islamaumaroc

ظاهرة الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية

  مسلك ميمون

العدد 244 جمادى 1 1405- يناير 1985

إن التحدث عن الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية، وتبيان أسباب ظهوره، في الوقت الراهن. يستوجب استحضار عدة عوامل، عملت على توطيد بنيان هذا الأدب خلال فترة زمنية مرحلية. كما يجب وبالدرجة الأولى استحضار وعي نزيه، وموضوعية علمية، خالية من كل شوائب التزمت (الشخصي أو اللغوي) بعيدة كل البعد عن التعصب، ونهج الضيق...
فمن نحن بصدده الآن، موضوع شائك تشبعت فيه الآراء، واحتدمت النقاشات... ليس في المغرب الأقصى فحسب، بل في كل أقطار المغرب العربي الكبير، وفي كل بلد عرف الاستعمار سواء منه المباشر أو غير المباشر... لهذا فإن التحدث عن الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية لا يخلو من صعوبة واشكال، ما دام له أنصار ومعارضون. كل يرى من زاويته الخاصة، دور اللغة في التعبير. لهذا نحن أمام جدل محتدم وصريح سنفتح له صدورنا مؤقتا. لنتبين رأي كل من الطائفتين : الأنصار والمعارضين. ولعله من الأجدى – قبل إشعال فتيلة النقاش – أن نعطي لمحة تاريخية مختصرة، عن المفهوم اللغوي الأجنبي في أدبنا المغربي :

- الدوافع التاريخية للغة الأجنبية في أدبنا المغربي :
لقد آخذنا إخواننا المشارقة. (بالتذبذب الثقافي) وأثبتوا ذلك في عذة مقالات : في الجرائد والمجلات والكتب... مكيلين لنا العتاب تلو العتاب ولكن – وللأسف- لم تكن قط، مآخذهم علينا نتيجة دراسة حصيفة واعية لوضعنا الثقافي والسياسي... بل كانت رجما بالغيب، ورؤية ضبابية من بعد سحيق، لاتمث للموضوعية بصلة، ولا للمنهاج التاريخي بأدنى سند أو وثيقة. ويقصد الاخوة المشارقة : بأن (بالتذبذب الثقافي) يتحدد في نقطتين، العربية التي نتهاون في اتقانها، والفرنسية التي نجيدها. دون أن يأتوا بدليل، وهذا خطأ، ولتوضيحه لابد من الرجوع إلى التاريخ، لنستقي الأسباب التي كادت أن تكون فيصلا، بيننا وبين اللغة العربية، ولكنها لم تصل إلى ذلك...  
فالتاريخ يشهد، بأن منطقة المغرب العربي الكبير بما في ذلك : المغرب والجزائر وتونس وليبيا. شهدت وبلات الاستعمار، الذي كلفها ما لا تطيقه، حين فرض عليها سياسة التجنيس في الجزائر والظهير البربري في المغرب، والتمسيح في تونس، والاستيطان في ليبيا. هذا فضلا عما جاء نتيجة ذلك من اضطهاد فكري وعقائدي.
وما دمنا قد لجأنا إلى التاريخ، فلابأس أن نستشهد بمستنداته لنتعرف أكثر عن وطأة الاستعمار، ولنفسر خطأ فكرة (بالتذبذب الثقافي) التي نتهم بها بدون معرفة مسبقة لتاريخنا اليقافي السياسي ... ولنبين سبب التواجد اللغوي الأجنبي في أدبنا ومنطوقنا...
فعن تقرير للجامعة العربية يعود تاريخه إلى 12 كانون الأول سنة 1963 جاء فيه : ( لقد حاول الاحتلال الأجنبي دوما طمس معالم اللغة العربية بكل الوسائل، وفي سائر الميادين، وخاصة في أقطار المغرب العربي، حيث عمد إلى إحلال اللغة الأجنبية محل اللغة العربية البلاد القومية، ليضمن لنفسه البقاء). ويؤكد هذا الكلام ما جاء في كتابة المرحوم علال الفاسي : (1) أن القوة الكبرى التي كانت أشد وطأة علينا من كل قوة، وأخطر أثرا من كل سلاح، هي معرفة الاستعمار بأحوالنا، على إخراجنا من كوننا الخاص، وإدماجنا في وجوده العام.
لوح لنا بالحرية عن طريق الإيمان به وبنظمه وأفكاره، وخاطبنا بالمعسول من القول، واحتكر وسائل الحياة فلم يسمح بالقليل منها إلا لمن اتبعه وتكلم لغته وانتحل فكرته، فأصبحنا نفكر بأفكاره التي أملاها علينا في المدرسة والمعهد والجامعة والسينما وفي كل مكان، ويرغب في أن نصبح على صورته.
ولكن هل أصبحنا على صورته ؟
أعتقد أن هذا السؤال يحدد جوابه، مدى تذبذبنا، أو العكس تشبثنا بعروبتنا. ودائما نعود إلى التاريخ ومستنداته.
كتب الأب بونس في كتابه : ( كنيسة إفريقيا الجديدة) (... إنه بعد أن اتصل الغزاة بالشعب الجزائري وشاهدوا تحمسه للإسلام، أسلم الكثير منهم، متأثرين بتلك الحرارة التي كانت تنبعث من قلوب المؤمنين).
وحين جاب المسؤول الاستعماري جهات المغرب، تقصيا لما وصلت إليه سياسة (التغريب) اعترف قائلا : (ظلوا من ذلك الحين – المحتلون – منهمكين في صبغة بالصبغة الأروبية، ولكن الثقافة العربية كانت عميقة الجذور فلم يسهل استئصالها). وفي تونس، وفي مدينة قرطاج سنة 1930 أقام الاستعمار الفرنسي مؤتمر (الأفغارستي) حضره (500) قسيس والغرض منه تنصير التونسيين، وجعلهم يدينون بالديانة المسيحية وذلك تبعا للمسلسل الاستعماري، إذ كان ذئاب الغزاة – في نفس الوقت – يبشرون بالظهير البربري في المغرب الأقصى.
ولكن ماذا كان من شأن مؤتمر الأفغارستي ؟
لقد لقي الفشل الذريع، رغم كل ما عبئ من أجله ومن أجل نجاحه. أن انتفاضة الشعب التونسي من أجل عروبته وعقيدته.. كانت لا تقل عن انتفاضة المغاربة، شجاعة ومقاومة..من أجل الوحدة وصيانة القيم.. وبذلك أحبطت كل المخططات الاستعمارية التي أريد بها تشويه معالم شعوب المغرب العربي. سواء من حيث العقيدة أو السياسة أو اللغة الأجنبي في بعض كتاباتنا الإبداعية، أو التقنية العلمية ... فيدركوا بأنه لم يكن حبا واختيارا.. وإنما كان أمرا مفروضا، حتمته ظروف الحجر والحماية..
وانطلاقا من كل هذا، لايمكن بحال من الأحوال أن نعتبر الكتابات المغربية، التي ظهرت في عهد الاستعمار، ثقافة تذبذب وتغريب. لأن الاهتمام الذي أولاه الناطقون بالفرنسية المغاربة للغة العدو – بعد أن أمست لغة العمل والإدارة والحوار – لم يكن قطعا، اهتماما من أجل تزكية ما يطمح إليه الاستعمار : في نشر لغته، وطمس اللغة العربية. بل كان اهتماما – جاء فيما جاء من أجله – وليد مبدأ نضالي. إذ كان على كتابنا في عهد الحماية : خاصة مناضلو الأحزاب الوطنية، والفئات الاجتماعية .. أن يأخذوا بالجانب الأكثر تأثيرا، لا في نفس المستعمر فحسب، بل في الوسط العالمي. إن شرح وضعية المغرب وهو يرزح تحت نير الاستعمار الفرنسي، كانت في حد ذاتها حتمية لابد من الأخذ بها. والتعامل معها ولو على حساب اللغة الأم التي هي العربية. فانتشرت الكتابة بالفرنسية في مختلف الأمصار لإيصال رغبة هذا الشعب، في الحرية والاستقلال..
وفعلا كان لتلك الكتابات فعل السحر، في مختلف الأوساط، خاصة الفرنسية.. والمثقفة منها على الخصوص. التي قامت بعملية احتجاج ضد حكومتها، من جراء استمرار الاستعمار اللامشروع لتراب المغرب والجزائر. وما عهدنا ببعيد بآراء سارتر الفيلسوف الفرنسي، الذي فضح عمليات التقتيل والإبادة الجماعية التي كان يقوم بها أبناء جلدته في القطر الجزائري.. فنادى بالحرية الاستقلال لشعوب شمال إفريقيا. كما فعل ذلك مالرو. فلولا تلك الكتابات المغربية الواعية..- خاصة منها ما نشر خارج الوطن – لما سمع صوت المغرب خارج الحدود.
لهذا لابد أن نسجل بارتياح الدور الفعال الذي قام به كتابنا آنذاك رغم قلتهم.
فلم يكن عملهم تذبذبا أو تهربا من الواقع ومن اللغة بل بالعكس من ذلك، كان عملا نضاليا لخدمة القضية التحررية الوطنية، بالطرق المجدية النافعة.
ولا يضير الناطقين بالفرنسية المغاربة شيء.. فيما قدموه من أعمال بغير لغتهم. في وقت عصيب كوقت الحماية والاستعمار. لذا ذنبهم الوحيد – إن صح التعبير – يتحدد في كونهم عبروا عن آحزانهم وآمالهم بلسان عدوهم. وهذا لعمري لا يعتبر ذنبا قطعا حتى يستحق ذلك اللوم والعتاب الذي وصلنا من خلال كتابات بعض الإخوة المشارقة.. لماذا ؟؟
السبب بسيط للغاية. فنتاج الأدباء المغاربة الناطقين بالفرنسية، أتى بخير الثمرات .. فحقق في ظرف زمني وجيز، ما يحققه كل عمل نضالي فعال.
وبالعتاب، ألا يحق أن نؤاخذ بدورنا كتاب الشرق العربي، بما في ذلك ومن باب رد العتاب. دور النشر التي لا تزال تصدر مجلات وصحف إنجليزية وفرنسية، يتداول تحريرها كبار الأدباء.. كما يمكننا بالضرورة أن نؤاخذ الدكتور المرحوم طه حسين، في كل ما كتبه بالفرنسية.. وكذلك أصحاب الفضيلة شيوخ الأزهر الشريف، الذين حرروا رسائلهم للدكتوراه بلغات أجنبية.
فضلا عن كتاب آخرين من أمثال : علي عبد الرزاق، ومحمود عزمي...
غير أننا لا نؤاخذ أحدا. علما منا، بأن الظروف أحكام، وأحكام قاسية. فإن كان الاستعمار الإنجليزي قد حتم على كتاب الشرق، أو بعضهم، بالتعامل بلغته، فنحن كذلك قد مررنا بنفس الطريق مع الاستعمار الفرنسي. فهل سيكف من يتهم الناطقين بالفرنسية المغاربة بالتذبذب الثقافي والتغريب ؟ شخصيا لا أعتقد ذلك، ما دام الأمر لا زال كما هو.. على نفس الهيأة والنسق. أقصد بأنه لا زال عندنا كتاب يكتبون باللغة الفرنسية، ويتقنونها إتقانا أثار انتباه الفرنسيين أنفسهم. نذكر منهم : أحمد الصفريوي، إدريس الشرايبي، كمال الزبدي، محمد خير الدين، محمد الوكيرة، الطاهر بن جلون، التهامي الحاج الصفريوي، عبد اللطيف اللعبي، عبد الكبير الخطيبي، عبد الله بونفور، محمد العلوي البلغيتي، بنسالم حميش، التومي كمال، أحمد البوعناني... هذا فضلا عن باقي الشباب الذين يداومون النشر في الصحف الفرنسية المغربية... لهذا لا أظن أن هناك أحد في الشرق العربي، ولا حتى في المغرب، يستطيع – بعد كل ما ذكرنا – أن ينعث أحدا من الناطقين بالفرنسية، في عهد الحماية بأية تهمة، ولكنني أعتقد أن السؤال المطروح الآن بكل إلحاح سواء في المشرق أو في المغرب هو :
ما هي ضرورة وجود كتاب باللغة الفرنسية – الآن- في عهد الاستقلال والحرية ... ؟؟
                                                            * * *
   ما هي ضرورة وجود كتاب باللغة الفرنسية الآن ؟
ذاك هو السؤال الذي أصبح يفرض نفسه. خاصة بعد أن حددنا للناطقين بالفرنسية دورهم، ذلك الدور الذي أنبط بهم في الماضي، إننا نعيش الحرية ونمارس الاستقلال على حد تعبير المرحوم عبد المجيد بن جلون، بعيدين كل بعد عن ارهاصات الفكر الاستعماري، وضغوطه وأحكامه الجائرة... فكيف نسوغ وجود أدباء باللغة الفرنسية، كتبوا ولا زالو يكتبون ويؤلفون... أعتقد أن الجواب يبقى من واجب الناطقين باللغة الفرنسية المغاربة أنفسهم.
فهذا الدكتور محمد عزيز لحبابي يقول : (... اليوم وبعد الاستقلال، اليوم الحاجات إلى لغة – أو لغات- أجنبية قد تغيرت، ولكنها ازدادت إلحاحا، فلكي نحارب التخلف لابد من الانفتاح على العالم، واللغات الحية مفاتيح لذلك، فمن العبث أن نضحي بما اكتسبناه بعناء، فاللغة الفرنسية أداة للصناعة وللثقافة، فلم تضرنا في شيء، وبودي لو أتقن كل العرب أكثر من لغة أجنبية.
فالألاف من الطلبة العرب يحررون رسائل جامعية بالإنجليزية، والألمانية، والروسية، والفرنسية، في الطب والعلوم الطبيعية، وفي مناهج البحث والمنطق، وكذلك حول اللغة العربية وآدابها، وعن تاريخ الفكر العربي والإسلامي بمناهج جديدة متقنة. أيحق لهذه الحصيلة من الأبحاث أن تنشر وتلتحم بالثقافة العربية أن نرفضها ؟)
وبعد أن يصل الدكتور لحبابي إلى هذا التساؤل الذي هو بمثابة بيت القصيد يستطرد موضحا فكرة لا تقل أهمية... وذلك قوله : ( حقا، لابد من الإشارة إلى أن الكاتب المغربي الذي لا يحسن التعبير إلا الفرنسية ناقص في ثقافته ومدعو لأن ينكب بكل قواه على تعلم لغة الأم ولغة القوم).
وفي معرض دفاعه عن الناطقين بالفرنسية بحكم انتمائه إليهم. فهو يصرح : (وتجدر الإشارة إلى أن المغاربة الذين يكتبون بالفرنسية، لا يمثلون جماعة منعزلة عن الشعب، إنهم يخدمون كمدرسين وصحفيين ومنهدسين... ومن جهة أخرى لا يكونون مدرسة خاصة، إنهم يعبرون عن كل ما يعبر عنه زملاءهم بالعربية بل منهم من يكتب باللغتين، ويترجم من لغة إلى لغة أخرى، فهم عناصر حية، وليسوا عناصر طفيلية) وفي النهاية يخلص الأستاذ لحبابي إلى نتيجة، هي خلاصة لما سبق أن ذكره مفادها : ( على كل حال، إن مساهمة الانتاج بالفرنسية، في نمو الثقافة المغربية لا يجحد بالرغم من حملات القمع الثقافي، التي تشن بين الفينة والأخرى، ضد بعضهم) (2).
ويقول الشاعر الناطق بالفرنسية المغربي، التهامي الحاج الصفروي في مقدمة ديوانه (3) الأول : (أحب لغتي الأم، ولكن حب اللغة العربية سوف لن يمنعني من استخدام اللغة الفرنسية، وإلا ستصبح خطيئة من جهتي. لأنني تزوجت بهذه السيدة منذ ثلاثين سنة، ولقد أفادتني أكثر مما أضري بي، لهذا فالطلاق أو الابتعاد من جهتي فهو خطيئة لا تغتفر، إذما هو دور طائرة ميراج يقودها طيار مغربي أو جزائري أو مصري ؟)
وفي دردشة صحافية أجراها الصحافي : عبد الجبار السحيمي. مع الشاعر : محمد بيدي جاء ما يلي : (كنت تكتب القصة بالعربية، وأنت الآن تشرف على إصدار ديوان شعر باللغة الفرنسية، يحدث هذا في الوقت الذي يؤكد خلاله كثير من الكتاب المغاربة الناطقين بالفرنسية أنهم يعتبرون أن هذه المرحلة أصبحت قابلة للتجاوز، وأنهم يفكرون حديا في الكتابة بالعربية، فهل هو تحول ؟ هل هي قناعة أن لغة الشعر فرنسية ولغة النشر عربية ؟ هل هو تحول من شكل أدبي إلى شكل آخر اقتضى تحولا آخر في اللغة ؟ أم جاءت اللغة الفرنسية الآن هربا من سجن الأمطار الذي يفترض أنه يحاصر كل كتابة شعرية باللغة العربية ؟)
فأجاب محمد بيدي بالتالي : (لغة الكتابة لا تشكل في نظري حاجزا قويا، باعتبار أن اللغة أداة وليست غاية في حد ذاتها في مجال الإبداع، صحيح أنها ليست أداة بريئة، ولكن ذلك لا يكفي لتضخيم المشكلة، وتقسيم الكتاب إلى فريقين. فما دامت النظرة الاجتماعية والثقافية التي يعيشها الفريقان هي نفس الظروف الاجتماعية والثقافية. يبقى الفكر الذي يوازيها فكرا واحدا رغم الاختلافات الشكلية بينهما هذا بالإضافة إلى أن جمهورامغربيا وعربيا وإفريقيا له وزنه لا يمكن الوصول إليه إلا عن طريق لغة أجنبية – على الأقل في الوقت الراهن – ثم لابد من الاعتراف من أن جيلنا وقد نهل قليلا أو كثيرا مباشرة أو غير مباشرة من معين الفكر الغربي، وإذا كانت الثقافة أخذا وعطاء، فقد آن الوقت لكي نرد له بعض ما أخذناه" (4).
أما الأديب المغربي الناطق بالفرنسية : الطاهر بن جلون فقد كان جد صريح حين قال : (كنا جماعة تتقيأ هذه اللغة بوضعها داخل تضاربها النحوي، وإصباغ لون المعاني العربية عليها، كان ذلك لعبة، ولقد انتهيت منها الآن، ووضعت بعد ذلك مشكلة أخرى وهي اختيار لغة الكتابة بالفرنسية، اللغة التي أملكها، أو العربية التي لا أملكها. وعملت على اتقان العربية، وأستطيع الآن الكتابة باللغتين، واستمر في الكتابة بالفرنسية).
ونتهي أراء الناطقين بالفرنسية بالسؤالين الهامين اللذين وجهتهما مجلة (نوفيل ليتيرير) الباريسية للدكتور عبد الكبير الخطيبي بمناسبة صدور روايته (سفر الدم) بالفرنسية.

- لماذا اخترت اللغة الفرنسية ؟
- باعتباري مغربيا، فإن اللغة الفرنسية فرضت علي في بداية الأمر. وفي مرحلة ثانية، تلك التي تطابق مرحلة تصفية الاستعمار وحرب الجزائر. فإن هذه اللغة لم يتم التمرس بها، ذلك أن الكتاب المغاربة كانت لديهم أزمة ضمير، إزاء التعبير باللغة الفرنسية، أما اليوم فإني أتحمل هذه اللغة وأحبها باعتبارها كذلك. إلا أنني أضع نفسي في إطار الأدب الفرنسي...
- كيف تؤطر نفسك ضمن حركة الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية؟
هنا كذلك .. أجدني على هامش هذه الحركة. إنني أحاول تجاوزها نهائيا، مثلما أحاول تجاوز الإطار الوطني الصرف، إن هذا الأدب حديث العهد زمنيا. فليس له تقليد ما، وباستثناء بعض النصوص الجيدة، فإنه يبقى أدبا جد مدرسي ومناسبي. باختصار أنه أدب لا يمثل لدي أية قيمة لغوية. أما تجربتي فقد سلكت دروبا مغايرة، لقد بدأت بكتابة قصائد باللغة العربية وعمري 13 أو 14 وسنة وحين بلغت 15 أو 16 سنة كتبت باللغة الفرنسية، ومنذ ذلك لم أتوقف عن الكتابة بها، حتى وإن تخللت ذلك فترات لم أكتب فيها إلا الدراسات (السوسيولوجية) (5).
فبعد هذه الآراء والتصريحات لبعض أنصار الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية. فما هو يا ترى رأي المعارضين ؟ وما هي وجهة نظرهم ؟
                                                  * * * 
- أراء معارضي الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية.
ان المعارضين للأدب المكتوب بالفرنسية المغربي. يشكلون الأغلبية. وهم في اعتراضهم يطرحون عدة أراء تتنافى وأراء زملائهم. وهذه جملة منها تبين المسار الأوحد الذي يسلكه المعارضون في اعتراضهم :
ففي إحدى مقالات الدكتور إبراهيم السولامي تقرأ التالي : (6) (ما يزال بعض الكتاب المغاربة يكتبون بالفرنسية شعرا أو نثرا. فما قيمة هذا الإنتاج ؟ وإلى أي حد يساهم في نمو الثقافة المغربية ؟
ما ينشئه بعض الكتاب المغاربة بالفرنسية قسمان : أحدهما أدبي، وثانيهما غير أدبي. فأما القسم الأدبي فقليل نسبيا وتأثيره في الثقافة المغربية باهت ويكاد أن يكون بلا تأثير، فالقصص والروايات والأشعار التي أصدرها أحمد الصفروي، وإدريس الشرايبي، وكمال الزبدي، ومحمد خير الدين، ومحمد الوكيرة، والطاهر بن جلون... ذات قيمة محدودة، فقد تعجبنا دون مثيلاتها في اللغة التي كتبت بها، وبما أنها لم تعرب، فإن ذيوعها محصور في نطاق بسيط وخلاصة رأيي في هذا الإنتاج أنه إبداع أدبي لا مستقبل له.      
فإذا كان رأي إبراهيم السولامي يتحدد في هذا الإطار الصريح، فإن رأي ليلى السائح كان أجرا... إذ جعلت من كل كتاب الفرنسية المغاربة شيئا واحدا، نعتته بالوعي الشقي (7) وتقول مستشهدة بمقولة الدوق (د.وروفيفو) سنة 1938 خلال احتلال الجزائر : (انني أرى أن نشر اللغة الفرنسية، هو أكثر الوسائل فعالية للسير قدما بسيطرتنا على هذا البلد). ومن هذه المقولة تستنتج ليلى السائح : (بأن هذا هو الوجه السياسي لمشكلة اللغة الأكثر بروزا، دائما ومن هنا – حسب رأيها – يركز الكتاب المغاربة على ضرورة وعي أن اللغة ليست وسيلة فقط وإنما هي مسكن للوجود على حد تعبير هيدجر.
أما الشاعر، محمد الوكيرة يبدو أكثر صراحة في مدى تشاؤمه من مستقبل وجدوى أدب الناطقين بالفرنسية المغاربة: (بالنسبة للأدب المكتوب بالفرنسية فهو لا يستجيب للقضايا الحرجة سوى بطرق ملتوية. فقط غياب مواجهة واقعنا، ويقوم هذا الأدب بلغة متباعدة ورمزية. وهذا لا يقدم في الواقع أي جديد ويصبح هامشيا أكثر فأكثر) ويشاطر هذا الرأي رشيد بوجدرة الذي يرى : (بأن استغلال الفرنسية في المغرب العربي، سيظل دائما عملية سامة – ويتساءل – لماذا اللجوء إلى نمط ثقافي آخر لتغير مجتمعنا ؟ لماذا نعمل هنا على تطوير أدب مكتوب بالفرنسية ؟ وهل حدث أبدا أن سعي ما إلى البحث عن جذوره في لغة أخرى غير لغته ؟).
وأخيرا نضيف رأي الأديب عبد الكريم غلاب (8) الذي لا يبتعد كثيرا عن الآراء السابقة : (- أعتقد أن العرب الذين يكتبون بالفرنسية، قد يرضون الفن وقد ينقلون صورا من مجتمعهم إلى قراء غير عرب. ولكن مشاركتهم في النضال عن طريق الفن محدودة، لأن قرائهم العرب محدودون جدا. وأدهب بعيدا فأقول، أن هؤلاء يتلمسون – وهم يكتبون بالفرنسية – الفكر الفرنسي، والمجتمع الفرنسي، أكثر مما يتمثلون بمجتمعهم العربي. لأن اللغة أثرا في الفن، كما أن لها أثرا في الفكر... وانطلاقا من رأيي من أن الشكل قد يخفي المضمون، فإن الكتابة بالفرنسية قد تحد من مضمون العرب الذين يكتبون بها ولا يكون لهم التأثير الكافي في إثارة المجتمع).
الآن وقد تبينت لنا وجوه الخلاف بين الرأيين المتناقضين، يبقى من اللازم تحديد رأي في القضية. هل نرفض الأدب المكتوب بالفرنسية، ونلغيه .. أم نقبله ؟؟
إن رفض يصبح أمرا خطيرا، فيه اجحاف وظلم .. لأنه تنكر لمشاعر، وأراء، مغربية.. تمث بصلة وطيدة لقيمنا الروحية العربية والإنسانية.. فكيف نرفضه ؟؟
إذن هل نقبله ؟ أجل نقبله، مادام منا وإلينا. ولكن قد يكون من الأحسن ومن الأجدى، أن نقبله عربيا. لذا نطالب أصحابه بتعريبه، حتى يظهر أصيلا في مضمونه وشكله.. فالناطقون بالفرنسية المغاربة هم أصدق الناس في تعريب نتاجهم، وأدرى الناس بأفكارهم، ومستندات فنهم.
وعن كتابتهم المستقبلية الجديدة، نرجو أن نقرأها، فنقرأها عربية اولا. ولن يقلقنا أن نجدها بعد ذلك تظهر بلغات أخرى بقلم المؤلف أو غيره، ففي ذلك نشر لثقافتنا، في أوساط غير عربية، وفي ذلك أمانة وصدق في الترجمة.

-------------------------------------
1) الفكر والثقافة المعاصرة في شمال إفريقيا، صفحة 157 – الدار القومية للنشر والطباعة – القاهرة -1965(2) مجلة الدوحة – السنة الثانية – العدد 20/1977.
3) ديوان ؟ الحمامة والصقر.
4) مجلة الأقلام العدد 10 السنة 11.
5) نوفيل ليتيرير، الباريسية، عدد 23/31 ماي 1979.
6) مجلة الدوحة – العدد 19، السنة 1977
7) مجلة الأقلام العدد 10 السنة 11.
8) العلم الثقافي العدد 464 السنة الثامنة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here