islamaumaroc

الروض المريع في صناعة البديع من روائع مخطوطات خزانة القرويين لابن البناء.-1-

  محمد بن عبد العزيز الدباغ

العدد 244 جمادى 1 1405- يناير 1985

لقد تعددت الدراسات البلاغية وتنوعت وأصبحت الكتب المهتمة بها متداولة بين أيدي الناس يتتبعون بواسطتها ما أنتجته القرائح وما توصل إليه الباحثون الأولون من قواعد بيانية تمهد الطريق أمام الذين يريدون الاطلاع على الأساليب العامة ليقتدوا بها وليجعلوها سبيلا إلى التعبير السليم.
ولقد تطورت الأبحاث وتعددت المصطلحات والمناهج وتتبع النقاد والملاحظون مختلف الأساليب المعهودة فاستنتجوا منها قواعد بيانية جعلت لبنة لعلوم البلاغة ولدروس البيان.
وحاول العلماء ما أمكنهم أن يبحثوا عن أيسر السبل التعليمية ليقدموا بها القواعد الرائدة التي يتيسر معها الأخذ بزمام البلاغة، فلا تبقى قواعدها جافة ولكنها تندمج مع البيان العربي وتكون سبيلا إلى فهم القرآن والسنة، ولهذا نرى بعض العلماء يوحون في مؤلفاتهم بهذه الغاية ويجعلونها مقصدا واضحا في كتبهم.
ومن هؤلاء العالم المغربي الشهير أحمد بن محمد بن عثمان الأزدي المراكشي المعروف بابن البناء العددي المتوفي سنة 721 هجرية، فهو لم يقتصر في معارفه على ما اشتهر به من دراسات رياضية وفلكية وفلسفية، ولكنه أضاف إلى ذلك الاهتمام بالعلوم البلاغية نظرا لما له من الاطلاع على أساليب القرآن ومعانيه، وحاول المزج بين روح البيان وقواعد المنطق فألف كتيبا صغيرا ولكنه مفيد جدا سماه "الروض المريع في صناعة البديع"، ما زالت خزانة القرويين تحتفظ بنسخة منه جيدة النسخ واضحة العبارة.
ولقد عمد المؤلف إلى اختيار هذا الاسم لكتابه إيحاء لما يهدف إليه من معاني الإخصاب، ورغبة منه في الإشعار بأن خطته ستكون منتجة ومفيدة، فهو لم يرد أن يكون مقلدا كل التقليد في نقل المصطلحات أو في اتباع المناهج السابقة، ولكنه كان يحاول أن يبحث عن تقسيمات تدريجية محددة للمعاني والألفاظ ومقوية للدلالات ورابطة بين أنواع الخطاب، فكان كتابه بسبب ذلك دقيق العبارة، سليم الإشارة عازفا عن الحشو والإطناب غير مخل بالنتائج ولا بالأسباب.
ولقد انطلق من مفهوم بديهي فيما يتعلق بصورة اللفظ وحقيقة المعنى، سواء من حيث الإفراد أو التركيب أي سواء من حيث دراسة اللفظ والمعنى مجردين عن الارتباط الدلالي أو دراستهما بعد ذلك الارتباط. ومنظوره في ذلك أن الدراسة الأولى متعلقة باللفظ من حيث كونه لفظا، سواء من حيث حقيقة بنيته وما يتصل بها من قواعد التصريف ومتنوعات الاشتقاق أو من حيث وضعه داخل التركيب اللغوي وما يتعلق بذلك من قواعد النحو وقوانين الإعراب، وأن الدراسة الثانية تتصل بالدلالات الوضعية والتضمنية والالتزامية المتصلات بالمنطوق والمفهوم والمعقول.
وأثناء حديثه عن الدلالات أشار إلى تقسيم الجملة إلى إنشاء وطلب كما أشار إلى أن الكلام ينقسم إلى قسمين: قسم منظوم وهو الموزون المقفى، وقسم منثور وهو ما عدا القسم الأول السابق ثم قال بعد ذلك: (ص 3).
" ويستعمل كل واحد منهما في المخاطبات وهي على خمسة أنحاء على ما أحصيت قديما.
الأول البرهان وهو الخطاب بأقوال اضطرارية يحصل عنها اليقين.
والثاني الجدل وهو الخطاب بأقوال مشهورة يحصل عنها الظن الغالب.
والثالث الخطابة وهو الخطاب بأقوال مقبولة يحصل عنها الإقناع.
وهذه الثلاثة الأقسام هي التي تستعمل في طريق الحق، وقال الله عز وجل: ?ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ? ((سورة النحل 125)).
والرابع الشعر وهو الخطاب بأقوال كاذبة مخيلة على سبيل المحاكاة يحصل عنها استفزاز بالتوهمات.
والخامس المغالطة وهي الخطاب بأقوال كاذبة يحصل عنها ظهور ما ليس بحق أنه حق.
وهذان القسمان خارجان عن باب العلم وداخلان في باب الجهل.
فالمنظوم إذن يكون شعرا وغير شعر كما أن الشعر يكون منظوما وغير منظوم. وأهل العرف يسمون المنظوم كله شعرا، ولا يسمون شيئا من المنثور شعرا، فعرض من أجل ذلك اشتراك في اسم الشعر والنظم كما قال الخفاجي.
وما تعرض له ابن البناء ما زال إلى الآن موضوعا قائم الذات، نظرا لكون مفهوم الشعر في أنواع الخطاب كان مجالا للحديث عنه، من حيث كونه يعتمد على الخيال ويثير النزوات لا من حيث كونه يعتمد على الوزن والقافية، لكن العرف غلب على المقفى الموزون ما لم يبتذل ابتذالا يجعله نظما لبعض المعلومات المجردة المتعلقة ببعض الفنون، فإذا دل على حكمة عقلية أو عبر عن تجربة ومعاناة ولم يعمد إلى التوليد والخيال وكانت معانيه مقبولة أبقوه، فإن هم أبقوه مدمجا في الفن الشعري حسب ما هو معروف ومتداول.
وانطلاقا من المقدمات السابقة تعرض المؤلف إلى الحديث عن الحقيقة والمجاز وإلى الربط بين المعاني والألفاظ فيما يتعلق بالدلالة وفيما يتعلق بإيصال الكلام إلى المخاطبين وفق المطابقة لمقتضي الحال بألفاظ ملائمة لا يحصل بها غموض في المعنى ولا إبهام في المقاصد.
وبمقدار وجود هذه الملاءمة تتحقق قواعد البلاغة والفصاحة، وبمقدار فقدها تنقص قيمة التعبير ويقع الخلل في التواصل اللغوي والتفاهم البشري، ولهذا كانت الصناعة البديعية هي البحث عن تحقيق الغرض من الكلام إيجازا وإطنابا وحقيقة ومجازا. وأما المعاني في حد ذاتها فهي البيان ذاته، ومن ثم كان علم البيان سابقا لصناعة البديع، وكان لدينا لا يتصل بالألفاظ والتراكيب من حيث استعمالها للوصول إلى المعاني المقصودة، لأن هذا الاستعمال متصل بالطريقة الأدائية المعبرة عما في النفس من إحساسات والمصورة لما في الفكر من أفكار، فهو صناعة وليس بأصل، ولهذا قال: (ص 5). "فصناعة البديع ترجع إلى صناعة القول ودلالته على المعنى المقصود، ومستندها علم البيان، وهو شيء يفيضه الحق من عنده على الأذهان، ويشهد به العقل الصريح لا باستفادة من إنسان، إنما يحصل من المخلوقين التنبيه على العلم الذي علمه الله خلقه. قال الله تعالى: ?خَلَقَ الْإِنسَانَ‏ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ? [الرحمن: 3-4] وقال: ? وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ? [المائدة: 4].
ولهذا صارت الكليات كلها مندمجة في علم البيان، سواء كانت تتعلق بالأدب أو كانت تتعلق بغيره، أما الصناعة فهي مقيدة بوسائل التعبير، ففرق عنده بين علم البيان وصناعة البيان، لأن العلم لا ينحصر والصناعة تنحصر. وهو منظور قد استمده من رؤيته العلمية التي جعلته يعتبر العلم فيضا روحانيا لدنيا وبيانا إلهيا مودعا في الخلق يظهره الإنسان بواسطة ما تعلم من صناعة.
وهو بهذا الرأي حاول ألا يكون مقلدا لمن سبقوه في منهجية البحث ولا في الارتباط بجميع المصطلحات البلاغية، لأنه قد حور بعض المصطلحات عن معانيها المعهودة وأدمج أحيانا بعض الجزئيات المتقاربة في كليات صالحة لضم مجموعات متجانسة.
وبناء على تصوره هذا أدمج في علم البيان بعض القواعد الأساسية في علم المنطق أو في علم الأصول، بناء على أنها من الكليات المتصلة بالبيان لا من الوسائل التعبيرية الداخلة في صناعة البيان.
وللبرهنة على قوله قال: (ص 5).
"ومن علم البيان قاعدة وهي أن المرجوح لا يؤثر في الراجح لاختلاف مرتبتيهما بالقوة والضعف، والقوي يدفع الضعيف طبعا وعقلا، وكذلك الإمكان لا يقدح، إنما يقدح وجود الممكن لا إمكانه، فإن إمكانه عدم والعدم لا يقدح في الموجود، وكذلك سائر القواعد الكلية المشتركة لبيان جزئية كلها هي من علم البيان".
وبناء على ما تقدم يتبين لنا أنه لا يمكن حصر القواعد الكلية في حين يمكن تحديد ظواهر التعبير وتقريب عناصر الأداء التي هي موضوع صناعة البديع.
وتنحصر هذه الصناعة في أمرين:
الأمر الأول في المنحى التعبيري المتعلق بالإيجاز والإطناب والمساواة وما يتصل بذلك.
الأمر الثاني في ملاءمة الكلام للأغراض المقصودة وفق أسلوب يختاره الشاعر أو الكاتب، وقد عبر عنه المؤلف بمواجهة المعنى نحو الغرض المقصود.
ولقد اشترط المؤلف في الأمر الأول أن تكون الألفاظ المؤدية للمعنى المقصود مطابقة لما يقتضيه الحال من الإيجاز والإطناب والمساواة، فلا يستعمل الأديب حشوا في كلامه ولا يخل بواجب، لأن هذه المقاييس التعبيرية لها دور فعال في أداء المعنى، فمن أخل بها فق أخل بعناصر البلاغة وأفسد عليه وعلى الناس طرق البيان.
أما الأمر الثاني فقد أدمجه في عناصر أولية ترد إليها جميع المصطلحات وإن اختلفت، لأن مدار الأمر يتعلق بالكليات لا بالكلمات المعبرة عنها، فإذا اتحدت المفاهيم وتبلورت المقاصد فلا ضير في هذا الاختلاف لأنه شكلي محض لا يتصل بجوهر الموضوع وإنما يتصل بالإطار الخارجي فقط، وقد أفصح عن ذلك إفصاحا بينا في آخر كتابه، وجمع هذه العناصر في أربع مجموعات:
أولا: في الخروج من شيء إلى شيء
ثانيا: في تشبيه شيء بشيء
ثالثا: في تبديل شيء بشيء
رابعا: في تفصيل شيء بشيء
ولقد حدد في كتابه مفاهيم هذه المجموعات وضم إلى كل مجموعة ما يناسبها من الأنواع والأشكال التعبيرية.
وإتماما للفائدة نقدم في مقال آخر إن شاء الله هذه المفاهيم وفق ما اختاره ابن البناء، وسيساعدنا ذلك على استيعاب مضمون كتاب الروض المريع في صناعة البديع الذي خصصنا له هذه الدراسة من بين الدراسات التي نقدمها حول مخطوطات خزانة القرويين العامرة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here