islamaumaroc

افتتاحبة: المحجة البيضاء

  دعوة الحق

العدد 244 جمادى 1 1405- يناير 1985

على هدي من كتاب الله تعالى، وسنة رسوله المجتبى محمد صلى الله عليه وسلم، واقتداء بسنة السلف الصالح الذي كون في تاريخ الدعوة الإسلامية، مدرسة الجماعة المستمسكة بعروة الدين والملة على أصولهما التي جاءت في القرآن الكريم وسنة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، على هذا النهج تستمر مسيرة المغرب في العمل الإسلامي، الذي هو عمل التقدم والحضارة والتنمية والتطوير الشامل لقدرات الأمة وطاقات الرعية في العلم والإبتكار والإجتهاد وتنوير الطريق إلى المستقبل وإضاءته بمعالم النجاح والإنتصار في معارك الحياة وتحدياتها المختلفة.
وبدون مجازفة في القول، ومع استقراء المراحل والأشواط الإيجابية التي قطعتها بلادنا منذ استقلالها حتى الآن، أي منذ ثلاثين سنة ونيف، جاز لنا التأكيد بأن النهج الواضح المعالم، الساطع الإمارات، الذي تسلكه مسيرة بلادنا تحت القيادة المؤمنة والمجاهدة لأمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني أعزه الله، هو نهج إسلامي متغلغل الجذور عميقها، مترسخ الأصول ثابتها، خالص الهوية صادقها، مما يثبت لكل مراقب يلاحظ تاريخنا الحديث، أن المملكة المغربية بقيادة العرش العلوي المجيد، لا تعرف في اختياراتها المذهبية أي خلط أو فراغ، ولا تحيد عنها نتيجة اختلال في الرؤية أو إرتباك في الموقف أو إضطراب في الممارسة.
فسواء تعلق الأمر بالقضايا الداخلية، أو تعلق بالشؤون الخارجية، على إتساع محيطها وإنتشار دائرتها وإنفساح آفاقها، هناك دائما رؤية إسلامية يحكمها المغرب فيما يجابهه من تحديات وفيما يكون عرضة له من إختيارات حاسمة، تستوجب سياسة حازمة، وقرارات جدية، ومواقف فعالة وذات قدرة على تجاوز الصعاب.
ولئن كانت الدول الإسلامية، بعضها لا يزال باحثا عن الذات والهوية، وبعضها لا يزال نتخبطا في متاهة الإيديولوجياتوتشبعات التمذهب الدخيل، وبعضعها الآخر لا يزال في مرحلة التجريب معرضا بذلك كيانه وإمكانيته لخطر الاستقطاب الخارجي. فإن المغرب ولله الحمد، قد فطن، بفضل صواب النظر، وجدوة الرأي، وحسن التقيم والتحليل، وهي كلها مزايا وسجايا حميدة تتحلى بها القيادة الحكيمة لجلالة الملك الحسن الثاني، إلا أن أصالة الأمة، وعبقرية الشعب في التاريخ؛ جهادا واجتهادا، وملحمة المغرب الحضارية المستمدة من إشعاع الإسلام ونوره الوضاء، كل ذلك يحميه العمل الموصول، وتصونه التضحية الدؤوب، وتحفظه الإرادة التي تستلهم التاريخ المجيد وتأخذ منه العظة والعبرة، والتي تمزج خصائصه بإنجازات الحاضر وتوقعات المستقبل، لتخرج برؤية شاملة موحدة، تنظر إلى التاريخ باعتباره تيارا يتدفق بطاقات متجددة، ينبع من خصوصيات الأصالة، والمشروعية، وتبلور الإختيارات المذهبية الثابتة في إطار واحد يجمع بين التاريخ والمستقبل وبين التأصيل والتحديث.
كذلك من نعم الله سبحانه على بلادنا، أنها بفضل الحكمة المؤمنة والإيمان الحكيم لأمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني، إستطاعت، علاوة على عافيتها الموفورة من أخطاء التقديرات السيئة للأمور والقضايا التي تنشب في عالمنا المعاصر، ومن أخطار التحليلات المغلوطة التي سارت صوبها بعض الخطوات الضالة من عالمنا الإسلامي، تمكنت كذلك من تبوؤ مكان مرموق في عالمنا الحديث، كدولة تتشبت بمقدساتها، وتتعلق باختياراتها، وكذولة وفية إلى مصيرها في ظل الإسلام وكنفه، لا تحيد ولا تعدل عنه كيفما كانت المثبطات والحوائل المانعة لذلك.
نعم، إن اضطرابات البعض في الدول الإسلامية في الاختيارات الأساسية، قد جنح به للأسف إلى ناحية تتسم بالتخلخل وعدم الإستقرار، وبالتوترات وغليان الأوضاع، الأمر الذي حال بينه وبين الإنصراف إلى تدعيم قدرته التنموية من جهة، أوقعه من جهة أخرى في بؤرة تتصف بفساد التوجه، والطموح الضال، والتطلع الأعمى، والتوقان إلى زعامة كاذبة وهيمنة مخدوعة.
وبخلاف هذا البعض الذي سقط فريسة لهذه الحالة المزرية من العقم والتململ وذوبان الذاتية في جليد من الأفكار الوافدة، وفي قوالب من النظريات المستوردة، فإن المغرب ولله الحمد، بفضل ما خصته به عناية الله سبحانه من قيادة مؤمنة، وبفضل ما حبت به هذه العناية الربانية قيادتنا الحكيمة من خصال الثبات على الإيمان والإسلام والهداية وسبل الرشاد، تسنى له أن يتقدم أشواطا بعيدة وعميقة الأثر في تاريخنا المعاصر، ينم عن ذلك مستويات كثيرة، وفي ميادين متنوعة وحقول متشعة، وهو دور قلما نهضت به، على هذا النحو من النجاح في المهام والظفر فيها، وعلى هذا المثال من المثابرة التي جلبت لبلادنا التقدير والسمعة الحسنة والإعجاب المتوالي والإحترام المتصل، دولة من الدول في عالمنا الحديث.
إن المغرب الذي يترأس في شخص عاهله المفدى جلالة الملك الحسن الثاني حفظه الله، القمة الإسلامية الرابعة التي احتضنتها بلادنا في السنة المنصرمة، والذي يتولى في شخص ملكه المجاهد رئاسة لجنة القدس الشريف، والذي تستقر على أرضه الموحدة مقار عدد من الهيئات والمؤييات والمنظمات الإسلامية ذات الشأن الخطير في صياغة ما يصح ويصلح لأمتنا الإسلامية من قرارات توجه عملها الحضاري والتطوري نحو المستقبل،.. إن بلدا هذا شأنه وهذا دوره الريادي، ليحظى يوما عن يوم، إن على الصعيد الإسلامي، أو على الصعيد الدولي، بالمزيد من مشاعر الإكبار والتقدير، لما يمثله هذا الدور بالذات، من استمساك بالقيم الإسلامية المثلى، ومن تعلق بالمبادئ الروحية السليمة والتي لا تستقيم بدونها حياة، ولا تستوي بعيرها نهضات الأمم ووثباتها في مضمار الرقي والإرتقاء، ولا تتقدم بسواها من القيم والمبادئ أوضاع الشعوب وحالات الدول.
والواقع، هو أننا حين نستقصي أسباب هذا الدور القيادي والريادي للمغرب في المجال الإسلامي بصفة أخص، نجدها مستوفاة ومحصولة في المحاور التالية:
• أمة متمسكة بمقدساتها ومقوماتها الإسلامية، والحضارية، والتاريخية.
• عرش مؤمن، لا يدخر جهدا في الدفاع عن هذه المقدسات، وفي حمايتها من الأخطار ومناورات الأعداد المتربصين.
• نظام ديمقراطي مستمد من مبادئ الإسلام في الشورى والتشاور، وفي النصح والتناصح، وهو مع ذلك نظام متجاوب مع المعاصرة، محتفظ بأصالته، مستنير بشروط الحداثة وأسبابها.
• حضور في المجال الإسلامي، يتصف بالالتزامية وروحها الحية والديناميكية، كما يتسم بالقدر العالي على أداء المسؤولية وتوجيه جميع الجهود المتاحة إليها، سواء على المستوى الفكري أو على المستوى العلمي.
هذه العناصر الأربعة، ليست معزولة، مع ذلك، عن التأثيرات البعيدة التي يباشرها المغرب، تحت قيادة أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني، في الميادين والحقول الأخرى.
فلا مجال هناك للعزلة، كيفما كان شكلها، ولا مجال للتهرب من الإلتزام، حيال أي كان، ولا مجال للتقاعس أو التلكؤ في القيام بالمسؤوليات على الوجه الذي يرضي الله، وإرادة الأمة، والضمير، والمصير،... بل هناك على الدوام؛ طاقة إسلامية مبينة على الوضوح والحزم والشجاعة، تتوجه بدون تردد أو انسياق مع المضللات والتشكيكات، صول الأهداف التي ترجوها الأمة الإسلامية، وترجوها معها هذه الأمة الصامدة التي دافعت، ولا تزال تدافع، عن الجناح العربي لعالمنا الإسلامي، من نخاطر يريد المحرضون عليها في هذه الجهة بالذات، إرادة تشتيت للجهود، وتجزئة للوحدة، وانقسام للتكامل، وتفتيت للطاقات، لا إرادة تجميع وحشد، وتجنيد وتعبئة، كما هي إرادة المغرب.
والواقع كذلك، إن النتائج البعيدة والثمار الطيبة التي يجنيها المغرب وتجنيها معه أمة الإسلام في الميادين التي تتفرغ فيها السواعد للعمل المخلص، والنوايا للأفكار الصادقة، والنفوس للمطامح المشتركة في التقدم والتحرر، كذلك تنصرف إليها جهود وطاقات النخلصين من أبناء أمتنا الإسلامية، في مشارق الدنيا ومغاربها،...إن هذه الثمار المرجوة والنتائج المحصلة، إن هي إلا وليدة أفكار مؤمنة جبارة، ترى مصلحة الأمة الإسلامية قبل كل شيء، وتضعها نصب عينها، وترفعها إلى مقام الأمر الواجب الذي يمو على جميع الأمور ويعلو على سائر ما يكون معتملا في الساحة الإسلامية ومضطربا فيها، من قضايا هامشية وهموم جانبية، وانشغالات سطحية، وتطلعات عريضة غير جوهرية.
ولا يحتاج الأمر إلى أي تأكيد، بأن حالة الأمة افسلامية، ليس مقدرا ومحتوما على أمورها أن تنصلح ومن عللها أن تبدأ، وصدوعها وكسورها أن تنجبر، وجروحها أن تلتئم. وجموعها المترامية أن يوحدها الشمل، وشتاتها أن ينلم، إلا إذا تركت بعض قيادات الأمة الإسلامية، ومخططاتها في الإستعباد والهيمنة والاستبداد، وإلا إذا تخلت عن رؤيتها المعوجة ورأت منفعة البلاد الإسلامية كلها، لا منفعتها الخاصة.
كما لا يحتاج الأمر إلى تأكيد، بأن سياسة المغرب منذ كان ومنذ كانت، هي سياسة عمل إسلامي نزيه، يتوجه فقط إلى تحصين الذاتية الإسلامية، بكافة جوانبها وسائر طوابعها، من المخاطر والآفات الوافدة على العالم الإسلامي، حينا من الصليبية الجديدة، وحينا من الإلحادية، وحينا آخر من الصهيونية، هذا الثالوث الذي يجب أن يأخذ من تفكير وجهود الأمة الإسلامية، الحظ الأوفر والنصيب الأوفى، حتى تتأتى لها مواجهته بأقوى أداة، وأنجع وسيلة، وأوضح طريق وأنآه من الاعوجاج، وأقربه من الاستقامة والسواء.
ومما لا يمارى فيه، إن عالمنا الإسلامي في حاجة شديدة إلى جرعة حقيقية من هذى الإسلام، تنعشه وتبعث فيه الحيوية والنشاط وتحدوه إلى الأمل والعمل لتدارك ما فات عليه من فرص نادرة، سنحت له في الماضي، وفوتت عليه – مع الأسف – اقتناص ما يجب من الأمجاد والإنتصارات والمكاسب التي تعيد لامتنا الإسلامية، كامل قوتها، وموفور عافيتها، وسابق عزها.
ولن يتم أخذ هذه الجرعة إلا بالاهتداء بكتاب الله تعالى الحاض على الوحدة، والتئام الصف، وجمع الكلمة، ورأب الصدع، ورثق الفتق الذي أحدثته الانشقاقات والانقسامات بين أمم ودول إسلامية، دفع بها الخلاف إلى حد التناحر والتقاتل والتنابذ الدموي.
كذلك، لن يتم تناول هذه الجرعة إلا بالاقتداء بالمصدر الثاني من شريعتنا الإسلامية السمحة المعطاء، إلا وهو سنة رسول الله الحاثة على السلام وعدم التجاسد والتباغض بين المسلمين كافة، والآمرة بسلوك إرضى طرق الخير، وهي طريق الحوار والتراضي والتسالم والتعاون لما فيه الفلائدة لجميع المسلمين، والناهية لهم عما يفضي بهم إلى طريق التنازع والفشل وخيبة الآمال في الحياة الحرة.
وهذا الإقتداء وذاك الإهتداء، هما السمتان اللتان تميزت بهما مسيرة المغرب وعمله المستمر لإعطاء أمة الإسلام، في الشرق وفي الغرب، دفعة قوية من الفعالية والنجاعة والديناميكية. وليت أمتنا الإسلامية جميعها، تتنبه إلى ما يحوكه ضدها الأعداء، ويبيته الخصوم، ويدبره المتربصون لها، فتعرف معرفة يقينية ملموسة، إن منجاتها في الوحدة، وخلاصها في الإتحاد، ومناعتها في التعاون والإيثار وفي توثيقها لأسباب وأواصر المحبة والأخوة الإسلامية الصافية.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here