islamaumaroc

الزخرفة المعمارية بمسجد ضريح محمد الخامس -2-

  عثمان عثمان إسماعيل

العدد 244 جمادى 1 1405- يناير 1985

1- شبكات المعبنات  Les Réseaux des Losanges
درست في أبحاث سابقة ذلك العنصر المزدهر من عناصر الزخرفة المعمارية، (1) إذ تعتبر شبكة المعينات عاملا مشتركا وبارزا بمختلف إنتاجات الطراز المغربي الأندلسي الذي شمل عصور المرابطين والموحدين وبني مرين بالعدوتين المغرب والأندلس، وعلى وجه الخصوص ضمن عناصر العمارة الزخرفية وعلة مختلف مواد الفنون التطبيقية.
فبالمساجد كما هو الحال في تينمل والكتبية وغيرها توجد شبكات المعينات ببواطن العقود وعلى سطوح الجدران بصحون المدارس والمرينية وقاعات قصر الحمراء كما ازهرت على واجهات الصوامع الشهيرة بالكتبية وقصبة مراكش وحسان والجيرالد باشبيلية، بل أنها شاعت في تصميم الزخرفة المعمارية لجميع الصوامع المغربية إلى القرن الحادي عشر على أقل تقدير ولا زلنا نراها على جدران الصوامع الخارجية إلى يومنا هذا. لقد بلغ من انتشار ذلك العنصر أن تفنن المزخرفون المعماريون في أساليبه وتنويعها فنراه قائما على الوحدات النباتية كما نراه منفذا على شكل تصميمات هندسية أو كتابية.
وسبق لعلماء الآثار والفنون الإسلامية دراسة ذلك العنصر ومحاولة التوصل إلى أصوله التاريخية، وفي هذا الصدد اعتقد جورج مارسيه بأن شبكة المعينات المتجاورة نشأت من تقاطع وتداخل عقود مسجد قرطبة/ وقال ريكار بأن التضفيرات الهندسية عكست أشكالا زخرفية ظهرت أشكالها البدائية بواجهة مسجد باب المردوم بطليطلة، وأرجعها هنري تيراس إلى الفن الإسلامي المبكر بالعصر الأموي باسبانيا. ثم توصلنا بعد الدراسات المقارنة المفصلة إلى أصول تلك الزخرفة المغربية الأصل، والذيوع والانتشار، منذ عرفها الفن المغربي العربي القديم (البربري) ابتداء من الزخارف الهندسية والنباتية على مختلف المواد والمصنوعات، كما أوضحنا أسباب ازدهار ذلك العنصر على الخصوص إبان عهود التقدم السياسي والحضاري بالعدوتين المغرب والأندلس، وهو بحث نوجزه في دراسة الأصول التاريخية ببحث قادم.
وهذا العنصر الرئيسي من عناصر الزخرفة المعمارية نراه في فنون المجموعة المعمارية وفي موضع الصدارة منها فنراه منقوشا على الحجر والجص والخشب والرخام والزلج بوحدات البناء الرئيسية.
وأيسر ما يجلو علينا ذلك الأسلوب الزخرفي المعماري التصميم الذي نلمسه في خشب أبواب الصحن الرئيسي للمسجد بضريح محمد الخامس، وهو التقسيم الزخرفي المعروف في الصنعة التقليدية باسم (حكة) تلك الوحدة المتكررة من أوراق نباتية تشكل هيئة معينات هندسية يتكون كل منها من أربعة أجزاء هي عبارة عن زوج، من ورقة نباتية كبيرة مزدوجة معروفة منذ أيام الموحدين وقد أصاب ذلك العنصر تطورا ورواجا كبيرين أيام المرينيين، كما نجد نماذج أخرى من شبكات المعينات المتجاورة منقوشة في الحجر بواجهتي البابين الكبيرين بالصحن الرئيسي للمسجد في عمارة ضريح محمد الخامس.

2- العنصر الثعباني Motif Serpentiforme):
وهو العنصر الذي أسميته في أبحاث سابقة مفصلة بكتابي تاريخ العمارة الأثرية (2) والفنون التطبيقية بالمغرب الأقصى باسم (العنصر الملفوف). ويرجع أصل العنصر تاريخيا إلى عصر المرابطين، إذ ظهر الأول مرة بالمغرب بعمارة جامع القرويين ضمن الأشغال المرابطية.
وكان الأصل في استخدامه الحاجة إليه بالنظر للأغراض المعمارية البحتة فكان يقوم بوظيفة حمل رجل العقد قبل ارتكاز العقد فوق السارية. لكن الفنان المسلم كعادته التاريخية لا يلبث أن يتناول العناصر المعمارية العاطلة من الزخرفة فيحورها ويتطور بها نحو الأغراض الفنية التي تحقق المتعة إلى جانب القيمة العملية، لهذا تطور استخدام العنصر (الثعباني) أو (الملفوف) لتحقيق أغراض معمارية وزخرفية في نفس الوقت، بل أنه أصاب تطورا مستمرا إلى أن وصل مرحلة فقد فيها أهميته المعمارية في إطار تطور التصميمات الهندسية، ومنذ ذلك التاريخ أصبح يحتفظ بذكريات معمارية إلى جانب الوظيفة الزخرفية.
ويثبت العنصر الثعباني وجوده ضمن الزخارف المعمارية بمسجد محمد الخامس حيث نراه منفذا هنا في الحجر في طراز يعرف في الصنعة المغربية باسم (حنش تمام الخرسنة مغلل)، فهو بالفعل يمثل رسم ثعبان يأتي في نهاية رجل العقد ليشغل الفص الأخير، الذي يرتكز مباشرة فوق قمة السارية أو العمود، وقد مر بنا أثناء دراسة العقود أن (الخرسنة) تعنى (التفصيص) أي الفصوص المعروفة بالمصطلح الأوروبي (LOBES)، كما أن ذلك العنصر يتخذ هنا شكل غلالة حقيقية كانت مصدر الاسم المصطلح عليه في الصنعة المغربية.
وسوف اقتصر هنا على ملاحظتين اثنتين، الأولى جديرة بالإشارة إليها وهي تمثل نوعا من العنصر المعماري الزخرفي نراه في تصميم غير سابق المثال مرسوما بالزليج نجده بالحائط الشمالي المزلج بالصحن الجاني، أما الملاحظة الثانية فتتعلق بنفس العنصر منحوتا في الحجر بواجهة الأبواب الرئيسية بالواجهة الشمالية وفي منابت عقود الشوافات والسقايات بنفس الواجهة مع فارق واحد، وهو كون ذلك العنصر جاء أكبر حجما في الباب. وتتميز تلك النماذج المنحوتة في الحجر بدقتها واكتمال هيئة الثعبان وتفاصيل رسمه بشكل يجعله مثيرا للانتباه أكثر من نماذج بمواقع معمارية أخرى.

3- الإطارات والمساند (الكوابيل) والشرفات:
الإطارات: تتعدد أنواع الإطارات وموادها وزخارفها وتقتصر على بعض الأمثلة للتعرف على أسلوبها، فابتداء من داخل بيت الصلام بحائط المحراب نفسه شريط من الجص مخرم بزخارف هندسية مضفرة يدور بأسطوانة المحراب كما نلاحظ بأعلى كل أسطوانة من أسطوانات المسجد شريط من الزخرفة النباتية المحورة عن الطبيعة، وإذا رجعنا إلى حائط القبلة نجد حول تقسيمات الحشوات الزخرفية الجصية الرئيسية سلسلة من ورقة نباتية مشرشرة تصنع مع نظيرتها شكل تضفير زخرفي.
وبالصحن الرئيسي نجد الإطارات المريعة الشكل حول الأقواس الرئيسية ويحد كل إطار شريط من زخرفة منقوشة في الحجر بتوريق بارز الحفر.
وبالصحنين الجانبيين بين المسجد وكل من الضريح والمتحف الوطني إطارات هندسية تتركب من معينات مستطيلة مضفرة تدور حول الوحدة الرئيسية لزليج الجانب الشمالي ونظيره الجنوبي للصحن وهذه الإطارات ذاتها نقشت بالزلج الملون بدون قطب.
المساند أو الكوابيل: نشير إلى مثالين منها، الأول بالصحن الرئيسي للمسجد والثاني بالمداخل الرئيسية بالواجهة الشمالية.
ففي الصحن الرئيسي نجد بكل واجهة داخلية على الصحن بالبايين المحوريين زوج من الأعمدة عن اليمين واليسار وكل منها محمول على مسند عبارة عن أربع أسطوانة نائمة دائرتها للخارج تشغلها كتابة نسخية، بالإضافة إلى أن جميع الأعمدة الحجرية القصيرة بأعلى واجهات الصحن ترتكز على مساند حجرية ناتئة هندسية التصميم.
وبكل من الأبواب البارزة بالواجهة الرئيسية وعددها ثلاثة أبواب يوجد عمود حجري (سارية) بكل من جانبي القسم العلوي وترتكز هذه السارية على مسند عبارة عن نصف كرة مقسمة إلى فصوص صماء تعلوها قاعدة مربعة تجلس فوقها السارية.
الشرفات: سوف ندرس نقصورة النساء مع فن الخشب في الحلقات التالية وبها تفصيل عمارتها، لكننا نشير الآن إلى الشرفات الخشبية التي تعلو المقصورة وتتركب كل شرفة منها من ست درجات مسننة، وتنطوي جوانح الشرفة على شكل تعريشة نباتية مشرشرة تملأ المساحة الزخرفية المخرمة.
فإذا انتقلنا من الخشب إلى الحجر أشرنا إلى مثال بالباب المحوري بالواجهة الرئيسية ومثله البابين المتناظرين بنفس الواجهة إذ يعلو كل باب منها (3) شرفة حجرية من أربع درجات تتكرر ست مرات وتبدأ وتنتهي بنصف شرفة بكل من الجانبين (4).
وفضلا عن هذا توجد نماذج مما يسمى (LES CORNICHES) بواجهات الصحن الرئيسي والواجهة الرئيسية نظرا للحاجة إليها لحماية البناء من أخطار المطر وهي عبارة عن بروزات معمارية واقية.

4- الخطوط العربية:
إن نظرة عابرة بقوائم المصادر والمراجع التي أوردتها بكتابي دراسات جديدة في الفنون الإسلامية والنقوش العربية بالمغرب الأقصى ابتداء من صفحة (276) للمصادر العربية وصفحة 248) للمصادر الأجنبية تكفي للدلالة على اعتبار فن الخطوط والنقوش العربية عاملا مشتركا بين جميع عناصر الفنون الإسلامية سواء بالعمارة الثابتة أو الزخارف الملحقة بالمرافق والملحقات كما تغطي جميع مواد التحف المنقولة من عاج وخزف وخشب وغيرها من المواد الصلبة وكذلك الورق والنسيج والسجاد وغيرها من المواد اللينة، ولهذا كان لزاما الإشارة إلى عدم كفاية الدور الذي تمثله الخطوط العربية بمؤسسة لها اعتبارها الحضاري وأعني بها التحفة المعمارية النتمثلة في مسجد محمد الخامس.
ومع هذا سنشير إلى دور الخط العربي بالمسجد على عدة مواد يمثلها الخشب في مقصورة النساء والزليج بجوفة وواجهة المحراب والجص بجدار القبلة وأخيرا الحجر بمساند معمارية بالصحن الرئيسي.
وعندما نبدأ بالخشب نشير إلى بيتين من الشعر نقشا بالخط النسخي الممتلي بواجهة المقصورة على الصحن تم اختيارها وتصميم زخارفهما بواسطة المعلم فنان في صناعة الخشب السيد اليازغي الشهير بمدينة مكناس، ولعدم التكرار نشير إلى الدراسة المفصلة لذلك المثال بالحلقات المقبلة عند الحديث على فن صناعة الخشب بمقصورة النساء.
وقد نقش في الزليج نموذج من الخط الكوفي المورق يدور بجوفة المحراب وجانبيه وهو نص قرآني يبدأ بالآية الكريمة: ?بسم الله الرحمن الرحيم يا أيها الدين آمنوا اركعوا واسجدوا...?.
ثم يأتي بأعلى ذلك الشريط الكتابي نقش آخر في الزليج أيضا يشتمل على زخرفة كتابية بالخط الكوفي المربع تقرأ به العبارة المتكررة على طول الشريط وهي (بركة محمد).
ولمعرفة نوع صنعة الزليج في النقشين يجب الإلمام بأن هناك طريقتين للكتابة المزجلة حيث تنقسم زخرفة الزليج بوجه عام إلى نوعين، فإما أن يكون الزليج منقوشا وإما أن يكون مقشرا، والزليج المنقوش هو الذي يقطع ويقص على هيئة الحروف أو الزخارف المطلوبة ثم يركب أثناء العمل بتثبيته على سطح (المرطوب) وهو لين قبل جفافه ويتطلب ذلك نوعين من الصناع الأول لقطع الزليج وقصه حسب الزخارف أو حروف الكتابة المطلوبة في التصميم المعد لذلك، ويعرف هذا الصانع بالنقاش، ويختص الصانع الثاني بتركيب عناصر الزخرفة وفرشها فوق (المرطوب) اللين ولهذا يعرف بالفراش الذي يفرشها بمواضعها. وتنقسم أساليب الزليج المنقوش إلى ثلاثة (5) أنواع يهمنا منها الآن المتعلق بالزخرفة الكتابية وفي هذه الحالة يعرف ذلك الأسلوب باسم (كتابة مولفة). أما الزليج المقشر فيتم بفؤش الزليج ذي اللون الواحد فوق السطح المراد وضع النقش فوقه وترسم نماذج الحروف أو الزخرفة فوقه ثم يقوم الصانع بتقشير المواضع التي رسمها الخطاط فيزيل من الزليج طبقته اللامعة داخل حدود الرسم ليظهر لون طينة الزليج الأصلية ويحدث التباين بين السطحين اللامع ولون العجينة السفلى، ويسمى هذا النوع من كتابة الزليج باسم (كتابة مقشرة). وهكذا نترسم مراحل تنفيذ النماذج المشار إليها في الزليج بمحراب المسجد وهي نماذج من (الكتابة المولفة).
وبالنسبة للخط النسخي لدينا مثال منه في الجص منقوشا برشاقة ودقة كبيرتين نراه في جدار قبلة المسجد يأتي مباشرة فوق إزار الزليج الذي يدور بالجدران السفلى للمسجد وهو شريط من الكتابة النسخية عبارة عن نص قرآني نصه (قل هو الله أحد). ويتكرر النص بنفس أسلوب الخط تسعة مرات فيما بين المحراب إلى الجدار الشرقي لبيت الصلاة، ويلي ذلك الشريط بأعلى المساحة شريط من زخرفة معمارية عبارة عن تقليد للخط الكوفي المضفر تظهر فوقه مباشرة الحشوات الجصية المخرمة بأعلى جدار القبلة.
وفي الحجر بالصحن الرئيسي للمسجد نجد مساند أسفل الأعمدة المحيطة بالبابين المحوريين وقد نقشت بها كتابات دينية بالخط النسخي.

-------------------------------------
1) عثمان عثمان: دراسات جديدة في الفنون افسلامية والنقوش العربية بالمغرب الأقصى ص 57/63
2) الجزء الثاني الخاص بعصر المرابطين
3) P.RICARD :POUR COMPRENDRE L’ART MUS.P.163
4) كتاب ريكار المذكور: الفن الإسلامي ص 137 وأشكال 229+230.
5) كتابنا المذكور ص 196 199.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here