرجح أن يكون هذا الأخير هو المعني بالأمر - لما يلي:
1- مر بنا أن ابن ملجوم - بعد أن صرف عن القضاء أريد معاودته لها فأبى، ثم استعفى فأعفي، مما يدل على أنه عزل عن غير سخطة، فلا داعي للكتابة في شأنه.
2- إن السلفي الذي أورد الرسالة في ابن أضحى، دعم ذلك بتوثيق الذي رواها عنه، بخلاف ابن عذاري، فإنه ذكر ذلك هكذا اعتباطا.
3- يبدو أن ابن أضحى ربما كان فيه نوع صلف وزهو، فاستثقله المرابطون، ونبذوا شأنه، ويدلنا على ذلك قصته مع علي بن يوسف عندما دخل عليه في قصره بمراكش- والجمع حافل - فلم يأبه به، فجلس في مؤخرة المجلس، فحضره بيتان، فاستأذن الأمير في إنشادهما، فأذن له فقال:
  نحن الأهلة في ظلام الحندس      حيث احتالنا ثم صدر المجلس
  إن يذهب الزمان الخئون بعزنا     ظلما، فلم يذهب بعز الأنفـس
فابتسم له الأمير ابتسام سخرية، وأمر بترفيعه في المجلس، وهي أبيات لا تليق بمقام أمير المسلمين، فالشاعر لم يزد على أن مدح نفسه، وتظلم الذي سلبه عزه، والملوك ما زاحمهم أحد في سلطانهم، أو جاذبهم عزهم، إلا ذل ونزل به الهوان، فابن أضحى لم تكد تطأ قدمه أرض الأندلس حتى سبقه عزله، فأقصي عن المرية، وكتب في شأنه ما كتب، فارتحل إلى غرناطة - بلد سلفه، وموطن عزه - يحمل بين حناياه هما دفينا، وعداء خفيا للمتونيين، ولم يلبث أن كشف عن حقيقته، فقاد ثورة عنيفة ضدهم، وألب عليهم كل الجهات، لكنهم ألحقوا به هزائم منكرة، وحاول أن يستعين بابن هود، فوقع في فخ نصبه هو بنفسه، ومات شر موتة، جزاء غدره وخيانته، وكأني به - وهو يردد قوله - يخاطب نفسه:
علي قد آن أن تتـوبا        ما أقبح الشيب والعيوبا
شبت وما تبت من بعيد     
سوف ترى نادما قريبا
تركب للهو والمعاصي     - صعبا وتستسهل الذنوبا
على أننا نجد ابن خاقان في حديثه عن ابن أضحى - وكأنه يعارض رسالة علي بن يوسف هذه:
... ولي القضاء فهيب إنكاره، وانجلى من أفق الدين غيمه واعتكاره، وحييت به الرعايا، ولويت ألسن البغي والسعايا، وله سجايا برئت من الزهو، وأحكام عوفيت من الغلط والسهو، سقته العلوم زلالها، ومدت عليه ظلالها، وأرقته الجلالة هضابها، وأرشفته الأصالة رضابها، فلاح في سماء العلا بدرا، وصار في فناء السنا صدرا، عدلا في أحكامه، جزلا في نقضه وإبرامه...).
ومن هنا كان قتل ابن خاقان بمراكش ذبحا، يحيط به كثير من الشكوك، وربما كان له علاقة بالرسالة السلطانية الآنفة الذكر - والله أعلم بحقيقة الحال.


1) تحرف في الاستقصا 2/53 – بـ (ابن البراء).
2) انظر في ترجمته الصلة رقم (1261).
3) والعنوان الكامل: «الجواهر المختارة، مما وقفت عليه من النوازل بجبال غمارة» - (مخطوطة خاصة).
4) سقطت كلمة (بعد) في الأصل، والمعنى بمقتضاها، وهي ثابتة في وفيات الأعيان 6/118، وفي الاستقصا 2/53 (وبعد: فقد بلغني).
5) ولعله يعني به أبا الحسن علي بن حمدين، من كبار فقهاء قرطبة ومفتيها (تـ482 - 1079) ترجمه في الصلة رقم (900)، وفي المصدرين السابقين (أبو الوليد الباجي)، وربما كان غير مناسب، فالباجي توفي سنة (474 - 1081)، -أي قبل موقعة الزلاقة بنحو خمس سنوات، ولم يكن يوسف بن تاشفين استولى - بعد - على الأندلس حتى يخاطب قضاتها في شأن المعونة - كما لا يخفى.
6) سقطت كلمة ((والأندلس)) في الأصل والمعنى يقتضيها وهي ثابتة في المصدرين السابقين.
7) في الاستقصا: زيادة (فالقضاة والفقهاء - إلى النار دون زيانية).
8) سقطت كلمة (فيك) في الأصل.
9) في الوفيات: (هناك بحضرة أهل العلم) وفي الاسقصا: (بحضرة من هناك من أهل العلم).
10) كلمة (ينفقه) ساقطة في الأصل.
11) في الاستقصا زيادة (وحينئذ تستوجب ذلك).
12) الوفيات 6/118.
13) الاستقصا: 2/54.
14) الوفيات 6/118.
15) الاستقصا 2/54.
16) انظر روض القرطاس 2/94 - طبع الرباط.
17) انظر السعادة الأدبية 2/89.
18) انظر يوسف أشباخ 1/119.
19) مخطوط خزانة (عارف حكمت) - بالمدينة المنورة ص 121 - 122 وانظر أخبار وتراجم أندلسية لإحسان عباس ص78.
20) العلجوم: الثور المسن، أو الحمار.
21) سدوم قاض يضرب به المثل في الجور والظلم.
22) في البيان المغرب (اللوم).
23) في البيان (أو مكلفا يتكلف).
24) في البيان زيادة (ولا قدح).
25) يعني به عبد الله بن سعد بن أبي سرح، كتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ارتد مشركا، ولكنه أسلم - بعد - فحسن إسلامه. انظر الاستيعاب ص 918 - 920.
26) هو حمران بن أبان مولى عثمان وصاحب إذنه وكاتبه.
27) الغوير ماء بني كلاب ومنه قول الزباء : (عسى الغوير أبؤسا) أي يأتي بالبأس والشر.
28) البيان المغرب 4/92 - تحقيق إحسان عباس.
29) الذيل والتكملة - السفر الثامن (قسم الغرباء) 1/258 - 259، انظر ترجمته في التكملة رقم (1930) وصلة الصلة رقم (93) وجذوة الاقتباس رقم (570).
30) الذيل والتكملة - السفر الخامس ق 1 ص(270 - 271).
31) ترجمه في صلة الصلة وذكر وفاته وقال فيه: كان من أهل الورع والفضل، انظر ص 90.
32) انظر الحلة السيراء لابن الآبار 2/215 - 216.
33) المصدر السابق.
34) المصدر نفسه.
35) انظر القلائد ص 313.
36) كانت وفاته سنة (529 - 1134) ألفي قتيلا بأحد فنادق مراكش - وقد ذبح وعبث به. انظر معجم ابن الآبار ص 300، والوفيات لابن خلكان 3/194، والنفح للمقري 7/29-35، والإعلام لعباس بن إبراهيم 10/2118.
37) وأورد النفح 7/34 - 35 - رواية تذكر أن قتله كان بإشارة من السلطان علي بن يوسف بن تاشفين. 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here