islamaumaroc

الفن المعماري الإسلامي في المعابد المسيحية باسبانيا.

  محمد قشتيليو

العدد 243 ربيع 2 1405- دجنبر 1984

إن المقتفي للآتار العربية باسبانيا غالبا ما يقصد الأماكن التي ما يزال الفن العربي الإسلامي باديا فيها للعيان مثل ما هو موجود بمدينة قرطبة كالمسجد، أو غرناطة كالحمراء وغيرهما، بينما توجد مآثر إسلامية خارجة عن هذا النطاق وربما لا تتسرب إلى ذهن الزائر إنما توجد أماكنة تضم آثارا قيمة ولا تعني الزائر المسلم في شيء وخاصة إذا كانت بأماكن دينية مسيحية، والحمد لله إن أماكن دينية وبنايات مقدسة مسيحية باسبانيا تزخرف بمآثر عربية وخاصة في فن البناء والمعمار، فقد عمل مهندسون وفنانون مسلمون في تشييد أماكن مسيحية للعبادة على النمط العربي فبرعوا في زخرفتها وتفننوا... يسخرونهم للعمل في تشييد المعابد والقصور والحصون والأبراج، بل من الأماكن التي كانت عند المسلمين مساجد فحولت إلى كنائس فطمست معالمها الإسلامية ولكنها في مجملها بقيت محتفظة بهندستها العربية الإسلامية، وهذا كثير وخاصة في مقاطعة الأندلس وبالأخص في مدينة طليطلة ونواحيها، وكل منا الآن يخص الآثار العربية المتجلية في المعابد المسيحية أما غيرها من الأماكن كالمعالم التي خلقوها بأماكن أخرى كالحصون والأبراج والقصور فلندعها إلى فرصة أخرى بحول الله.
في الحقيقة كانت الهندسة المعمارية وفن البناء عندما استولى النصارى على الأراضي الإسلامية بالأندلس وتساكن الشعبان المسلم والنصراني متداخل بعضه في بعض فتجد مسجدا مع كنيسة في نفس البناية بل بناية واحدة تضم عدة أجنحة منها ما هو خاص بالمسلمين ومنها ما هو خاص بالمسيحيين، وكان يحدث هذا غالبا بين المدجنين والمولدين الذين يدعون ب " موثاربيس " وكل واحد من الجانبين يضع تصميما حسب طريقته الهندسية.
كان المولدون يبنون على الطريقة القوطية، والمدجنون على الطريقة الإسلامية، وهكذا كما يقول : باسيليوبافون مالدونادو في كتابه : عن مدينة " تطيلة " بعنوان " الفن الإسلامي المدجن " عند الكلام على كنائس المولدين، يلاحظ من الطابع البنائي لهؤلاء بطليطلة في العصر العربي، المحافظة على العوائد القوطية التي تطورت ببطء، ففي ميدان الفن طرأ امتزاج بين التقاليد الرومانية والقوطية والإسلامية كما وقع في قرطبة، أما المسلمون الأولون بطليطلة فقد سمحوا للمولدين بمزاولة ديانتهم بكل حربة في كنائس العهد القديم المقامة داخل المدينة، ولكن يظهر من بعد أم هذه المعابد صارت مراقبة ولم يسمح بإقامة معابد مسيحية أخرى، لذا فإن المعبد الوحيد المولد في ناحية طليطلة الذي بقي بدون تعديل هو معبد سانتا مرايا، ثم يأتي بافون لهذا التمازج من تعاطي العبادات في أماكن واحدة من طرف الديانتين، وإن هذا جعل بالتالي يؤثر على الهندسة المعمارية حتى الدينية منها فيصبح للمعابد سواء منها المسيحية أو الإسلامية تشابه في التصميم والزخرفة.
وإن هذا ليس وليد العصور الإسلامية الأخيرة بل بدأ من العصور الإسلامية الأولى الشيء الذي جعله يستمر حتى أصبحت له هذه الظاهرة من الامتزاج والازدواجية، ثم يضيف: أن مسجد الحمة بقرطبة أسس على يد الأمير الأموي عبد الرحمن الأول وضع في نصفه الكنيسة القديمة حسب اتفاق مع المولدين الذين استمروا في نصفها الآخر يزاولون طقوسهم الدينية ثم من بعد ذلك عوض المسلمون المسيحيين عن القسم الباقي من الكنيسة، إن حالة المولدين الطليطليين في العصر الإسلامي لا تختلف عن حالة المدجنين، ولو أن هؤلاء في الأول كان يسمح لهم بحرية الصلاة في بعض المساجد القديمة ونادرا ما كان يسمح لهم بإقامة أخرى جديدة بل حتى في كبرها لم تكن في حجم كنائس النصارى لأن عدد المسلمين أصبح يتقلص، وعدد المسيحيين يتكاثر فأصبحت المساجد تقتنى من طرف النصارى. ويغلب على الفن المدجن بالكنائس كثرة الأقواس ذات الشكل المدعو " بنعل الفرس " والزخرفة بالجبص الشيء الذي يبدو جديدا وخاصة بطليطلة في العصر المدجن، كما يقول غومين مورينو في كتابه : " الفن المدجن الطليطلي " يوجد مسجد بطليطلة بناؤه مدجن يرجع عهده إلى السنوات الأخيرة من القرن الثاني عشر يحمل اسم مسجد كريستو ذي لا لوث، كما يتجلى أيضا الفن المعماري المزخرف ذو الطابع العربي بأسمى معانيه في البيعة اليهودية المدعوة سانتا ماريا لابلانكا، وكنيسة سانتالوكاديا التي يشبه بابها باب مسجد قرطبة في أقواسه ونقشه، ويقول بافون في كتاب آخر  " الفن الطليطلي الإسلامي المدجن" توجد وثائق من عهد المولدين الأواخر تثبت بأنه توجد بعض ابنية دينية أقيمت على يد النصارى وهي مزدوجة ي بنائها، تضم بعض أعمدة على الشكل الروماني والقوطي، ولكنها لا تخلو من صبغة مدجنة في بعض نقوشها وهندستها ككنيسة سانتا أولاليا، الشيء الذي يدل على مدى تمكن الفن العربي المدجن في نفوس أهالي البلد ولو من النصارى، ثم كنيسة سان باطولومي التي تشبه واجهتها صومعة حسان بالرباط يرجع عهدها إلى القرن الرابع عشر.
ومن أهم المعابد المتأثرة بالفن العربي والتي هي من عهد ما بعد خروج العرب يرجع تاريخ بنائها إلى القرن السادس عشر كنيسة يالورينثو التي يتجلى فيها الفن العربي بجانب الفن النصراني، وخاصة بعض الزخارف التي تستعمل عادة في المساجد. يقول باقون : " إن التأثير الغربي أصبح يفرض نفسه في هندسة البناء، ولكن الزخرفة بقيت إسلامية تتجلى في عدة بنايات كثيرة حتة أن المشاهد لواجهة بعض الكنائس تبدو له وكأنها مسجد إسلامي بأبوابه وأقواسه والزخرفة الموجودة فوق أبوابه ونوافذه إلى غير ذلك، كما يذكر بافون في كتابه أيضا : "الفن الطليطلي الإسلامي المدجن " إن كل صوامع معابد طليطلة مبنية باللبن على الطريقة العربية المأخوذة من العهد الموحدي وأن الصوامع الأندلسية وإفريقيا الشمالية تتشابهان في استقامتها وشكلهما كالخرالدا بإشبيلية. وإن أقدم صومعة على الشكل العربي بطليطلة توجد بكنيسة تدعى سان رومان، فأقواسها تشبه بأقواس مسجد القرويين بفاس، بل ان بعض النقوش الموجودة ببعض الكنائس التي كانت في بالمساجد الإفريقية يرجع عهدها إلى القرن الثاني عشر كمسجد الكتبية بمراكش، منا أن فن البناء المدجن لم يقتصر على معابد طليطلة ونواحيها بل انتشر في نواحي إسبانيا أخرى كما هو موجود في كنائس بعض قرى من ضواحي مدريد. والذي يميز فن بناء المدجنين عن غيره هو أنه (أي البناء المدجن) مقام باللبن، والمدجنون هم الذين استعملوا اللبن في البناء لأول مرة باسبانيا وأسوا معملا له بطليطلة ومنه صاروا يصدرونه لبقية إسبانيا، يقول بافون أن جماعة من صناع اللبن سكنوا في القرن العاشر بمقاطعة ليون وأن فرناندو الأول بعد غزوة أراضي البرتغال بعث بأسرى مسلمين للعمل في بناء الكنائس ومن ثم أخذ المسيحيون استعمال اللبن عن المسلمين في البناء.
إن العرض طويل والموضوع واسع في هذا الباب، ولنا عودة إليه في مناسبة أخرى بحول الله.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here