islamaumaroc

[كتاب] "مسند عبد الله بن عمر" تأليف العلامة الطرسوسي.

  زين العابدين الكتاني

العدد 243 ربيع 2 1405- دجنبر 1984

أتناول في هذا العدد: "مسند عبد الله بن عمر" بعد أن تناولت من قبل "مسند أبي بكر الصديق رضي الله عنه"، نظرا لأهمية الكتابين، واعتبارا لموضوعهما العلمي سواء بالنسبة لمبتغي ما جد في عالم الكتب، أو بالنسبة للمهتمين بالثقافة الأصيلة وخصوصا علوم الحديث.
والكتاب المعني هو تخريج أبي أمية محمد بن إبراهيم الطرسوسي (1) في علوم الحديث، وهو أحد المساند التي لم تطبع من قبل في مادته.
وهو من الحجم ما دون المتوسط، صدرت طبعته الأولى عن إحدى الدور الجادة بالشرق العربي، (سنة 1393هـ- 1973م)، يقع في حوالي مائة صفحة في إخراج علمي جيد يضم في مجموعه:
أولا: المقدمة – وتتناول تعريفا بالمسانيد، وترجمة عبد الله بن عمر، وترجمة أبي أمية الطرسوسي، وصفة المخطوط، ومنهج المحقق في المخطوط.
ثانيا: نص المسند.
- السماعات في أول المسند.
- السماعات في آخر المسند.
- تصنيف المسند حسب المواضيع.
الإيمان، الطهارة والوضوء، والأذان، والصلاة، والجنائز والحداد، وصوم يوم الجمعة، والحج، وعاشوراء، والزكاة، والبيوع، والحدود، والأسرية، والوصية، وخلع الطاعة، ما جاء في الكلام، أحاديث متفرقة.
ثالثا: فهرس بأوائل الحديث.
- أهم المراجع، والتوصيات، وفهرس بمحتويات الكتاب.
وإذا كان المسند الذي نحن بصدد الحديث عنه طبع كما أسلفت أول (2) مرة، وهو تخريج الحافظ البغدادي أبي أمية محمد بن إبراهيم الطرسوسي وهو إمام الحديث، المتوفى (سنة 273هـ- 886م)، وتحقيق الأستاذ راتب عمروس، الذي أخذه عن مخطوط محفوظ في المكتبة الظاهرية بسوريا، حيث يوضح المحقق أن:
1) – الجزء فيه من مسند عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
   - تخريج أبي أمية محمد بن إبراهيم الطرسوسي رحمه الله.
   - رواية أبي علي الحسن بن حبيب بن عبد المالك الحضائري.
   - رواية أبي محمد عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم بن معروف بن أبي نصر عنه.
   - رواية أبي الفضل أحمد بن علي بن الفضل بن الفرات عنه.
   -  رواية أبي محمد عبد الرحمن بن أبي الحسن الداراني عنه.
   - رواية الشيخة الصالحة أم الفضل كريمة ابنة أبي محمد عبد الوهاب بن علي بن الحسن القريشية عنه.
وفي أعلى الورقة "سمعه وانتسخه محمد بن عبيد بن أحمد البالسي" و"سماع عبد الله بن أحمد بن المحب المقدسي".
والخط واضح مقروء – كما يوضح – وهو على نسق واحد من أول المسند إلى آخره، والمسند كامل لم يتلف منه شيء، وعليه سماعات كثيرة في أوله وآخره، لعل أهمها سماع الشيخ أبي محمد بن عبد الرحمن ابن أبي الحسن الداراني سنة 558هـ...، والأحاديث فيه غير مبوبة أو مرتبة، ويبدأ المسند بحديث عن الصلاة، ويختم بحديث عن الحج (3).
2) كما يوضح الأستاذ المحقق، أن النص أخذ من نسخة واحدة هي الموصوفة، خصوصا وأنه لم يستطع الحصول على نسخة أخرى، وربما تكون هذه النسخة وحيدة، لكن ذلك لا يعيبها، فهي نسخة كاملة مراجعة، وعليها سماعات كثيرة، وقد ساعده في تحقيق النص وضبطه وجود معظم الأحاديث الواردة في المسند في كتب الحديث المختلفة، إن لم يكن بالنص فبالمعنى (4)، وقد اتبع في التحقيق:
3) – نقل النص والعودة إلى كتب الحديث المختلفة وقابل الأحاديث، وقد استغرق ذلك وقتا وجهدا، ولكنه كان ممتعا، وأدى الغرض تماما.
4) – راجع أسماء الرواية على كتب التراجم وضبطها، حيث لاقى في ذلك بعض الصعوبة، لأن معظمها مكتوب بالمخطوط دون نقاط على عادتهم بالكتابة في ذلك العصر.
5) – وتعتمد ذكر أسماء الرواة المشار إليهم بكناهم أو ألقابهم كاملة في الحواشي، وضبط النص بالشكل وشرح بعض الكلمات، وعلق على الأحاديث بما يوضح النص، ولا يخرج بالتحقيق عن غايته.
6) – وحيث أن الأحاديث وردت غير مبوبة أو مرتبة، فقد أوردها كما هي لتقديم الكتاب كما وضعه مؤلفه، وتسهيلا للمراجعة والبحث، وأعاد كتابة جميع الأحاديث مبوبة بعد حذف أسانيدها، وأنشأ فهرسا خاصا بأوائل الأحاديث، ورقم الأحاديث برقم متسلسل من اول المسند إلى آخره.
وبذلك جاء المسند كما أراده صاحبه، مع إمكانية الرجوع إلى أي حديث، أو أخذ الأحاديث الخاصة بموضوع معين بسهولة ويسر، مما يضفي على الكتاب منهجا علميا رائعا يدعو إلى الإعجاب والإكبار والتقدير، خصوصا وأن الموضوع ذا أهمية بالغة (5).
ونظرا لأهمية المسند الذي نحن بصدد الحديث عنه في هذا الصدد من الناحية العلمية الصرفة، فإنني رأيت من المفيد أن أقدم تعريفا للمسانيد، تقريبا للذين لم تسمح لهم الفرصة بذلك، وحتى يحيطوا بالموضوع علما...
أما المسانيد من حيث هي، فمفردها وطريقة ترتيب الأحاديث فيها طريقة خاصة تختلف عن كل ما سبق، وهي تقوم على أن يذكر صاحب المسند "أي مصنفه" الصحابي أو عدة صحابة، ويذكر في ترجمة الصحابي الأحاديث التي يرويها عن شيوخه من طريق ذلك الصحابي، مثال ذلك: يأخذ المصنف عليا بن أبي طالب، ويذكر في ترجمته الأحاديث التي يرويها عن أشياخه منتهيا سندها إلى علي بن أبي طالب، وقد يقتصر المسند على صحابي واحد، وقد يحوي عدة صحابة، فإذا انتهى المصنف من سرد الأحاديث التي يرويها عن الصحابي الأول، انتقل إلى الصحابي الثاني وهكذا، وقد ترد أسماء الصحابة مرتبة على الحروف الهجائية، وقد تأتي دون أي ترتيب، ولاشك أن طرقة تصنيف المسانيد لا تخلو من الصعوبة في المراجعة، لأن الصحابي قد يروي عددا كبيرا من الأحاديث، ومن يريد الرجوع إلى حديث معين عليه مراجعة جميع الأحاديث.
وقد بلغت المسانيد عددا كبيرا اشتهر منها أكثر ما اشتهر (مسند احمد بن حنبل)، وهو مطبوع ومتداول، كما طبع عدد لا بأس به من المسانيد، ومازال عدد أكبر لم يطبع حتى الآن، ومنها أيضا (مسند أبي بكر الصديق رضي الله عنه)، و(مسند عبد الله بن عمر بن الخطاب) هو تخريج أبي أمية محمد بن إبراهيم الطرسوسي رحمه الله، وهو أحد المسانيد التي لم تطبع قبلا بإخراج سهل المتناول وتصنيف حديث (6).
في حين أرى من الأكيد أن أقدم تعريفا لمصنف هذا المسند، وهو عبد الله ابن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي قال عنه النبي عليه السلام: "إن عبد الله رجل صالح".
وعبد الله بن عمر أسلم وهو صغير، وهاجر مع أبيه، ولم يحضر "موقعة أحد" لصغر سنه، وحضر "موقعة الخندق" والمشاهد بعدها، وفي رواية أنه أول مولود ولد في الإسلام، ولكنه لا يختلف في أن ولادته كانت في مكة، ووفاته فيها كذلك.
كان عبد الله ورعا تقيا "من أملك شباب قريش لنفسه عن الدنيا" لم يمل بالدنيا، ولم تمل به، حتى أن ابن المسيب على ما هو عليه من رفعة ومنزلة، يتمنى ان يلقى الله بمثل عمله "مات يوم مات وما في الأرض أحب إلي من أن ألقى الله بمثل عمله منه".
وكانوا لا يعدلون برأيه رأي أحد، فقد عاش بعد رسول الله ستين سنة، ولم يخف عليه شيء من أمره ولا من أمر أصحابه.
وكان تقاه يمنعه من كثرة الفتوى، حتى أن سليمان بن يسار قال: "كنت أقسم نفسي بين ابن عباس وابن عمر، فكنت أكثر ما أسمع ابن عمر يقول: لا أدري، وابن عباس لا يرد أحدا، فسمعت ابن عباس يقول: عجبا لابن عمر ورده الناس، ألا ينظر فيما يشك، فإن كانت مضت به سنة قال بها، وإلا قال برأيه، قال: فسمعت ابن عباس وقد سئل عن مسألة فارتج فيها، فقال: البلاء موكل بالقول".
أما الإمام مالك فيقول عن عمله: كان المشايخ يقولون: من أخذ بقول ابن عمر لم يدع من الاستقصاء شيئا، ولم يكن أحرص من ابن عمر إذا سمع شيئا من رسول الله على أن لا يزيد فيه أو ينقص منه شيئا.
ولصفاته هذه احتل المنزلة التي تليق بأمثاله في نفوس الصحابة، فقد اختاره عثمان بن عفان مندوبا عنه، وأرسله إلى بلاد الشام لاستقصاء الرسائل التي كانت تأتي إلى المدينة تطعن في ولاة الأمصار. 
ولما نشا الخلاف بين المسلمين على إثر مقتل عثمان – رضي الله عنه – بايع ابن عمر عليا، لكنه تخرج من الخروج معه للقتال، ومنع أخته حفصة من الخروج مع عائشة، فأرسلت إلى عائشة، أن عبد الله حال بيني وبين الخروج، فقالت عائشة: يغفر الله لعبد الله.
أبى أن يبايعوه بالخلافة بعد مقتل عثمان، ولما حاول عمرو ابن العاص استدراجه يوم الحكمين، قال: "لا والله لا أعطي عليها، ولا أقبل عليها، ولا أفعلها إلا عن رضى من المسلمين".
قال سلام بن مسكين: سمعت الحسن يقول: "أتوا ابن عمر فقالوا: أنت سيد الناس وابن سيدهم والناس راضون، أخرج نبايعك، قال: لا والله لا يراق في محجمه دم".
وتوفي في مكة بلدة مولده أول سنة 74 هـ، بعد أن أفتى في الناس ستين سنة، وكانت وفاته بعد الحج مباشرة، وقد روى صاحب (الاستيعاب) قصة وفاته بتفصيل...
مات ابن عمر، وهو مثل عمر في الفضل، وكان عمر في زمان له فيه نظراء، وعاش ابن عمر في زمان ليس له فيه نظير، وهو آخر من توفي في مكة من الصحابة، وله في كتب الحديث 2630 حديثا، وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن عدد من الصحابة، وروى عنه خلق كثير (7).
وبعد، (فمسند عبد الله بن عمر) مرجع مهم للغاية من حيث الاختصاص، وقد حاولت جاهدا أن أجعل هذه الصورة للمتتبعين، ليعيشوا لحظات تجعلهم يأخذون صورة عن الكتاب وموضوعه ومؤلفه، في هذا الجو العبق بالإيمان والاطمئنان.
----------------------
1) المتوفى سنة 273هـ/ 886م.
2) سنة 1393هـ/ 1973م.
3) أنظر ص: 15 من نفس المسند.
4) نفس المصدر ص: 16.
5) أنظر نفس المصدر صفحة: 16.
6) أنظر صفحة: 17.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here