islamaumaroc

ثلاث رسائل من المغرب إلى ليبا [سبق نشره في العدد 4 من السنة 12]

  محمد بن عبد الهادي المنوني

العدد 243 ربيع 2 1405- دجنبر 1984

مقدمـة:
يمتاز النصف الأول من القرن الثالث عشر للهجرة بنشاط متزايد للاتصالات وتوطيد العلاقات بين المغرب الأقصى من جهة، وأقطار المغرب العربي والسودان الغربي من جهة أخرى، وقد أسهم السلطان العلوي المولى سليمان بنصيب في تنمية هذا التعاون، ومواصلة سيرة أسلافه في هذا الميدان، وأول بادرة منه في هذا  الصدد: هي المعونة العسكرية التي قدمها المغرب إلى ليبية ضد حصار مدينة طرابلس من طرف الأسطول الأمريكي.
ففي عام 1217 هـ - 1803 م وجهت أمريكا أسطولها الحربي لحصار " طرابلس " التي كانت سفنها تضر بالسفن الأمريكية آنذاك، فهب المغرب لنصرة القطر الشقيق، وصار الأسطول المغربي يسابق الرياح، حيث كانت سفنه خفيفة، جامعة بين الشراع والمجاذيف، وبهذا كانت قوة سيرة مضاعفة، وما كاد الأسطول الأمريكي يصل إلى طرابلس حتى إعترضه الأسطول المغربي فقطعه هنها وأبلى بلاء حسنا، فلم تمر إلا هنيهة حتى صيره على وجه الماء، ولما بلغ هذا مسامع أمريكا بعتت عمارة أخرى إلى طرابلس ولكن لقيها الأسطول المغربي ثانيا فبدد العمارة الأمريكية (1).
وفي عام 1218 هـ / 1803 – 1804 م أوفد باي تونس حمودة باشا إلى السلطان المولى سليمان – سفارة برئاسة الشيخ إبراهيم الرياحي، وكان كتاب السفارة يتضمن طلب الامداد بالميرة للأمة التونسية التي كانت في مسغبة، وامتدح رئيس السفارة السلطان المغربي بقصيدة مطلعها :
إن عز من خير الأنام مزار فلنا بزورة نجله استبشار
قال في " الاستقصا " (2): فأعجب السلطان ومن حضر بها، وأمده بمطلبه من الميرة وبهدية جليلة، وأب الشيخ من سفارته بخير مئاب.
وفي عام 1225 هـ - 1810 م وفد على نفس السلطان الشيخ عثمان بن منصور التواتي سفيرا عن محمد الباقري أمير أهر بالسودان الغربي، وقد اهتمت الرسالة السودانية – التي حملها السفير – باطلاع سلطان المغرب على حركة الجهاد القائمة في هذه الجهات بقيادة الشيخ الإمام عثمان بن محمد ابن عثمان بن صالح الفلاني، وقد أجاب السلطان المغربي عن هذه الرسالة بكتابين : بعث بأحدهما للأمير الباقري، والثاني للمجاهد الشيخ عثمان، ويتضمن الكتابان تنويها حارا بما يتعاونان عليه من الجهاد، وتشجيعا لهما على الاستمرار في هذا الخطة الاسلامية، وجاء في أواخر الجواب السليماني للباقري : " ويصلك الطابع الذي بعثت عليه على الوصف الذي أنشرت في كتابك إليه"، ويحمل هذا الجواب تاريخ أواسط جمادى الثانية، عام 1225، وهو – تقريبا – نفس الواقع في جواب الشيخ عثمان، المؤرخ في 18 جمادى الثانية من نفس العام (3).
وفي عام 1226 هـ - 18811 م انعقدت مصاهرة بين المولى سليمان واحد أعيان عرب طرابلس من قبيلة الحنانشة ويعرف بسبب النصر، حيث تزوج السلطان المغربي من كريمة سيف النصر، بعد ما كانت أختها في عصمة السلطان اليزيد، وقد احتمل أمير ليبية يوسف بااشا أتي الذكر في وفادة عروس المغرب، ووجه معها عشرة من أمراء البحر، وإثنين من فقهاء طرابلس برسم مباشرة العقد، وجارية لخدمتها، مع طائفة من الجواري المغنيات العازفات، وكان سفرهم من مرسى طرابلس على طريق البحر، ولما نزلوا بالعرائش كان معهم أثاث كثير للنساء فيه مال جسيم ولباس وفرش : حمولة 130 بغلة بعث بها سلطان المغرب للمرسى المغربية صحبة وفد الاستقبال، برئاسة محتسب مكناس الحاج الطاهر بادو، وفي 13 شعبان من نفس العام وصلت الأميرة الليبية لفاس، فتلقاها جيش الودايا في زي عجيب، واختفى أبو الربيع بالوفد القادم مع العروس، ووهب لكل من أمراء البحر والفقيهين مالا جزيلا، وأهدى لأمير ليبية مركبا بحريا، ثم شرع في تصميم بناء قصر فاخر بفاس الجديد لسكنى العروس القادمة (4).
ومن مظاهر هذه العلاقات الأخوية في نطاق المغرب العربي، أن المولى سليمان، أهدى قطعا من الأسطول المغربي لكل من الجزائر وليبية حينما إضطر لحل هذا الأسطول عام 1233 هـ (5).
وفي عام 1243 هـ - 1818 م وقع إعتداء الأسطول الإنكليزي على الجزائر، وفي هذا الصدد ندب نفس السلطان نجله الأمير إبراهيم أن يبعث إلى بأي القطر الشقيق كتاب مواساة في هذا الحادث، وكان الذي باشر إنشاءه هو الأديب الشهير أبو حامد العربي الدمناتي من أعيان كتاب البلاط السليماني (6).
                                                      * * *
وبعد هذا نقدم ثلاث رسائل صادرة عن السلطان المولى سليمان لأمير ليبية يوشف باشا، الذي صار واليا عليها من أواسط عام 1210 هـ - 1796 م إلى أن تنازل لأكبر أولاده علي بك أوائل عام 1249 هـ، وهو من أسرة آل " قره مانلي " الذين تداولوا ولاية طرابلس وما إليها، وكان آخرهم علي بك آنف الذكر، وقد استطرد ذكر يوسف باشا هذا : محمد بن عبد السلام الناصري في رحلته الصغرى (7)، وأثنى عليه بالحزم والضبط، ونعته بمحبة أهل الدين، وقمع الأشرار المعتدين.
ويلاحظ أن هذه الرسائل ظلت مجهولة فيما وقفت عليه من المصادر المغربية والليبية التي تؤرخ هذه الفترة، وقد استمرت دفينة في كناشتين إثنتين، حيث وردت الرسالة الأولى أثناء كناشة – غير مرقمة – للأمير المولى عبد السلام بن السلطان المولى سليمان الذي أثبتها بخطه، وترك بها بياضا في موضعين: " الخزانة الحسنية رقم 4001" ، بينما احتفظ بالثانية والثالثة الأديب المغربي العربي الدمناتي: أوائل كناشته الغير المرقمة أيضا، والمحفوظة بنفس الخزانة تحت رقم 3718، وقد كتبهما – معا – بخطه الدقيق المدموج، مع التصريح عند تقديم الرسالة الثانية بأنها من إملائه، ولا شك أن هذا – أيضا – واقع الثالثة، حيث تتشابه مع سابقتها في أسلوبها، وتنحد معها في بعض فقراتها.
وتتناول هذه الرسائل تقرير أواصر المودة بين الطرفين، والحديث عن المهادنة، مع إعلان استعداد المغرب لمواصلة العون العسكري مهما إقتضى الحال ذلك، وفي هذا الصدد ورد في الرسالة الثانية: " لا نالوا جهدا في صلة نصركم، وإعزار أمركم، واتساق سعدكم، وإسعاف قصدكم"، وتبرز الرسالة الغاية من قطع هذا الوعد وتقول : " وقصدنا بهذا أن يعلم إعتناؤنا بأمركم، وعملنا على نصركم، واهتمامنا بشأنكم، ليقصر شأن عدوانها، ويتضاءل طائر طغيانها" وفي هذا تلويح لمحاصرة الأسطول الأمريكي لمدينة طرابلس، وقد سبق ذكر بعض تفاصيل الحادث في صدر هذا التقديم.
وورد في الرسائل الثلاث ذكر أغراض تطلب الليبية من المغرب إنجازها دون تحديدها، وقد تكون داخلة في نطاق الأسرار التي لا يباح للمراسلات إفشاؤها، إكتفاء بشرحها مشافهة من طرف القائمين بالسفارة.
وقد كتبت هذه الرسائل بأسلوب حسن، ومتفاوت بالنسبة للرسالة الأولى مع باقي الرسائل، وجميعها غفل من تاريخ صدورها، حيث لم يكن إثباته يهم الناقبين لها، ونستطيع أن نتوصل إلى تاريخ تقربيب لزمن كتابتها، وهو الذي استندت إليه في ترتيبها، فقد ورد في الرسالة الأولى: " واقد جددتم من خالص المحبة القديمة عهودا.. اقتداء بأسلافكم الكرام "، ولم ترد هذه الفقرة في الرسالتين، فاستنتجا من ذلك أن هذه هي الرسالة الأولى بين الجهتين في العهد السليماني، ثم جاء في الرسالة الثانية التلويح لحصار مدينة طرابلس من طرف الأسطول الأمريكي، وقد عرفنا أن هذا الحصار كان في عام 1217 هـ، فتكون هذه الرسالة بعد هذا التاريخ قريبا منه، وتكون الرسالة الأولى قبل هدا التاريخ: بين أواسط عام 1210 هـ حيث ابتدأت ولاية الباشا يوسف، إلى عام 1217 هـ وهو تاريخ الحصار الأمريكي، أما الرسالة الثالثة فقد جاء في أواخرها الاعتذار عن إرسال الميرة إلى ليبية بالغلاء الواقع في المغرب، وشأن هذا الغلاء أن لا يكون في هذه الفترة قبل عام 1226 هـ / 1811 – 1812 م، حيث أخذت الفتن تترادف على المغرب إلى نهاية العهد السليماني (8)، ومن المعروف أن الاضطراب يتبعه إرتفاع الأسعار.
وقد أثبتت نصوص الرسائل كما ورد في مصدريها دون إدخال أي تعديل عليها، بما في ذلك بعض الأعداد التي لم تعرب في الرسالتين الأخيرتين ورسمت بشكل الأرقام المغربية، وهناك بياض وقع في الرسالة الأولى في موضعين، وخرق طرا على ثلاثة مواضع من الرسالة الثلاثة، وقد أثبتت ذلك كما وجد، ونبهت عليه في التعليق، كما نبهث على بعض عثرات وردت في الرسالة الأولى، والله  - سبحانه – ولي التوفيق.

نصـــــوص الرسائل
الرسالة الأولى :

" نحمدك اللهم حمدا يطلق الالسنة، ويوقظ القلوب من ألسنة، ونوالي بالصلاة والسلام على سيد ولد آدم، وعلى آله وأصحابه ما تشرف الأمد بهم وتعاظم، وما جددت الرسائل من عهد تقادم. أما بعد : فهذا جواب من عبد الله ، المتوكل على الله : سليمان بن محمد بن عبد الله الحسني، أحسن الله عقباه، وشمله لطفه ورحماه، إلى الهمام المقدام المظفر، الشهم الكمي المجاهد الغضمفر، ركن الدولة العثمانية، وحامي حمى الثغور الاسلامية، من ثبتت محبته في جانبنا بالتواثر والاجماع، وأقرت بذلك ضمائرنا فارتفع النزاع، الكفيل بنصر الملة والدين، وزعيم أمراء الموحدين، الحائز قصب السبق بتعظيم آل بيت المصطفى، وكفى باحياشه إليهم عزا وشرفا، القائم بوظائف الجهاد عاما فعاما وشهرا فشهرا، أمير الثغر الطرابلسي وما والاه من الأقطار برا وبحرا، السد الكريم، والخاقان العظيم، أبو يعقوب (9) يوسف ابن علي باشا، لا زال عزكم دائم الزيادة لا يبيد ولا يتلاشى، ولا زال ثغر هذا الدهر في وجوهكم باسم (10)، وأرجاؤكم – أبدا – معطرات النواسم، وأيامكم كلها أعياد ومواسم.
هذا وأنهي لكريم عملكم، وجميل حلمكم – مع تحيات تفاوح نسمات الروض المسطور، وتسليمات تصافح افنان فنون الزهور، ورحمة الله التامة، وبركاته العامة – أن قد وصلتنا رسالتكم الرائقة الغراء، فأصمت (11) أسماعنا حسنا، وأعيننا سحرا، مع ما اشتملت عليه من لطائف الاشارات، ومحاسن الكنايات، كل سطر منها معمور إسرارا، موصل للمحمول له أوطارا، تبين بدائع ألفاظها عن بيان سبحان، وتفسر (12) بفصاحتها عن إحسان حسان، ولقد جددت من خالص المحبة القديمة عهودا، وقلدتم في نحر هذا الدهر منها عقودا، إقتداء بأسلافكم الكرام، الدائدين عن بيضة الاسلام، فهم لكم خير سلف، وأنتم لهم خير خلف، وجوهركم مع جوهرهم في سلك واحد قد انتظم، وعلى منهج العدل القويم، والصراط السوي المستقيم، يسلكه من تأخر منكم ومن تقدم.
فما بك من خير أتوه فإنمــا توارثه أباء أبائهم قبـــل
وهل ينبت الخطى إلا وشيجه وتغرس إلا في منابتها النخل
ثم طلع علينا صحبة هذا الكتاب المرفع، الذي بفرائد الفوائد مرصع، السيد الجليل.. (13). سيدي عبد السلام الأسمر، فاكتحلنا بأثمد منظره عينا، وشنفنا بمحاسن حديثه أذنا، فلنعم البريد هو والسفير، وحبذا الصاحب الخفير (14)... وما وجهتم – بارك الله فيكم – من هديتكم فالكل قد وصل، وحل من نظرنا أحسن محل، وما استصغرتموه منها فليس عندنا بمستصغر، بل ذلك أجل ما يقتنى لدينا ويدخر، وما ذكرتم في كتابكم من اقلاع السحاب الغر في هذه السنة عن ذلك القطر، فإنا نتوسل إلى الله بمن يستسقى بوجهه الغمام، عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، أن يخصب لنا ولكم ما بيننا من البطاح والآكام، وأن لا يعدمنا رغد العيش، وسعة الأيام، فإنه أهل لذلك والقادر عليه، وأن لا ملجأ منه إلا إليه، ثم ما أنزلتموه بساحتنا، ورجوتم قضاءه من جانبنا، فجميع أغراضكم – على وفق مرادكم – أن شاء الله تقضى، وسفيركم الوافد علينا لا جرم يرضى، وهيهات أن ندع أعانتكم أو نبدي في ذلك عذرا، ولا سيما وقد قطعتم من المهامه الفيح نجدا وغورا، ومن البحار الطامية لجاجا خضرا، إذ الحر للحر معوان، والمومن للمومن كالبنيان، لا زالت أعلامكم منشورة، وسيوفكم على أعدائكم مقصورة، ولا برحتم في هناء وسرور، مطمئنين البال في حاضرتكم الشاهقة القصور، آمنين في ظل راحتكم من الإكدار والشرور، ولا زال هذا المجد مخلدا فيكم وفي عقبكم إلى يوم ينفخ في الصور، أمين، والسلام".

الرسالة الثانية :
" المقام الذي طاب ثناؤه، وطرزت صحف الحمد أنباؤه، واشتهر بالمكارم اعتناؤه، وتعددت مكارمه وألاؤه، مقام حبنا الذي بره محتوم الوجوب، وحبه مرسوم في اسرار القلوب، ومأثره تشهد بها صفوف المحاريب ومصارف الحروب، ذو المناقب الفاخرة، والمحب الذي نفعه الله بمحبة آل بيت الرسول في الدنيا والآخرة، المرابط المجاهد، والمتحلي بحلى القانت الزاهد، السيد يوسف باشا، أبقاه الله وقواعد عزه راسخة راسية، ومعالم فضله عالية سامية، وعناية الله له كالية، وفواضله لديه متواثرة متوالية، سلام كريم ورحمة الله التي لا تبرح ولا تريم.
وبعد : فقد علم وتحرر، ووضح وضوح النهار لمن استبصر، ما عندنا من الود الذي تألق نوره، وثبت في صحف الخلوص مسطوره، وخلصت من الشوائب بحوره، وتحلت بجواهر الصفاء نحوره، فهو – على الأيام – يخلص خلوص الابريز، وتظهر حلاه موثقة التطريز، وكيف لا وقد ثبت لدينا من محبتكم إلينا تشيع واضحة مذاهبة، ووداد كريم شاهده وغائبه، وخلوص أشرقت في سماء الصفاء كواكبه، ولم لا وودادكم قد أحكم سلفنا – رضي الله عنهم – معاقده، وأوضح في مرضاة الله موارده، وأقام على التعاون في سبيله سبحانه قواعده، فهو يتأكد على الأيام ويتجدد، حتى لو استطعنا لا تمر ساعة إلا في مكاتبة بيننا وبينكم تتردد، اغتباطا بولائكم، وارتباطا إلى مصافاة أخائكم.
وقد ورد علينا كتابكم على حال اشتياق لوارده، وظما لموارده، حائزا في ميدان الاعتراف بمحبته آل بيت الرسول مزية التقديم، وأحلى سبب البر الحادث والقديم، مصحبا بالهدية، والمقاصد الودادية، وصالح الأدعية المتكملة – إن شاء الله – بنيل الأمنية، فقابلنا مقاصدكم بالثناء والاستحسان، وشكرنا ما لأخوتكم الفاضلة من المزايا البرة والسجايا الحسان، وحضر بين أيدينا خديكم الرايس فلان، كتب الله سلامته، ووالى كرامته، فألقينا إليه من شكر مقامكم ما لزم ووجب، وجلونا عليه ما عجز عن إدراكه واحتجب، إذ قدركم عندنا أجل، وذكركم بالجميل يملى فلا يمل.
وإلى هذا سدد الله أمركم، ورفع قدركم، فقد تقرر – جبلة نطبوعة، وسنة متبوعة – أن المهاداة تغرس الحبة وتنبتها، وتؤكد المودة وتثبتها ، لا سيما إذا وردت على ضمائر أصفى في ذات الله من نطف الغمام، وأصون من درر الأزهار في صدف الأكمام، وقلوب متعاقدة على مرضاة الله والاسلام، ولما قوي العزم والاغتباط، وكنتم – رعاكم الله – أهل جهاد ورباط، هاديناكم بثمانية أفرس: أربعة ذكور ومثلها إناث، جيادا عتاقا، وجردا تسبق الصريخ استباقا، تنظم بها البشرى – إن شاء الله – عقودا، وكيف وقد أخبرنا الصادق المصدوق أن الخير في نواصيها معقود، حبيناكم باهدائها، وسلكنا بها سبيل الملوك مع أودائها.
وجددنا إليكم هذا الكتاب عقدا لإخاء كمالكم، واستطلاعا لما يسر – إن شاء الله – من متزايدات أحوالكم، عملا على شاكلة الود الكريم، والاعتقاد السليم، والرعي لما سلف من الود القديم، فمن الله نسأل أن يجعله في ذاته، وذريعه إلى مرضاته، وبلادنا لكم ولسلفكم محراب مناجاة، وسوق بضائعكم غير مزجاة، وجهتنا هذه كجهتكم فيما يعرض من الأغراض، والقلب بما تأملون مبتهج وراض، ومقامكم لدينا بالتعظيم مخصوص، ومحكم حبكم لآل البيت في كتاب قلوبنا منصوص، لا نالوا جهدا في صلة نصركم، واعزاز أمركم، وإنساق سعدكم، وإسعاف قصدكم، وقصدنا بهذا أن يعلم اعتناؤنا بأمركم، وعملنا على نصركم، واهتمامنا بشأنكم، ليقصر شأن عدوانها، ويتضاءل طائر طغيانها (15)، والله – سبحانه – يصل لنا ولكم عوارف آلائه، ويحملنا من مرضاته على ما يضاعف مواهب نعمائه، ويحسن الظن فيكم من الدفاع عن دينه وجهاد أعدائه، والقيام بسنن الجلة من خلفائه، وهو – سبحانه – يحفظكم في كل الأحوال، ويسدل عليكم عصمته الوارفة الظلال، ويطلعنا من أنبائكم على ما يبهج النفوس ويشرح الصدور، ويمهد الجهات ويصلح الأمور ".

الرسالة الثالثة :
" الحب الذي طاب ثناؤه، وطرزت صحف الإخاء أنباؤه، واشتهر بحب على جنابنا اعتناؤه، وتعددت مكارمه وألاؤه، والأخ الذي بره محتوم الوجوب، وحبه مرسوم في اسرار القلوب، ومناثره تشهد بها صفوف المحاريب ومصاف الحروب، المرابط المجاهد، والفاضل الماهد، السيد يوسف باشا، وصل الله علاءه، ونشر بالنصر على اعتداء الله لواءه، سلام كريم بر عميم، ورحمة الله التي لا تبرح ولا تريم.
وبعد وفاته ورد علينا كتابكم فاستجلينا منه حلة بيان قمتها البراعة، وروضة إحسان سقتها بنان اليراعة، ولجة ود للسان فيها سبح طويل، ومحجة فضل للأقلام فيها نص وذميل، ناطقا بلسان الفضل الذي أملاؤكم معدن نضاره، ومطلع أنواره، جاريا في ميدان البر إلى أقصى مضماره، عرفتمونا فيه بما أنتم عليه من صلاح الأمور، فانتج إنشراح الصدور، وعرفتمونا بمقتضى ما لكم في علي جنابنا من الحب الذي مضاربه إن شاء الله لا تفل، وعراه الوثيقة لا تفصم ولا تحل، وصل أوله أسباب ودكم، وشكر وفي عهدكم.
ونحن إن ذهبنا إلى تقرير ما عندنا من حبكم الذي أياته محكمة، ومقدماته مسلمة، فلا يعترض منها رسم، ولا ينازع فيها والحمد لله خصم، لم يتسع نطاق النطق لأداء معلومها، ولا وفي المكتوب ببعض مكتومها، حتى لو استطعنا لا تمر ساعة إلا عن مكاتبة بيننا وبينكم تتردد، وذمام كريم بتأكد، اغتباطا بولائكم، وارتباطا إلى مصافات أخائكم، ومن المعلوم أن القلوب ينبئ بعضها بعضا بما تجن، والنفوس تجنح إلى إشكالها وتحن، جعله الله في ذاته ودا وثيقا، وينهج إلى ما يرضيه طريقا، وقد حضر لدينا خديمكم الرايس عمورة يسر الله مرامة، وجعل الفتح خلفه وأمامه، ووصل ما وجهتم لحضرتنا العلبة صحبته من الهدية كثر الله خيركم، وتولى شكركم، والهدية وإن كانت سنة ماضية، وشريعة بازدياد الود آذنة وقاضية، فلدينا من كرين الإخاء ما لا يحتاج لتأكيد، ولا تكرير وترديد، والله على كل هذا رقيب وشهيد.
ونحن وإن ثبت لدينا من إخائكم ما قرره الحب وسنه، فلا غرو في الاستنان بخصال الشريعة والسنة، فيصلكم منه 3 أفراس : 2 لركوبك إن شاء الله، وواحد لنجلكم السيد علي اثمر الله غرسه، وزكى ذاته ونفسه.
وقصارى الأمر ومنتهى المرام، أن تكون (16) مضمن قوله عليه السلام : (17) يظلكم الله بظله، ويدخلهم تحت كنف كرمه وفضله، ولم نال جهدا في إعانة خديمكم الرايس، والشاوش في مأمور (18) جنابكم بعون الله ملحوظ في كل ما تريدون من إعانة في جهاد، أو التماس إرفاد، اللهم إلا ما كان من أمر الميرة فما أخالكم تخفى عليكم أحوال هذا القطر مما به من الغلاء وارتفاع الأسعار، فلو فتحنا باب على الخلق، لاتسع الخرق، ولكمال ودكم تقبلون المعاذير وتراعون (19).
والمقادير، ونحن إن شاء الله على ما يجب لإخوتكم من التعظيم والإجلال، والثناء بما لكم من الشيم الكريمة والخلال، وهو سبحانه يبلغ الجميع من مرضاته غاية الأمال، فهو ولي الإجابة وملجأ السؤال".

--------------------------------------
(1) من مقال للمؤرخ محمد بن علي الدكالي، نشره في جريدة المغرب " عدد ممتاز" رقم 346، السنة الثالثة.
(2) ط. دار الكتاب، ج 8 ص 118، وانظر " اتحاف أهل الزمان " لابن أبي الضياف ج 3 ص 39، ولا تزال نصوص مراسلات هذه السفارة غير معروفة.
(3) لا تعرف الرسالة السودانية إلا بواسطة الجواب المغربي عنها، وقد ورد الكتابان السليمانيان معا في " انفاق الميسور في تاريخ بلاد التكرور" للسلطان محمد بيلو، طبعة مصورة عام 1951 – ص 178 – 181.
(4) " تاريخ الضعيف الرباطي " عند حوادث عام 1226 هـ : مخطوطة خاصة.
(5)  " الاستقصا " ج 8 ص 133.
(6) الكتاب السليماني يوجد بخط منشئه أبي حامد الدمناتي في " كناشته " بالخزانة الحسنية رقم 3718، وانظر عن هذا الاعتداء " كتاب الجزائر للأستاذ أحمد توفيق المدني، الطبعة الأولى ص 42
(7) مخطوطة الخزانة الحسنية رقم 121، وأنظر عن ترجمته " المنهل العذب في تاريخ طرابلس الغرب" تأليف أحمد بك النائب الانصاري الطرابلسي، نشر مكتبة الفرجاني، طرابلس الغرب – ليبيا، ص 328 – 354، وأنظر عن ترجمة المولى سليمان " الاستقصا " ج 8 ص 86 – 174.
 (8) أنظر " الاستقصا " ج 8 . ص 114 وما بعدها.
(9) كــذا
(10) كــذا.
(11) تصحيف عن أفعمت.
(12) تصحيف عن تسفر.
(13) بياض مقدار ثلاث كلمات تقريبا، ولا شك أن الساقط هنا اسم السفير الذي هو من ذرية الشيخ الشهير سيدي عبد السلام الأسمر دفين زليتن حوز طرابلس، والمتوفى عام 981 هـ، ولم أعثر على اسمه، وإنما جاء في الرحلة الناصرية الكبرى أن ذرية هذا الشيخ لا تزال بقيد الوجود زمن هذه الرحلة الواقعة عام 1196 هـ، حسب مصورة خ . ع. د 2651 – لوحة 169.
(14) بياض مقدار 12 كلمة تقريبا.
(15) الضمير في هذه الجملة وسابقتها يشير إلى دولة أمريكا التي قامت بحصار مدينة طرابلس على ما تكرر ذكره عند التقديم.
(16) مواضع البياض خرق طرا على الأصل.
(17) خرق في الأصل.
(18) خرق.
(19) خرق.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here