islamaumaroc

عناية الإسلام بتربية شبابه.

  عبد القادر رفهي العلوي

العدد 243 ربيع 2 1405- دجنبر 1984

لقد اعتبر المنتظم الدولي هذه السنة خاصة بالشباب، وأطلق عليها السنة الدولة للشباب، ونحن نبين في هذا المبحث أن الإسلام هو السباق دائما لكل مكرمة، ومنها عنايته بالشباب وتربيته.
قال صلى الله عليه وسلم: سبعة يظلهم الله بظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله "إمام عادل"، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما أنقته يمينه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه".
من المسلم به أن الحياة المعاصرة تتطلب تكوين مجتمع متكامل متضامن، تسوده روح الأخوة والتعاون، والنصح لله ولرسوله ولكافة المسلمين وعامتهم، ويكون من خلال هذا، ومن باب الأولويات إصلاح المجتمع بجميع طبقاته، وتوجيهه الوجهة الصالحة، ليكون مجتمعا مثاليا، يطبع علاقاته طوابع الدين الراسخ، والمحبة الصادقة، ليحق الحق ويبطل الباطل واو كره المجرمون.
وغير خاف أن الشباب عمدة من أعمدة المجتمع، يتقوى بها إن كانت راسخة متينة، وينهار إن كانت نخرة متلاشية، ولذلك وجبت العناية به ليكون للأمة دواما وأصالة وحسن تدبير.
والإسلام اعتنى بالشباب عناية خاصة، تتجلى في الإشادة بكل شاب طبع حياته بطابع الاستقامة وروح الامتثال والتقوى، وخاف الله في جميع حركاته، ومن خلال ذلك يخلق التوجيهات الصالحة لبناء النفس والجسم والعقل، على نمط متكامل، يعطي للحياة الدنيا حظها، وللآخرة مطالبها، وينشأ نشأة دينية وأخلاقية تبشر بالخير وتفتح طريق السعادة في الدنيا والدين.

القرآن الكريم ينوه بالشباب
وهكذا نجد القرآن الكريم، وقد خص الشباب بالتوجيه من خلال القصص التي ساقها تكريما للشباب الذي سبق ظهور الإسلام، واستحق الفضل بما جناه من كريم الصفات وجلائل الأعمال.
يقول الله تبارك وتعالى في سورة الكهف: ?نحن نقص عليك نبأهم بالحق، إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذن شططا?، ويقول في آية سابقة من نفس السورة: ?إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا: ربنا آتنا من لدنك رحمة، وهيئ لنا من أمرنا رشدا?.
فبهذه الآيات ومثلها، أشار القرآن الكريم إلى أن الشباب قد خلد في الصالحات ذكره، بما أوتي من عقل وتبصر، في وقت طبعت الأهواء جميع المعاملات، وانشغل الناس بمشاغل الدنيا، وابتعدوا عن التفكير في الوحدانية والربوبية والإخلاص لله، وبالتأمل في الكون وخلقه، فخرج الشباب ليتقص الحقيقة من خلال تدبره ومطالعته واستقرائه لأسرار الكون ومل وراءها.
وضرب الله المثل في القرآن عن الشباب الطاهر النفس، القوي الإرادة، الذي يراقب الله في جميع تصرفاته وهو يتطلع إلى الثواب والجزاء الحسن، فيقول تعالى حكاية عن سيدنا يوسف وهو في فتوته وشبابه وجماله: ?وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك، قال: معاذ الله، إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون?.
والقرآن الكريم يسوق لنا القصص للاستفادة والتثبيت، مصداقا لقوله تعالى: ?وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك?، ومنها نلاحظ الغاية المقصودة في إظهار العناية بالشباب، وحثه على اقتباس السنن الحسنة من ماض الأمم السابقة.
يقول تبارك وتعالى في سورة الأنبياء: ?قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه من الظالمين، قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم?، ثم نجد لقمان وهو يعظ ابنه ويربيه، ويضع أمامه علامات منيرة لكي يسترشد بها في طريقه: ?يا بني أقم الصلاة، وأمر بالمعروف، وانه عن المنكر، واصبر على ما أصابك، إن ذلك من عزم الامور، ولا تصاعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا، إن الله لا يحب كل مختال فخور، واقصد في مشيك، واغضض من صوتك  ?، وهكذا اهتم الإسلام بالشباب اهتماما كبيرا لا يقل عن اهتمامه بجميع أركان الدعوة الإسلامية، إن لم يكن أكثر منها، وليس ذلك من دواعي الاستغراب إذا سلمنا بأن الإسلام جاء لتكوين مجتمع نافع، إذ المجتمع كما أسلفنا لا يقوى إلا بشبابه، فهم دعائم اليوم وبناة الغد وآباء المستقبل، ففي توجيههم والعناية بهم كل الضمانات الاجتماعية والحضارية، فقياس الأمم عادة يقاس بعدد شبابها، والتعرف على خريطتهم الاقتصادية في المهارة والاختراع والابتكار والإنتاج، فيمثل الشاب في بلده قلبه النابض وحركتها المعطاء وعقلها الموجه، وهو الأداة المنفذة والطاقة العاملة بقوتها وتجربتها، وكان عليه الصلاة والسلام يقول: (استوصوا بالشباب خيرا، فإنهم أرق أفئدة وألين قلوبا، وإني لما بعثت آمن بي الشباب وكفر بي الشيوخ).

اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم بالشباب
فلا عجب كما قلنا أن يهتم الإسلام منذ بدأ نشأته بتوجيه اهتمامه بالشباب، فكان الرسول صلى الله عليه وسلم في أول تحمله الرسالة يتصل بالشباب ويثق فيهم.
وكان له فيهم تطلع خاص يرى فيه المستقبل الصارخ، والقيادة الراسخة، والقلب المتفتح للإيمان الذي لا تراجع فيه ولا خذلان، فقد روى جندب البجلي رضي الله عنه قوله: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حرارة "فترة الشباب القوي" فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازداد إيماننا)، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: (الزموا أولادكم وأحسنوا أدبهم)، فيكون الخطاب هنا على سبيل الإلزام والوجوب، لأن الاخلال به يكون إخلالا بما هو وارد في القرآن الكريم: ?يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا?.
فتتحمل الأسرة بما فيها الأب والأم أمانة الإحسان إلى الولد وتربيته تربية إسلامية صحيحة، لأن المولود يولد على طبيعته، فيأخذ اتجاهه وعقيدته من الوسط الذي يفتح عينيه فيه، فيقول عليه الصلاة والسلام: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه).
وكان الرسول الأكرم يقرب إليه الشباب ويجالسه، ويستمع إلى آرائه وأقواله، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، فلقد أعطى أسامة بن زيد وهو في شبابه قيادة الجيش ليحارب قضاعة، وكان الجيش بطبيعة الحال يضم العديد من الصحابة الأخيار يكبرونه سنا، ويفوقونه تجربة، ولم يعترض أحدهم على الرسول، لأنهم وجدوا في عمله درسا من الدروس النافعة لأبنائهم من الشباب، يتعلمون من خلاله تحمل المسؤولية والاعتماد على النفس في توجيه الأحداث المحيطة، حتى يخبروا أهليتهم وكفاءتهم، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: (علموا أولادكم السباحة والرماية، ومروهم أن يثبوا على الخيل وثبا)، وهذا التوجيه منه رضي الله عنه، مبني على تعاليم الإسلام التي تريد أن يكون المسلم قويا في كل شيء، وهو مقتبس من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير).
ويقدر الإسلام العلم والعلماء، ولذلك فهو يهيب بشبابه أن يكون في طليعتهم، يتسابق لنيل درجاته العليا، وكان من خصائص المجتمع الإسلامي الأول أن يتطلع إلى المزيد من التعميق في أسرار القرآن والسنة، فيأخذ عن الشباب الذي طبع الله قلبه للإسلام، وأنار بصيرته لإدراك أسرار الآيات والأحاديث، من ذلك ما ثبت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كان يفضل الاستماع إلى شروح ابن عباس رضي اله عنه على غيره من كبار الصحابة وشيوخهم، كلما حدث أن وقع اجتماع أو تدارس آية، وكان رغم شبابه، فإنه عالم قوي الإدراك، وهكذا ففي يوم ضمهم مجلس كالعادة سأل عمر رضي الله عنه الجالسين عن قوله تعالى: ?إذا جاء نصر الله والفتح?، حتى نهاية السورة، فشرحها الشيوخ على أن الله أراد أن يبلغ رسوله أنه بعد أن دخل الناس في دين الله أفواجا بعد فتح مكة، وجب عليه التسبيح والاستغفار، ثم سأل بعد ذلك ابن عباس بقوله: (وما تقول يا ابن عباس؟ فقال: ذلك أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن الله يقول لرسوله: إذا فتحت مكة ودخل الناس في دين الله أفواجا، فقد تمت رسالتك ودنا أجلك، فاستعد للآخرة بالاستغفار والتسبيح، فقال عمر: ما أرى إلا رأيك).

الرسول يحترم رأي الشباب
وكان من مبادئ الإسلام اعتماده على الشورى امتثالا لقول الله تعالى:?وشاورهم في الأمر?، فأخذ الرسول الكريم بهذا الاتجاه وأعطى للشباب حظه من الرأي، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، ونزل عند رأيهم أحيانا، لعلمه أن رأيهم يكون منبثقا من الإيمان القوي، والرغبة في تحقيق الطموح المتدفق، وطوي المراحل للوصول إلى إحقاق الحق ونشر ردائه، من ذلك ما وقع في غزوة أحد، فقد علم الرسول الكريم بوصول جيش المشركين إلى جبل أحد زاحفا على المدينة، لأخذ الثأر عن ما وقع لهم في غزوة بدر، التي فتح الله بها باب انتشار الإسلام، والتعرف على شوكته التي لا تكسر، فأخذ المشركون عدتهم التي بلغت ثلاثة آلاف مقاتل ومعها مائتي فارس بقيادة خالد بن الوليد – قبل إسلامه- في وقت لم يكن للمسلمين عتاد من هذا النوع، فأدرك الرسول مخاطر هذه المعركة وعواقبها، فرأى أن يبقى في المدينة تاركا للمشركين الهجوم عليها لتضمحل قوة الفرسان بين الأزقة، ويستطيع أهل المدينة المشاركة في الحرب، ولو من فوق السطوح بالرمي بالحجارة وغيرها.
غير أن الشباب المتحمسين من الأنصار أصروا على الخروج لقتال المشركين خارج المدينة، فنزل الرسول صلى الله عليه وسلم عند رأيهم، ودخل بيته ليلبس درعه فعاب من وافق رأي الرسول على الشباب وعلى إصرارهم، فرجع الرسول ليجد المتحمسين قد غيروا رأيهم، لكنه عليه السلام قال: "ما كان لرسول الله وقد لبي درعه لينزعها".
وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد سلك هذا النهج رغم ما فيه من المخاطر، فإنه أراد أن يعلم الصحابة الكرام أن رأي الشباب محترم مادام قد صدر عن حسن نية، ورغبة في الانتصار لله ولرسالة نبيه، فمجال التربية واسع يتوجب أن يكون من بين عناصره إعطاء المتربي فرصة التعبير والتجربة، لأن التجربة درس من دروس الحياة التي تعلم وتربي وتكون، وإن صح التعبير فهي معمل لإخراج أفراد المجتمع وصناعة شبابه، وقد يرسخ في ذهن الشباب تلك الأغلاط التي ارتكبها في فترة تدبيره، فيستفيد منها ويتعظ بها فلا يعود إلى أسبابها.

الشباب والتربية الدينية
ولإعطاء رسالتنا حقها من العناية، نرى أن نلفت النظر إلى أن حياة الشباب محفوفة بالمصاعب، تذكيها نفحات المراهقة وأطوار البلوغ، وتخلق فيها نزوات جبارة تتصارع مع الدوافع الأخلاقية الكامنة في نفس الشباب، فإذا وجدت سبيلا للتأثير عليها كانت كارثة في حياة الشباب، وسببا من أسباب خروجه على الطريق السوي، لذا يجب الإدراك بأن أخطر مرحلة في حياة الإنسان، خاصة هي تلك التي تلتقي فيها فترة انسحابه من الطفولة ودخوله حلبة الشباب، وعليه فإن التسحب لهذه الفترة الدقيقة، يجب أن يكون قبل وصولها بالذات، ولا يتأتى ذلك إلا بتلقين الطفل مبادئ الدين وإرشاده إلى عواقب الخروج عنه.
فإذا تعلم الشباب، وأخذ من أسرار الآيات البينات وهو في مطلع شبابه، استطاع أن يحجب عن نفسه أسباب الزلل والزيغ، فبقوله تعالى مثلا: ?فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى، وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى?، يدرك الصلة بين عمله ومآله، فيحجم عن ولوج ميادين الفساد والخراب، وهذا بطبيعة الحال عندما يدرك من قبل أن هذا القرآن نزل ليكون صلة بين الخلائق والخالق، فهو كلامه إليهم على لسان رسوله: ?إن هو إلا ذكر وقرآن مبين لتنذر من كان حيا?، وليس على الرسول أكثر من التبليغ والتبيان، وعلى المرء أن يختار إلى أي الطرق يسير، وفي كلها جزاء ينتظره مادام السير في الطريق يؤدي حتما إلى نهايتها، وصدق الله العظيم: ?يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم، فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، وما أنا عليكم بوكيل?.
ومتى رسخت في قلب الشباب وعقله أهداف الإسلام ورسالته الصادقة، تشبث بطيعة الحال – بأهدابه واهتدى بهديه، وتخلق بأخلاقه، وقدم نفسه فداء لدينه وعقيدته ونصرته.
فالتربية الإسلامية تخلي الشباب حلل الرحمة والإيثار، وتنهاه عن المناكر وتأمره بالمعروف، وتشرح له المضار الموجودة في الأمور المنهي عنها، والمنافع التي تتضمنها الأشياء المأمور بها، وتعطيه حرية التفكير في الأصلح وهو يتدبر قوله تعالى: ? إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات، إن لهم أجرا كبيرا، وإن الذين لا يومنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما?.

تعليم الشباب كيف يدافع عن إسلامه
فإذا نشأ شبابنا على تقوى من الله ورضوان، أصبح درعنا الواقي، وسلاحنا البتار، وقوتنا التي لا تغلب، فانطلق يدافع عن دينه غيرة وحماية، ودعا إلى التمسك به والاهتداء بأحكامه، فانتشرت بفضله كلمة الله، وعاد للإسلام دوره الطلائعي في تسيير الحياة الدنيوية، ومتى كان لنا شباب طبع على حب ملته، وإدراك مكامن الدين الحنيف، تعبدت الطريق أمامنا، وزالت كل المسالك الوعرة لأنه – بوجوده في كل مكان – سيعبر عن حقيقة الإسلام كما آمن بها، وكما تعلمها من كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ويدافع عن الدين في مواجهة من يتقولون على الرسول والقرآن، مصداقا لقوله تعالى: ?وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا، ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا، وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم?، ورد على المعاندين على أنه الدين القويم، الذي بشرت به الكتب السابقة في قوله تعالى: ?وإذ أخذ الله ميثاق النبيئين لما آتيناكم من كتاب وحكمة، ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتومنن به ولتنصرنه، قال أأقررتم وأخذتم على ذلك إصري؟ قالوا: أقررنا، قال: فاشهدوا وإنا معكم من الشاهدين?.
وقال تعالى: ?ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد?، وأفهم أهل الكتاب أن دين الإسلام جاء بواسطة رسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ليتم ما سبق أن جاء به الرسل السابقون ?إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيئين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داوود زبورا?.
ويقول تعالى: ?شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه، كبر على المشركين ما تدعوهم إليه، الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب?.
ولا يمكن أن نحصر مهمة تربية الشباب وتكوينه في المجالين المنزلي والمدرسي، بل إن التطور الحالي والحياة المعاصرة والتقدم التكنولوجي، جعل الإمكانيات متعددة ومتنوعة، فأصبح الاعتماد على تكوين الشباب دينيا مطلوبا من وسائل الإعلام مثلا، إذ بإمكانها أن تضع برامج خاصة بالشباب المسلم من خلال ما يعرض من مواضيع ومحاضرات وندوات وإنتاج أفلام إسلامية صرة عن السير، ودور الشباب في مطلع الدعوة الإسلامية، ثم تقدم إليه توجيهات عن المحرمات والممنوعات بوسائل علمية وعملية، ويدخل في دور الإعلام إقامة مناظرات بين الشباب نفسه بمحضر رجال العلم الإسلامي، فينظم مثلا لقاء بين شابين أو ثلاث يتحدثون فيه عن دور الصلاة في تربية النفس وترويضها على الامتثال وضبط الغريزة، ويتحدثون كذلك عن الصوم وفضائله على الجسم والعقل والروح، ويتناقشون عن الزواج في الإسلام وأثر التنظيمات العصرية عليه، ويتكلمون عن مضار الطلاق وآثاره، ولا يهمنا أن تكون المناقشة في المستوى العالي، إذ أن الغاية ليست الثقافة كميدان، ولكن تكوين ملكة البحث عن مكامن الإسلام، وتبعا لذلك، فلا معنى أن يشترط في الشباب مستوى ثقافي عالي، بل يمكن أن تفسح المجال حتى إلى تلاميذ الأقسام الثانوية وهم أبناء 15 أو 16 سنة.
ثم أنه من الواجب أن نترك للشباب فرصة الاستفسار، ونحاول أن نعطيه جوابا مقنعا من خلال الكتاب والسنة والواقع الإسلامي وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم.
ويجب أن يكون اهتمامنا ونحن نؤلف قصصا، أن نجعل للتراث الإسلامي قصب السبق فيها، ومن خلاله نقتبس للقارئ فصولا مشرقة ومشرفة من الملاحم البطولية عند الشباب المسلم، ولنا في علي بن أبي طالب، وابن عباس، وأبي ذر الغفاري، وخالد بن الوليد، وابن عمر وغيرهم كثير، المثل الأعلى للشباب المسلم في مطلع الدعوة وبرفقة الرسول الأكرم، وإذا أسرعنا الخطى وانتقلنا إلى عصر ازدهار الحضارة الإسلامية، تطالعنا أسماء نعيش على طعمها ورحيقها إلى اليوم في مختلف المجالات العلمية، وميدان الاختراع، وليست في حاجة إلى القول بأن الخوارزمي، وابن الهيثم، وابن رشد وغيرهم، كانوا فقط نواة من جذور الإسلام الصحيح والتعاليم الصادقة لهذا الدين.

الشباب والعلوم المعاصرة
وغير خاف مادام الحديث قد ساقنا إلى ميدان العلم والمعرفة، أن نذكر أن دين الإسلام حمى راية الانطلاق في التسابق إلى العلم والارتواء من فيضه الدافق في أي ميدان كان، لا يهمنا منه إلا الادراك والاستنباط والاستقراء، فيكون من الواجب أن نبلغ شبابنا أن دعوة الإسلام ابتدأت بالإشارة إلى العلم والتعليم، ليفهم المسلم أن العلم نور يهدي به الله، وبواسطته يتقوى إيمانه ويقترب من ربه وخالقه، ويزداد يقينا بأن عظمة الكون دليل على عظمة الخالق – ولا حد لعظمته – يقول الله تعالى: (اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم)، ويقول:  (إنما يخشى من عباده العلماء)، وللدعوة إلى العلم والحرص عليه قال صلى الله عليه وسلم: (فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد).
فالشباب المسلم وهو يتعلق بتعاليم دينه أولى الناس بأن يكون مطلعا على ما وصل إليه العقل من اختراعات وصناعات ومعطيات متنوعة، لا يهمنا ضررها ونفعها بقدر ما يهمنا، إنها من عقل الإنسان، وأن التعرف عليها أمر وجوبي، لأن الله تبارك وتعالى يقول:?أولم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يفقهون بها?، ويقول:  ?قل انظروا ماذا في السموات والأرض?، ويقول:  ?وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس?.
وبصفة عامة، فإن الشباب المسلم مطالب بالمشاركة في كل الميادين الاجتماعية المعاصرة، مع حرصه التام على أن يتبع الأصلح فيها، لأن شباك الأعداء وحبال المخادعين منصوبة لشبابنا في كل مكان، وشيطان الشر يترقب خطاهم كما أكد ذلك الخالق سبحانه، فقال:  ?فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم، ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم?.
فالمشاركة في الرياضة والندوات والرحلات والنشاط الثقافي والفني كالرسم والتمثيل، كلها ميادين من حق الشباب، ويبين لهم بطريق الممارسة والتنفيذ تعاليم الإسلام وتربيته.
وذلك أن التيارات المتواجدة في الحياة اليومية، والتقلبات المتوالية، تتسلل إلى ساحة الشباب، فيتأثر بأحداثها، فالواجب أن نفسرها له بحسب المفهوم الإسلامي وما يراه الإسلام لها من أسباب، وما يقترحه من علاج، فلا يكون من المنطق أن نسد أمامه طريق التفكير في تطوراتها، لأن سماحة الإسلام لا تخاف من الأهواء، ولا تنخدع بالإيديولوجيات، وعليه لا نرى بأسا أن يتعرف الشباب المسلم – وهو قوي الإيمان بدينه – على مختلف الاتجاهات، ويدرس أبعادها ومضمونها ليتبين خبثها وسوء طويتها، فإذا عرف الشاب المسلم أن نظرية الشيوعية هي سلب الإنسان شخصيته، التي تكرم الله عليه بها، وميزه عن باقي المخلوقات، فقال:?ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا?، يدرك بالبديهة أن هذا المذهب خروج عن الحقيقة الإنسانية، وتعطيل الإنسان في الحياة، على أنه مخلوق رزق العقل، يتدبر به، والقوة ليسخر بها باقي الكائنات.

حضارتنا وحضارتهم
ومن باب الإرشاد، أن نعطي لشبابنا نظرة توجيهية عن الحضارة في مفهوم العالم النصراني واليهودي واللاديني، على أنها ضرب من الانحلال والتعفن، وتخدير العقول، وطمس الأخلاق، وأن إنسانها أصبح يتطلع إلى حياته الحيوانية، على أنها نوع من التقدم والرقي، فضرب الحائط بالمقومات الروحية، ووصل الاستهتار ببعض الدول، التي ترتب عندهم في رأس القائمة وأعلى سلم الحضارة والمدنية، إلى سن تشريعات تبيح الشذوذ الجنسي وتدافع عنه، وبعضها يبيح الزنا ولا يعاقب عليه، والبعض الآخر أباح الإجهاض وقتل النفس التي حرم الله، وغير ذلك من أنواع الاستهتار بأبسط مبادئ الحياة الاجتماعية المثالية.
وكثيرة هي الأبواب التي يمكن أن نوجه منها إلى الكفار طعنات تدل على خساستهم وانحطاط مجتمعاتهم، ويدرك من ورائها الشباب المسلم أن الحق أحق أن يتبع، وأن ديننا الحنيف هو المعيار عند اختلاط الهواجس والتيارات، وأن ?من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين?.
وإشارة بسيطة وهامة يجب أن ينتبه لها الشباب ويتمسك بها، وهي ما قاله عليه السلام: (إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه)، وبذلك فلا محل فيه للتطرف والتعقيد والتشدد والتضيق، حتى نخرج من مفهوم الدين الإسلامي، والذي أسس على اليسر منذ أمر الله رسوله بالتبليغ، بل بشره بأنه تحمل رسالة أيسر الأديان، فقال تعالى:?ونيسرك لليسرى?.
ومن باب تحصيل الحاصل أن نقول: إن الاختلاف في تفسير بعض الأحاديث أو بعض الآيات، لا يجب أن يكون سببا في وقوع شقاق بين المسلمين أو تضارب في أقوالهم تدفع إلى نزعات وخلق الطائفية.
ولا يجب أن يكون الاجتهاد في تفسير بعض الأقوال وحيا يجبر صاحبه الناس على اتباعه، لأن ذلك يعتبر تطرفا وتعنتا، والواجب يفرض أن يحترم كل ذي رأي صاحب الرأي الآخر، وأن يكون النقاش بالموعظة الحسنة بعيدا عن الجدال العقيم، والذي يجعل عامة الناس في خلط واضطراب، وينبت أسباب العداوة بين المذاهب والاجتهادات.
لقد علق بعض الأصوليين بقوله على قوله تعالى:?وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما?، فقال: لولا هذه الآية لهلك كل المجتهدين، ويجب أن يكون الحكم على الشيء فرعا عن تصوره، فلا يراد من الحكم العناد والتعصب، وفرض الرأي بدون مناقشة أو إقناع.
وكلمة أخيرة يجب أن يعلمها شبابنا ويؤمن بها وينشرها، وهي أن الإسلام يوصي بالمحبة الإنسانية، ولا يضمر حقدا أو عداوة لأحد مهما كان اتجاهه أو دينه، مادام هناك نوع من الاحترام المتبادل، والتعاون الصادق، والمعاملة الخالية من الدس والمكر: :?لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين?.
فإذا ظهر منهم أعداء الإسلام، واتجهت نيتهم نحو النيل من تعاليمه والمس بكرامته، وجب آنذاك معاملتهم بما هو مناسب لتصرفهم، ولم يبق وقتئذ مناسبة تسمح بالتعاون معهم، لأن التعاون معهم يسيء إلى نخوة الإسلام وكرامته، وكل تعاون مع أعداء الإسلام ضد الإسلام، وضد أممه يضع المتعاون في صف المنافقين، ويجعل مصيره مرتبطا بمصيرهم.
وذلك مصداقا لقوله تعالى: :?بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما، الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المومنين، أيبتغون عندهم العزة، فإن العزة لله جميعا?.
تلك إخواني الشباب هي تعاليم الإسلام وتربيته، وتلك هي الأخلاق التي جاء الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ليتممها، وهو القائل: (بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).
ولعلكم الآن قد أدركتم أنه دين جمع فأوعى، وأحسن صنعا وتوجيها، وأن مبادئه وأخلاقه مثالية، لم يستطع أن يدركها أفلاطون ولا سقراط ولا غيرهم من فلاسفة الحضارة والاجتماع.
ولا نحتاج إلى كثير من البحث لنعرف سبب ذلك، لأنه جلي من خلال المنهج المثالي لتعليم الإسلام الحنيف، وأهدافه السامية، التي جاءت للإنسان رحمة وللبشرية هداية وإرشادا، وصدق الله العظيم:?لقد جاءكم رسول من أنفسكم، عزيز عليه ما عندتم، حريص عليكم، بالمؤمنين رؤوف رحيم?.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here