islamaumaroc

جوانب من آية كريمة ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى )

  ماء العينين لارباس

العدد 245 جمادى 1 1405- فبراير 1985

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الحكيم:
?يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير?.
ولما تنطوي عليه هذه الآية كسائر كتاب الله من فوائد جمة اجتماعية وأخلاقية ودينية فسنخصص هذا المقال لتفسير البعض من جوانب الآية الكريمة، وقد قسمناه إلى خمسة أقسام هي الآتية:
القسم الأول:
حول ما يتراءى للسامع في صلب الآية من توجيهات إسلامية سامية.
القسم الثاني:
سبب نزول هذه الآية والروايات الواردة في ذلك.
القسم الثالث:
ما يستخلص من سبب نزول الآية.
والأحاديث الشريفة الواردة في تفسيرها.
القسم الرابع:
في بعض ما ورد في فضل التقوى، وذكر درجاته ومعانيه.
القسم الخامس:
استنتاج يبرز بعض ما تدعو له الآية من نشر العدالة والمساوات بين أفراد الأمة.
وما يتضمن ديننا من إيجابيات ويحمل من رحمة ولطف بعباد الله.
فبالرجوع إلى القسم الأول، وهو يدور حول ما يتراءى للسامع في صلب الآية من توجيهات إسلامية سامية: يبدو أن الآية الكريمة تشتمل على ما يدعو إليه الكتاب من روح المساوات، هذا الكتاب الذي يحث الأمة على التراحم فيما بينها. ويركز في أذهانها على أنها من أرومة واحدة.
إذ البشرية من أصل واحد. أبوهم آدم والأم حواء.
كما قال علي كرم الله وجهه:
الناس من جهة التمثيل أكفاء       أبوهم آدم والأم حواء         
نفس كنفس وأرواح مشاكلة       وأعظم خلقت فيهم وأعضاء
فإن يكن لهم من أصلهم حسب    يفاخرون به فالطين والماء
ويتميز فضل البعض على البعض بالتقوى.
فمن تمسك به في حياته فقد ظفر ومن ظهر على سلوكه ظهورا جليا فذلك له مقام السبق، وسمو الكرامة على غيره.
?إن أكرمكم عند الله أتقاكم?.
وبالرجوع إلى تفسير الآية عند المفسرين يتضح ما تحتوي عليه من أهداف سامية، ومصالح اجتماعية ومعاملات إنسانية، وما تدعونا له من عمل إن نحن طبقناه في مسيرتنا في هذا الوجود، فسنحيا حياة طيبة كلها استقامة، وتواضع ومساوات بين أفراد البشر: «لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى»:
وتحث الآية الكريمة فضائل الناس على التعارف والاتصال وإحياء الروابط الإنسانية من أجل زرع المحبة وتنميتها في النفوس وتقوية التعاون في إطار العلاقات الطيبة البناءة، التي تخلق مجتمعا فاضلا متماسكا متمسكا بدينه، لا كبر فيه ولا كبرياء ولا بغض ولا حسد ولا نميمة ولا تفاخر بأعراق وأنساب.
فضل الواحد من هذا المجتمع المسلم يتلخص في تقواه. فيتق الشر ويجانبه ويصهر نفسه في بوتقة الطاعة والامتثال لولي الأمر. إذ طاعته في طاعة الرسول، وطاعة الرسول هي طاعة الله وتقواه.
قال عليه الصلاة والسلام: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني». أخرجه الشيخان.
القسم الثاني: نتطرق فيه للروايات الواردة في سبب نزول هذه الآية، حسبما دون المفسرون.
فأما سبب نزول هذه الآية:
?يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير?.
فقد اختلف في سبب نزولها فقيل إنها نزلت في أبي هند حسبما ذكر أبو داوود في المراسيل، وإليكم القول:
حدثنا عمر بن عثمان، وكثير من عبيد قالا: حدثنا بقية بن الوليد قال: حدثنا الزهري قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم: بني بياضة أن يزوجوا أبا هند بامرأة منهم، فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: تزوج بناتنا موالينا.
فأنزل الله عز وجل: ?إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا...? الآية.
وبهذا القول قطع الزهري.
وعلى قول آخر أنها أنزلت في ثابت بن قيس بن شماس وقوله للرجل الذي لم يفسخ له: أنت ابن فلانة. قال النبي صلى الله عليه وسلم:
من الذاكر فلانة؟
قال ثابت: أنا يا رسول الله.
فقال النبي: انظر في وجوه القوم، فنظر فقال: ما رأيت؟
فقال: رأيت أبيض، وأسود، وأحمر.
فقال: فإنك لا تفضلهم إلا بالتقوى.
فنزلت في ثابت هذه الآية.
وفي رواية أن سبب نزولها: أنه في يوم فتح مكة المكرمة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فصعد على ظهر الكعبة، فأذن، وأراد أن يذل المشركين بذلك فلما أذن. قال عتاب بن أسيد:
الحمد لله الذي قبض أسيدا قبل اليوم.
وقال الحارث بن هشام: أما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذنا.
وقال سهيل بن عمر: إن يكره الله شيئا يغيره.
وقال أبو سفيان: أما أنا فلا أقول شيئا لتشهدن علي السماء، ولتخبرن عني الأرض.
فأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بما قالوا. فدعاهم وسألهم عما قالوا فأقروا، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وفي قول: إن سبب نزولها: أن عبدا أسود مرض فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قبض فتولى غسله، وتكفينه ودفنه، فأثر ذلك على الصحابة فنزلت هذه الآية.
ذكره الواحدي في أسباب النزول، هذه الروايات 
وردت عن أسباب نزول هذه الآية.
القسم الثالث: ما يستخلص من سبب نزول الآية والأحاديث الشريفة الواردة في تفسيرها ويستخلص من أسباب النزول أن القرآن يزجر الأمة على التفاخر بالأنساب وازدراء الضعفاء، وإظهار الكبر الذي جعله الإسلام من كبائر الذنوب.
ويدعو القرآن الإنسان: بأن ينظر إلى أخيه بعين التقدير والإكبار والاحترام، فعلى كل فرد مسلم أن ينقي باطنه من شائبة التسامي على الإخوان وادران الأنانية.
ففي الترمذي عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، خطب بمكة وقال: «يا أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم الجاهلية وتعاظمها بإبائها. فالناس رجلان: رجل تقي كريم على الله. وفاخر شقي هين على الله».
والناس بنو آدم وخلق الله آدم من تراب.
قال الله تعالى: ?با أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير?.
خرجه من حديث عبد الله بن جعفر والد علي بن المديني وهو ضعيف وقد خرج الطبري من كتاب آداب النفوس بقوله: وحدثني يعقوب بن إبراهيم. قال: حدثنا إسماعيل. قال: حدثنا سعيد الجريري عن أبي نضرة قال حدثني أو حدثنا من شهد خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى في وسط أيام التشريق وهو على بعير فقال: «يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأسود على أحمر ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى ألا هل بلغت، قالوا: نعم.
قال: لبلغ الشاهد الغائب».
وفيه عن مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم، فمن كان له قلب صالح تحنن الله عليه، وإما أنتم بنو آدم وأحبكم إليه أتقاكم».
وروى البخاري عن أبي هريرة، قال، سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس أكرم؟ قال«أكرمكم عند الله أتقاهم» قالوا ليس على هذا نسألك قال:«فأكرم الناس يوسف ابن نبي الله ابن نبي الله بن خليل الله» قالو: ليس عن هذا نسألك قال:«فعن معادن العرب تسألوني» قالوا نعم «فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا».
هكذا بين الرسول الكريم من خلال الأحاديث السالفة الذكر أن الفضل لا ينال بالنسب ولا بالحسب ولا بالعرق ولا بالمال، وإنما يحصل بالاستقامة والصدق في القول والعمل.
فالناس وإن جعلهم الله شعوبا وقبائل فهم من أصل واحد خلقوا من نفس واحدة، فمنشأهم من طينة آدم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم ويتفاضلون في الأعمال الصالحة.
القسم الرابع: بعض ما ورد في فضل التقوى:
لقد نوه القرآن بالمتقين، وذكر الرسول فضل التقوى وما له من مقام سام عند الله في عدة أحاديث متنوعة ألفاظا وأحكاما ووردت آثار كبيرة وسنلمح لذلك باختصار جدا.
قال الله جل جلاله في كتابه العزيز: ?إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون?.
وقال: ?إن أكرمكم عند الله أتقاكم?.
إلى غير ذلك من الآيات المنوهة بالتقوى والمتصف به وسنورد البعض منها تباعا.
وعنه عليه الصلاة والسلام يحث على التقوى لفضله:
«اتقوا الله. وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنة ربكم».
أخرجه البيهقي والترمذي عن أبي إمامة، وفي بعض الروايات، وحجوا بيت ربكم، وأدوا زكاتكم طيبة بها أنفسكم.
وعنه عليه الصلاة والسلام:«أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن أمر عليكم عبد حبشي، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعيلكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة أخرجه أبو داوود والترمذي عن العرباض.
وعنه عليه الصلاة والسلام:«يا أيها الناس اتخذوا تقوى الله تجارة ياتيكم الرزق بلا بضاعة، ولا تجارة، ثم قرأ: ?ومن يتق الله يجعل له مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب?.
أخرجه الطبراني وأبو نعيم في الحلية.
وعنه صلى الله عليه وسلم:«يا علي إن الإسلام عريان لباسه التقوى ورياشه الهدى، وزينته الحياء. وعماده الورع، وملاكه العمل الصالح، وأساس الإسلام حبي وحب أهل بيتي».
أخرجه ابن عساكر عن علي.
وللتقوى عدة معان في القرآن:
1) فتأتي بمعنى الخشية.
2) وترد بمعنى الإيمان.
3) وتتضمن معنى التوبة.
4) وتارة تأخذ معنى الطاعة.
5) وأحيانا تكون بمعنى ترك المعصية.
6) وتتناول معنى ترك المعصية.
7) وتتناول معنى الإخلاص في بعض السياق.
وهذه المعاني وجدتها في كتاب شيخنا الشيخ ماء العينين سهل المرتقى في الحث على التقوى بالطبعة الحجرية.
ففي معنى الخشية قال في أول النساء: ?يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا?.
ومثله في أول الحج.
وفي الشعراء.
?إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون?.
يعني ألا تخشون الله.
وكذلك قال هود، وصالح، ولوط، وشعيب لقومهم.
وفي العنكبوت قال إبراهيم لقومه: ?اعبدوا الله واتقوه?. يعني اخشوه.
وكذا قوله: ?واتقوا الله حق تقاته?.
وتزودوا فإن خير الزاد التقوى.
?واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا?.
وبمعنى الإيمان قوله تعالى:
?وألزمهم كلمة التقوى?. أي التوحيد.
?أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى?.
وفي الشعراء: ?قوم فرعون ألا يتقون? أي ألا يومنون.
بمعنى التوبة.
ففي قوله تعالى: ?ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا?، أي تابوا ومعنى التقوى هي الطاعة.
فقوله تعالى في النحل:
?أن انذروا أنه لا إلاه إلا أنا فاتقون?.
وفيه أيضا: ?أفغير الله تتقون?.
وفي المومنون: ?وأنا ربكم فاتقون? أي أطيعون.
وأما ترك المعصية فقوله:
?وآتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله? أي لا تعصوه.
وأما في الإخلاص:
فقوله تعالى في الحج: ?فإنها من تقوى القلوب? أي من إخلاصها.
وكذا قوله: ?وإياي فاتقون?
وهذه المعاني كلها تدعو إلى الطاعة والخشية والإخلاص وقوة الإيمان لسمو مقام التقوى عند الله.
فعن ابن عباس أنه قال: «من أحب أن يكون أكرم الناس فليتوكل على الله، ومن أحب أن يكون أقوى الناس فيتوكل على الله، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوتق مما في يده».
وقال علي كرم الله وجهه:
«التقوى ترك الإصرار على المعصية، وترك الاغترار بالطاعة».
وقال الحسن: التقوى أن لا تختار على الله سوى الله، وتعلم أن الأمور كلها بيد الله».
وقال إبراهيم بن أدهم: التقوى أن لا يجد الخلق في لسانك عيبا، ولا الملائكة في أفعالك عيبا، ولا ملك العرش في سرك عيبا».
وقال الواقدي: التقوى أن تزين سرك للحق كما زينت ظاهرك للخلق».
ويقال التقوى، أن لا يراك مولاك حيث نهاك. والتقوى معناها شرعا: الاجتناب عن مضرة الدنيا والآخرة. وللتقوى عرض عريض، يقبل الزيادة والنقصان، أدناها الاجتناب عن الشرك، وأعلاها صيانة النفس عما يوجب العقوبة من فعل أو ترك.
                                                       
وقيل هي اجتناب كل ما يبعد عن الله.
وقال عمر ابن عبد العزيز:
«التقوى ترك ما حرم الله، وأداء ما افترض، فما رزق بعد ذلك فهو خير إلى خير».
وقال أبو الدرداء رضي الله عنه:
يريد المرء أن يعطى مناه     ويابا الله أفضل إلا ما أرادا
يقول المرء فائدتي ومالي     وتقوى الله أفضل ما استفادا
وتتلخص التقوى وتنحصر في:
امتثال ما أمر الله به واجتناب ما نهى عنه ظاهرا وباطنا وإلى ذلك أشار الإمام بن عاشر رحمة الله عليه بقوله:
وحاصل التقوى اجتناب وامتثال    في ظاهر وباطن بذا تنال
فجاءت الأقسام حقا أربعة          وهي للسالك سبل المنفعة
وفي تفسير ابن جزي درجات التقوى خمس: أن لا يتقي العبد الكفر وذلك مقام الإسلام، وأن يتقي في المعاصي والمحرمات وهو مقام التوبة، وأن يتقي الشبهات وهو مقام الورع، وأن يتقي المباحات وهو مقام الزهد، وأن يتق خطور غير الله على قلبه وهو مقام المشاهدة.
وقد حضر الشيخ محمد العاقب ابن ما يأبى الشتقيطي صاحب التآليف المفيدة مجلس شيخنا الحدفي الصمارة وهو يعطي درسا حول التقوى ودرجاته وقال ناظما ما سمع:
حضرت مجلس إمام النصحا       ماء العيون بعد أن صلى الضحى
يحدث الناس بدين أحمــد            وهو يقول جالسا في المسجــد
إن التقى وهو أعز ما اكتسب       ذو عمل يأتي على خمس رتب
تقي يخلص من الخلـودي           وهو اتقاء الشرك بالمعبودي
 وما يتقي الدخول في الجحيم      هو اتقاء الزلل العظيـــم
وما ينجي من عذاب المسلم         في قبره هو اتقاء اللمــم
وما به الخير ينال في الـدنا         هو اتقاء الشبهات والخــنا
وما به تستجلب الأفـراح            هو اتقاء بعض ما يبــاح
فملت مصغيا لما حكــاه             وصافحت يديتــي يــداه
فعاده علي حتى استكمـلا            حديثه كما بــــداه أولا
وقد جاء في مدح التقوى كثير من الأثر لأهميته، ولكونه من أعظم أركان الدين وأجل مقامات السالكين.
وقد كرر الله تعالى في كتابه الكريم الوصية بالتقوى ومدح المتقين في عدة آيات من كتابه العزيز.
فمن ذلك قوله تعالى:
?يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته?.
وقوله تعالى:
?فاتقوا الله ما استطعتم?.
وقوله تعالى:
?وتزودوا فإن خير الزاد التقوى?.
وقوله: ?يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم?.
وقوله تعالى: ?ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب?.
وقوله تعالى:
? وأزلفت الجنة للمتقين?.
وقوله تعالى:
? سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين?.
وقال عليه الصلاة والسلام: «اتق الله حيث ما كنت».
وقال صلى الله عليه وسلم: « اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى».             
وقال صلوات الله عليه: «عليك بالتقى فإنها جماع كل خير».
القسم الخامس والأخير: يبرز بعض ما تدعو له الآية من نشر العدالة، والمساوات بين أفراد الأمة وما يتضمن ديننا من إيجابيات ويحمل من رحمة ولطف بعباد الله.
أقول: إن من تدبر معنى هذه الآية الكريمة: ?يا أيها الناس إنا خلقناكم...? وعاش بفكره وجميع حواسه ما كانت تعاني منه سكان الجزيرة العربية وغيرها في كثير من أقطار الدنيا في تلك الحقبة التي نزلت فيها الآية من تخلف في جميع مظاهر الحياة يجد أن الإسلام كان سباقا في نشر المثل العليا والقيم السامية، وفي إرشاد البشرية بأن تعيش في مساواة وحرية يطبعها الاحترام ويسودها التقدير المتبادل مع أن الإسلام يزل الناس منازلهم كل حسب مقامه، ودوره الذي يقوم به في الحياة وما يسديه لأمته ووطنه ولا يقبل الإسلام من المومن المتشبث بالرسالة المحمدية بأن يكون عنصريا. ولا يرضى منه التزمت على أعراف بالية، ومفاهيم خاطئة لا تقيم للإنسان وزنا.
فالرسول المشرع الهادي إلى الطريق المستقيم نراه زار عبدا مريضا كما سبق ذكره وعندما حضرته الوفاة غسله صلى الله عليه وسلم ودفنه.
في بعض الروايات.
والقصد واضح، ليبين عليه الصلاة والسلام لصحابته ما تنطوي عليه هاته الرسالة من هضم النفس وما تدعو له من تواضع، وما تنادي به من إسعاف المسلم لأخيه المسلم، وترشد له من إعانته وإظهار الضعف عليه، حيا أو ميتا.
وفي عمله هذا صلى الله عليه وسلم، هدم لتلك المخالفات الجاهلية البالية التي تمجد العرق وتحمي روح العصبية التي يمقتها الإسلام وينبذها.
ويبرز أن الفضل في الإسلام ينحصر في التقوى.
?إن أكرمكم عند الله أتقاكم?.
وقيامه صلى الله عليه وسلم، بهذا العمل فيه توجيه للأمة وتربية لها لما يتجلى فيه من نكران الذات وهضم النفس وسمو الأخلاق، ومرونة التربية الإسلامية ليوجه الأمة الوجهة الصالحة صلى الله عليه وسلم.
فهو عليه الصلاة والسلام بعث ليتمم مكارم الأخلاق، وهو صلى الله عليه وسلم، خير مثل يحتدى. وهاد يتبع.
وإن لم تفعل فما بلغت، لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ورسالته صلى الله عليه وسلم بنت أمة، وكونت حضارة، ونشرت مدنية، وشع نورها في كثير من اصقاع الدنيا شرقا وغربا. وساهمت مساهمة فعالة في نقد كثير من البشرية. مما كانت تتردى فيه من مساوئ التخلف والانحراف، ومتاهات الزيغ والضلال.
وزيادة على ما في هذا الدين من أخلاق رحمانية وما يحمل من رسالة إنسانية فهو دين لطف وسماحة ورأفة بعباد الله.
قال الله تبارك وتعالى:
?قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله?. الآية. وقال: ?ومن يعمل سوءا ويظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما?. وقال: ?إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء?. وقد وصف سبحانه نفسه بأنه: غفور – رؤوف – حليم – رحيم – لطيف – عفو – كريم ومن يغفر الذنوب إلا الله.
وفي بعض الأثر عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل عليه السلام عن الله تبارك وتعالى أنه قال:
«يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب ولا أبالي، فاستغفروني أغفر لكم».
«يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم».
«يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم».
«يا عبدي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد لم ينقص ذلك من ملكي شيئا».
«يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا في صعيد واحد يسألوني فأعطيت لكل واحد ما سأل، لم ينقص ذلك للملك شيئا، إلا كما ينقص البحر إن دخل المحيط فيه غمسة واحدة».
«يا عبادي إنما هي أعمالكم أحفظها عليكم فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه».
كان أبو إدريس إذا حدث بهذا الحديث جثى على ركبتيه.
وقال أحمد بن حنبل: «ليس عند أهل الشام حديث أشرف من هذا الحديث». وفي الأثر أيضا: «يخرج من النار يوم القيامة من قال لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال ذرة من خير».
وفي جامع الترمذي، قال النبي صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى:
«يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك. على ما كان منك ولا أبالي».
«يا ابن آدم إنك لو أتيتني بتراب الأرض ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بترابها مغفرة».
وقال صلى الله عليه وسلم:«حياتي خير لكم، وموتي خير لكم .
أما حياتي فأسن لكم السنن، وأشرع لكم الشرائع وأما موتي فإن أعمالكم تعرض علي فما رأيت منها حسنا حمدت الله عليه، وما رأيت منها سيئا استغفرت الله تعالى لكم».
فعلينا نحن معشر المسلمين نستكنه حقيقة هاته الرسالة وندرس أهدافها العالية، ومراميها السامية ونكرس الجهد لمعرفة ما تحتوي عليه من قيم مثلى، وما تتطلبه منا من سعي حثيث لزرع المحبة في النفوس، وصرف الهمم إلى العمل الخلاق والاستقامة في السلوك، والإخلاص في العمل، والطاعة لولي الأمر والتعاون على البر والتقوى، والتضامن والاتحاد والانسجام وتضافر الجهود من أجل البناء والتشييد، وبذل كل الطاقات الحية لنشر الرحمة بين أبناء المجتمع والانكباب على ما يعطي مردودية نافعة والجد في العمل، وحفظ الأمانة، والإخلاص لله ولأمير المومنين والتمسك بواجب النصح لعامة المسلمين وصفاء الود لهم، والحرص على أخذ بيد الضعيف ومراقبة النفس، وكفها عن محارم الله، والصبر عند الشدة ومعاملة الناس بالتي هي أحسن، والدعوة إلى الله بالأسلوب الشيق.
ففي الخبر (لو لم تذنبوا لخلق الله خلقا يذنبون فيغفر لهم) وقال صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لله أرحم بعبده المومن من الوالدة الشفيقة بولدها.
وقال صلى الله عليه وسلم: أحب أن يعلم أهل الكتابين، أن في ديننا سماحة.
ففي الدعوة إلى الله بالأسلوب الإيجابي خدمة للدين ودفع لكثير من الأقوال التي نعت بها أعداء الدين الإسلام فرموه بالتطرف، واتهموه بالتزمت وتقولوا فيه بالتعصب، وهو براء من ذلك كله.
فديننا دين رحمة وعدالة، ييسر ولا يعسر ويبشر ولا ينفر.
روى ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يقنت على المشركين ويلعنهم في صلاته، فنزل عليه قوله تعالى: ?ليس لك من الأمر شيء? فترك الدعاء عليهم. وهدى الله تبارك وتعالى عامة أولئك للإسلام.
فلننظر إلى لطف الله بخلقه. ووافر كرمه وعظيم آلائه، ومن أجل نعمه التي لا تحصى على عبيده أن يهديهم للإيمان ويسلك بهم سبيل المسلمين المتقين.
عباد الله
إذا نحن لم نتعارف، ونتواصل ونتذاكر، فكيف ينصح بعضنا البعض حتى يؤدي عنه واجب النصح نحو أخيه المومن.
المومن مؤتمن وتجب عليه النصيحة.
ففي تبادل الرأي وطرح الأفكار بين الإخوان بأسلوب يدعو إلى سلوك الصراط المستقيم، وخدمة الدين، والتمسك بالإخلاص للمقدسات الوطنية إنعاش للحركة الفكرية الإسلامية وبعث للسلفية النقية التي يدعو لها سيدنا في نطاق وحدة المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية.
فمن فضل الله علينا نحن أبناء المملكة المغربية بأن جعلنا متمسكين جميعا بمذهب إمام دار الهجرة، وبمعتقد أهل السنة والجماعة، ذلك المعتقد الذي يتبلور في العقيدة الأشعرية، الشيء الذي وحد نظرتنا في الدين وسلك بنا سبيل السلفية الصحيحة بفضل محافظة هذا الشعب المغربي المسلم بقيادة ملوك العرش العلوي الأماجد الجالس عليه باعث النهضة الإسلامية، ونشر روحها في إطارها الصحيح وفق الكتاب والسنة في كثير من المعمور المجدد أمر هذا الدين سيدنا وولانا أمير المومنين وحامي حمى الوطن والدين جلالة الملك الحسن الثاني أمد الله في عمره وخلد في الصالحات ذكره.
فلنبقى محافظين سالكين المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها، ونقي أنفسنا من التيارات التي تنسب نفسها للدين، وقد أحدثت فيه ما ليس منه.
 ونأخذ حذرنا من الإديولوجيات التي تحاول أن تغزو المسلمين في عقر دارهم، لتبعدهم عن السبيل السوي والصراط المستقيم، ولنكن لأولئك المشعوذين بالمرصاد داعين إلى الله بالتي هي أحسن.
إن المسلمين اليوم في أمس الحاجة للرجوع إلى دينهم والتخلق بأخلاق نبينا والتمسك بطريقه.
فالواجب يدعونا بأن لا نترك الوقت يعمل ضد مبادئنا وأصالتنا وقيمنا.
 وأنتم المسلمون الواعون أجدر من يتنبه لهذا، فناقوس الخطر دق بما يهدد الدين الصحيح من تفشي الخلاعة الانحلال في كثير من بلاد العالم.
ومن المشعوذين المتطرفين واللادنيين، فعلينا أن نواجه كل أولئك بالتي هي أحسن لنكف شبح خطرهم الذي يناهض القيم الإنسانية، ويهدر كرامتها وينال من حرمتها.
إن المزالق التي نرى عليها ويا للأسف كثيرا من هذه المجتمعات البريئة، والتي أشهر عليها المضللون سلاحا من الأفكار الفتاكة بالأخلاق والفضيلة وسلط عليها أصحاب الأهواء سهاما من سموم أفكارهم الهدامة المنحرفة جعلتها تعاني من أمراض الأخلاق وأوبئة الانحراف.
فلا مناص من مبادرة العلاج باللطف واليقظة الكاملين وحسن استعمال الدواء لاستئصال جذور الداء، ولا بد من استمرارية العمل من أجل إصلاح الأمة في جميع مجالات الحياة.
قال سيدنا أعزه الله ونصره في رسالة جلالته التي وجهها لكافة المسلمين بمناسبة مطلع القرن الهجري الخامس عشر:
(إذا أردنا تدارك ما فات والتغلب على المصائب والأزمات فعلينا أفرادا وجماعات أن نستعمل رصيدنا من الوقت أحسن استعمال في جميع الظروف والأحوال).
فمن لم يعمر الوقت بوضع لبنات جديدة في صرح الحضارة والعمران واتكل على جهود من سبقوه من بني الإنسان ولم يحاول أن يكون في تقدم مستمر بفضل طاقته الفكرية ومدخراته من الوقت، لم يلبث إلا قليلا حتى يصبح في تأخر مطرد يهوى به إلى الهاوية.
ونحن كلنا تفائل وأمل باسم، إنه بالحرص على تهذيب النفس، وحملها على أن تغير حياتها لما يسمو بها، وبالرجوع إلى تربية الناشئة تربية دينية وأخلاقية باعتبار ما قد سلف من النصائح والعمل به فإننا لا محالة سنصل إلى الهدف المنشود من تقدمنا أخلاقيا وماديا وروحيا، فالمحال لا يوجد إلا في قاموس الجبناء، كما قيل.
وليس درك ما نأمله بعزيز على أمة يقودها ولد الرسول وخليفته أمير المومنين جلالة الملك الحسن الثاني، الذي بعلمه وحصافة رأيه وغيرته على القيم الإنسانية والدين الإسلامي، وبعبقريته النادرة انتزع إعجاب العالم وإكباره على مختلف اتجاهاته وميولاته، ولاغرابة في ذلك فجلالته هو المجدد لدين الرسول الكريم في إطاره الصحيح، وعليه كل الدول الإسلامية تعقد آمالها الجسام في وحدة صفها والتئام شملها ورأب صدعها وإحلالها المكانة اللائقة بها.
فنرجو من الله أن يحقق بجلالته ما تصبو إليه الأمة الإسلامية والعربية من عزة ومناعة وكمال، ويمتع جلالته ببلوغ المأمول حتى يجد الأمة ترفل في ثوب العز والمجد والكمال، متحلية بامتثال ما جاء به الكتاب والسنة، شادة أنظار العالم إليها بما تتحلى به من الأخلاق الحميدة والفضائل الرفيعة والمكارم النبيلة، والشمائل الحميدة، وأن يهزم بجلالته جند الملحدين والطغاة الضالين والصهاينة المتجرين، ويحرر به وعلى يديه أولى القبلتين وثالث الحرمين، ويقر عينه بولي العهد المحبوب الأمير سيدي محمد وبصنوه الرشيد الأمير مولاي رشيد وكافة الأمراء والأميرات.
إنه مجيب الدعوات، وجالب الخيرات، ودافع المضرات.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here