islamaumaroc

إحياء منابر جامع القرويين

  بوشتى الريفي

العدد 244 جمادى 1 1405- يناير 1985

ولعل من كريم المصادفات، وجميل الموافقات أن يحتفل العالم الإسلامي في هذا الشهر المبارك السعيد بهجرة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم أحب خلق الله إلى الله، والمثل الأعلى والإسوة الحسنة لكل مسلم يرجو الله واليوم الآخر، وفاقا لقوله تعالى : " لقذ كان لكم في رسول الله إسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، وذكر الله كثيرا" (1).
فالهجرة النبوية كانت مفتاحا لتاريخ الإسلام، لأنها تمثل في نظر كل مسلم العلة والسبب في وجود الإسلام، فبفضلها تكون المجتمع الإسلامي القائم على أسس العدل والمساواة والتضامن والإخاء والإيثار، والتناصر والتآزر في جميع المجالات حتى تكون مجتمع إسلامي دولي لا نعرف له حدودا، ولا طبقات بتعاون كافة أعضائه في إبتكار حضارة، واحدة، ومجد واحد، وخدمة هذف واحد.
إن الهجرة في مجملها تمثل أروع مثل عرفه تاريخ الإنسانية للترفع على حطام الدنيا الفاني ومتاعها الزائل إبتغاء فضل الله ومرضاته وسلامة الدين، يقول تعالى : " للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسموله، أولئك هم الصادقون" (2).
ولنا في المهاجرين عموما أروع الأمثلة، ولنا في صهيب الرومي أسمى نموذج في سجل التضحيات، وفي ميدان المواجهة بين جبروت المال، وقسوة العقيدة الصحيحة في النفس البشرية، وما أجدرنا أن نتأمل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخبرنا بما وقع لصهيب وما صدر عنه: " ربح صهيب ... ربح صهيب ... ربح صهيب..." فعلا ربح صهيب، وكسب العقيدة والإيمان. يقول إبن عباس وجماعة في صهيب الرومي نزل قوله تعالى: " ومن الناس من يشتري نفسه إبتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد" (3).
في ظل إحتفال أمتنا الإسلامية عموما والأمة المغربية خصوصا بالسيرة العطرة لهجرو نبينا، وإستخلاص العبر والعظات النيرة منها، يأمر سيدنا الهمام جلالة الملك الحسن الثاني دام له النصر والعز بإحياء منابر جامع القرويين حيث كان فيه للعلم منار، وللتربية قبس، وللحضارة الإسلامية درع يصد العدى وسيف يذود عن الحمى، بناء يعلي الأركان، وساعد قوة يرفع البنيان، وأنه لمن بوادر النضج التي تبشر بأفاق جديدة في مسيرتنا الحسنية أعادة الاعتبار لجامعة القرويين، وحث العلماء الإجلاء ليعكفوا بالدرس والتمحيص، والتأصيل والإثراء، فتعرض فيها التجارب لتتناظر، وتتحد الآراء لتتكامل، وتعي الأذهان ذلك، وتتسع له الصدر، ومن هنا يتبين جليا أن تجديد ثقافتنا أمر ضروري، ولا شك أن تلقين هذه الدروس يعتبر خير وسيلة نخرج بها تراثنا الحافل بكنوز الثقافة من ظلمات الجهل إلى عالم النور.
وأنها لسنة حسنية حميدة من حسنات ملكنا الهمام تعيد للقرويين سالف عزها ومجدها، وتصبح محور إهتمام المواطنين تشد إليها الرحال، وتستقطب إهتمام رجال الفكر والقلم، وتبلور الشخصية المغربية الإسلامية العميقة الغور، والبعيدة المدى لهذا الشعب الطيب التواق إلى الخير العام الشامل، والتي تتفق بطبيعة الحال مع مكوناته الاجتماعية ومنطلقاته الفكرية والاقتصادية، إذ أن هناك ترابطا متينا على المستويين الثقافي الفكري، والاجتماعي الاقتصادي.
إن العلماء مدعوون في ظل المسيرة الحسنية المظفرة إلى تربية الجيل إسلامية حتى يتأتى لهم المساهمة الفعالة في تنشئة الجيل المسلم المتطلع إلى غد أفضل وحياة حرة كريمة في فناء الإسلام وفي ظل القرءان حتى يكونوا وفقا لما أراده الله للعلماء العاملين، والأولياء المجاهدين، وذوي الفكر العارفين " إنما يخشى الله من عباده العلماء" نريد شبابا مغربيا راسخ العقيدة، معتزا بلغته التي كانت يوما ما لغة الثقافة للآباطرة والقياصرة والعلماء في بعض بلدان أوروبا مثل فريدريك الثاني، ملك صقلية، وقيصر الامبراطورية الألمانية الرومانية المقدسة. لقد كانت لغة العلم إذ ذاك هي لغة الضاد، وبها كتب إبن رشد مؤلفاته، إبن رشد الذي ساد عصره حيث كان طلبة جامعة السربون بفرنسا يسألون بعضهم بعضا لمعرفة الخصم قبل البدء في أية مناقشة هل أنت مع إبن رشد أو ضده؟
لقد لعبت القرويين منذ نشأتها وتأسيسها سنة 245 ه على يد المحسنة الجليلة السيدة فاطمة أم البنين الفهرية، دورا بارزا، وأثرت التاريخ أيما إثراء بما قدمته من جوانب حضارته الكبرى في نشر الثقافة الإسلامية في بلاد المغرب، والأندلس، ثم في كل مناطق غرب إفريقيا بعد ذلك.
إن إحياء منابر جامع القرويين يعد بحق لبنة جديدة ينبغي تسجيلها في إطار التعاون العربي الإفريقي، وإنه قد بدأ مرحلة جديدة وحاسمة، وأن الروابط القديمة التر ربطت العرب وأشقاءهم الأفارقة لم تزدها الأيام إلا رسوخا والأحداث إلا متانة وصلابة.
إن إحياء منابر جامع القرويين الأعظم إعادة الاطمئنان للمغربي المسلم، اطمئنان للعلم، وما كان فيه العربي المسلم من معرفة واخلاص في التبليغ، وهذا التبليغ الذي كان من العلماء المسلمين في شتى نواحي الثقافة، وكل مجالات العلم تشهد به أوروبا، وتشهد به كتب التاريخ المهتمة بحضارة العرب، وحضارة المسلمين، ثم نجد الدليل القاطع، والبرهان الساطع على ذلك فيما قام به الدارسون من المستشرقين أنفسهم، وذلك فيما ألقوه من كتب حول الحضارة المغربية.. ولهذا نستطيع أن ننبت للثقافة الإسلامية شمولا، هذا الشمول كان شاملا لابناء البشرية على إختلاف لغاتهم ومشاربهم ومذاهبهم، وأجناسهم، لأن العلم أمانة، لا بد من تبليغها إلى كل إنسان.
فمنابر جامع القرويين حفظت على العرب والمسلمين كيانهم، واستطاعت أن تبقي على اللغة وعلى الدين بجانب كل من جامع الزيتونة بتونس، وجامع الأزهر الشريف بمصر، بما نفثت من طاقات في الأجيال المتوالية على حلقات الدروس، وبما لقنت من مبادئ المعرفة الإسلامية، والمعرفة العربية، فالمعرفة ضالة المؤمن أين وجد: فالمعرفة سبيل التقدم كيف ما كان؟ ولكن شريطة أن ننظر إليهما النظرة الدينية، وأن تخضع للتفكير الإسلامي، وأن يقع الاستمداد في النص القرآني أو الحديثي لنكون عند قول الله تعالى: "... فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا فومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون".
إن إحياء منابر القرويين إحياء لموكب الحياة الثقافية في حركة دائبة، وهو لا يتوقف ليأخذ بيد المتخلف، والفراغ من الفكر كالفراغ من الهواء، لا بد له من إمتلاء، وإذا لم تكن تملاه عناصر أصيلة من الداخل فهو سيتعرض حتما لعناصر دخيلة من الخارج.
ومن الوهم أن نتصور أن العقيدة الصالحة والأفكار الصالحة يمكن أن يخرجا تلقاء نفسهما الثقافة الصالحة دون أن يعمل المؤمن بهما على طريق العمل الجاد على اشتقاق هذه الثقافة منهما لتكون تجسيدا حيالهما. وتاريخ الثقافة الاسلامية أكبر شاهد على ما تقول. إذ ما كانت تلك الثقافة إلا وليدة جهد الانسان المؤمن بركيزتها وأساسها، الإنسان الذي اتخذ من عقيدته منطلقا للنظر في ملكوت السماوات والأرض فتجسدت عقيدته في منجزات حضارية، وفي ثقافة حية متفرعة.
إن إحياء منابر جامع القرويين حركة إستئناف وليست حركة إبتداء.. لا تقع أقدامها للمرة الأولى على طريق الحضارة .. ولكنها تتابع رحلتها الطويلة السابقة. إنها حركة تربط ما بينها وبين العقيدة الإسلامية، وتهطي جامع القرويين أبعاده الفكرية الأصيلة التي أنشأها الإسلام، فلم تكن الدولة العالمية التي أقامها ديننا الحنيف قائمة على الاستيلاء ولا على السيطرة.. إنها قد تكون في البداية لجأت إلى التعبير عن نفسها بهذه الحركة التي أنسابت بها منطلقة من الديار المقدسة من الجزيرة – هذا النبع البشري – بعملية فتح . . . ولكنه فتح من نوع آخر مخالف أشد المخالفة لاكاسرة فارس أو أباطرة روما أو جيوش الاسكندر. . . إنها كانت تقرن بين حركة الفتح وحركة تحرير جديدة نهضت بها . . . هذه الحركة التحريرية الجديدة هي هذه العقيدة التي حملتها معها  . . . إنها هذا الدين الإسلامي الجديد.
إنها حركة علمية، من واجب علمائنا جميعا أن يؤمنوا بها، وأن يتعاونوا عليها، وان يدركوا البعد الإنساني لها من غير تردد، أنهم مدعوون إلى أعمق المساهمة، والإشتراك في كل خطوة من خطواتها.
إنها إحياء التراث القديم للربط بين الماضي والمستقبل، وليكون التراث القديم أساسا للنهضة الحديثة خصوصا لو كان هذا التراث ناصعا ومشرقا كما هو الحال في تراث الأمة العربية.
إن حركة إحياء منابر المسجد القرويين حركة تحرير وتنوير لازم لتحقيق الآنية، وتثبيت الأصالة، والأنسية المغربية.
إن مهمة علمائنا هي إزالة العقدة عن نفوس المسلمين التي علقت بنفوسهم، تلك العقدة التي خلفها الاستعمار بجميع أشكاله في نفوسنا حينما تغلبوا علينا فبهرتنا حضارتهم، ومعرفتهم، فأنستنا ما كان لنا من مجد، وما في مقدساتنا من كنوز خفية لا بد أن تبرز متى أعدنا للعلم قيمته إلى جانب الدين، ومتى آمنا بالغاية التي خلق الله الإنسان لها. والواجب الديني يحتم على جميع المؤمنين بدون إستثناء تحقيق قول الله عز وجل: " والمؤمنون والمؤمنات أولياء بعض، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة، ويوتون الزكاة، ويطيعون الله ورسوله، أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم". (سورة التوبة آية: 71)
إن شريعتنا الاسلامية تستطيع أن تواجه تيار التقدم المادي في عصرنا الحاضر، وتحقق للإنسان سعاتده في الدنيا، كما وعدته بسعادة الآخرة وهنا يجب على علمائنا ورجال الفكر أن يطوروا مفاهيمهم، ويواجهوا خطر التقدم المادي بما يستحقه من عناية وحكمة، لأن التطور سنة من سنن الله تعالى، وهو قانون من قوانين الحياة التي لا مناص منها، والتي تجري علينا وإن لم نرد، فالخير أن نريد هذا العمل له جادين، وأن نوضح ضوابط التطور في الإسلام، وأماكن التجديد منه حتى نمنع عبث العابتين، ونقطع دوابر المفسدين، فالتطور في التشريع الإسلامي هو حركة الإنسان المستنير القادر على ابتكار أحكام لحوادث جديدة ملائمة، والظروف التي تمر بتطور الزمان مستندين إلى كتاب الله وسنة رسوله، ومبادئ الإسلام العامة.
فليس التطور إذا هو تغيير الدين، أو التحول عن مبادئه وأهدافه القارة، أو التبعية لجميع التيارات الفكرية، أو المادية، لو الذهاب مع الأهواء والشهوات، لأن هذا لا يسمى تطورا أو تجديدا، بل يسمى هدما وتفككا وذوبانا، وموتا وإلحادا.
فالإيمان بوحدانية الله – مثلا – مبدأ أصيل، وحقيقة يقينية لا مجال لتغييرها، والعبادات كذلك كلها قربات لله تعالى، وقد حدد الله عز وجل بواسطة الوحي وعمل النبي صلى الله عليه وسلم، الطرق التي ترتضيها من المسلمين في تقربهم إليه، فتغييرها يعتبر خروجا عما رسمه سبحانه من الطرق الخاصة التي إرتضاها لعباده.
أما أحكام المعاملات والأحكام الدستورية، فإن مجال الإجتهاد فيها مفتوح فيما لا نص فيه، لأن الوقائع والحوادث لا تنحصر، والأدلة التي وردت في الكتاب والسنة أو نص علها العلماء منحصرة، وأما تقرير حكم الله فيما سيحدث من المسائل لا يمكن أن يبث فيه إلا الراسخون في العلم، المخلصون في دينهم، الأوفياء لدعوة نبيهم الذين يعملون على أن تكون شريعة الله حاكمة لا محكومة، وموجهة لا موجهة، وهادية لا مهدية، والله تعالى يقول: " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما".
فالدين لازمة من لوازم الجماعات البشرية، ومما لا مراء معه أن الوطن، أيضا لازمة من لوازم الجماعات البشرية، إليه تنوب، وعليه تستقر، وبه تحتمي، ومن هنا جعل رسول الحق، ونبي الهدى محمد صلوات الله، وسلامة عليه، جعل حب الوطن من الإيمان، وعلى هذا المنوال ينبغي أن يفسر هذا الأثر الشريف " حب الوطن من الإيمان". . والسلام

-------------------------------------
(1) سورة الأحزاب: آية 21.
(2) سورة الحشر: آية 8.
(3) تفسير القرءان العظيم للامام إبن كثير ج 4، ص: 247.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here