islamaumaroc

حصن الإسلام في الجناح الغربي.

  علي العلوي

العدد 244 جمادى 1 1405- يناير 1985

منذ أن ارتفعت كلمة الآذان – الله أكبر- في الجناح الغربي على هذه الأرض الطيبة في الجبال والسهول، قبل أن تشيد المساجد وتنصب المنائر والصوامع، إنطلقت كلمة التوحيد في قضاء هذا الكون مرددة في كل الأركان، وغامرة في كل الآذان، فتنادت بها الألسنة في كل مكان، وامتلأت بها القلوب، واستشفها الأرواح، فتبدلت الأرض غير الأرض والسماوات، وولت الخلائق وجهها وجهة المشرق نحو البيت الحرام، ونبذت ما أشربته من معتقدات، وما تلقته من تعاليم، كلها أراجيف، أو ما كانت تنقله من خرافات عن الآباء والأجداد، فانسلخت عن ذلك كله، مدركة لأول مرة وجودها الحقيقي في الحياة، ومهمتها السامية في هذه الديار، لتحولها إلى حصن حصين، ودرع مكين، وسد منيع للإسلام، وتفرغ في روعها قبس الجلاد والبلاء، ونفس التضحية والاستشهاد، وروح الخلود والبقاء. وهكذا أصبح المغرب القوة الصامدة على العتبة الغربية للإسلام دون منازع أمام الهجمات الشرسة لأعداء الدين، فلن يستهين أمامها ولن يستكين، بل كال لها الصاع بالصاعين، ومرج البحرين متوسطة وأطلسه بالفلك المشحون، رحلة مظفرة في سبيل الجهاد، وإعلاء كلمة الإسلام، بل رست الأقدام والقوائم على الأراضي الأوروبية، برهانا على صدق وقداسة الرسالة الإسلامية، وأهدافها المثالية، ومراميها في تحرير البشرية من عبودية المادة، وشراسة العنصرية، والتنكر لإخاء الإنسانية.?يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا?.
ولكن هذا البناء الشامخ على أراضي المغرب الأقصى، وهذه الطاقات المتكاملة روحيا وماديا، أرهبت أعداد الإسلام، فوجفت منهم الصدور، واصطكت الركب، وداخلهم الرعب والرهب، من قيام هذه المعلمة الإسلامية حذو الديار، وفي العدوة الجنوبية على مد لا يغيب عن الأبصار.
إن المغرب الأقصى وما والاه شرقا وجنوبا كان قبل الدعوة الإسلامية نهبا مقسما لدول أوروبا، سدنة النصرانية وحماتها، وموردا ثرائهم، وسوقا رائجة لتجارتهم، ومغنما سائغا لمكاسبهم، ومرتعا فسيحا للوهم وأهوائهم، وذيلا تابعا لأمرهم ونهيهم، سائرا على نهجهم وسياستهم وملتهم، وفوق ذلك كان الحدود الأولي لصد الغارات عليهم، واجتثاثها في المهد قبل نضوجها والانقضاض عليهم، لقد أشار ابن خلدون إلى واقع الأراضي المغربية قبل الإسلام بما يلي: " لقد كانت الروم والأفرنجة والقوط بالعدوة الشمالية من هذا البحر الرومي – البحر المتوسط – وكان أكثر حروبهم ومتاجرهم في السفن فكانوا مهرة في ركوبه، والحرب في أساطيله، ولما أسيق منهم إلى ملك العدوة الجنوبية، مثل الروم إلى إفريقية، والقوط إلى المغرب أجازوا إليها بالأساطيل، وملكوها، وتغلبوا على البربر وانتزعوا من أيديهم أمرها، وكان لهم بها المدن الحافلة مثل قرطاجة وسبيطلة، وجلولاء، ومرنان، وشرشال، وطنجة".
ويقول صاحب الاستقصاء: " إن ملوك الروم الأولى كانوا مستولين على أرض المغرب بأسرها قد ملكوها مدة طويلة من الزمن قبل ميلاد المسيح عليه السلام بكثير، وأن الأمصار القديمة بالمغرب مثل سبتة، وطنجة وسلا، وشالة، ووليلي، ونحوها من بنائهم أو بناء القرطاجيين قبلهم، ولقد قال لي بعض أهل الخبرة منهم إن مدينة سلا كانت موجودة في ذلك العصر وأنه رآها مذكورة بهذا الإسم في تواريخ الروم القديمة المذكورة فيها أخبار المغرب وأمصاره.
وإذا تتبعنا النقول التاريخية فإنا نجد المغرب قبل الإسلام كان أرض ملك اليمين لأوربا المستعمرة، وترابا ضاريا في أشنع نهب، وأقذر إبتزاز. فاقدا بهاء العزة والكرامة، ومسلوبا من الشخصية والذاتية، أمام حكم قاهر، لا أحد من أبنائه بيده الأمر والمسار، كأن لم يكن شيئا مذكورا، وأهون أحواله إذا رفعت عنه اليد جزية وخراجا مدفوعة للمستولين الأجانب، على يد منتصرين مفروضين تابعين لأوربا، هذا حظ المغرب بأجمعه من أوربا وهذا نصيبه من تلك القيادات البعيدة والقريبة بالعدوة الشمالية وتلك أسهامه من حاملي لواء النصرانية، وأنى له أن يطأ أرضهم أو يحمل لهم أية دعوة، أو يطاولهم في الرأي والفكرة، أو يرسل لهم إشعاعا حضاريا يخرجهم من الجهالة إلى رحاب المعرفة والنور ومثل ما كان عليه في الأوائل أراد رجال أوربا ودهاقنة الاستعمار بقاءه على نفس الوتيرة، وإجباره على مواصلة المسيرة، بعد ظهور الإسلام على أرض المغرب، وحاولوا بالعدة والعتاد، وأساليب الدعوة والإرشاد، أن يحولوا وجهة المغرب عن الإسلام، فتجهزوا بكل الاستعدادات، واستخدموا كل الإمكانيات، وبذلوا في ذلك أقصى الغايات، واغتنموا الفرصة تلو الأخرى لاجتثاث آثار الإسلام من هذه الديار، ولم يتسرب إليهم اليأس أبدا، ولا نكصت أفكارهم ومعاملاتهم عن الكيد لهذه الديار مدا ومددا، وإلى يومنا هذا. وتصريحات قادتهم ورؤسائهم تتوالى، واحداث التاريخ تأتي سجالا، كلها تنبئ عن الكيد للمغرب، والتصدي لتطلعاته، والنيل من نهضته، والتطفيفمن صحوته، كي يجنح إلى الهدوء، ويعيش في الخنوع والسكون وقالوا بأن المغرب قلعة منيعة من قلاع الإسلام الكبرى، وأن حياة الإسلام في القارة الإفريقية رهين بوجود الدولة المغربية المسلمة ولم تقم للإسلام قائمة إذا حلت بيعة الإيمان من القلوب وأفل نجمها من الصدور، ولا يتم ذلك إلا بتمزيق أرضه وتفتيت وحدته، وخنق اقتصاده، وتسليط المرتزقة لإحداث البلبلة في صفوفه، واشتغاله عن أهدافه الإشعاعية وقيام حضارته الإسلامية الإنسانية.
لقد أدركت القادة في أوربا وخاصة رجال الكنيسة، أن الزمام قد انفلت من يدها يوم أن حمل العرب الإسلام إلى هذه الديار، وهالهم الموقف يوم أن شاهدوا الحضارة الإسلامية في قلب الأندلس وعلى أرض أروبا، وأوجسوا خيفة من المد الإسلامي في قلب إفريقيا، وكل ذلك لم يكن إلا من المغرب، وملوكه وقادته وجنده وإمداده، وصدق من قال: إن نقطة البداية والنهاية من المغرب.
نعم إننا إذا وجدنا المغرب قد عانى الكثير من دول أوربا كما عانت منه لبكثير ولم يستسلم لضغطها المتواصل، ولم يهن أمام ضرباتها الموالية، فإنما باداء رسالته الإشعاعية، فإنه لن يتخلى أبدا عن هذا المسار مهما تكالبت عليه الظروف، وتمالأت عليه قوى الشر بطريق مباشر أو غير مباشر، وفي أشكالها المتعددة عسكريا واقتصاديا وإعلاميا، وله في التاريخ القديم والحديث ما يلهمه إلى الصمود والتصدي إلى أن يستكمل وحدته ويسترجع ترابه لأنها نقطة الانطلاق، ومبدأ النهوض والتحليق، ومنت هذا التاريخ أردت إقامة الدليل والاستدلال، ومنه أردت إملاء هذه الكتابات كي تكون نبراسا، تستشفى بها الصدور من الكمد، وتستنشق فوائح الأمل من خلال اليأس والقنوط، وتستهدي بها من مناهجها من ثورة التشكيك والإغلاق. لتعرف أن هذه الأرض لا مذل ولا مهين لأنها في كل الظروف والأزمان، وإنها الحصن الحصين في الجناح الغربي يقي من الإنهيار ملاحم العروبة والإسلام.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here