islamaumaroc

عودة مباركة

  عبد السلام الهراس

العدد 243 ربيع 2 1405- دجنبر 1984

ما سررت في حياتي سروري ببعث الحياة العلمية من جديد في القرويين، وقد كان يظن أنها أصبحت في عداد العاديات والآثار الميتة، التي تدل على الماضي دون أن يكون لها في الحاضر مكان أو وجود.
كانت الألسنة تتناقل كلمة قيلت يوم إحياء ذكراها، وقد جمع الحفل أعلام الدين والفكر في العالم الإسلامي، فبدر من أحدهم القول إننا نشهد "تأبين" القرويين، فازدادت الكلمة رسوخا في الأذهان، بازدياد ضمور وجودها العلمي، وخلو كراسيها من علمائها وتتابع موت أفذاذها، وانطواء البقية الباقية منهم، وانزوائهم على أنفسهم، بل وانتقال سكنى جلهم من جوارها وحولها ومدينتها إلى أماكن أخرى بعيدة، إلا رجلا واحدا ظل يرتادها، وكأنه بقية من روحها يتثبت بربطها بالوجود وهو يقاوم الموت والفناء.
ومازلت أذكر أني يوما صحبة أخي الدكتور المهدي بنعبود أطال الله عمره في عافية وقوة – رغبة في أداء ركعات لله بهذا البيت، وأثناء خروجنا، سألني: ألا تسمع همسات وهمهمات هذه السواري، فماذا تقول لنا؟...
وحضرت جنازات لكثير من علماء القرويين بفاس وغير فاس، وشاركت بالحضور والكلمة في تأبين بعضهم، وقد أنشأت قصيدة طويلة أبكي فيه القرويين وعلمائها، نشرت في جريدة النور بتطوان، وآخر هؤلاء العلماء وفاة العلامة المؤرخ الفقيه محمد داود، والعلامة الأصولي الفقيه العربي الشامي (11/11/1984)، ومما قلته فيها:
مررت بجــامعنـــا غـــدوة              فــألفيت جـــامعنـــا يحتضر
أجــامعنــا إن دهتــك خطوب           فـــلا شمس في أفقنـــا أو قمر
فمـــا من مجيب ســـوى زفرة          تــــؤازرهــــا زفرات أخر
لقـــد هجروني وهــل أفلحـوا          هجر الجـوامـع إحــدى الكبر!!
وقــد يغفر اللـه سفــك دمــاء           وســـك المنـــابر لا يغتفر!!
لئن كــان أعلامنــا قـد قضـوا           فـإنـا على حــافـة المنحــدر
وإن غــاب عنــا زائير أســود          فهل كــان يجــدي خوار البقر؟
وفي كـــــــل حي تربص شر          وفي كــل ركن نـــذير الخطر
وفي حفل تأبين أخينا العلامة المشارك الأستاذ/ عبد الله الجراري رحمه الله، ختمت بقولي داعيا "نسأل الله أن يهيئ الأسباب، لتعود الحياة في هذا البلد الأمين علمية إسلامية عظيمة، فتعود فيها كراسي القرآن، وكراسي الحديث، وكراسي الإيمان".
وما من مؤمن يحب المغرب، إلا وكان يهفو أن يرى القرويين وقد عادت إليها حياتها العلمية، وإشعاعها الديني والفكري، الذي كان يجتذب إليه طلاب العلم والمعرفة، وإخوان الإسلام والإيمان، فيأتون إليها رجالا وركبانا ومن كل فج عميق، ومنذ أشهر في ملتقى الفكر بالجزائر، التقيت بنخبة من علمائها درسوا بالقرويين، انطلقوا يحدثون الحضور عن أجمل حياتهم في القرويين، وبفاس ومدارسها، ويعدون شيوخهم واحدا واحدا، ولقد عجبت لعالم فاضل، رغم ما كان يعانيه من مرض، ما أن رآنا وقد جرى حديث القرويين، حتى تجددت حيويته، وتوقدت قريحته، وتحفزت ذكرياته، فانثالت عليه من كل جانب، وأملى علينا فهرسة كاملة لحياته العلمية بفاس، وما تخلل تلك الحياة من ذكريات جميلة، ومواقف عزيزة، ولم يدع أستاذا درس عليه إلا وذكره، وذكر ما يتصل بما درس عليه من علم وكتاب، والطريقة التي كان يلقي بها درسه، وما يجري في حلقاته من حوار ومناقشات، وما كان يخصه به من إكرام وتقدير، فأشاد بكرم هؤلاء، وبأهل فاس الذين كانوا يكرمون الغرباء من طلاب العلم، ويبرون بهم على عادتهم وعادة جميع المغاربة، وما ألقى أحدا في الغرب أو الشرق إلا والقرويين من أهم محاور حديثنا، لما لها من تاريخ أصيل، وارتباط بالحضارة أثيل، ولقد قيل: "لولا عياض لما ذكر المغرب"، وأنا أقول: "لولا القرويين لما وجد المغرب"، فهي القلب النابض، الذي كان يستقبل الدماء من الأوردة والعروق المغربية وغيرها، فيوزعها على المغرب الكبير، وعلى إفريقيا، بل وعلى العالم الإسلامي في تدفق وقوة وانتظام.
وما زلت أذكر في رحلتي لطلب العلم بالشام (سوريا ولبنان)، أني التقيت بعلماء أجلاء مغاربة، كانت لهم مكانتهم في المشرق، وكلهم غرفوا من ينابيع القرويين الصافية مباشرة أو غير مباشرة، فأصبحوا بذلك ذوي مكانة مرموقة أهلتهم للرياسة والصدارة.
وقد حكى لي غير واحد، ما كان لعلماء القرويين في حياته العلمية والخلقية من تأثير فعال، ومن هؤلاء الأفذاذ الشيخ محمد الشاذلي النيفر، الذي كان والده من أبرز طلاب الشيخ المهدي الوزاني، الذي كان يقيم عندهم في بيتهم الأيام الطوال، وكذلك الشيخ الأديب علي الطنطاوي، الذي درس وأفاد من علم الشيخ الحافظ محمد بن جعفر الكتاني، وحضر دروس الفقيه ابن المأمون البلغيثي، الذي قال عنه إنه كان آية في العلم لاسيما في النحو والأدب والبلاغة.
وبالقرويين سدنا وبها سنسود، وكيف لا يغريني الحديث عنها بالاسترسال والاستطراد، وأنا أحد أبنائها الذين كان لها الفضل علي فيما وفقنا إليه من دراسة في الشرق أو الغرب، وكيف لا أرتاع وألتاع إذ أراها وقد خلت من العلماء، وتقف العلم بها، فتوقف ارتياد طلاب العلم من إفريقيا عن المغرب، ولم نعد نرى تلك الوفود تترى، وهي تنهل من منابع هذا الجامع العظيم ما كان له أقوى الأثر في ضعف روابطنا بإخواننا في إفريقيا الإسلامية!!
وبذلك تجمدت رسالة المغرب الإسلامية، التي اضطلع بها منذ قرون، وما تزال آثارها سارية في أهم أقطار إفريقيا والشرق الإسلامي، لذلك فإني ما إن علمت بمحاولة لعودة الحياة العلمية إليها، وكنت يومئذ ملازما للفراش، حتى طربت وازددت إيمانا أن الله لطيف بهذا البلد، إذ من عليه بهذه العودة المباركة، ووفق وسدد وهدى، فله الحمد في الأولى والآخرة، وستكون الفرحة أعم وأقوى إذا انبعثت القرويين انبعاثا شاملا.
وبهذه العودة المباركة، ستسري الحياة العلمية في شرايين المغرب كله، مدنه وقراه وبواديه، وإني لا أشك أن أهل البوادي والقرى ما إن يسمعوا بعودة العلم إلى القرويين، إلا ويهرعون إليها، ينهلون من ينابيعها الصافية، في صبر ومصابرة واحتساب وإخلاص.
ولو نحن أولينا هؤلاء بعض العناية وجزءا صغيرا مما نوليه للمدارس العصرية، لكونا منهم رسل خير وبركة ونصر، فينشرون العربية والعلوم الإسلامية في أمصار إفريقيا أو غير إفريقيا من العالم الإسلامي، لأنهم يملكون ما لا يملك الآخرون، فهم يحفظون كتاب الله، ويستظهرون المصنفات والمنظومات في العلوم العربية والإسلامية، وهم أقرب شبابنا لحياة البداوة الصافية والقاسية، وهم بذلك يستطيعون التحمل أكثر من غيرهم.
وبهذه العودة، سنحيي الدين في القبائل، إذ سيكثر الطلب على هؤلاء الطلبة المكونين تكوينا صحيحا، كما أن عمالنا في الخارج سيقبلون على طلب هذا النوع من طلاب هذا النوع من طلاب العلم للإمامة، وتعليم أبنائهم العربية والقرآن، ومن آثار هذه العودة المباركة، أن المغرب سيسترد مكانته في إفريقي، إذ سيهجر إليه طلاب كثار، منها رغبة في الأخذ والإفادة من علوم القرويين، ولدي رسائل يرجو فيها أصحابها أن يلتحقوا بالمغرب، لدراسة العلوم الإسلامية، وإن الله سيتكفل بنشر هذه البشرى، دون دعاية أو إعلام أو ترويج، وسنرى ذلك قريبا بحول الله.
ومن آثار هذه العودة المباركة، أن البقية من علمائنا سيزدادون علما، إذ عادت أرواحهم للانتعاش، عندما رأوا أن علومهم مرغوب فيها، وبذلك يزكوا علمهم، إذ بالإنفاق تزكو العلوم، وهذا هو السبيل الوحيد لتكوين الأطر العالمة، وفي خلال سنوات قليلة، يمكن أن يصبح في المغرب علماء كبار، كما كان العهد سالفا.
ومن آثار هذه العودة المباركة، أن عوام المدينة وزوارها ستترقى مداركهم الثقافية والعلمية، وسيصبحون على دراية بشؤون دينهم، إذ سيغشون مجالس العلم ويتصلون بالعلماء، يسألونهم ويستضيفونهم ويخالطونهم كما كان العهد بهذه المدينة العظيمة، وبذلك يسترد أهل فاس القديمة ما كان يتمتع به أسلافهم من مكانة علمية بارزة.
ويمكن بهذه العودة أن تتكون الجامعة الإسلامية المغربية المرتقبة، التي يمكن أن تصبح في العلوم ومناهجها مثالا يحتذى، إذ لا تتقيد بسن ولا أنظمة ولا وقت ولا قيود أخرى تجعل تعاطي العلم محدودا جدا.
إن عودة القرويين، لا تعني سوى عودتنا لمنابع عزنا وقوتنا وحضارتنا، وهي بداية سليمة لانطلاقة كبرى نحو المجد والخلود لهذا البلد الأصيل، الذي ارتبطت نهضته دائما بالدين، والدين وحده، والله الموفق، وهو نعم المولى ونعم النصير.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here