islamaumaroc

تطور التشريع بتبدل الأزمان وتغير أوضاع المجتمع.

  عمر الجيدي

العدد 244 جمادى 1 1405- يناير 1985

الزمان يتطور، وأفكاره تتطورمعه، وأن أحوال الأمم والعالم غير مستقرة ولا ثابتة، ولا سائرة على نسق دائم، فكل ما في هذا الكون ينشد الأفضل، ويتوق إلى الأحسن، ناظرا إلى المستقبل، متطلعا لأن يدرك أسرار هذ الكون وملابساته.
وقد أدرك هذه الحقيقة عالم الإجتماع، وفيلسوف التاريخ العلامة ابن خلدون فدونها في مقدمته إذ لاحظ "أن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وثيرة واحدة، ومنهاج مستقر، إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة، وانتقال من حال إلى حال.
وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار، فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول، سنة الله التي قد خلت في عباده" (1).
وهذه الحقيقة سبق بها علماء الإسلام علماء الغرب بما لا يقل عن خمسة قرون قبل أن يدركها العلامة مونتسيكيو وغيره من علماء الاجتماع والقانون، إذ لاحظها قبلهم شهاب الدين القراني، وابن قيم الجوزية، وابن خلدون، وأبو إسحاق الشاطبي، وغيرهم من فقهاء الإسلام وعلمائه منذ القرن الثالث عشر للميلاد بل إن هذا الأمر الاجتماعي الواضح كان عند فقهاء المسلمين قديما وحديثا من الأمور البديهة التي لا جدال فيها، وقد نوه بها في أواخر القرن التاسع عشر مفتي الديار المصرية الإمام محمد عبده في مقالة اختلاف القوانين باختلاف الأمم (2).
ومن خلال هذه الحقيقة الاجتماعية نذرك أن مصالح الناس تتبدل بحسب تبدل مظاهر المجتمع البشري، وحيث كانت مصالح العباد أساس كل تشريع، كان من الضروري والمنطقي أن تتبدل الأحكام وتتغير، وفق تبدل الزمان وتغيره، وتتأثر بمظاهر المحيط والبيئة الاجتماعية، ومن المقرر في فقه الشريعة، أن لتغير الأوضاع والأحوال الزمنية تأثيرا كبيرا في كثير من الأحكام الشرعية الاجتماعية، إذ القصد هذه الأحكام إقامة العدل، وجلب المصلحة، ودرء المفسدة، فلها ارتباط وثيق بالأوضاع والوسائل الزمنية وبالأخلاق العامة، فكم من حكم كان تدبيرا أو علاجا ناجحا لبيئة في زمن معين، فأصبح بعد جيل أو أجيال، لا بفي بالغرض المنشود، أو أصبح بفضى إلى عكسه بتغير الأوضاع والوسائل والأخلاق، وقد اهتم الفقهاء المتأخرون بهذه الحقيقة على اختلاف مذاهبهم، ولاحظوها في كثير من المسائل، أفتوا فيها بعكس ما أفتى به أئمة المذاهب القدامى، وإزاء مخالفتهم لهم عللوها بقولهم: أن سبب اختلاف فتواهم عمن سبقهم، هو اختلاف الزمان، وفساد الأخلاق، فليسوا في الحقيقة مخالفين للسابقين من فقهاء مذاهبهم، بل أن الأئمة السابقين لو عاشوا في عصر هؤلاء المتأخرين لأفتوا بمثل ما أفتى به هؤلاء.
ولو استمر بهم الحال، ورأوا ما رأى المتأخرون، لقالوا بمثل ما قالوا، ولعدلوا عن كثير من الأقوال التي أفتوا بها في زمنهم (3).
ومن هنا جاء قولهم " هذا اخلاف حال لا اختلاف حكم" (4).
وتؤثر كلمة عن أبن أبي زيد القيرواني في شأن كلاب الحراسة لما قيل له: إن مالكا كان لا يرى إتخاذ الكلب الحراسة الدور، فأجاب: " لو أدرك مالك هذا الزمان لا تخذ أسدا ضاريا" (5).
وقال إبن يونس (6): " لو أدرك الإمام وأصحابه مثل زماننا هذا لجعلوا الميراث لذوي الأرحام إذا إنفردوا، ولقالوا بالرد على ذوي السهام" (7)  
وعلى هذا الأساس، أسس الفقهاء القاعدة الفقهية القائلة: " لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان".
وقد أصاب إبن القيم عندما لاحظ أن تغير الفتوى واختلافها، تتغير بحسب تغير الأزمنة والأمكنة، والأحوال والنيات والعوائد.
وذكر أن بسبب الجهل بهذه الحقيقة وقع غلط عظيم على الشريعة، أوجب من الحرج والمشقة والتكليف، ما لا سبيل إليه، الشيء الذي يتنافى والشريعة التي هي في أعلى رتب المصالح (8).
وليس إبن القيم أول من أدرك هذه الحقيقة، بل أدركها كثير من الفقهاء قبله، فالإمام مالك قال: " تحدث للناس فتاوى بقدر ما أحدثوا" .
وعمر بن عبد العزيز قال: " تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور" (9)
ولما كانت المصالح هي علل الأحكام وأساسها، كان من اللازم أن يستتبع هذا، قاعدة أخرى، وهي: أنه إذا زالت العلل أو تغيرت وجب زوال أو تغير ما بني عليها من الأحكام.
ولذا قيل في القواعد الأصولية: " إن الحكم الشرعي المبنى علة علة يدور معها وجودا وعدما"، كما قيل: " إن الحكم الشرعي مبنى على علته، فبانتهائها ينتهي"...
قال الأغلالي ناظما هذه الحقيقة:
وكل ما يبنى على العرف يـدور       معه وجودا عدما دور البـدور
فاحذر جمودك على ما في الكتب     فيما جرى عرف به بل منه تب
وكل ما في الشرع فهو تابــع         إلى الـعـوائـد لها فجـامـع
فمـا اقتضتـه عادة تجـددت  تعين الحكم بــه إذا بــدت
ثم إن المسائل الفقهية في جلها ثابتة عن طريق الاجتهاد والرأي، وكثير منها بناه المجتهد على ما كان في عرف زمانه، ولو تاخرت به الحياة إلى زمان العرف الحادث لقال بخلاف ما قاله أولا.
ولهذا اشترطوا في المجتهد أن يراعي عادات الناس، فكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغير عرف أهله، أو لحدوث ضرورة، أو لفساد أهل الزمان، بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أولا، للزم منه المشقة والضرر بالناس، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير ودفع الحرج والضرر، ليبقى العالم على أتم نظام، وأحسن إحكام، ولهذا نر مشايخ المذاهب خالفوا ما نص عليه أئمتهم في مواضع كثيرة بنوها على ما كان في زمنهم، لعلمهم بأنهم لو كانوا في زمانهم، لقالوا بمثل ما قالوا به، فالإمام أبو حنيفة كان لا يرى أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وكذا على الأمامة في الصلاة، ولكن مع مرور الزمان، وتغير الأحوال، أفتى المتأخرون من أصحابه بجواز الاستئجار على تعليم القرآن ونحوه، نظرا لانقطاع عطايا المعلمين، التي كانت متوافرة في الصدر الأول، بحيث لو اشتغل المعلمون بالتعليم بلا أجرة، للزم ضياعهم وضياع عيالهم، ولو اشتغلوا بالإكتساب من حرفة وصناعة، للزم ضياع القرآن والدين، فأفتوا بأخذ الأجرة على التعليم (10) وكذلك ما ذهب إليه أبو يوسف ومحمد بن الحسن الحنفيان من عدم الإكتفاء بظاهر العدالة في الشهادة، مع مخالفتهما لما نص عليه الإمام أبو حنيفة، بناء على ما كان في زمانه من غلبة العدالة، لأنه كان في الزمن الذي شهد له رسوله الله صلى الله عليه وسلم بالخيرية، وهما أدركا الزمن الذي فشا فيه الكذب، وقد نص الفقهاء على أن هذا اختلاف عصر وأوان، لا اختلاف حجة وبرهان (11).
ومن المقرر فقها أن القاضي يقضى بعلمه الشخصي في الحوادث، بحثي يعتبر علمه بالقضية المتنازع فيها مستندا لقضائه ويغنى المدعي عن إثبات مدعاه بالبينة، ويكون علم القاضي كافيا عن البينة، ولكن مع تغير الزمان، وفساد الأخلاق، وغلبة أخذ الرشا والفساد على القضاة فيما بعد، أفتى المتأخرون بأنه لا يجوز للقاضي أن يستند إلى علمه في القضايا، بل لا بد أن يستند قضاؤه إلى وسائل الإثبات، مع العلم أنه مطلع على القضية، وعلى هذا استقر العمل عند المتأخرين على عدم نفاذ قضاء القاضي بعلمه (12).
وحتى الأحكام الواردة في السنة النبوية نفسها إذا كان منها شيء مبينا على رعاية أحوال الناس وأخلاقهم في عصر النبوة، ثم تبدلت أحوالهم وفسدت أخلاقهم، وجب تبديل الحكم النبوي – تبعا لذلك – إلى ما يوافق غرض الشارع في جلب المصالح، ودرء المفاسد، وصيانة الحقوق، وعلى هذا المبدأ سار الصحابة الكرام بعد عصر النبوة.
1- فقد روى في صحيح البخاري وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ضالة الإبل هل يلتقطها من يراها لتعريفها وردها على صاحبها حتى يظهر؟ فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التقاطها، لأنها لا يخشى عليها ما يخشى على غيرها من الضياع، وأمر بتركها ترعى الكلأ، وترد الماء حتى يلقاها ربها...
وقد ظل هذا الحكم محافظا عليه إلى آخر عهد عمر، فلما كان عهد عثمان بن عفان، أمر بالتقاط ضوال الإبل وبيعها على خلاف ما أفتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها (13).
ذلك لأن عثمان رأى أن الناس قد دب إليهم فساد الأخلاق والذمم، وامتدت أيديهم إلى الحرام، فهذا التدبير أصون لضالة الإبل، وأحفظ لحق صاحبها، خوفا من الان تنالها يد سارق أو طامع، فهو بذلك – وإن خالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظاهر، فهو موافق المقصود، إذ لو بقي العمل على موجب ذلك الأمر بعد فساد الزمان، لآل إلى عكس مراد الشارع عليه السلام في صيانة الأموال، وكانت نتيحته ضررا.
2- ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم عن كتابة أحاديثه وقال لأصحابه من كتب عني غير القرآن فليمحه واستمر الصحابة والتابعون يتناقلون السنة النبوية حفظا وشفاها لا يكتبونها حتى آخر القرن الهجري الأول، عملا بهذا النهي، ولكن بعد ذلك انصرف العلماء في مطلع القرن الثاني الهجري إلى تدوين السنة النبوية، لأنهم خافوا ضياعها بموت حفظتها، ورأوا أن سبب النهي عن كتابتها إنما هو خشية أن تختلط بالقرآن، فلما لم يبق هناك خشية على الاختلاط، لم يبق موجب لعدم كتابة الحديث.
وقد نقل ابن عابدين عن بعض المحققين أنه لابد للحاكم من فقه في أحكام الحوادث الكلية، وفقه في نفس الواقع وأحوال الناس، يميز به بين الصادق والكاذب، والمحق والمبطل، ثم يطابق بين هذا وهذا ، وكذا المفتي الذي يفتى بالعرف لابد له من معرفة الزمان وأحوال أهله، ومعرفة أن هذا العرف خاص أو علم، والدلائل، فإن المجتهد لابد له يكن عالما بأهل زمانه، فهو جاهل (14).
ومن تم اشترط فقهاء المالكية أن يكون القاضي بلديا، أي عرف أحوال أهلها وعاداتهم وأعرافهم ومقتضيات ألفاظهم فيما يذهبون إليه (15) يقول الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: " على القاضي أن يكون خبيرا بشؤون القوم الذي يفتي بينهم، وأن يكون عارفا بعوائدهم، وأعرافهم، وفي هذا يحكي عن مالك (ض) قوله: رحم الله شريحا تكلم ببلاده ولم يرد المدينة فيرى آثار الأكابر من أزواج رسو الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، والتابعين بعدهم، وما حسبوا من أقوالهم، وهذه صدقات رسو الله صلى الله عليه وسلم سبع حوائط، وينبغي للمرء أن لا يتكلم إلا فيما أحاط به خبرا" (16)
ولما قيل للشيخ ابن عبد السلام التونسي: إن هؤلاء القوم امتنعوا من توليتك القضاء، لأنك شديد في الحكم، قال لهم: أنا أعرف العوائد وأمشيها (17).
وفي مواهب الخلاق للشيخ الصنهاجي " ينبغي للقاضي أن يكون عارفا بعوائد أهل البلد الذي ولي به ليجرى الناس على عوائدهم وأعرافهم، المنزلة منزلة الشرط المدخول عليه صريحا" (18).
والحكمة في اشتراط ذلك كله: معرفة أحوال القوم وأعرافهم حتى إذا تغيرت حالاتهم واختلفت أعرافهم، تغير الحكم تبعا لتغير أحوال الناس وتقاليدهم...
يقول الأستاذ خلاف: " إن الأحكام التي روعي فيها العرف تتغير العرف، ولهذا خالف بعض المتأخرين من الفقهاء بعض أئمتهم ومتقدميهم بناء على اختلاف العرف في زمنهم، ولما قال محمد بن الحسن يعفى عن رشاش البول وخالفه أبو يوسف قال: لو رأى صاحبي مور وما عليه سكانها لوافقني (19) وكثيرا ما قال الفقهاء عن اختلافهم أنه اختلاف عصر وزمان، لا اختلاف حجة وبرهان" (20)
ونعرف أن الإمام الشافعي غير كثيرا من أرائه لما نزل مصر.
وقد قال الإمام القرافي: "إذا جاءك رجل من غير إقليمك لا تجره على عرف بلدك، والمقرر في كتبك، فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات – أيا كانت – اضلال في الدين، وجهل بمقاصد المسلمين والسلف الماضين" (21) وذكر في كتابه (الإحكام) أن الصحيح في هذه الأحكام الواقعة في مذهب مالك والشافعي وغيرهما المترتبة على العوائد والعرف اللذين كانا حاصلين حالة جزم العلماء بهذه الأحكام، إذا تغيرت تلك العوائد وصارت تدل على ضد مل كانت تدل عليه أولا، فهل تبطل هذه الفتاوي المسطورة في الكتب، ويفتى بما تقتضيه العوائد المتجددة، أو يقال نحن مقلدون وما لنا أحداث شرع لعدم أهليتنا للاجتهاد فنفتي بما في الكتب المنقولة عن المجتهدين؟ فالجواب أن جرى هذه الأحكام التي مدركها العوائد مع تغير تلك العوائد خلاف الإجماع، وجهالة في الدين، بل كل ما في الشريعة يتبع العوائد يتغير الحكم فيه عند تغير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة، وليس ذلك تجديدا للاجتهاد من المقلدين حتى يشترط فيه أهلية الإجتهاد، بل هي قاعدة اجتهد فيها العلماء، وأجمعوا عليها، فنحن نتبعهم فيها من غير اجتهاد، ألا ترى أنهم أحمعوا على أن المعاملات إذا أطلق فيها الثمن، يحمل على غالب النقود، فإذا كانت العادة نقدا معينا، حلمنا الاطلاق عليه، فإذا انتقلت العادة إلى غيره، عينا ما انتقلت العادة إليه وألغينا الأول، لانتقال العادة عنه، وكذلك الاطلاق في الوصايا، والايمان، وجميع أبواب الفقه المحمولة على العوائد، وكذلك الدعاوي إذا كان قول من إدعى شيئا لأنه العادة، ثم تغيرت العادة، لم يبق القول قول مدعيه، بل انعكس الحال فيه، ولا يشترط فيه تغير العادة، بل لو خرجنا نحن من ذلك البلد إلى بلد آخر عوائدهم على خلاف عادة البلد الذي كنا فيه، أفتيناهم بعادة بلدهم، ولم نعتبر عادة البلد الذي كنا فيه، وكذلك إذا قدم أحد من بلد، عادته مضادة للبلد الذي نحن فيه، لم نفته إلا بعادة بلده (22).
روى عن مالك أنه قال في حق الزوجين المتنازعين في قبض الصداق بعد الدخول، أن القول قول الزوج، لكن القاضي إسماعيل (23) علق على قول الإمام هذا بقوله: " كانت هذه عادتهم بالمدينة، أن الرجل لا يدخل بامرأته حتى تقبض صداقها، واليوم عادة المدينة على خلاف ذلك، فالقول قول المرأة مع يمينها، لأجل اختلاف العوائد" (24).
وفي جواب لابن منظور: لا شك أن أحكام الأقضية والفتاوي تتبع عوائد الزمان وعرف أهلها (25) ويقول القرفي: أن الأحكام المترتبة على العوائد تدور معها كيفما دارت، وتبطل معها إذا بطلت، كالنقود في المعاملات، والعيوب في العروض والمبيعات، فلو تغيرت العادة في النقدين والسكة إلى سكة أخرى لحمل الثمن في البيع عند الاطلاق على السكة التي تجددت العادة بها دون ما قبلها، وكذلك إذا كان الشيء عيبا في الثياب في العادة، رددنا به البيع، فإذا تغيرت تلك العادة، وصار ذلك المكروه محبوبا، لم يرد به، وبهذا القانون تعتبر جميع الأحكام المترتبة على العوائد، وهو تحقيق مجمع عليه بين العلماء" (26).
وفقهاء الأحناف يذكرون أن من غضب ثوبا وصبغه بلون يزيد في قيمته فلمالكه الخيار بين أخذه مصبوغا ويضمن الزيادة لصاحبه، وبين أن يضمنه قيمة ثوب أبيض ويتركه للغاصب، وإذا صبغه بلون ينقص قيمته فلمالكه أن يضمنه نقصانه، فإذا صبغه بلون أسود فأبو حنيفة يرى أنه نقص فيضمن الغاصب قيمة النقصان، ويرى صاحباه أنه زيادة كما لو صبغه بلون أصفر أو أحمر، وأرجع الفقهاء هذا الاختلاف، إلى إختلاف العرف، ففي عصر أبي حنيفة كان بنو أمية يمتنعون عن لبس السواد فكان مذموما، وفي زمن صاحبيه كان بنو العباس يلبسون السواد فكان ممدوحا، فكان الصيغ به زيادة فيه، فاختلف الحكم تبعا لاختلاف العرف (27).
ويذكر المقري في القاعدة (1231) أنه " إذا انتقل العرف أو بطل، بطلت سببيته في ذلك بحسب الأعصار والأمصار" (28).
ويقول في القاعدة (1037) " كل حكم مرتب على عادة فإنه ينتقل بانتقالها إجماعا، كما تختلف النقود في المعاملات، والألفاظ في المتعارفات، وصفات الكمال والنقص في عيوب المبيعات، فالمعتبر في ذلك كله العادة، فإذا تغيرت تغير الحكم" (29).
ونقل المهدي الوزاني بن عبد القادر الفاسي أن " لفظ اليمين أصله في اليمين بالله، لكن عرف الناس في هذه الأعصار وفيما قبلها، صرفه لعصمة الزوجية، فيعمل على مقتضاه، لأن الإيمان أبدا دائرة مع عرف الحالف أو بلده، وتختلف الفتوى باختلاف الأعراف والعادات" (30).
وفي بعض أجوبة "ابن لب" (31) " أن العمل يتبدل بتبدل الأزمان، فمذهب "ابن القاسم" الذي لا يعتبر ولاية ولا ترشيدا، كان الحكم به في الأندلس قبل هذا الوقت، أما الآن فالأمر يختاف" (32).
فالمصلحة تستدعي – لا محالة – تغير الأحكام، لأن الأعراف تتجدد بتجدد الحاجات وفساد الزمان، وبقاء الأحكام على حالة واحدة، مع تغير الزمان، قد تكون مشار حرج ومشقة على الناس، وقد لا تتحقق المصلحة مع بقائها كذلك، ولذلك قال الإمام مالك رضي الله عنه: " تحدث للناس فتاوي بقدر ما أحدثوا".
علق "الزرقاني" (33) على كلام الإمام هذا بقوله: " أم مراده أن يحدثوا أمورا تقتضي أصول الشريعة فيها غير ما اقتضته قبل حدوث ذلك الأمر، وهذا نظير قول عمر بن عبد العزيز: " تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور" (34).
قال "القرافي" : ولم يرد رضي الله عنه نسح حكم، بل المجتهد فيه يتنقل له الاجتهاد لاختلاف الأسباب (35).
وقد نقل القرافي الإجماع على أن الأحكام المترتبة على العوائد تدور معها إذا دارت (36).
وتغير الأحكام له سند من السنة، فقد أخرج الشيخان بسندهما إلى عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسو الله صلى الله عليه وسلم: " لولا أن قومك حديثو عهد بشرك، لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم" (37) وما أخرج " الترمذي" (38) عن زيد بن خالد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: " لولا أن أشق على أمتي لأخرت العشاء إلى ثلث الليل، ولأمرتهم بالسواك عند كل صلاة". (39)، فاستنتج الفقهاء من هذين النصين أن كلمة "لولا" في الحديثين، أفادت أن إقامة الكعبة على قواعد إبراهيم، والأمر بتأخير العشاء، والسواك عند كل صلاة أحكام صالحة، وإنما منع الأول قرب قريش من عهد الكفر، وتمكن عادات الجاهلية من نفوسهم، بحيث لو تغير بناء الكعبة، لحدث من المفاسد ما يزيد على مصلحة التغيير، وهو الارتداد إلى الشرك، ومنع من الأخيرين: طبيعة الناس، التي يشق عليهم معها هذا التكليف، فدل هذا على أن الأحكام تتغير بالعادات (40).
كما أن في آثار الصحابة ما يدل على تبدل الأحكام بتبدل الزمان والعوائد، فقد أخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: " لو أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، ما أحدث النساء لمنعهن المساجد كما منع نساء بني إسرائيل" (41).
فقد كان الصلاح غالبا في عهده صلى الله عليه وسلم، حيث كانت النساء يخرجن متسترات بلباسهن، فكانت المصلحة في خروجهن لينلن ثواب الجماعة، ولكن لما تغير الحال بعده صلى الله عليه وسلم، رأت عائشة رضي الله عنها أن المصلحة ليست في خروجهن، بل فيه بلاء وفتنة، وتقتضي المصلحة أن يستنبط لهم حكم آخر يناسب الحالة الطارئة، وهو منعهن من الخروج ولذلك قال الزرقاني تعليقا على حديث عائشة هذا: ولا غرو في تبعية الأحكام للأحوال" (42).
والنداء للجمعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والخليفتين بعده، كان بالاذان بين يدي الخطيب، فلما كان عهد عثمان ورأى كثرة الناس بحيث لا يسمعون هذا النداء زاد الاذان الأول في السوق (43) ولم ينكر عليه.
ثم بعد هذا يمكن أن يرد سؤال: هل التبدل في الأحكام يعد نسخا ؟ والجواب: أن هذا لا يعد نسخا، ؟لأنه ليس لأحد من المجتهدين ولا لسلطة من السلط نسخ شيء من الشريعة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، والأحكام باقية ما بقيت الدنيا، ولكن الحكم المبنى على العادة، يستنبط طبقا لحادثة معينة ذات أحوال خاصة، فإذا طرأ على هذه الحادثة عرف آخر، تغيرت طبيعتها، وجدت أحوال جديدة لهذه الحادثة نفسها، احتاجت إلى استنباط حكم آخر، وهكذا... فالأحكام باقية بالنسبة لحوادثها لا رفع فيها ولا تبديل، وإنما الرفع والتبديل إذا تغيرت الأحوال، وجاء عرف آخر.
فرفع الحكم معناه: رفع تطبيق الحكم السابق لعدم مناسبته، لا رفع الحكم المشروع (44).
فإن للواقعة الواحدة ذات الأحوال المختلفة حكيمين أو أحكاما ثابتة، كل حكم يطبق في ظرفه الذي يختص به، بخلاف النسخ، فإن حكم الحادثة فيه يرفع بحيث لا يبقى له وجود أصلا، وهذا ما لاحظه الإمام الشاطبي إذ قال: " وإنما معنى الاختلاف أن العوائد إذا اختلفت رجعت كل عادة إلى أصل شرعي يحكم به عليها" (45).
وبعد هذا يمكن أن يثار سؤال آخر وهو: ما هي الأحكام التي يجب تغييرها بتغير الزمان والعادات ؟
لقد ثبت من خلال الأمثلة التي أسلفنا الكلام عنها، أن الفقهاء متفقون على أن الأحكام التي تتبدل الزمان وأخلاق الناس، هي الأحكام الاجتهادية من قياس ومصالح، أي تلك الأحكام التي قررها الاجتهاد بناء على القياس، أو على اعتبار المصلحة، أما الأحكام التي جاءت بها الشريعة من أمر ونهي – وهي الأحكام التي جاءت بها الشريعة من أمر ونهي – وهي الأحكام الثابتة – فهذه لا تتبدل بتبدل الأزمان، بل هي جاءت لإصلاح الأزمان والأجيال، وراعت مصالح الناس حين ورودها، غير أن وسائل تحقيقها، وأساليب تطبيقها، قد تتبدل باختلاف الأزمنة المحدثة (46). وأيضا فالأحكام الشرعية مهما تبدلت، فإن المبدأ الشرعي فيها واحد، هو إحقاق الحق، وجلب المصالح، فتبدل الأحكام هي تبدل الوسائل والأساليب، إذ هي في الغالب لم تحددها الشريعة الإسلامية، وإنما تركتها مطلقة لكي يختار منها في كل زمان ما هو صالح ونافع.
وعوامل تغير الزمان نوعان: فساد ويتطور.
أما عن الأول: فيرجع إلى فقدان الورع وضعف الوازع.
وأما عن الثاني: فينشأ عن حدوث أوضاع تنظيمية جديدة، ووسائل زمنية طارئة من تراتيب إدارية، وأساليب اقتصادية ونحو ذلك، وكلا النوعين موجب لتغير الأحكام الفقهية الاجتهادية، إذا أصبحت لا تتلاءم معه، لأنها تصبح عندئد ضررا، والشريعة منزهة عن الضرر بالناس، بل هي ما أتت إلا لتصلحهم في أحوالهم الدينية والدنيوية، وقد قرر الشاطبي أن لا عبث في الشريعة (47) لكن ما هي الأحكام التي يدخلها التغيير ؟ ذاك ما سنراه في الحلقة القادمة إن شاء الله.


-------------------------------------
• نص المحاضرة التي ألقاها الكاتب بقاعة عمالة بنمسيك سيدي عثمان بالدار البيضاء بتاريخ 1 جمادى الثانية 1405/22/2/1985 بدعوة من منطقة نوادي التربية والثقافة والعلوم (الايسكو – اليونسكو).
1) مقدمة ابن خلدون ص: 28 ط: المكتبة التجارية.
2) فلسفة التشريع ص: 221.  
3) المدخل الفقهي العام: 2/924.
4) انظر حاشية ابن الخياط على شرح الخرشي لفرائض خليل ص: 8. والمعيار 8/467.
5) حاشية المهدي الوزاني: 2/350.
6) أبو بكر محمد بن عبد الله بن يونس التميمي الصقلي إمام حافظ نظار المتوفى سنة 451هـ.
7) انظر حاشية ابن الخياط ص : 51.
8) أنظر أعلام الموقعين: 3/1.
9) أنظر المعيار 8/467.
10- نشر العرف (مخطوط) الخزانة العامة بالرباط رقم 602 د وتيسر أصو الفقه ص: 112، وأصول الفقه لشلبي ص: 330.
11) المصادر السابقة.  
12) انظر في هذا: شرح ميارة للتحفة: 1/30.
13) الموطأ بشرح الياجي: 6/134.
14) نشر العرف ص: 13.
15) انظر شرح ميارة للتحفة: 1/13.
16) مقاصد الشريعة الإسلامية ص: 198.
17) شرح الزقاقية لعمر الفاسي ص: 248. ط.ف.
18) مواهب الخلاق 2/243.
19) مصادر التشريع الإسلامي ص: 148.
20) المعيار 8/478.
21) الفروق 1/177.
22) الأحكام ص: 68 والتبصرة لابن فرحون 2/69.
23) أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق من كبار فقهاء المالكية وصاحب التأليف الكثيرة توفي سنة 284 أو 282 هـ.
24) الأحكام للقرفي ص: 68 والتبصرة 2/69.
25) المعيار 8/467 وتحفة الأكياس: 1/48.
26) الفروق: الفرق: 28-ج 1 ص: 176.
27) رسالة نشر العرف (مخطوط) وأصول الفقه لشلبي ص 329. وقولهم من غصب ثوبا وصبغه بلون يزيد في قيمته فلمالكه الخيار بين أخذه مصبوغا ويضمن الزيادة. لا نرى هذا من العدل في شيء لأنه غاصب فكيف يستحق الزيادة؟ وزهل صاحب الثوب طلب منه أنه يصبغه ؟
28) القواعد ص: 151.
29) المصدر السابق ص: 130.
30) تحفة الأكياس: 1/27.
31) أبو سعيد فرج بن محمد بن أحمد ابن لب الأنصاري المتوفى سنة 726هـ.
32) انظر فتح الجليل الصمد للسجلماسي (مخطوط).
33) أبو عبد الله محمد بن عبد الباقي الزرقاني الإمام المحدث المتوفى سنة 1122هـ.
34) شرح الموطأ 4/204.
35) انظر الفروق: 2/5.
36) انظر الفروق: 1/176.
37) فتح الباري: 9/237 وفي رواية: " لولا حدثان قومك بالكفر...".
38) أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي الإمام المحدث صاحب الصحيح المتوفى سنة 279هـ
39) انظر صحيح الترمذي: 1/40 بشرح القاضي ابن العربي.
40) انظر العرف والعادة ص: 84.
41) صحيح البخاري: 1/169.
42) شرح الزرقاني للموطأ: 1/360.
43) في الفواكه الدواني: كان النبي صلى الله عليه وسلم، إذا دخل المسجد رقي المنبر فجلس ثم يؤذن المؤذنون، وكانوا ثلاثة يؤذنون على المنار واحدا بعد واحد فإذا فرغ الثالث قام النبي صلى الله عليه وسلم، يخطب، وكذا في زمن أبي بكر وعمر ثم لما كثرت الناس أمر عثمان بإحداث أذان سابق على الذين كان يفعل على المنار، وأمرهم بفعله الزوراء عند الزوال. (1/303).
44) انظر العرف والعادة ص 89.
45) الموافقات : 2/286.
46) المدخل الفقهي العام: 2/925.
47) الموافقات: 1/158.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here