islamaumaroc

أفكار ومواقف...[لزكي نجيب محمود] كتاب قرأته ومؤلف أحببته

  عبد اللطيف مختار

العدد 244 جمادى 1 1405- يناير 1985

عرفته في الستنيات عن طريق مجلة " الفكر المعاصر"، فواظبت على قراءته، ومن خلال هذه المواظبة عرفته قلما رائدا... وعقلا مستنيرا، وفكرا متقدا...
و في الستنيات أيضا، وبعد حرب يونيو 1967 بقليل قرأت كتابه " تجديد الفكر العربي" هذا الكتاب الذي أنار الطريق بعد ليل الهزيمة الحالك ... فأحببته كمفكر ... وفيلسوف ... وكاتب من الكتاب الرواد...
بعد هذا الكتاب بدأت أبحث عن بقية الكتب لنفس المؤلف وهكذا قرأت " قصة نفس" و"قصة عقل" و "مجتمع" جديد أو الكارثة" و "هموم المثقفين" و "ثقافتنا في مواجهة العصر"... و "المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري" وهو تكملة لكتابه " تجديد الفكر العربي" وكل هذه الكتب وغيرها هي للدكتور زكي نجيب محمود... رئيس تحرير مجلة " الفكر المعاصر" الذي بدأت معه قارئا وأنا الآن من خلال كتبه التي أقرأها تباعا عاشقا ومحبا...
بين يدي الآن كتاب صدر في السنة الماضية للدكتور زكي نجيب محمود بعنوان " أفكار ومواقف" وهو من الكتب الهامة التي تسلط الأضواء وبروح أدبية شفافة على "أفكار" و "مواقف" الدكتور زكي نجيب محمود...
وإذا كان كتابه " قصة نفس" يحكي السيرة الذاتية، فإن كتابه " قصة عقل" يحكي سيرته العلمية والعملية، وإذا كانت قراءة هذين الكتابين تسلط الأضواء على حياة المؤلف في رحلة ثقافية ممتعة، ونقرأ جهاده وصبره في نيل العلم... والتفكير بالعلم، وهو الشعار الذي رفعه الدكتور زكي نجيب محمود إلى حد الآن...
ولكن يبقى أن نعرف بعض "أفكار ومواقف" الدكتور زكي نجيب محمود حتى نحبه أكثر ... ونقدره أكثر...
• قسم المؤلف كتابه إلى خمسة فصول:
1- سيره عقلية.
2- من تحولات العصر
3- في سبيل يقظة عربية.
4- من وحي الحياة الجارية.
5- لقطات على الطريق...
في الفصل الأول من الكتاب يروي الدكتور زكي نجيب محمود سيرته العقلية التي انطلقت في العشرينات وبدأت بمصادفة وهي الاستمتاع إلى أستاذ في الأدب الإنجليزي يشرح قصيدة لوردزورث بعنوان " النرجس الأصفر" جاء في أول شطر منها " جلت وحدي كما تجول السحابة".
ويقول الدكتور زكي نجيب محمود إن الأستاذ أخذ يحلل هذا السطر وحده في درس كامل مما "جعلني أستمتع إليه وأنا ذاهل لما يمكن أن يتكشف عنه بيت واحد من الشعر إذا وجد الناقد الدارس الذي يفجر الألفاظ تفجيرا ليخرج مكنونها الدفين، ولو قلت الآن – والكلام لزكي نجيب محمود – إن تلك المحاضر عندي بذرة تحول في قراءة الشعر كله وقراءة الأدب كله لما بعدت عن الصواب".
من هنا كانت البداية...
وبعد ذلك توالت أحداث الرحلة الأدبية والثقافية والعلمية...
• وهكذا كانت عشرينات القرن هي السنوات التي أشعلت الجذوة في صدره نحو التحصيل العلمي، وهنا وقع التعارف عن طريق الكتب مع أحمد حسن الزيات في " آلام جرتر" و "رفائيل"، ومع المنفلوطي في "نظراته" و "عبراته" ومع العقاد في "مطالعاته" و "مراجعاته" ومع سلامة موسى في " حرية الفكر" و "التطور".
في النصف الثاني من العشرينات وقع التعارف مع الدكتور طه حسين الذي يقول عنه زكي محمود: "إن كتبه لم يكتبه لمجرد الرغبة في الكتابة، وإنما كان يكتب ليغير وجه الحياة الثقافية في الأمة العربية، ومن ثم جاءت خطورته".
في الثلاثينات اختلفت حياة زكي نجيب محمود الثقافية ... فبعد أن كانت في العشرينات هي القراءة وكفى، أصبحت في الثلاثينات القراءة والكتابة معا ! وكانت مجلة "الرسالة" هو الباب الأول الذي شارك فيه زكي محمود بفصول في أعلام الفلسفة الغربية...
ولم تنته ثلاثينات القرن حتى حدثت في حياة الدكتور محمود أربعة أحداث:
1- ظهور مجلة " الثقافية"للأستاذ أحمد أمين...
2- مشروع ترجمة عيون الأدب الغربي...
3- الدخول في مسابقة أدبية بكتاب عن المدن الفاضلة كما تصورها الفلاسفة والمفكرون في العصور المختلفة.
4- كتابة " قصة الأدب في العالم".
وانتهت الثلاثينات، وجاءت الأربعينات حيث ذهب الدكتور محمود إلى انجلترا للحصول على الدكتوراه في الفلسفة بموضوع عن "الجبر الذاتي" وهو موضوع يتناول حرية الإنسان في تقريره مصيره بغض النظر عن العوامل الخارجية المحيطة به.
كانت الخمسينيات في حياة  زكي نجيب محمود الثقافية، معركة متصلة حامية اللهب دافع فيها عن ضرورة التزام الإنسان في حياته العلمية بمنطق العقل، في صرامة لا تجد فيها العاطفة تغرة لها، تتسلل منها، فتضعف ذلك المنطق العقلي بميولها وأهوائها، وفي هذا الصدد يقول الدكتور زكي نجيب محمود: "إذا كنا لا نطالب الفنان أو الأديب بالتزام المنطق العلمي في إبداعه الأدبي أو الفني، فكذلك لا ينبغي لنا أن نطالب البحث العلمي بأن يقحم شيئا من وجدانه في مجاله العقلي".
وكان مسك ختام الخمسينات كتاب أسماه الدكتور محمود " نحو فلسفة علمية" فاز بجائزة الدولة في مصر- فور صدوره.
وجاءت الستينات لتشهد معركة فكرية، وذلك عندما أعلن الدكتور زكي نجيب محمود رأيه في كتيب صغير بعنوان " الشرق الفنان" أراد به القول أن تراث الإنسانية الثقافي كما تشهد عليه أمهات الأسفار الدينية والفلسفية والعلمية ينهض دليلا على أن ثمة طرفين وبينهما وسط يلتقيان فيه، فطرف منهما على يمين العالم، هو بلاد الشرق الأقصى كالهند والصين مثلا طابعه الأصيل العميق هو النظر إلى الوجود الخارجي ببصيرة تنفذ خلال الظواهر البادية للحواس، إلى حيث الجوهر الكامن وراءها، والظروف الآخر نراه في الغرب، وطابعه الأصيل العميق هو النظر إلى الوجود الخارجي بعقل منطقي تحليلي...
وهكذا وكما قال الدكتور زكي نجيب محمود في " الشرق الفنان" " إن النظرة الصوفية والنظرة العلمية اللتان قال عنهما رديارد كيلنج إنهما لن يلتقيا قد تلاقيا بالفعل في أمة جعلها الله أمة وسطا هي الأمة العربية"...
وعرفت الستينات – وكما قلت في أول هذا الحديث – مجلة الفكر المعاصر، وكان أول من أشرف على تحريرها الدكتور زكي نجيب محمود، والمجلة كانت معرضا للأفكار المؤثرة في عصرنا بغض النظر عن مصادرها وألوانها بالإضافة إلى إلقاء الأضواء على طائفة كبيرة من المفهومات العقلية التي شاعت في المجتمع خلال ذلك الوقت: وهنا لا بأس من وقفة وكلها حسرة على الماضي، الماضي الذي كانت تصدر فيه مجلة "الفكر المعاصر" وغيرها من المجلات الثقافية التي كانت تغذي عقولنا بالمفيد من الكلام والقول...
• والآن .... وقد عرفنا الرجل من خلال مسيرته الثقافية والعلمية –ومن أراد الزيادة في التفاصيل فليقرأ " قصة عقل" – كيف يفكر الدكتور زكي نجيب محمود ؟.
وهكذا وفي نفس الكتاب الذي نحن بصدد مراجعته ستطلع على بعض "أفكار ومواقف" الدكتور زكي نجيب محمود...
مثلا كيف يرى أستاذنا الثقافة ؟
" ليست الثقافة الصحيحة هي التحصيل الأكاديمي للعلم، مهما بلغ مداه، بل لابد أن يضاف إلى ذلك التحصيل عملية هاضمة، تبلور المقروء في قيم جديدة تنشر في الناس، أنه لا يكفي أن يلم المثقف بعناصر الحياة من حوله، إلماما باردا لا حياة فيه، بل لابد له إلى جانب ذلك أن ينفذ برؤيته الجديدة إلى حيث تكمن المعوقات في حياة الناس، فيخرجها لهم ويلقي عليها الأضواء ليراها كل ذي بصر، وذلك هو الإلتزام بالحق، يرونه ثم يعلنونه".
ويتساءل الدكتور زكي نجيب محمود في واحد من مقالاته: ما هي العناصر الأساسية التي يقوم عليها عصرنا لنكون على بينة منها ؟ ويردف صاحب "أفكار ومواقف" هذا السؤال بسؤال آخر/ أيصلح ميراثنا الفكري لعصرنا الحاضر أم لا يصلح ؟
ويجيب الدكتور زكي نجيب محمود:
" وإذا ما تكاملت لدي جوانب من الحياة المعاصرة، تكفي للمقارنة وللحكم، رأيت المشكلة الأساسية وقد تبلورت أمامي حيث ما زالت قائمة إلى يومنا هذا، تتحدانا جميعا بالبحث والتفكير من أجل جواب مقنع مفيد وهي، كيف نمزج مزجا طبيعيا حيا بين ذاتنا القومية ذات العناصر الموروثة وبين الأركان الأساسية من حضارة العصر ؟"
• وبعد:
عندما تقرأ الدكتور زكي نجيب محمود مرة، فستعود إلى قراءته مرات ومرات، فهذا الكاتب يخاطبك أولا وثانيا وأخيرا بالعقل في أسلوب يمتعك قبل أن يفيدك.
فالعقل والمتعة والفائدة أشياء قلما تجتمع في كاتب من الكتاب...
فاعذروني إذا قلت لكم في صدر هذا المقال إن هذا الكاتب قد أحببته !

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here