islamaumaroc

دستور التسامح في الإسلام

  محمد المكي الناصري

العدد 243 ربيع 2 1405- دجنبر 1984

مما لا شك فيه أن ممارسة " التسامح " في العلاقات الإنسانية الخاصة والعامة أمر جميل وجليل، لكن هذه الممارسة تعترضها كثير من العقبات، ويعتريها كثير من التقلبات، وليست من السهولة واليسر بالقدر الذي يتخيله رجل الأخلاق والاجتماع المثالي، إذ أن " التسامح " بمعناه الكامل، وتطبيقه الشامل لا يسير في نفس الاتجاه العادي لغرائز الإنسان، إذا كانت تلك الغرائز لدائية لم تصقلها التربية ولم يعالجها التهذيب والتقويم، وليصبح " التسامح" عملة يتعامل بها الناس في حياتهم اليومية بسهولة ويسر لابد فيه من تربية سابقة، وتوجيه مبكر، وإعداد نفسي وخلقي دقيق، وقبول جملة من المبادئ والمسلمات للانطلاق منها في مختلف التصرفات، ومراعاتها في جميع العلاقات، وبذلك يصبح " التسامح " جزءا لا يتجزأ من حياة الإنسان العادية، نفسيا وعاطفيا وفكريا.
ونظرا لأهمية " التسامح " والآقار الطيبة التي تنشأ عنه، وخطورة " التعصب" والآثار البغيضة التي تترتب عليه  فرديا وجماعيا فقد اهتم الإسلام بأمره اهتماما بالغا، ونصت تعاليمه على عدة مبادئ نظرية يقوم " التسامح " على أساسها وينطلق منها، كما نصت تعاليمه على جملة من الوسائل العملية، لممارسة " التسامح " في الحياة اليومية، ولعل من المفيد في هذه الندوة إطلاع جمعكم الموقر على الطريقة التي عالج بها الإسلام موضوع " التسامح "، والتعريف بما قدمه من مبادئ نظرية، واقترحه من وسائل عملية، ليصبح التسامح أمرا سائدا بين البشر بصورة عفوية وتلقائية:
أما المبادئ النظرية العامة التي ينطلق منها " التسامح " حسبما حددته التعاليم الإسلامية فهي ستة مبادئ:
-  المبدأ الأول : تعريف الإنسان بوحدة النوع الإنساني، وأن اختلاف البشر في ألوانهم ولغاتهم لا دخل له في إعلاه مكانة أي فرد أو تحقير آخر، ولا في تقدم أي شعب أو انحطاط آخر، وأنه ليس دليلا على اختلاف الإنسان في طبيعته، وإنما هو مظهر من مظاهر قدرة الله وعظمته، وذلك ما تنطق عليه الآية الثانية والعشرون في السورة الثلاثين (سورة الروم) من القرآن الكريم: ( ومن آياته   خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم، إن في ذلك لآيات للعالمين).
والتسليم بهذا المبدأ الأول يؤدي إلى رفض كل تمييز عنصري أو لغوي.
- المبدأ الثاني : تعريف الإنسان بأن اختلاف البشر في معتقداتهم أمر طبيعي في حياة الإنسان لا سبيل لتفاديه، فقد شاء قضاء الله وقدره أن يخلق الإنسان حرا مختارا على بقية الأحياء، ولم يخلقه بهيمة عجماء، ولا آلة صماء، ولذلك كان له رأيه الخاص وإرادته الخاصة، بحيث يتصرف بهما كيف يشاء، وقد نطق القرآن الكريم بالقول الفصل في هذه القضية، واعتبرها قضية منتهية، حيث قال في الآية التاسعة والتسعين من السورة العاشرة (سورة يونس) : ( ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا)، كما قال في الآية الثامنة عشرة بعد المائة من السورة الحادية عشرة (سورة هود) : ( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم)، والتسليم بهذا المبدأ الثاني يؤدي إلى استحالة جمع الناس أجمعين، حول عقيدة واحدة ووحيدة في الدين.
- المبدأ الثالث : تعريف الإنسان بأن كل محاولة من طرفه للقضاء على الاختلافات الدينية بوسائله الخاصة محاولة فاشلة، وأن كل جهد ووقت يصرفه في هذا السبيل جهد ضلئع ووقت ضائع، فقد شاء قضاء الله وقدره أن يستمر الاختلاف في الآراء والمعتقدات إلى نهاية المطاف، مصداقا للآية السابقة ( ولا يزالون مختلفين)، وقد تعهد خالق الخلق وحده بالفصل بينهم في اختلافهم عندما يقفون بين يديه " يوم الفصل " و " يوم الحساب "، وذلك ما تنطق عليه الآية الرابعة والعشرون بعد المائة من السورة السادسة عشرة في القرآن الكريم ( سورة النحل) حيث تقول : ( وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون)، والتسليم بهذا المبدأ الثالث يؤدي إلى تفادي الدخول في الصراعات الدينية، لأنها لا جدوى من ورائها.
- المبدأ الرابع : تعريف الإنسان بأن الإيمان بأي دين لا يكون إيمانا حقيقيا وصحيحا إلا إذا كان صادرا عن اقتناع تام، ولا دخل فيه لأي ضغط أو إكراه، بحيث إذا اكره أحد على اعتناق دين ثم أراد العودة إلى دينه الأول كان مسموحا له بالعودة إليه دون مؤاخذة ولا عقاب، ولتقرير هذا المبدأ بشكل قاطع لا رجعة فيه جاءت الآية السادسة والخمسون بعد المائتين الواردة في السورة الثانية من القرآن الكريم ( سورة البقرة) : ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي)، والآية التاسعة والتسعون الواردة في السورة العاشرة ( سورة يونس) التي تقول : ( أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مومنين)،  والآية السادسة والخمسون من السورة الثامنة والعشرين (سورة القصص) التي تقول : ( إنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء)، والتسليم بهذا المبدأ الرابع يؤدي إلى الترفع عن إجبار الآخرين على الدخول في دين غير دينهم، ويمهد الطريق لاحترام إرادة الآخرين وقبول التعايش معهم على ما هو عليه.
- المبدأ الخامس: تعريف الإنسان بأن البشر وإن اختلفت معتقداتهم وأديانهم، واختلفت ألسنتهم وألوانهم، وتعددت قبائلهم وشعوبهم، فهم يكونون في طبيعتهم نوعا واحدا، وينتمون في نشأتهم إلى أصل واحد، وهذه الوحدة الأصلية والفطرية الجامعة بينهم يجب أن تكون أقوى عامل في تعارفهم وتعاونهم، وأهم عامل في توحيد جهودهم للنهوض بأعباء المصالح العليا للبشرية، التي تتطلع إليها الإنسانية جمعاء. وبديهي أن هذا العمل الوحدوي لا يتعارض مع بقاء الحرية لكل أمة في اعتقاد ما تريده من المعتقدات. بل أنه سيكون من أقوى العوامل للتقريب والتفاهم بين مختلف الأمم، ولقد لفت القرآن الكريم أنظار كافة البشر إلى هذا المبدأ عندما قال في الآية الثالثة عشرة من السورة التاسعة والأربعين ( سورة الحجرات) : ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير)، والتسليم بهذا المبدأ الخامس يوجه الإنسان إلى أن يأخذ بعين الاعتبار قبل كل شيء ما يجمع بينه وبين أخيه الإنسان، بدلا من أن ينطوي على نفسه ويعتزل الآخرين، بحجة الفوارق التي توجد بينه وبينهم، فيحجم عن التعاون معهم.
- المبدأ السادس: تعريف الإنسان بأن التعاون المثمر بين البشر على تحقيق الأهداف الكبرى للإنسانية لا يمكن ضمانه واستمراره بفاعلية ونجاح إلا في جو من الأمن والسلام المتبادل، ولا يزدهر الكامل إلا عندما تكون العلاقات الإنسانية مطبوعة بطابع المودة والبرور والتقدير، فعن الشق الأول وهو السلام المتبادل جاءت الآية الواحدة والستوت من السورة الثامنة في القرآن الكريم ( سورة الأنفال) التي تقول : ( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم)، وعن الشق الثاني وهو التقدير المتبادل جاءت الآية الثامنة من السورة الستين، ( سورة الممتحنة) التي تقول : ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين، ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين)، ويلاحظ أن هذه الآية لم تكتف " بالعدل " الذي هو حق للجميع، بل أضافت إليه الإحسان و " البر " الذي هو قدر زائد على العدل، والتسليم بهذا المبدأ السادس يؤدى إلى إعداد المناخ السليم الذي يشجع على التعاون مع الآخرين، في جو من الثقة المتبادلة والطمأنينة والانسجام، من أجل خدمة الصالح العام.
هذه هي المبادئ الأساسية التي يؤدي تلقيها للناس وتسليمهم بها إلى الاستعداد التام لممارسة " التسامح " في جميع مجالات الحياة دون تكلف أولا مشقة، وبصورة مستمرة لا إنقطاع فيها، باعتباره واجبا دينيا وخلقيا لا يتم الإيمان إلا به.
وأما الوسائل العملية التي شرعها الإسلام لنشر " التسامح" بين الناس على أوسع نطاق، وتعميق جذوره في النفوس، وطبع الحياة اليومية بطابعه السمح الجميل فهي وسائل متعددة ومتنوعة:
- منها السماح للمسلمين بمجاورة غيرهم في السكن، ومجالستهم في المجامع، ومؤاكلتهم واستضافتهم في المآدب، وزيارتهم في حال الصحة، وعيادتهم عند العرض، ومشاطرتهم في أفراحهم، ومواساتهم في اتراحهم، وفي شأن مؤاكلتهم واستضافتهم وردت الآية الخامسة في السورة الخامسة ( سورة المائدة) التي تقول : ( اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم)، بينما أكدت السنة النبوية وسيرة السلف الصالح بقية الأحوال.
- ومنها السماح للمسلمين بمصاهرة غيرهم، والزواج من " الكتابيات " دون أن يكون دينهن عائقا عن الزواج بهن، بحيث لا يعارض الإسلام في أن يكون الزوج مسلما وزوجته غير مسلمة، ما دام كل منها يحترم دين الآخر ولا يحول دون ممارسته، ولا يستغرب أن تكون الأم غير مسلمة وأولادها مسلمون، وفي شأن السماح لهذا الزواج المختلط، القائم على أساس " التسامح " وعدم " التعصب " ، جاءت بقية الآية الخامسة من نفس السورة الخامسة (سورة المائدة) التي تقول : ( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن، محصنين غير مسافحين ولا متخذى أخذان).
ومنها السماح للمسلمين بتخصيص وصية تنفذ بعد موتهم لأقاربهم غير المسلمين : كما إذا كانت الزوجة " كتابية " لا ترث زوجها، أو كانت الأم " كتابية" لا ترث أولادها، فيوصي لها زوجها المسلم أو ولدها المسلم بوصية خاصة، وهذه إحدى الحالات التي تطبق عليها الآية الثمانون بعد المائة، الواردة في اسورة الثانية ( سورة البقرة) التي تقول : ( الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف، حقا على المتقين)، وهي تصدق على جميع الأقارب الذين ليسوا بورثة، إذ ( لا وصية لوارث).
- ومنها السماح للمسلمين بتخصيص قسط من زكواتهم للإنفاق على الفقراء من غير المسلمين، نظير الإنفاق على فقراء المسلمين أنفسهم، والسماح لهم بإدراج " المؤلفة قلوبهم" ضمن مصارف الزكاة. والمراد هنا من يتعاطفون مع الإسلام أو يدافعون عن حقوق المسلمين، وإلى ذلك تشير الآية الستون، الواردة في السورة التاسعة ( سورة التوبة) التي تقول: ( إنما الصدقات لفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم)، إلى آخر الآية.
- ومنها السماح للمسلمين بالمتاجرة مع غيرهم في كل ما يبيح الإسلام التجارة فيه، لا فرق في ذلك بين التجارة الداخلية والتجارة الخارجية، وقد استمرت العلاقات التجارية قائمة بين العالم الإسلامي والعالم المسيحي دون انقطاع طيلة القرون الوسطى، فنفعت المسلمين واليهود والنصارى على السواء، داخل " دار الإسلام" وخارجها، ولم يكن للاختلاف في الدين أي أثر سلبي على تلك العلاقات، إذ أنها كانت قائمة على أساس المنفعة المتبادلة للجميع، وفي صالح الجميع طبقا للآية العشرين من السورة السابعة عشرة ( سورة الإسراء) التي تقول : ( كلا نمد، هؤلاء وهؤلاء، من عطاء ربك، وما كان عطاء ربك، محظورا).
على أن الإسلام مضى في تسامحه إلى أقصى حد، حيث أباح لغير المسلمين التجارة فيما بينهم حتى فيما هو حرام على المسلمين، ما دام حلالا عند الآخرين، عملا بالقاعدة الشرعية المسلمة التي تقول : ( نتركهم وما يدينون).
- ومنها إلزام المسلمين بحسن معاملة غيرهم في الأقوال والأفعال، والوفاء بالعقود والعهود، واعتبار غيرهم على قدم المساواة معهم في الحقوق والواجبات، فالحق حق بالنسبة للمسلم وغيره، والواجب واجب بالنسبة للمسلم وغيره، وكل اعتداء يحرم ارتكابه بالنسبة للمسلم يحرم ارتكابه بالنسبة لغيره، ويعاقب عليه المعتدي ولو كان مسلما، وسند المسلمين في التمسك بالحق والتزام العدل مع غيرهم والإحسان في معاملتهم القاعدة الشرعية المسلمة التي تقول : ( لهم ما لنا وعليهم ما علينا).
هذه جملة من الوسائل العملية التي يطبق الإسلام عن طريقها مبدأ " التسامح "، في عدة مجالات حيوية، وما من واحدة منها ألا وهي اختيار يومي تنعكس آثاره الحميدة على الفرد والمجتمع، وجهاد متواصل ضد " التعصب " و " الحقد " و " البغضاء "، وتربية مستمرة من الشخص لنفسه بنفسه كل مطلع شمس، سعيا في أن يرتفع إلى مستوى " الإنسان المهذب النبيل" الذي يومن " بالتسامح" حق الإيمان ويبث روح الوئام والوفاق بين الجمع، حبا في الخير الجميع.
وبانضمام هذه الوسائل العملية إلى المبادئ النظرية التي نادى بها الإسلام قد ساهم مساهمة ثمينة في إرساء " التسامح " بين الأفراد والجماعات على قواعد متينة، منذ عهد قديم، وقدم للمجتمع البشري في هذا المجال صبغة متكاملة ومتوازنة يمكن أن يهتدي بها الباحثون، ويستنير بها المفكرون، فيقتبسون منها ما يرونه جديرا بالاقتباس، ويضيفون إليها ما رونه مكملا لها وتوسعا فيها، وبالله التوفيق.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here