islamaumaroc

الفائدة المصرفية في نظر الإسلام وموقف العلماء منها

  مجدي عبد الفتاح سليمان

العدد 243 ربيع 2 1405- دجنبر 1984

لا شك أن قضية الفوائد التي يمنحها البنك على الودائع، أو يحصلها على القروض، هي من أهم القضايا التي تحتاج إلى مزيد من الدراسة والتحليل، ولعل أهمية تلك القضية مستمدة أساسا من حيوية الدور الذي تقوم به البنوك في تجميع المدخرات التي تتطلبها احتياجات التنمية اللازمة، للقضاء على التخلف الاقتصادي، ومما يزيد هذه القضية أهمية، أنه ليس هناك من الأشخاص في الوقت الحاضر من لا يتعامل مع أحد البنوك، وقد أصبحت قضية الفائدة من أكثر القضايا المعاصرة تعقيدا في علم الاقتصاد، إذ يترتب على حلها نتائج على جانب كبير من الأهمية بالنسبة للنشاط الاقتصادي في الدول الإسلامية، فالاقتصاد المتحرر من الفائدة، سيواجه بحسم كافة المشاكل الاقتصادية المعاصرة – كمشكلة التضخم وارتفاع الأسعار – والتي عجزت النظم الاقتصادية المعاصرة عن إيجاد حلول جذرية لها، ففي ظل هذا النظام يتحقق الحد الأقصى للإنتاج بإبقائه على واقع العمل من خلال حافز الربح، وسوف يضمن توزيعا عادلا للدخل القومي وذلك بعدم السماح على تحريم الربا (الفائدة) بجميع صنوفه وأشكاله وألوانه، إيمانا بأن الربا يفقر المجتمع ويهدم بنيانه، ويقوض أركانه، ويعرض الإقتصاد القومي إلى الاصابة بأفدح الأضرار.

الفائدة في العرف المصرفي:
تقوم البنوك التجارية الربوية بمجموعة كبيرة من العمليات والخدمات المصرفية أهمها فتح الاعتمادات المستندية بنوعيها التصدير والاستيراد، وإصدار خطابات الضمان، وحفظ الأوراق المالية، وتأجير الخزن الحديدية لمن يرغب، وتقبل الودائع من الأفراد والهيئات بفائدة أو بدون فائدة، وتقوم أيضا بمنح الائتمان " أي تقديم مبالغ نقدية أو كتابية إلى الأفراد ورجال الأعمال وأصحاب المشروعات لأجل قصير لا يتجاوز عادة العام الواحد بشرط أن يقوم بسداد هذه المبالغ مع فوائدها " عند الأجل المتفق عليه" ، هذا بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من الخدمات المصرفية كشراء وبيع العملات المختلفة وتحويل المبالغ إلى الخارج .. إلخ..
ويهمنا أن نوضح التفرقة بين نوعي الفوائد – المدينة والدائنة – فالفائدة التي تمنحها البنوك لعملائها نظير ودائعهم تسمى فائدة مدينة، أما الفائدة التي تفرضها البنوك على المقترضين فهي فائدة دائنة، وفي الحالة الأخيرة فإن سعر الفائدة يختلف صعودا وهبوطا بناء على عدة اعتبارات تتعلق بالمركز المالي للعميل، ونوعية النشاط الذي يستخدم فيه القرض، وكذلك نوع الضمان المقدم على القرض، وأيضا مدة القرض، ففي القروض طويلة الأجل يكون السعر مرتفع عما إذا كان الأجل قصيرا، مع مراعاة طبيعية الظروف الاقتصادية السائدة وقت القرض، ففي أوقات الرخاء والانتعاش ترفع البنوك سعر الفائدة على القروض درءا لمخاطر التضخم، وعكس ذلك في أوقات الكساد والركود لمعالجة الانكماش، والفائدة في العرف المصرفي هي : " الثمن المدفوع نظير استعمال النقود".

الفائدة " الربا " في نظر الإسلام :
• الربا في اللغة معناه الزيادة والنمو، وقد ورد في لسان العرب، بأن " الأصل فيه الزيادة، من ربا المال إذا زاد وارتفع " (1) وقد قال الإمام الواحدي : " الربا في اللغة الزيادة " (2)، والربا بهذا المعنى اللغوي المجرد قد يكون زيادة في الشيء نفسه أم بالنسبة إلى سواه، وكلا الحالين ورد بهما مثال في القرآن الكريم، فمن مثال الحال الأول ما جاء في قوله تعالى : ( وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت) (3) إذ أن معنى كلمة ربت في هذه الآية أنها : ارتفعت (4) والأرض تعلو وتزيد – إذا نزل عليها الماء – بنفسها لا بشيء خارج عنها، ومن الحال الثاني، ما جاء في قوله تعالى : ( أن تكون أمة هي أربى من أمة) (5)، حيث إن " أربى " هنا بمعنى أكثر عددا وهي زيادة واردة في معرض المقابلة بين أمتين.
• أما الربا في الشرع فيختلف في المعنى تبعا لاختلافه في تحديد مدلوله في المذاهب وما يندرج فيها تحت هذا اللفظ، والذي برز من التعاريف المختلفة تعريف الأحناف وتعريف الشافعية للربا، فالأحناف بعضهم عرفه بأنه هو فضل مال بلا عوض في معاوضة بمال (6).
والشافعية يعرفونه بأنه اسم لمقابلة عوض بعوض مخصوص غير معلوم التماثل في معيار الشرع حالة العقد، أو مع تأخير في اليدين أو في إحداهما " ربا الفضل" عندهم وبالشطر الثاني " ربا اليد عندهم أيضا " (7) أما باقي المذاهب فتتفق أصولها تقريبا إما مع تعريف الأحناف أو تعريف الشافعية.

مدى انطباق تعريف الربا على الفائدة :   
من استعراضنا لمفهوم الربا، اتضح أن الربا هو الزيادة والنمو، والفائدة هي زيادة في رأس المال المقرض (8) وبمقارنة هذا التعريف بمعنى الربا نجد أن الفائدة والربا مجرد كلمتين يسهل على أيهما أن تلج في مكان الأخرى، فتسمية الربا بالفائدة لا تغير من طبيعته – كما بين الدكتور محمد عبد الله العربي – فالفائدة ليست إلا زيادة في رأس المال المقرض، وكل زيادة عنه هي ربا لغة وشرعا (9)، ويوؤكد الدكتور عيسى عبده – رحمه الله – أن سعر الفائدة ربا ولا عبرة من اختلاف التسمية، فإن من قواعد الشرع أن العبرة من العقود للمقاصد والمعاني لا للإلفاظ والمباني (10) ويرى الدكتور منان أنه لا يوجد فرق بين الفائدة والربا، والإسلام يحرم كافة أنواع الفائدة مهما كانت الأسماء البراقة التي تختفي وراءها (11).
وعن لفظ الفائدة قال الدكتور عيسى عبده: " إن لفظة الفائدة بالهمزة، والفايدة بالياء أخذت صضورا شتى مع اختلاف اللهجات في أرض العرب .. فهي الفايظ والفايض، والفايدة، والفائدة، والفايز، والحطيطة بنوعيها، وخصم تعجيل الدفع .. وهذه كلها ربا صريح.. (12).
وقد رأى بعض الباحثين المسلمين، الذين لهم اتصال وثيق بدراسة الفقه الإسلامي أن الإسلام حرم الربا ولم يحرم الفائدة، وأن الفائدة التي تدفع على القروض التي تستثمر في الأنشطة الاقتصادية لا تتعارض مع شريعة القرآن الذي يشير فقط إلى تحريم الربا باعتباره قروضا غير انتاجية سادت في العصور الجاهلية، في وقت لم يكن الناس يعرفون فيه القروض الإنتاجية وتأثيرها على النمو الاقتصادي (13).
وقد تصدى للرد على هذا الرأي علماء أجلاء (14) نختار منها رد الإمام محمد أبو زهرة حيث بين فضيلته أن النص القرآني الخاص بالتحريم عام يشمل النوعين، فإذا فسر بمعنى الزيادة فكل زيادة على رأس المال ربا كما جاء في قوله تعالى : ( فإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون).
وإذا فسر بمعنى أم المراد بالربا ربا الجاهلية، فلا دليل على أن ربا الجاهلية للاستهلاك، وقد بين فضيلته أن مكان مكة المكرمة يجعل قريشا من التجار، فكانوا ينقلون بضائع فارس من اليمن إلى الشام وبضائع الروم من الشام إلى اليمن، لذلك كانت لهم رحلتان إحداهما إلى اليمن شتاء والأخرى إلى الشام صيفا، وإذا كان قريش متجرين ينتجعون الشام واليمن للاتجار فلابد أن يتجر الشخص بماله وبنفسه، أو أن يتجر بمال غيره عن طريق المضاربة بأن يكون الربح بينهما والغرم على رب المال إن كانت خسارة، أو عن طريق الربا بأن يأخذ شخص مالا من غيره يتجر فيه على أن يكون له فائدة محدودة قلت أو كثرت" (15).
• وفي تقديرنا أن الإسلام حرم الربا بكافة ألوانه وأشكاله مهما كانت الأسماء البراقة التي يختفي وراءها، وأنه لا فرق بين الفائدة على القروض الاستهلاكية والقروض الإنتاجية فكلها من الربا المحرم، وقد أصبح هناك إجماع في كتب التاريخ الاقتصادي ودوائر المعارف على أن الفائدة هي الربا المحرم.

دحض مبررات مشروعية دفع الفائدة :
الذين يحللون التعامل بالفائدة يستندون من ذلك إلى مبررات وحجج يزعمون أنها تحل هذا النوع من المعاملات وقد رأيت من المفيد أن أتعرض إلى هذه المبررات المزعومة بالمناقشة والنقد – خصوصا – بعد أن بدأت الشكوك تثور حول عدم ملاءمة هذه الأفكار، ولقد ازدادت هذه الشكوك في الآونة الأخيرة، ووصلت إلى درجة أصبحت فيها هذه المبررات تبدو مفككة على عكس ما كان عليه الحال منذ فترة سابقة. 
• يقولون: إن التعامل بالفائدة أصبح ضرورة من الضرورات سواء أكان ذلك في نطاق التعامل الدولي أم في نطاق التعامل الفردي داخل الدولة، فالملاحظ أن المصارف الدولية كلها لا تقرض إلا بفائدة تختلف قلة وكثرة، وكذلك المصارف داخل الدولة، فالمقترض هنا بين أمرين : إما أن يقترض بفائدة وحينئذ يحصل على ما يحتاجه من مال يسد به حاجته بتوفير قوته وقوت أولاده أو لاستخدامه في صناعته أة تجارته بدلا من التوقف مما يؤدي إلى فتح أبواب الرزق له إن كان عاطلا، فيستفيد المقترض في نفسه ويستفيد الطرف الآخر بالفائدة ويكون كلا من الطرفين – الدائن والمدين – قد استفاد، وإما أن لا يقترض بفائدة وحينئذ قد يجوع هو وأولاده وتتشرد الأسرة، وتسد في وجهه سبل العيش والتكسب والعمل، وتضيع عليه فرص الحياة كثيرة، ما كانت لتضيع لو أنه اقترض بالفائدة، وفي هذا خسارة للأفراد وبالتالي خسارة للأمة.
• قبل الرد على هذا الكلام ينبغي أن نوضح هل هناك ضرورة ملحة للتعامل بالفائدة ؟ تقول أين هذه الضرورة التي زعمها هؤلاء، هل نضب معين من المال عند المسلمين وأملقوا، فلم يجدوا ما يحفظ لهم حياتهم إلا التعامل بالفائدة وهي الربا المحرم بالكتاب والسنة.
• فالاضطرار إلى الاقتراض بالربا – الفائدة – على ما أوضحه الرأي السابق لم تنطبق عليه القاعدة الإسلامية " الضرورات تبيح المحظورات" فالاضطرار أي التعامل بالفائدة يكون في حالة ما إذا كان المسلم في بيداء من الأرض وقد نفذ زاده واشتد به الجوع، حتى خاف الهلاك وأبى عليه الرفاق أن يمنحوه، أو يقرضوه ما يبلغه إلا بالفائدة، ففي هذه الحالة يبدو جليا الاضطرار، ولا حرج عليه أن يقترض بالربا يوما فيوما قدرا يسيرا يقيم صلبه ويقيه الموت جوعا، فالحق تبارك وتعالى يقول : ( فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم).
والأمر الثاني الذي ينبغي أن نوضحه هو أن المقترض الذي يطلب المال لتوفير قوته وقوت من يعول أو كسوة توارى جسده وجسد أولاده، أو منزل يأويه وذويه من البرد والحر، هذا الإنسان الذي هو في أمس الحاجة إلى العون تثقله بعبء الفائدة الذي قد وصل إلى معدلات مرتفعة.
فبأي وجه نلزم هذا المضطر أن يدفع فوائد عن مال مستهلك في مثل هذه الضرورات فمن أين يدفع ؟ ألم يكن هذا إعلان صريح للسرقة والاحتيال والنصب.
• وإني أعذر هؤلاء الذين أعمارهم سحر الحضارة الغربية الزائفة، وبهرتهم أضواء المدينة الزائفة، والذين يحيون اليوم في عالم قامت حضارته على أساس من الفائدة، فكانت سببا في إبعادهم عن روح الإسلام وتعاليمه، فقد أباحوا التعامل بالفائدة على القرض الاستهلاكي والذي نراه أن هذا القول مردود، لأن الإسلام له فلسفته الخاصة ونظامه الذي انفرد به، فقد أمر الإسلام بالقرض الحسن ووعد بالثواب عليه لما فيه من فك كربة وإقالة عترة، وقد حث الإسلام على ألا يستدين المسلم بطريق القرض أو بغيره إلا في حدود الضرورة، لما في الدين من ذهاب أمن النفس، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال : " لا تخيف الأنفس بعد أمنها " قالوا : يا رسول الله وما ذاك ؟ قال الدين ... (16).
• ننتقل الآن إلى مناقشة النقطة الثانية من الرأي السابق والخاصة بإباحة التعامل بالفائدة على القروض الإنتاجية، ويقيمون الدليل على أن هذه القروض تستخدم في الأغراض الإنتاجية ومن ثم فإن الفائدة المكتسبة من مثل هذه الاستثمارات لا تندرج تحت باب الربا الذي حرمه الإسلام.
وهذا الكلام من وجهة نظرنا مردود، وذلك لأنه لا يمكن التسليم بأن المقترض لابد أن يربح، فمن الواضح أن أي مشروع تجاري أو صناعي غالبا ما يتعثر في أول أمره ويتكبد خسائر إلى أن يأخذ مكانه بين المشروعات القائمة والتي حازت على ثقة الجميع.
إذن فمن أي مورد يدفع هذا المقترض الذي خسر ولم يربح فوائد قروضه ؟ أليس في ذلك إثقال له بالفائدة فوق إثقاله بالدين (17)، وإذا فرضنا أنه سيربح ومن الذي يضمن أنه سيربح ؟ ربما يسدد منه الفائدة ويبقى له ما يكون مجزيا له من ثمرة كفاحه وتعبه ما يبذل من دمه وعرقه.
ورب قائل يقول إن معظم المشروعات المنشأة حديثا سواء كانت تجارية أو صناعية تهتم بإجراء دراسات التقييم المالي والتجاري للمشروع، وهي دراسات تختص بقياس الربحية المالية والتجارية لذلك المشروع طيلة عمره أو حياته، ويقتصر التقييم المالي والتجاري للمشروعات عند تحديد التدفقات الخارجة والداخلة للمشروعات وتقدير كمياتها، وتقدير قيمتها على التدفقات الخارجة والداخلة المباشرة أو الأساسية فقط، وتتضمن هذه التدفقات جميع ما يتحمله الأفراد فعلا من تكاليف وما يحصلون عليه فعلا من منافع، إذن فمن خلال التقييم المالي والتجاري يتم معرفة الربحية بكل دقة، فإذا كان المشروع يدر ربحا وفقا للدراسة فلا مانع من الاقتراض والسير في تنفيذ المشروع فقد ضمن صاحب المشروع دفع الفائدة إلا أننا لا نسلم بهذا القول فمع اعترافنا بقيمة هذه الدراسات – التقييم المالي والتجاري للمشروع ومدى مساهمتها في إنجاح المشروعات والتنبؤ بمستقبلها – إلا أننا نؤمن بأن المستقبل غيب وقد يحدث ما ليس في الحسبان (18) فالمشروع الذي تنبأت له الدراسات بالبقاء والنجاح، قد يكون مقدر له الفشل والانهيار، وإني أتفق تماما مع الأستاذ أنور إقبال قرش عندما قال (19) : لو أن المال يقرض ويربح ويخسر ويتقاسم، فإنه يصبح مشاركة تجارية والإسلام يشجعه أيما تشجيع لأن الإسلام يعرف أن رأس المال ضروري لتنمية التجارة والصناعة.
• ويقولون إن الإنسان يؤثر فائدة الحاضر ولذته على فوائد المستقبل البعيد ولذائذه الكثيرة، وإنه على قدر ما يكون المستقبل بعيدا، تكون فوائده ولذائذه غير يقينية وهكذا تنحط قيمتها يوما فيوما، وذلك لعدة أسباب هي :
1- أن الذي يحتاج إلى شيء اليوم آثر عنده وأثمن في نظره أن يقضي اليوم حاجته بنيله إياه على أن ينال في المستقبل شيئا قد يكون في حاجة إليه وقد لا يكون.
2- إن المال الذي يحصل عليه اليوم نافع قابل للاستعمال فعلا، فهو من هذه الجهة فوق المال الذي سيحصل عليه يوما في المستقبل.
من أجل هذا الأسباب، فإن فأئدة المستقبل غير اليقينية، فالمال الذي يستقرضه المدين اليوم، أثمن قيمة من المال الذي سيرده إلى الدائن غدا، وإن الفائدة هي القدر الزائد الذي ينضم إلى المال عندما يؤديه المدين إلى الدائن، ويجعله مساويا في القيمة لذلك المال الذي أخذه من الدائن عند اقتراضه إياه، وتعليقا على ما سبق يطرح العلامة أبو الأعلى المودودي السؤال الآتي : (20).
هل من الحق في شيء أن الفطرة الإنسانية تعتقد أن الحاضر أثمن من قيمة المستقبل ؟ ويضيف قائلا فإن كان الأمر كذلك، فما لأكثر الناس لا ينفقون كل ما يكسبون اليوم من فورهم، بل يؤثرون أن يدخروا نصيبا منه لمستقبلهم، وما أمعن من الغباوة والسفاهة ذلك الرجل الذي يؤثر أن يجعل حياته الحاضرة ذات رفاهة وتنعم على أن يكون مستقبله سيئا أو أسوأ من حاضره إما أن يصدر ذلك من الإنسان على جهل منه أو سفاهة أو لكونه قد غلب أمره من شهوة مؤقتة مفاجئة، فلا حجة به، ألا فمن المستحيل أن يقول بصحة هذا الرأي ومعقوليته رجل يكون قد أوتي حظا من التفكير والتأمل.
• ويقولون : يمكن تبرير الفائدة وتفسيرها بعنصر المخاطرة الذي يشتمل عليه القرض، لأن اقراض الدائن لماله نوع من المغامرة التي قد تفقده ماله، إذا عجز المدين في المستقبل عن الوفاء وتنكب له الحظ، فلا يظفر الدائن بشيء فكان من حقه أن يحصل على أجر ومكافأة على مغامرته بماله لأجل الدين، وهذه المكافأة هي الفائدة، والحق أن هذا التبرير مردود، لأن الإسلام لم يقر هذا اللون من التفكير، ولم يجد في المخاطرة المزعومة مبررا للفائدة التي يحصل عليها الدائن من المدين، ولهذا حرمها الإسلام تحريما تاما، ويقول الإمام محمد باقر الصدر : " إن تبرير الفائدة بعنصر المخاطرة خطأ من الأساس في نظر الإسلام، لأنه لا يعتبر المخاطرة أساسا مشروعا للكسب وإنما يربط الكسب بالعمل المباشر أو المختزن" (21).
• ويقولون : إن الفائدة تدفع نظير الأجل فهي مكافأة على الانتظار، ويطرح أصحاب هذا الرأي المثال الآتي : أن من يدفع أرضه بالإجارة ينتظر ولا يخاطر فلماذا أباح الإسلام الإجارة مع أنها كسبا عن طريق الانتظار، ونحن لا نسلم بهذا الكلام، فالإسلام حرم هذه الطريق لأنه لا مخاطرة فيه إذ أنه كسب لا خسارة فيه، فهو ربح مستمر من غير رأي تعرض للخسارة ولأنه يؤدي إلى وجود طبقة من الناس لا تسهم في أي عمل إنتاجي بل هم طاقات عاطلة، ويقول الإمام محمد أبو زهرة : " إن الكسب بطريق الانتظار هو و التكافل الاجتماعي نقيضان لا يجتمعان، إذ أن التكامل يقتضي التعاون ومن التعاون ما يكون بين رب المال والعامل بحيث يكسبان أو يخسران معا " (22).
وردا على المثال السابق ذكره تقول : إن الإجارة دفع عن مغلة مملوكة، ولواضع اليد عليها اختصاص يبيح استغلالها بكل الطرق، والعين المغلة تفترق عن النقود من أن النقود لا غلة لها إلا بالاسترباح بالتصرف فيها فغلتها من عمل العامل فيها، لامن ذاتها بخلاف الأرض فإن غلتها من ذاتها مع عمل العامل ويقول الإمام أبو زهرة : ولعل من أوضح المفارقات أن الإجارة فيها مشاركة في الخسارة، إذا لم تنتج الأرض شيئا بآفة سماوية أو نحوها، فقد قرر الأكثرون أن الأجرة توضع، وذلك من باب وضع الجوائح فإنه إذا نزلت جائحة أسقطت الواجبات التي كانت مرتبطة بما أهلكته الجوائح وقد وضع هذه النظرية الإمام ابن تيمية وأخذ بها القانون المدني المصري" (23).

رأي العلماء في الفائدة المصرفية :
أحس علماء المسلمين من ثديم بأهمية بحث قضية الفائدة المصرفية وموقف التشريع الإسلامي منها، فتناولها البعض بالدراسة والتحليل، ولا عجب أن يعطي العلماء قدرا من الاهتمام لموضوع الفائدة، فقد كانت من أكثر المعاملات انتشارا وكان من نتائج هذا النظام فساد روح التعاون، ونشر روح الأثرة والأنانية مما أدى إلى اضمحلال الثقة المتبادلة بين الناس حيث حل الشك والربية محلها، وسنعرض آراء أشهر العلماء – في هذا الموضوع – مثل الأستاذ الإمام محمد عبده والأستاذ الشيخ عبد الوهاب خلاف، والأستاذ الشيخ محمد شلتوت، وتختم آراء العلماء بما قرره مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية الثاني في هذا الشأن وإليك تفصيلا لآراء العلماء.

أولا – رأي الإمام محمد عبده في الفائدة :  
زعم البعض (24) أن للمغفور له الإمام محمد عبده فتوى بحل الفوائد التي تمنحها مصلحة البريد لأصحاب الأموال المدخرة في صندوق البريد باعتبار ذلك قسطا من الأرباح التي تغلها هذه الأموال على المصلحة.
وقد نفى السيد محمد رشيد رضا – وهو من أخص الناس بالإمام وأقربهم إليه وأعلمهم بأقواله وفتاويه – أن يكون للإمام أية فتوى في مسألة فوائد صندوق التوفير (25).
وقال الأستاذ إبراهيم زكي الدين بدوي " قد جهدت في البحت عن نص هذه الفتوى سواء في مصلحة البريد أو في أعداد مجلة المنار منذ إنشائها حتى وفاة المغفور له صاحبها، فلم أعثر عليها " (26).
وقطعا لدابر ما يقال عن فتوى مزعومة للأستاذ الإمام رحمه الله نود أنما جاء بمجلة المنار حول هذا الموضوع :
فقد سأل أحد قراء مجلة المنار السؤال الآتي : " كثيرا ما سمعنا إباحة وضع الأموال في صناديق التوفير بالبريد وأخذ الفوائد عنها، وذلك مما لا نشك أنه الربا المحرم بإجماع المسلمين لا نعلم بينهم خلافا، ثم إذا ناظرناهم فيه استندوا إلى أن الأستاذ الإمام – رحمه الله – أفتى بجوازه من فتوى رسمية، ولما كنا لم نر هذه الفتوى ولن نعلم وجهها، وكنتم أخص الناس بالإمام وأعلمهم بأقواله وفتاويه لجأنا إليكم لتبينوا لنا فتوى الإمام أولا، وهل هي لا تعارض الكتاب والسنة ثانيا (27).
وقد أجاب الأستاذ السيد رشيد رضا بقوله : إن كان للأستاذ الإمام فتوى رسمية في مسألة صندوق التوفير فهي توجد في مجموعة فتاويه بوزارة الحقانية ومنها تطلب ... وأنا لم أر اه فتوى من لك ولكنني سمعت منه – في سياق حديث عن مقاومة الخديوي له – ما حاصله أن الحكومة أنشأت صندوق التوفير في مصلحة البريد بدكريتو خديوي – أمر عال – ليتيسر للفقراء حفظ ما زاد من دخلهم عن نفقاتهم وتثميره لهم، وقد تبين لها أن زهاء 2000 فقير من واضعي الأموال في صندوق البريد لم يقبلوا أخذ الربح الذي استحقوه بمقتضى الدكريتو، فألتني الحكومة هل توجد طريقة شرعية لجعل هذا الربح حلالا حتى لا يتأثم فقراء المسلمين من الانتفاع به، فأجبتها شفاهة بإمكان ذلك بمراعاة أحكام شركة المضاربة من استغلال النقود المودعة في صندوق التوفير، فذاكر رئيس النظار الخديوي في تحرير الدكريتو الخديوي وتطبيقه على الشرع، فأظهر سموه الارتياح لذلك، ولما قال له رئيس النظار، إننا استشرنا المفتي في ذلك غضب غضبا شديدا وقال : كيف يبيح المفتي الربا ؟ لابد أن أستشير غيره من العلماء في ذلك ثم جمع سموه جمعية من علماء الأزهر في قصر القبة، وكلفهم وضع طريقة شرعية لصندوق التوفير ليظهر أمام العامة أنه المحامي عن الدين المطبق للمشروع على الشريعة، أن الحكومة كانت عازمة على إكراه المسلمين على أكل الربا بمساعدة المفتي، لولا تداركه الأمر، وقد وضع له العلماء مشروعا قدمته المعية لنظارة المالية قال : إن نظارة المالية عرضت على ذلك المشروع لإقراره – أو قال للتصديق عليه – فوجدته مبنيا على ما كنت قلته للحكومة شفاهة – هذا ما سمعت منه رحمه الله تعالى ، وأظن أنه قال إن أولئك العلماء كانوا من فقهاء المذاهب الأربعة أو الثلاثة ولا أجزم بذلك".
ومهما تكن صفة الطريقة التي وضعها العلماء لاستغلال أموال التوفير فلا يظهر عدها من الربا المجمع على تحريمه وهو ربا النسيئة الذي كان في الجاهلية.
ويؤكد الأستاذ إبراهيم زكي الدين أنه بحث في مصلحة البريد عن أثر التعديل الذي أشار إليه السيد رشيد رضا فلم يجده إلا في إقرار اختياري أعد في هامش الاستمارة " بريد رقم 2 ".
وقال: " وقد استفسرت من مصلحة البريد عن قيمة هذا الإقرار العلمية فعلمت أنه لا قيمة له في العمل، فالأموال المودعة بناء عليه تثمر بها كغيرها مما لم يودع بهذا الإقرار، كما أن الربح الذي يوزع على الجميع بنسبة مئوية معينة هي : 2% في السنة، ويرى فضيلته أن التعديل المذكور ما هو إلا حيلة فقهية، كالحيل التي جوزها الفقهاء في القرض بفائدة، تقوم على إيجاد تعاقد صوري تتفق ألفاظه مع شروط شركة المضاربة وإن علم الجميع أن العمل يخالف ذلك (28).
وأخيرا فليرحم الله الإمام الجليل – محمد عبده – رحمة واسعة فإن ما قاله على أساس شركة المضاربة في استغلال النقود المودعة في صندوق البريد، هو ما يتفق وأحكام الشريعة الإسلامية، وهو عين ما تقوم عليه البنوك الإسلامية الحالية، وقد نجحت هذه البنوك نجاحا باهرا، رغم أن فترة وجودها قصيرة نسبيا بالنسبة إلى بنوك ربوية قائمة منذ عشرات السنين.

• ثانيا : رأي الأستاذ عبد الوهاب خلاف في الفائدة :
للمرحوم الأستاذ عبد الوهاب خلاف، أستاذ الشريعة الإسلامية، فتوى تتعلق بربح صندوق توفير البريد، ففي مقال نشرته مجلة " لواء الإسلام القاهرية" في عددها الحادي عشر لسنة 1951 م، أجاب فضيلته عن سؤال لأحد الموظفين حول ربح صندوق توفير البريد، وهل يحل أخذه، فقال سيادته : " إن السؤال والجواب عنه واردان بالمجلد السادس من مجلة المنار سنة 1903 م وقد نقل صاحب المنار في صفحة 332 ع 9 سنة 1906 عن الأستاذ الإمام محمد عبده العبارة الآتية : " ولا يدخل في الربا المحرم الذي لا يشك فيه، من يعطى لآخر ماله ليستغله، ويجعل له من كسبه حظا معينا، لأن مخالفته قواعد الفقهاء في جعل الحظ معينا، قل الربح أو كثر، لا يدخل في الربا الجلى المركب المخرب للبيوت، لأن هذه المعاملة نافعة للعامل ولصاحب المال معا، وذلك الربا ضار بواحد بلا ذنب غير الاضطرار، ونافع الآخر بلا عمل سوى القسوة والطمع، فلا يمكن أن يكون حكمهما في عدل الله واحد ... وقد علق على هذا الكلام الدكتور سامي حمود قائلا (29) :
" وقد تبين لنا – نتيجة الرجوع إلى مصدر النقل المشار إليه – أن هذا الكلام ليس من كلام الشيخ عبده، لا أصلا ولا نسبة، ولكنه كلام السيد محمد رشيد رضا، وهو ما أعاد ترديده في تفسير المنار بنصه حرفيا دون أن ينسبه – من قريب أو بعيد – للأستاذ الإمام".
وننظر إلى كلام الأستاذ خلاف فنراه يقول :
" إن الإيداع في صندوق التوفير هو من قبيل المضاربة، فالمضاربون هم أصحاب المال، ومصلحة البريد هي القائمة بالعمل، والمضاربة عقد شركة بين كرفين، على أن يكون المال من جانب والربح، بينهما، وهو عقد صحيح شرعا، واشترط الفقهاء لصحة هذا العقد ألا يكون لأحدهما من الربح نصيب معين اشتراطا لا دليل عليه، وكما يصح أن يكون الربح بينهما بالنسبة، يصح أن يكون حظا معينا ولا يدخل (هذا التعامل) في ربا الفضل ولا ربا النسيئة، لأنه نوع من المضاربة، اشترط فيه لصاحب المال حظ معين من الربح، وهذا الاشتراط مخالف لأقوال الفقهاء، ولكنه غير مخالف نصا في القرآن والسنة".
وقد كان لهذا الرأي ضجة كبرى بين رجال الفقه والدين، وقد عارض عدد كبير من العلماء رأي الشيخ خلاف، وهاجموه بشدة ومن بينهم الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة (30)، والأستاذ محمد علي النجار (31)، والأستاذ عبد الرحيم الوريدي (32) وفضيلة الشيخ عبد الرحمن تاج (33) ونختار من بين هذه الآراء المعارضة رأي الدكتور عبد الرحمن تاج والذي نشر في العدد الثالث من السنة الخامسة من مجلة لواء الإسلام فقال : " لا مجال للشك في أن إيداع المال في صندوق التوفير، مع اشتراط زيادة معينة غير نسبية من الربح، هو من باب القرض بفائدة، وإذا كان يعبر من جانبه بإيداع وديعة، فهو وديعة مضمونة ومضمونة مع اشتراط فائدة للمودع فهو لا محالة " قرض " وهو من القرض غير الحسن، وليس من المضاربة في شيء..."
وقد أضاف فضيلته قائلا : " أما عن النقطة الثانية الخاصة باشتراط جزء معين من الربح لصاحب المال في عقد المضاربة فنقول إن شركات المضاربة كانت مهددة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد نقلت كتب السنة والتاريخ كثيرا من معاملات الناس في هذه الأبواب على ذلك العهد لكنها لم تنقل لنا واقعة واحدة من هذه المعاملات، قد أقر فيها اشتراط أن يكون لصاحب المال في المضاربة جزء معين غير نسبي من الربح، ولو كان قبل هذا الاشتراط جائزا شرعا لأثر عنهم، ولو في حالات قليلة من هذه الأبواب جميعا أو من بعضها من غير أن ينكر ذلك عليهم من الرسول صلى الله عليه وسلم، أو من علماء الصحابة وفقهائهم(34).
ثالثا  - رأي الشيخ محمود شلتوت في الفائدة (35) :      
سئل الشيخ شلتوت – رحمه الله – عن رأيه في أرباح صندوق التوفير والذي تدفعه المصلحة لصحاب الأموال المودعة في الصندوق فقال : " والذي نراه – تطبيقا للآحكام الشرعية، والقواعد السليمة أنه حلال ولا حرمة فيه، ذلك أن المال المودع لم يكن دينا لصاحبه على صندوق التوفير، ولم يقترضه صندوق التوفير منه، وإنما تقدم به صاحبه إلى المصلحة من تلقاء نفسه طائعا مختارا، ملتمسا قبول المصلحة إياه، وهو يعرف أن المصلحة تستغل الأموال المودعة لديها في مواد تجارية وينذر فيها – إن لم يعدم – الكساد أو الخراز وقد قصد بهذا الإيداع أولا : حفظ ماله من الضياع، وتعويد نفسه على التوفير والاقتصاد وثانيا : إمداد المصلحة بزيادة رأس مالها ليتسع نطاق معاملاتها وتكثر أرباحها فينتفع العمال والموظفون وتنتفع الحكومة بفائض الأرباح ... ويضيف قائلا فإذا ما عينت المصلحة لهذا التشجيع قدرا من أرباحها منسوبا إلى المال المودع بأي نسبة تريد، وتقدمت به إلى صاحب المال كانت دون شك معاملة ذات نفع تعاوني عام، يشمل خيرها صاحب المال والعمال والحكومة وليس فيها مع هذا النفع العام أدنى شائبة لظلم أحد، أو استغلال لحاجة أحد، ولا يتوقف حل هذه المعاملة على أن تندمج في نوع من أنواع الشركات التي عرفها الفقهاء وتحدثوا عنها وعن أحكانها".
ثم قال فضيلته : " إن هذه المعاملة بكيفيتها وبظروفها كلها، وبضمان أرباحها لم تكن معروفة لفقهائنا الأولين وقت أن بحثوا الشركة ونوعوها، واشترطوا فيها ما اشترطوا فالتقدم البشري أحدث في الاقتصاديات أنواعا من العقود، وما دام الميزان الشرعي في حل التعامل وحرمته قائما في كتاب الله ( والله يعلم المفسد من المصلح) ( ولا تظلمون ولا تظلمون) فما علينا أن نحكمه ونسير على مقتضاه، ومن هنا تبين أن الربح المذكور ليس فائدة لدين حتى يكون ربا، ولا منفعة جرها قرض حتى يكون حراما على فرض صحة النهي عنه، وإنما هو كما قلنا تشجيع على التوفير والتعاون اللذين يستحبهما الشرع".
• وقد كان لهذه الفتوى تأثيرا واضحا في تغير سلوك من يرفضوا التعامل مع صندوق التوفير، فبعد أن كانوا ينظرون إلى فائدة التوفير على أنها ربا محرم، بدأوا يقبلون على إيداع أموالهم في الصندوق مستندين على فتوى الشيخ شلتوت، إلى أن أشيع بين الناس أن فضيلته عدل عن رأيه – قبل وفاته – ألا وإننا لا نسلم بما أشيع نظرا لأننا لم نعثر على أي سند يفيد ذلك.
ومن ناحية أخرى أكد الدكتور أحمد شلبي، (36) على أن مدير مكتب الشيخ شلتوت الأستاذ أحمد نصار – الذي كان يتولى على طبع كتب فضيلته – قد كتب لجريدة الأهرام يقول : " لقد كنت قريبا من الشيخ شلتوت في آخر حياته، باعتباري مديرا لمكتبه، كما كان لي أيضا شرف الإشراف على طبع مؤلفاته ومنها كتاب الفتاوي والإمام الراحل لم يرجع عن هذه الفتوى ولا عن غيرها، وقد نشرت بكتابه الذي طبع مرتين في حياته – الثانية في أخرياتها – وهي مستندة إلى استدلالات فقهية، كما هي عادة الإمام الراحل في كل فتاواه وباب البحث مفتوح للجميع.
والنقطة التي لا نتفق فيها مع فضيلة الشيخ شلتوت، هي قوله بأن مصلحة البريد تستغل الأموال المودعة لديها في مواد تجارية فهي في واقع الأمر لا تستثمر في مواد تجارية ولا مشاريع استثمارية بل تودع لدى بنوك ربوية أو الخزانة العامة مقابل فائدة أو تشترى بها سندات تعطي فوائد.
وقد أكد الدكتور سامي حمود، على أن هيئة البريد قد سمحت له بالاطلاع على مكونات حساب الإيرادات الربحية التي حققتها المصلحة عن السنة المنتهية في 21/ 2/ 1974 واتضح لسيادته أن الفوائد المقبوضة تشكل 98% من المجموع (37) وطالما أن الأمر كذلك فلا يمكن التسليم أيضا بما انتهى إليه الشيخ شلتوت – رحمه الله – فقد كانت فتواه على أساس أن هذه الفوائد التي توزعها المصلحة هي جزء من ربح ناتج عن استثمار الأموال المودعة لدى الصندوق من مواد تجارية.
ونختتم آراء العلماء من الفائدة بما قرره مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية الثاني والذي كان يضم مثلي خمسا وثلاثين دولة لهذا الموضوع، وأصدروا قرارا بأن الفائدة على أنواع القروض كلها من الربا المحرم، كما قرروا بأن الحسابات ذات الأصل وفتح الاعتماد بفائدة، وسائر أنواع الإقراض نظير فائدة كلها من المعاملات الربوية وهي محرمة.
ثم توجهوا بنداء إلى علماء المسلمين ورجال المال والاقتصاد أن يتقدموا بمقترحات لإقامة بديل إسلامي للنظام المصرفي الحالي لما له من أثر واضح في النشاط الاقتصادي المعاصر.

-------------------------------------
1) أنظر : ابن منظور، لسان العرب، المجلد الثالث (القاهرة، دار المعارف، بدون تاريخ) ص 1573.
2) أنظر محيي الدين بن شرف النووي، تهذيب الأسماء واللغات، القسم الثاني، حـ1.
3) سورة الحج الآية رقم 5.
4) أنظر إسماعيل بن كثير، تفسير القرآن العظيم، حـ3، ص 208.
5) سورة النحل الآية رقم 92.
6) أنظر : فخر الدين عثمان ابن علي الربعلي، تبين الحقائق شرح كنز الدقائق المجلد الرابع، طبعة بيروت المعرفة ص 85.
7) أنظر : تقي الدين السبكي، تكملة المجموع شرح المهذب للنووي حـ1.
8) هناك تعاريف متعددة للفائدة بتعدد النظريات، فبعض التعاريف تركزت على الظاهرة النقدية والسلفية،، والأخرى شبهت الفائدة بالإيجار.. لمزيد من التوسع الطرد. رفيق المصري، مصرف التنمية الإسلامي، طبعة بيروت ص 62.
9) أنظر : د. محمد عبد الله العربي، محاضرات في النظم الإسلامية حـ1 (القاهرة، مطبعة الشرق العربي) ص 214.
10) أنظر : د. عيسى عبده إبراهيم، الربا ودوره في استغلال موارد الشعوب (القاهرة، دار الاعتصام، 1977) ص 122.
11) أنظر : منان " الاقتصاد الإسلامي بين النظرية والتطبيق " ترجمة د. منصور إبراهيم ص 187.
12) أنظر : د. عيسى عبده، الفائدة على رأس المال.. والربا، مجلة الأهرام الاقتصادي العدد رقم 448، أبريل 1974) ص 41.
13) ممن قالوا بهذا الرأي الدكتور معروف الدوالي وقد سجل هذا الرأي في محاضرة ألقاها في مؤتمر الفقه الإسلامي في باريس عام 1951، فهو يرى أن الربا المحرم هو ما كان في قرض بعد تطور النظم الاقتصادية، وأصبح المقترض هو الطرف الضعيف، ولمزيد من التوسع راجع : د. عبد الرزاق السنهوري، مصادر الحق في الفقه الإسلامي ح 3 (ط 3، القاهرة، معهد الدراسات والبحوث العربية 1967) ص 322.
14) منهم الدكتور السنهوري، في كتابه السابق ص 322، والإمام أبو زهرة في كتابه بحوث في الربا ص 45. والدكتور العربي في كتابه النظم مرجع سابق ص 45.
15) أنظر : والإمام أبو زهرة، مرجع سابق ص 45.     
16) أنظر : السنن الكبرى حـ 5، ص 255.
17) أنظر : د. محمد ابن محمد أبو شهبة نظرة الإسلام إلى الربا، ص 116.
18) قد يحدث مدمرة، أو زلزال أو ركود في مبيعات منتجات المشروع فهل تناولت الدراسة كل هذه الظروف التي هي في علم الله ؟
19) أنظر الأستاذ أنور إقبال قرش، الإسلام والربا، ترجمة الأستاذ فاروق حامي، ص 327.
20) أنظر: الإمام أبو الأعلى المودودي، الربا، ترجمة محمد عاصم ص 19.
21) أنظر : الإمام محمد باقر الصدر، اقتصادنا ( بيروت – دار الكتاب اللبناني) ص 575.
22) الإمام محمد أبو زهرة، التكافل الاجتماعي في الإسلام، ص 43.
23) نفس المرجع السابق مباشرة ص 44.
24) ورد بكتاب الادخار – الذي قررت نظارة المعارف تدريسه على طلبة المدارس الابتدائية سنة 1913 – ما يفيد أن الإمام أفتى بحل فوائد التوفير على أساس أنه عمل من أعمال المضاربة الجائزة شرعا.
25) مجلة المنار، المجلد التاسع عشر – حـ 9 – ص 527 عدد 22 فبراير سنة 1917 م.
26) أنظر مقال الأستاذ : إبراهيم زكي الدين بدوي – نظرية الربا المحرم في الشريعة الإسلامية بمجلة القانون والاقتصاد العدد (5) من السنة التاسعة.
27) أنظر مجلة المنار بتاريخ 22/2/1917 م حـ 9 من المجلد 19 سؤال بتوقيع أبو الأشبال.
28) أنظر : إبراهيم زكي الدين، مرجع سابق، ص 554.
29) د. سامي حمود، تطوير الأعمال المصرفية بما يتفق والشريعة الإسلامية، ص 253.
30) أنظر العدد الثاني من السنة الخاصة لمجلة لواء الإسلام القاهرية.
31) نفس المرجع سابق.
32) أيضا المرجع السابق ص 14.
33) أنظر العدد الثالث من السنة الخاصة لمجلة لواء الإسلام القاهرية.
34)  أنظر : الشيخ محمود شلتوت، الفتاوي دراسة لمشكلات المسلم المعاصر في حياته اليومية والعامة ص 221، ص 252.
35)  د. أحمد شلبي، الإسلام والقضايا الاقتصادية الحديثة ص 93292.
36) أنظر د. سامي حمود، تطوير الأعمال المصرفية بما يتفق وأحكام الشريعة الإسلامية، ص : 256.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here