islamaumaroc

عروبة بني مرين: الأدب المغربي في عصر بني مرين.

  عبد الكريم التواتي

العدد 244 جمادى 1 1405- يناير 1985

كانت رئاسة العروش الإسلامية – وربما لا تزال تشترط فيمن يتربع كراسيها ويدير شؤونها ويوجه سياستها، إن يكون منحدرا من السلالة النبوية الطاهرة، أي أن يكون ذا وشائج عرقية ودموية متصلة اتصالا وثيقا ويقينا، ولا شك فيه، بالدم العربي الأصيل، وأن تكون تلك الوشائج ذات نسبة بالقرشية الهاشمية تمشيا مع الأثر القائل: الإمامة في قريش ما أقاموا الدين.
وبنو مرين – وقد هيأتهم الظروف للتربع على عرش المغرب العربي المسلم – ما كان لهم، هم الاخرين في هذا المجال ومتى ما ذكروا به، أن ينتسبوا لغير الجنس العربي، ولا أن يتبنوا مظهرا ما، قد يشكك الناس في عروبتهم صليبية كما يقولون.
ومن هذه الزاوية – في نظرنا – تبني بنو مرين – ومنذ منطلقهم الأول وبداية قيامهم التوجيهي، وظهور وجودهم السياسي – لا فكرة الانتماء العربي فحسب، ولكن أيضا كل ما من شأنه أن يظهرهم بمظهر الغيورين على هذا المنحدر، الذائبين عن ظواهره ومقوماته، والساعين لتثبيت أركانه وتدعيم أسسه.
فكان إن احتضنوا فكرة التعريب لكل اجهزة الدولة واطرها،  وتبنوا حماية لغة القرآن: اللغة العربية حماية تقتضي القضاء المبرم على ما كان فرضه الموحدون من ازدواجية لغوية، حين اشترطوا – كما أشرنا – فيمن تسند إليهم المهام الحكومية ذات الاتصال المباشر بالطبقات الشعبية – كالامامة والخطابة – أن يتقنوا معا اللغتين العربية والبربرية.
وإزاء هذا الموقف من بين مرين، فيما يخص تقدير العربية والعروبة، وأحاطتها بكل هذا الجلال والقداسة، وإزاء تلك الرغبة المدعمة بالمواقف الإيجابية أبدوها لتعزيز لغة الضاد، ذهب النسابون – بعد أن تم فرض وجود بني مرين السياسي، بالدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة حينا، وبالتخويف وحد السيف أحيانا، وأصبحت بذلك الدولة وأزمتها في أيديهم – ذهب النسابون يبحثون لهم بين ثنايا بقايا الخروم واضابير التاريخ القديم، لا عن مجرى انحدارهم من الأمة العربية الخالصة فحسب، ولكن أيضا عن واقعية اتصال نسبهم العربي ذاك المثبت بالبيت النبوي الكريم، حتى تصح ولايتهم شرعيا، حسب اعراف تلك العهود.
واهتمام مؤرخي الحركات الإسلامية، ورجال الطبقات العرب، منذ بداية التكوين في العالم الإسلامي وحتى الآن بقضية الانساب، ومزيد البحث عن جذورها بحثا دفعهم لتخصيص تآليف عدة ومجلدات ضخمة كثيرة في الموضوع مثل كتاب (نسب قريش) لأبي عبد الله مصعب الزييري، و (جمهرة انساب العربي) لأبي علي بن حزم، و(الجمهرة) لابن الكليي، و (طرفة الأصحاب في معرفة الانساب) لعمر بن يوسف بن رسول، الذي قدم له له حديثا صلاح الدين المنجد، بين طبعه بمطبعة المجمع العلوي بدمشق سنة 1369هـ / 1949م، كان منطلق هذا الإهتمام، ولو في أول الأمر، هو العناية بأهم ركيزة في أصول التشريع الإسلامي بعد القرآن، واعني بها علم الحديث، فقد حملهم الحرص على تنقية السند والرواية من الدخلاء والوضاعين، والتثبيت من الرواة وحملة الحديث، والتأكيد من حسن نوايا رجاله، على فرز أولئك الرجال، ومعرفة أصول متابتهم.
ويضاف إلى ذلك عما عرف عن العرب قبل الإسلام وبعده من المحافظة على الانساب، وإلى درجة التي جعلتهم يحدثون في اعرافهم وتقاليدهم، ما عرف بالمفاخرة والمنافرة.
حتى إذا جاء الإسلام، وحمل العرب رايته، ونشروا مبادئه وعقائده، وبوصف أنهم كانوا النواة التي هيأتها الأقدار لتحمل مسؤوليات القيادة والتوجيه، ومسؤولية الحفاظ على عناصره الذاتية، التي يعتبر القرآن أسها...وجدت الشعوب ذوات الأصل الغير عربي تلك التي دخلت في دين الله أفواجا، وجدت نفسها في هذا المجتمع الجديد الذي بناه الإسلام في مركز النبعية السياسية.
وإذا كان من بين هؤلاء الداخلين في الإسلام من كان يحتل مراكز قيادية وأساسية في مجتمعاتهم المنهارة أمام حقائق افسلام التي تمكنت من السيطرة بفضل مقوماتها الذاتية، وبالأخص تلك التي اعتبرت الإنسان هو أولا وقبل كل شيء سواه الأساس والمقصود من الحياة، وهو قطب الدائرة في كل توجيه وجعلته يون بأن كل شيء خلق من أحله هو وحده وإزاء ذلك أنهمك أولئك الداخلون في الإسلام في بداية اتصالهم بالعرب على اظهار كفاءاتهم واستعداداتهم الفطرية والتقليدية للكون مع العرب الفاتحين على قدم المساواة.
ثم أغرقوا – أي هؤلاء الداخلون في الإسلام غير العرب – في عوالم الفكر والثقافة، يثبتون فيها تفوقهم وتبريزهم، بما نبه العرب إلى الثغرات والفجوات التي عليهم أن يسدوها ليثبتوا جدراتهم في ميدان القلم بعد السيف.
فكان هذا التسابق من أجل التفاضل مما أحيا في المحيط الإسلامي ما يسمى في تاريخ افسلام السياسي بالحركة الشعوبية، هذه الحركة التي حمل رايتها – رائد بعد عبد الله بن سبا – الشاعر بشار بن برد، ومهيار الديلي وعبد الله بن المقفع الذي ذهب ضحيتها.
ثم تولى كبر هذه الدعوة بصورة علمية ومنظمة، البرامكة، الذين نعتقد نحن أن كتبهم لم تكن لمجرد ما يحكيه المؤرخون من استبداد البرامكة بالحكم دون الخليفة هارون، وإنما كانت الإضافة إلى ذلك فصلا من مأساة الشعوبية.
وقد تولد من هذه الحركة، حركة أخرى هي التنافر والتفاخر بالأنساب والأحساب، وكرد فعل من الجانب العربي الذي كان يومئذ يتربع قيادة الدولة والحكم كما نعلم صورة مجسمة وحية لاهتمامات المجتمعات – انتعشت قضية التفاخر بالأنساب، وخاصة قضية الإنتساب إلى القرشية الهاشمية ضمن الاعتبارات الإسلامية – لمن بنو له دولة العرب، ومحتلف العروش التي تعاقبت على الإصقاع الإسامية لم تكن تحكم إلى ما قبل انحلال الإمبراطورية العثمانية إلا باسم العرب جند الإسلام الأساسيين وفاتحية الأولين.
والدنيا منذ وجدت – وستظل إلى الأبد – والمغلوب فيها يقلد الغالب في كل شيء حتى في التثبيت بما ليست له القيمة الذاتية لوجوده، كالأنساب والتفاخر بها وصدق الله العظيم (فاذا نفخ في الصور فلا انساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون) وهكذا عاد التفاخر بالإنتساب إلى المجتمعات الإسلامية يطفوا على السطح بكيفية خطيرة رغم ما يون به الجميع بما تجره مثل هذه الحركات على كل بني الإنسان من حروب ووبلات وتضعه من عراقل عقبات في طريق التفاهم البشري الذي يعتبره الإسلام أحد مبادئه الأساسية (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله أثقاكم) وما تسببه من تئبيط الإنسان عن متابعة طريقة إلى بناء تكافل وتكامل اجتماعيين، وينحدر به عن التوجيه السامي الذي يعتبر الإنسان وحدة واحدة أبوه آدم، وآدم من تراب.
وابن خلدون يرجع اصول بني مرين عرقيا إلى قبائل زناتة البربرية هو بذلك يحاول إدماجهم في العرب إنطلاقا مما عرف عن نظريتهعن أصول البربر الأولى حيث انتهى إلى أنهم من أبناء عمومة العرب...
أما إبن الأحمر صاحب روضة النسرين، وعبد العزيز المازوني صاحب ارجوزة (نظم السلوك، التي سنورد منها ابياتا، فقد ذهبنا إلى التصريح بعروبة بني مرين وأن استعمالهم اللهجة البربرية في التخاطب إنما جاءتهم من طول مكتهم بين البربر واختلاطهم بمجتمعاتهم – شأنهم العرب الفاتحين الذين استوطنوا جبال الأطلس حيث السكان البربر الأصليين – وهنا بهذا الموقف يتجاوزن أي رأي ابن خلدون أن يحاولا الحاق زناتة بالعرب، لأنهم – في رأيهما من العرب صليبية.
والمازوني في أجوزته أو منظومته استغل الفرصة، وخص جزءا مهما منها لاثبات نسب بني مرين في العرب وابعاد تهمة البربرية عنهم، الشيء الذي قد يفهم منه أن هناك من كان يطعن في هذه النسبة طمعا في تعرية دعواهم احقية الخلافة والحكم، ومن ثمة إثارة الرأي العام دينا ضدهم، يقول المازوني في هذه القضية من منظومته في عروبة بني مرين.
فجاورت زناتة البرابرا   قصيرا كلامهم كما ترى
ما بدل الدهر سوى أقوالهم  ولم يبدل منتهى أحوالهم
بل فعلهم اربي على فعل العرب  في الحال والايثار ثم في الأدب
فانظر كلام العرب قد تبدلا  وحالهم عن حاله تحولا
لا يعرفون اليوم: ما الكلام  وما لهم نطق ولا افهام
وإن تمادت بهم الأحوال   لم تبق في الدهر لم أقوال
كذلك كانت قبلهم (مرين)  كلامهم كالدر إذ يبين
فاتخذوا سواهم خليلا   فبدلوا كلامهم تبديلا
على أن مؤرخون كثيرين غير هؤلاء، يرفضون رأي المازوني وإبن الأحمر، ويتهمون هذين بممالاة بني مرين، وإن موقفهم ذاك إنما امتله المحافظة على مصالحهم الدنيوية، بوصفها رجالات هذه الدولة، ومن الذين خدموا وجودها في الميدان الخارجي، حيث قاما بسفارات عديدة لها، وقد دفعتهما رعاية هذه المصالح لان يتملقا الدولة المرينية، التي كانت يومئذ – كما كان كل نبغاء وعباقرة ذلك العصر – تبحث لها عن الأسباب والوشائج – ولو الفاتحين – التي تربط جذورها بالعرب الفاتحين، وبإيجاد نسب عرقي مع هؤلاء الذين لغتهم القرآن ولغة الرسول جد الفاتحين.
على أن ما في أبيات المازوني من تعربة اللهجة البربرية من كل ما من شأنه أن يضفي عليها صفة اللغة، تشتم منه رائحة التحدي، وما كانت بلغته القرآن من مكانة في نفوس الناس حتى إن من لا يتقنها أولا يحترمها ولا ينتسب إليها ينبغي أن يحرم من كل حقوقه السياسية، تلك التي تخول له الطمع في الحكم والولاية، وهكذا يكون وضع اللهجة البربرية قد تردى عظيما بعد غياب أقول نجم الموحدين.
على أن هناك من يغرق في أبعاد المرينيين عن الدم العربي كلية، ويزعم أنهم كسائر القبائل البربرية أوربيو الأصل والمنحدر، أو أنهم من بقايا الفاتحين الومانيين والونداليين والبيزانطيين، بدعوى التشابه الخلقي والتركيب الجسمي زالفسيولوجي.
ولكن نرى نحن أن هذا الادعاء يتنافى والانسجام القائم بين السكان المغاربة، بل الانصهار بين العنصرين العربي والبربري بعد الفتح الإسلامي للمغرب، هذا الانصهار والالتحام اللذين لم يتما ولم يشاهدا بل ولم يحدثا في أي حقبة سابقة من حقب تاريخ هذه البلاد، رغم طول المكث والاقامة اللذين باشرهما غير العرب ممن تعاقبوا على حكم المغرب، ابتداء من الفينيقيين إلى الرومان والوتدال والبيزانطيين، وإنما الذي يثبته التاريخ هو رفض البربر السكان الأصليين لكل وافد عليهم، حتى إذا حل العرب بين ظهرانهم امتزج الدمان وكونا ما يعرف الآن بالمواطنين المغاربة. ثم مهما اختلف في عرقية بني مرين بين اللغة العربية أو البربرية فالاجماع المؤرخين منعقد على أنهم كانوا متشبتين بكل مظاهر العرب وأخلاقهم ولغتهم وعاداتهم. بل ربما كانوا الدولة الزناتية الوحيدة التي تبنت منذ قيامها التزامية اللغة العربية كلغة رسمية للدولة. وكأنهم بهذا كانوا يستنكرون سياسة الموحدين، وعمل زعيمهم الروحي ابن تومرت المهدي، حين لم يستنكف أن يضع كتبه العقدية بالبربرية، مما حمل أتباعه الموحدين على إلزام خطيب الجمعة اتقان اللهجة البربرية، وعزل كل من لا يتقنها، إيمانا منهم بأن الغاية هي بلوغ قلوب الناس وأعماقهم عن طريق مخاطبتهم بلسان نشأتهم وباللهجة التي يفهمون – وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبيين لهم – بل ذهب الموحدون – تحقيقا لهذه الغاية – إلى أبعد من ذلك حين تشبتوا بضرورة تعقيب الاذان للصلوات بترجمته بهذه اللهجة، هذا التعقيب الذي كان استنكره الونشريسي في المعيار، واعتبره من البدع الضالة.
وهكذا التزم بنو مرين منذ قيامهم اللغة العربية في كل شيء ومن ثمة تبنوا العمل للرفع من شأن علوم العربية وكل ما يتصل بها، وفي جميع الميادين والمجالات وإلى الدرجة التي التزم معها مؤلفوهم إن يضعوا كتبهم – بما فيها تلك التي تلقوا مضامينها بالرطانة البربرية – بالعربي الفصيح، فقد حدث لمؤلف (المنهاج الواضح في مآثر ابي محمد صالح) يذكر بنفسه – أن تلقى كل المآثر التي سجلها في كتابه بالبربرية، ولكنه دونها هو بالعربية، كما يقول، وانظر المعجب في الموضوع.
بل بلغ التمسك بالعربية لعهد بني مرين بالمغرب أن أصبح هذا الصقع من بين الاصقاع الإسلامية الواسعة الأرجاء الشاسعة الأطراف، مضرب المثل في رصانة الأسلوب العربي، وبالأخص في ميدان الأداء الفني أي الإنشاء، فقد قال الشيخ بيرو التونسي – فيما نقله عنه الأستاذ محمد المنوني – دعوة الحق العدد الثامن صفحة 107 السنة : 11 (ولعمري أن صناعة الإنشاء في الدول باللغة العربية كادت أن تكون مقصورة على دولة مراكش، وأما غيرها من الدول العربية، فقد تذبذبوا، وكادت كتابتهم تخرج عن الأسلوب العربي، بل صاروا لا يتحاشون عن اللحن والكلمات البربرية بخلاف كتاب المغرب، وهذا ديدنهم من قديم).
وبالمناسبة أحب أن أثبت بأني فوجئت لدى زيارتي البقاع المقدسة سنة 1969 م حين لم أجد واحد من عوام سكان تلك الاصقاع يتقن العربي الصحيح كما قرأنا في تاريخ أصولهم – بما فيهم أولئك المنتمون للعلم والمنسوبون للآداب إلا حين يقرأون من كتاب أو قرطاس بين أيديهم، أما في الأحاديث العادية فهم لا ينطقون إلا لحنا، ثم هم في نفس الوقت يستغربون أن يكون مثلي – ونحن المغاربة في نظر الكثيرين ممن اتصلت بهم لسنا عربا أو لا تتقن إلا اللغة العجمية بربرية أو فرنسية – قادرا على أن يقف يتناول الكلمة بالعربي الفصيح ارتجالا، لقد اندهشوا كثيرا حين رأوني وسمعوني أتناول الكلمة للرد على محاضر كان يحاضر حول معركة أحد دون أن يقوم بمقارنة بينها وبين غزوة (بلاط الشهداء) التي كانت بقيادة عبد الرحمن الغافقي في أراضي راجون بفرنسا، واستغربوا يتحدث مثلي لفترة زمنية تتجاوز الثلاثين دقيقة دون أن يرتكب خطأ نحويا أو لغويا.
ويقول عبد الله جنون – حول تبني بني مرين للعربية – في كتابه النبوغ المغربي (فالواقع أن بني مرين كانوا يعملون للنهضة والتجديد في دائرة العروبة، لا يخرجون عنها أصلا، فخدموا العربية خدمة صادقة، وكفى أننا لم نعد نسمع – بعد توليهم الحكم – بشيء من التمييز الذي كان للبربر في دولة بني مرين) النبوغ الجزء الأول ص 186 (بل كان هذا الآخر العهد بحياة التفرقة والعنصرية المقيتة، فعلا شعار العروبة كل الشعارات وضمت الضاد جميع المغاربة في شتى المصالح والمرافق) ويقول عن ملوك المرينيين: (.. وفي الحقيقة أن كل واحد منهم كان مثالا للملك العربي المسلم، العامل لعز قومه ودينه، فلا يفتأ يجد ويجتهد في إشادة مجدها، وتخليد مآثرهما ويقدر حرصهم على الوحدة المغربية).
ولكن إذا كان بنو مرين قد التزموا العربية تحدثا وتحديثا وكتابة وتأليفا، وإلتزم ملوكهم اختيار بطانتهم من خصوص العرب اصرارا منهم على الاهتمام المتزايد بلغة القرآن، فإن ذلك – في نظرنا – لم يكن لخصوص اثبات عروبتهم صليبة، على أن عبارات (جنون) تشم منها رائحة التعصيب، والإسلام ليس عربيا فحسب، وإن يكن جنده الأولون وحماته من العرب، ولاشك أن جميع الذين حملوا راية العلم فيه – وخاصة علم الحديث والتفسير والفقه والعلوم التجريبية – كان معظمهم من غير الجنس العربي الشيء الذي يؤكد أن الإسلام بريء من كل عنصرية: لغوية أو عرقية ومن كل ما يسمى حاليا بالقوميات الذاتية أو القوميات الوطنية.
وتمسك بني مرين باللغة العربية – ولا شك – عجل بتعريب البربر في أهم المراكز الحضرية بالمغرب، وإلى الصورة التي وصفها (الفريد بيلي) في كتابه عن البربر ودياناتهم، والذي عنونه ب (معطيات الحضارة المغربية) بقوله ... (إن رجال البربر أصبحوا اليوم كلهم يتقنون اللغة العربية في الجبال الأطلسية، لا سيما منها الناحية الشرقية)
ويقول إبن خلدون – مظهرا مدى التعريب البربر في هذا العهد المريني وذلك عن طريق اسهامهم في تضخيم ديوان العرب (أي الشعر) بانتاج خاص، سماه ابن خلدون (العروبي) وقال عنه الأستاذ محمد الفاسي عميد الجامعة المغربية الحديثة في فجر تكوينها في كتابه الموضوع لدراسة هذا النوع من الأدب المغربي: إنه مقلوب عن لفظة (الربوعي) أي الرباعيات، يقول ابن خلدون: هذه الكلمات (... فاما العرب أهل هذا الجيل المستعجمون عن لغة سلفهم من مضر فيقرضون الشعر لهذا العهد في سائر الأعاريض على ماكان عليه سلفهم المستعربون، وباتون منه بالمطولات مشتملة على مذاهب الشعر وأغراضه من النسيب والمدح والرثاء والهجاء، ويستطردون في الخروج من فن إلى فن في الكلام، وربما هجموا على المقصود لأول كلامهم، وأكثر ابتدائهم في قصائدهم باسم الشاعر، ثم بعد ذلك ينسبون، وأهل أمصار المغرب من العرب يسمون هذه القصائد بالاصمعيات، نسبة إلى الاصمعي رواية العرب في اشعارهم).
ومع ذلك فنقول لابن خلدون- تبعا لما قرره هو نفسه في مقدمته، من أن المغلوب يقلد الغاالب – أن تبني بني مرين للعربية – مهما قيل عنه – فلن يخرجهم عن كونهم برابرة زناتيين.

..للحديث بقية.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here