islamaumaroc

معالم الشخصية الإسلامية في مواجهة الحضارة الغربية.

  أحمد بن التهامي التلمساني

العدد 243 ربيع 2 1405- دجنبر 1984

مقدمة:
كان الإنسان ولا يزال العامل الأول لقيام الحضارات والمحرك الرئيسي لإحداث التغيرات والثورات وتوجيه الحياة توجيها سلبيا أو إيجابيا. 
فعلى الرغم مما قد تظهر به بعض الحضارات من طغيان مظاهر خاصة للتقدم مادية كانت أو روحية، يبقى الإنسان – وما يحمله من عقيدة راسخة وإرادة ثابتة وعقل متفتح واع- دائما هو محور كل حركة وتطور، هو وسيلتها الأولى وغايتها النهائية، تقول هذا إيمانا منا بقدرة الإنسان على الإنشاء والتعمير والخلق والابتكار بكل ما أوتي من طاقة عقلية ونفسية وروحية.
انطلاقا من قدرة الإنسان هذه وما لها من اثر في إحداث التغيير اللازم، نتحدث عن الشخصية الإسلامية الأولى لنعرف مقوماتها ومعالمها البارزة عسانا نستلهم منها ما يقوي ويجدد شخصياتنا اليوم لنصنع ما صنعته تلك الشخصيات الإسلامية الأولى من أمجاد وما حققته من تقدم، باحثين عن عناصر القوة في تلك الشخصيات الإسلامية التي يمكن تلمسها في شخصياتنا اليوم.
إن الحديث عن الشخصية الإسلامية هو حديث بالدرجة الأولى عن الأمة الإسلامية والمجتمع الإسلامي بكل ما يعتريه من مظاهر التقدم والتطور والتجديد وما يصيبه من عوامل الانهيار والتأخر والجمود ي كل جوانبه الاجتماعية والفكرية والسياسية ما دام الفرد الواحد لبنة في بناء المجتمع يقوى بقوته ويضعف بضعفه.
وإذا كان علماء النفس قد عرفوا الشخصية بأنها:" الوحدة الكلية المميزة لبنيان فرد وطرق سلوكه وأنواع اهتماماته وقدراته وقابليته ومواهبه"(1) فإن إضافة الشخصية لكلمة الإسلامية نعني بها تلك الملامح التي رسمها الإسلام لأفراد المجتمع الإسلامي، والتي يطبعها على سلوكهم فيصيرون بها وحدة مجتمعية مميزة بين سائر المجتمعات، فالشخصية تطلق في علم النفس وعلم الاجتماع على العلامات المميزة لإنسان أو لمجموعة من البشر.
إن كل حديث جاد عن الشخصية لابد وان يستهدف مجموعة كبيرة من الظواهر التي لعبت دورا – قل أو كثر- في حياة فئة من الناس، وإذن نحن ملزمون بتبيان هذه المعالم والصفات المميزة للشخصية الإسلامية في إطارها الاجتماعي.
ومن الجدير بالذكر منذ البداية أن نفرق بين السمات الشخصية الإسلامية النفسية والعقدية والسلوكية في أصلها وكما وردت في النبع الأول للإسلام: القرآن والسنة، وكما تجسدت في شخصيات الصحابة وأمثالهم، وهذا هو مطلبنا هنا، وبين ما هو موجود في مجتمع المسلمين اليوم، مما أصابه تدهور وانحلال وتفسخ وتمزق، الأمر الذي يعد مظهرا من مظاهر تأخر المسلمين وانحطاطهم.

عوامل اضمحلال الشخصية المسلمة اليوم:
عرف المسلمون في العصر الحديث تحديات فكرية وسياسية واقتصادية أدت بهم إلى استعمارهم من طرف الدول الغربية، ونشأ عن هذا الاستعمار مضاعفات ظهرت في شكل تبعية اقتصادية وتقليد ثقافي واجتماعي، وانحلال خلقي إلى درجة يمكن معها القول: " إن كل المشاكل التي تعاني منها الأمة الإسلامية اليوم إنما تنبع من انجذابها إلى مركز الحضارة الغربية" ( 2).إن انجذاب الشخصية الإسلامية إلى هذه الحضارة والتطلع إلى زخرفها والانبهار بعلومها المادية، يمثل مشكلة نفسية قبل كل شيء ناشئة عن شعور بالنقص والتخلف إزاء هذه الحضارة، وإذا حاولنا تحليل هذا المشكل لرجعنا به إلى أخطر وأول عامل وهو انتشار عقد الخلافة الإسلامية، وتوزيع العالم الإسلامي بين الدول المستعمرة ومحاربتهم المسلمين محاربة صليبية وفكرية وتبشيرية من جهة، وما أصاب المسلمين من تعطيل للفكر أدى بهم إلى الجمود والاتكال والإغراق في طقوس من الخرافات والشعوذة، وزيغ بالدين عن أهداه الحقيقية من جهة أخرى، حتى طغى على الناس إضفاء الاعتبار على الجزئيات والفروع من الدين مع إهمال لأصوله وكلياته.

تحديات الغرب للمسلمين:
لقد درس الغرب وضع العالم الإسلامي، وعرف علماؤه ما هو عليه من موقع استراتيجي هام، وروح معنوية عالية وعقيدة صحيحة تجمع أهله على كلمة واحدة، كما رأوا أن قتال المسلمين جميعا أمر صعب جدا لتمكن فكرة الجهاد من نفوسهم، فلابد من التفريق بينهم، وإيجاد الخلافات، وبدأ التفكير في تحطيم الشخصية الإسلامية عن طريق إضعاف الإيمان في قلوب أصحابها وتشكيكهم في عقيدتهم، فظهرت مخططاتهم الجهنمية في شكل هجمات صليبية وحملات تبشيرية ودسائس صهيونية: (3).
- فعلى الصعيد السياسي ظهر التمزق في جسم الأمة الإسلامية بتفتيتها إلى دويلات، وإذكاء نار الفتنة داخلها، وتشجيع الحروب الداخلية فيما بينها...
- وعلى الصعيد الفكري غزونا بنظريات تتولى تفسير العلاقات الإنسانية داخل المجتمع تفسيرا ماديا وطبيعيا، الغرض منه طعن العقيدة الإسلامية من الخلف وإزاحة المسلمين عنها. من هذه النظريات قيام الدولة على أساس علماني، والتفسير المادي للتاريخ، ولأصل الإنسان، وقيام المجتمع على فكرة القومية، أو الاشتراكية، أو الرأسمالية...ولعبت هذه المصطلحات لعبتها في رؤوس المفكرين منا، وأدت غايتها إلى أن جهلت إنسيتنا الفكرية ولم يعد لنا اعتبار في هذا الجانب سوى الاشتغال بهذه الجدليات الفارغة التي هي وليدة مشاكل غربية صرفة...وعلى الصعيد الثقافي والإعلامي، فقد عمت مخططاتهم كل وسائل الإعلام سواء أكانت منطوقة أو مكتوبة أو مرئية، وجعلتها في أيد أمينة تخدم مصلحة المستعمر ومصلحة الحضارة الغربية، وتتحكم في الشريان الفكري والاجتماعي الذي يشد الشخصية الإسلامية إلى المركز الغربي بأسلوب من الأساليب – أما مخططاتهم التربوية والتعليمية فقد سلكوا فيها طريقين: طريق مباشر متمثل في المعاهد والمؤسسات التبشيرية وما تحمله من مغريات الدعاية، وطريق غير مباشر متمثل في الصبغة التي اصطبغت بها المناهج التربوية في مختلف المدارس التعليمية، وقد تمثل ذلك بالخصوص ي العقلية التي تشربت " حب الحضارة الغربية افتنانا بها لا تفهما لها" ( 4). ومن الوسائل التي ضمنت تكريس الأساليب الاستعمارية ي المجتمعات الإسلامية تولي أصحاب هذه العقلية مسؤولية التوجيه والتثقيف وتدبير شؤون المجتمع خلفا للمستعمر، وكانت النتيجة النهائية لهذا المخطط الثقافي والتعليمي ما نراه اليوم من انفصام للشخصية الإسلامية، وما نحس به من غربة فيما بيننا داخل الأسرة الواحدة.
وإذا كان الإسلام قد نجح – إلى حد ما ولو ظاهريا – على صعيد الضغوط السياسية، فإنه ليس من السهل التغلب على خطر أدهى وأعظم ألا وهو خطر الاستعمار الثقافي والاجتماعي والاقتصادي ونخص بالذكر ما يعرف " بثقافة الشباب" الممثلة في نوع الموسيقى الصاخبة، ونوع الملابس التي لا تفرق بين الجنسين، فخطورة هذين العاملين تأتي من أن تأثيرهما أعمق بكثير مما نظن حيث يحدث تدريجيا وبطريقة لا شعورية، الأمر الذي يخفى وراءه " فلسفة معينة تدور حول تحدي الشباب للأسرة والمجتمع وتمردهم عليهما" (5) ويحدث تغيرات عميقة في القيم السائدة، كما أن إلغاء الفوارق بين الجنسين أدى إلى إلغاء شخصية الفرد في النهاية، وقد لاحظ أحد الباحثين (6) الأجانب أن كثيرا من الفتيات يرتدين الحجاب الذي جهدت أمهاتهن طويلا في طرحه جانبا ليس بدافع التدين، وإنما بدافع الرغبة الشعورية أو اللاشعورية ي المحافظة على الذات والشخصية.
ولم يقم تحدي الغرب عند حدود إضعاف الشخصية الإسلامية وإذلالها عن طريق إشعارها بالهزيمة السياسية والتبعية الاجتماعية والثقافية، بل تعدى ذلك إلى الإسلام نفسه، وقد ظلت اتهامات المستشرقين متداولة على صعيد الفكر الإسلامي تعكس وجهة نظر الغرب للإسلام قرونا عديدة، وتتلخص هذه الاتهامات في أربع: يقولون:
1) إن الإسلام انتشر بحد السيف متخفيا وراء الجهاد ولم ينشر عن طريق الإقناع.
2) إن قساوة بعض العقوبات الناشئة عن إقامة الحدود على بعض الجرائم كقطع اليد في السرقة، وعقوبة القصاص مما يستحيل تطبيقه على الإنسان إلا في عصور الهمجية والوحشية.
3) إن الاقتصاد الإسلامي اقتصاد غير واقعي لرفضه كلية فكرة الفائدة على رأس المال بدعوى أنها نوع من الربا الذي يحرمه الإسلام.
4) إن الإسلام بتعاليمه الخاصة عن تعدد الزوجات والطلاق يجعل للمرأة مكانة دنيا في المجتمع تكاد تشبه العبودية.
يضاف إلى هذه الاتهامات تهمة كبرى في نظري، وهي التي ينزلق بسببها كثير من شبابنا المثقف فلا يلبث حتى يجد نفسه وقد انحاز لروح الحضارة الغربية يدافع عنها ويتعصب لها ألا وهي تهمة: أن الإسلام بصفته دينا ليس من حقه تنظيم شؤون الحياة السياسية والاقتصادية والعلمية، ومن ثم ينبغي أن يقتصر نشاطه على الجانب الديني كما يفهمونه تصديقا للقولة: اترك ما لقيصر لقيصر وما لله لله، وهكذا تجسدت هذه التهمة ي مشكل: كيف يمكن التوفيق بين الدين والدنيا على حد تعبيرهم؟! .
وبدأ التفكير فيما أسموه بضرورة تجديد الدين، وتولدت قضايا شغلت الفكر الإسلامي تخص التوفيق بين القديم والجديد بين الدين والعلم، وبدأت أسئلة التشكيك تنهال على العقول مما يمكن تلخيصه في سؤالين كما عبرت عن ذلك الدكتورة عائشة عبد الرحمان:
1) كيف يمكن لإنسان تأثر بثقافة الغرب العلمية تأثرا جذريا أن ينظر إلى المعتقدات الدينية والمؤسسات التي تتجسد فيها؟
وبالمقابل كيف ينظر إنسان نشأ نشأة دينية وتقبلها جملة وتفصيلا إلى الحياة والكون من زاوية علمية محضة؟ ( 7).
ونشأ توتر في عقلية هذا وذاك مما أدى بالجميع إلى حيرة وبلبلة فكرية لها أثرها في انفصام الشخصية الإسلامية كذلك.
وبإمعان النظر في هذه القضايا والمشاكل المثارة على صعيد الفكر الإسلامي تبدو لي ملاحظتان هامتان:
الأولى: أن هذه المشاكل تمثل ظواهر بشرية وحيوية تهم حياة المسلمين الاجتماعية في الصميم، ولذلك اختيرت محورا لإثارة هذه البلبلة، ونظرا لحيويتها فإننا نرى أن المسلمين لو نفذوا حكم الإسلام فيها وكما امر الله، التزموا بالجهاد حقا وطبقوا الحدود على أصحابها ورفضوا الربا كلية في معاملاتهم، ووقفوا بالمرأة المسلمة عند حدود الشرع لما وصلوا إلى ما وصلوا إليه. ?       
الثانية: أن هذه المشاكل ما كانت لتكون مشاكلنا قط لو بقينا متشبثين بروح ديننا الذي يسع الحياة برمتها، فهي بالأحرى مشاكل منظور إليها من وجهة نظر الفكر الغربي.
يستنتج من الملاحظتين أننا لسنا ملزمين بالرد على هذه التهم ولا حتى الاشتغال بالبحث عن حلولها في نظامها الإسلامي إلا بالقدر الذي يسمح به توضيح بعض القضايا لشبابنا أو للمتطرفين منا لهذه الحضارة، ولأنه ما كان لنظام أن يشغل نفسه بإيجاد حلول لمشاكل ليست من مجتمعه.

موقف المجتمع الإسلامي من تلك التحديات:
ومع ذلك فقد تصدى لهذه المشاكل والقضايا جماعة من المفكرين والمصلحين الاجتماعيين والسياسيين، وقامت بعض حركات الإصلاح هنا وهناك... ولا ننكر محاولاتهم الجادة التي تركت ولاشك أثرا لا بأس به على سطح الفكر الإسلامي، رغم أن جملتها لم تسلم من بعض الانتقادات، إما في مضمون الدعوة، أو في منهاجها المتبع، الأمر الذي وجه التفكير إلى معرفة الانسجام الحاصل في الإسلام بين القوانين العلمية والحقائق الإسلامية.
وفي أعقاب هذا الإصلاح تنازع الفكر الإسلامي ثلاث فئات يمثل كل منها نموذجا للشخصية الإسلامية من نوع خاص:
الفئة الأولى: تتشبث بالإسلام وتلتزم به عقيدة وخلقا وسلوكا، ولكنها تذهب في ذلك إلى أقصى حدود التطرف، حتى أنها لتقف من الحضارة الغربية موقفا نفسيا مليئا بالاشمئزاز والكراهية.
الفئة الثانية: على طرفي نقيض من الأولى، فبقطع النظر عن إسلامها التقليدي فهي " لا ترى بديلا عنه إلا الارتماء في فلك المركزية الغربية والانطواء في شخصيتها الحضارية"" ( 8).
الفئة الثالثة: خليط من الناس يدعون علماء المسلمين ويهيبون بهم أن يتعروا على حضارة الغرب تعرفا دقيقا، وأن يتبينوا جوانب المرونة في الشريعة الإسلامية ليعقدوا صلة بين هذين الجانبين للاستفادة من كل ما هو صالح ومفيد.
وظهر صراع بين مؤيدين لحضارة الغرب، ومعارضين، وموفقين، وكانت أبرز الفئات وأقواها تلك التي تدعو إلى الإيمان بعظمة الإسلام واستمراره على أن يستعيد المسلمون لأنفسهم حق الاجتهاد للنظر فيما فيه مصلحة للتأليف بين الإسلام وحضارة الغرب.

أزمة الحضارة الغربية وواقعها:
والواقع أنه لا يمكننا بتاتا الوقوف من هذه الحضارة الغربية موقفا توفيقيا مادامت طبيعتها وروحها مخالفتين لطبيعة وروح الدين الإسلامي، علينا إذن أن نتخلص أولا من نظرة الإعجاب لهذه الحضارة لننكب على فهمها، ولنعرف منذ البداية أن مشاكلها لن تكون مشاكلنا، لأنها مشاكل نابعة من التردي الذي وصلوا إليه في حضارتهم، فإذا كان المسلمون يحسون اليوم أنهم على عتبة المسرح ليعطوا للعالم نموذجا من الحضارة الإنسانية، فلاشك أن ذلك لا يتم إلا بتغيير جذري لواقعهم " ?إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"?، وإذا أردنا تغيير واقعنا، علينا أولا أن نعرف هذا الواقع بما فيه من خير وشر، لنعرف ما يغير وما لا يغير، علينا ثانيا أن نعرف هذه الحضارة وما بها من خير أو شر، لنعرف ما نأخذ منها وما لا نأخذ، هذه الحضارة التي تنبأت بسقوطها دراسات فلسفية واجتماعية قام بها علماؤهم معلنين ما أسموه بأزمة الحضارة الغربية، تلك الأزمة المتجلية في الانفجار الحضري، وتلوث البيئة، وفي الاغتراب والصراع والعنف، مما أدى إلى وجود أزمة في شخصية إنسان المدينة الحديثة، ناشئة عن روح التنكر لكل القيم والتقاليد الإنسانية.
إن أهم أمراض المجتمعات الحضرية التي يعاني منها سكان المدن اليوم هي نتيجة صراع القيم، فالعزلة والصراع الاجتماعي، والفزع والقلق كلها تكلفة حقيقية للتغير الحضري السريع كما عبر عن ذلك توماس بلير صاحب كتاب " الأزمة الحضرية العالمية" ( 9): " إن المجتمع الحضاري أتى بفكرة تقسيم العمل التي أدت إلى جعل العمال أكثر مهارة ولكنهم أقل حبا للصناعة، كما قسم الفرد إلى أدوار مختلفة، وجعله أمام منافسة قاسية للحصول على المكانة الاجتماعية التي قد يؤدي الفشل في الحصول عليها إلى حالة مرضية لما يصاب به الإنسان من إحباط"، " وان الأمراض النفسية والعقلية تتركز في وسط المدينة، وغالبا ما تصيب أولئك الذين ينتقلون من مكانة اجتماعية إلى أخرى في السلم الاجتماعي والاقتصادي، فيعانون من أمراض نفسية وجسمية فيتناولون الحبوب المهدئة، ويدخنون بشراهة، ويتناولون الخمور بهدف إراحة أعصابهم" ( 10) هذه إشارة إلى بعض مآسي الحضارة الغربية التي افتتنا بها كما وردت في بحوث ودراسات مفكريهم.
إن كل ما في الحضارة الغربية من محاسن أنها كشفت عن الطبيعة المادية بعقل وعلم، ووصلت من ذلك إلى نهاية من التقدم المادي، لكن العلم وحده دون قيم أخلاقية ليس كاف في بناء الحضارات فقد يكون سببا من أسباب انهيارها.
وخلاصة القول في جوهر هذه الحضارة أنها: " قائمة في أساسها على المدنية الرومانية التي لا تزال في واقعها وثنية مادية لا تومن إلا بالقوة، بينما الإسلام بني على الروح والأخلاق والمثل العليا، تلك الأسس التي خلقت في الإنسان مناعية ذاتية جبارة، ولا ريب في أن هذه الحقيقة الثمينة قد انكشفت لغلادسون وزير بريطانيا الأول وأحد موطدي أركان الإمبراطورية في الشرق حينما قال: " مادام هذا القرآن موجودا فلن تستطيع أوربا السيطرة على الشرق ولا ان تكون هي نفسها في أمان" (11).

التشبث بروح الدين الإسلامي:   
أنه إذا كان الدين الإسلامي في منبعيه الأصليين: القرآن الكريم، والسنة النبوية هو الذي خلق من الصحابة والتابعين شخصيات وضعت الأسس للصياغة الجديدة لحضارة إسلامية عالمية تمازجت فيها ثقافة الفرس الروحية إلى جانب ثقافة الرومان المادية تمازجا كانت بسببه نبراسا لحضارة أوربا، فلا عجب أن يكون هو الدين الذي نرجع إليه اليوم في صحوتنا الإسلامية، لنشرب من معينه ما يقوي نفوسنا ويخلق منا شخصيات سوية قادرة على مواجهة الأحداث، نرجع إليه لاستقراء خصائصه المميزة ومعرفة منهاجه في الحياة لنستنتج من كل ذلك معالم تتحلى بها شخصياتنا لتكون شخصية لها مميزاتها الذاتية، التي تمكنها من تحمل المسؤولية.
إن رجعة إلى الإسلام لاستكناه روحه وإحكام أصوله وقواعده جديرة بأن تفتح أعيننا على أنه منهاج عام للحياة الإنسانية متكامل ومتسق في صيغة من التوازن والانسجام المادي والروحي القابل للتطبيق في كل زمان ومكان.
إن السبيل لإزاحة الغشاوة عن عقولنا حتى تخرج من غطاء الانبهار بهذه الحضارة يكمن في إعادة الثقة بأنسنا وبمقوماتنا الثابتة لتحررها من عبودية الغرب تحريرا يمكننا من الوقوف على أرض صلبة خارج نطاق هذه الجاذبية، لنتمكن من النظر إلى الحضارة الحالية وتقويمها دون التأثر بها، وأول شيء في طريق بعث الثقة بالنفس وتحريرها هو النظر في معالم الشخصية الإسلامية كما وردت في منبعها الأصيل، والتي بها كانت الشخصيات الإسلامية الأولى شخصيات قوية بنفسها باعثة على النهضة الإسلامية.

معالم الشخصية الإسلامية:
1) أولى هذه المعالم تكمن في عقيدة التوحيد، فالشخصية الإسلامية شخصية معتنقة لوحدانية الله: وحدانية الذات، " ?وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين، إنما هو إله واحد?"، ووحدانية العبادة " ?فاعبدوا الله مخلصا له الدين"?، ووحدانية الخلق والأمر " ألا له الخلق والأمر". ينشأ عن هذه الوحدانية فأنواعها الثلاثة إخضاع تدبير شؤون الحياة الكونية ومن جملتها حياة الإنسان إلى منهج رباني ثابت وشامل، وهي تعني فيما تعنيه تحرير النفس البشرية ينزع السلطة من أي مصدر كان وإسنادها إلى الحق سبحانه، تحرير الإنسان من كل نوع من أنواع الطاغوت الذي يتحكم في رقاب عباد الله، فلا عبودية إلا لله، ولا شريعة إلا من عند الله، ولقد شاء الله أن تكون قضية العقيدة هذه هي أولى قضية تتصدى لها الدعوة منذ اليوم للرسالة، لأنها قضية الإنسان وقضية وجوده ومصيره في هذا الكون، وعن طريقها يمنح تحرير نفسه من كل هيمنة أو تبعية.
وبقوة التوحيد هذه عاش المسلمون الأولون في المستوى الأرفع من العزة والقوة واستقلال الشخصية وتقويمها وتمايزها، وحققوا مواقف جليلة مثلث الشخصية الإسلامية في اعتزازها بذاتها، والتي زخر بها تاريخ المسلمين الأولين بسبب تمكن عقيدة التوحيد من قلوبهم، وتمثلهم لها أحسن تمثيل في حياتهم.
2) المعلمة الثانية: تتجلى في الشمول والتكامل، ذلك أن الإسلام ينظر إلى الإنسان نظرة كلية شاملة لكل خصائصه ونوازعه، ويعامله على حسبها، ومن هناك سمي دين الفطرة التي فطر الناس عليها، أنه يومن بالجانب المادي في الإنسان ويعامله على حسبه، كما يومن بالجانب الروحي فيه ويعامله على حسبه، وهذا ما يفسر أصل الإنسان في الإسلام، إنه يرد أصل خلقته للناحيتين معا، الإنسان قبضة من طين: " ?إني خالق بشرا من طين"? ذلك وفر له كل حاجاته المادية ونصيبه من المتاع، طلب منه استغلال كل طاقاته لتعمير الأرض على أحسن وجه، وإنشاء النظم وتشييد الحضارات، وفي الوقت نفسه لا تكمل خلقته إلا بالجانب الروحي: ? فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين? لذا يوفر له من هذه الوجهة ما يطلبه من عقيدة، ومثل، وصعود ترفع، ويجند طاقاته في إصلاح النفس والمجتمع، وإقامة الحق والعدل، فإنه يوصله بالله يستمد منه العزم والإرادة يستلهمه الرشد والسداد.
كل ذلك في ترابط وتكامل دون طغيان جانب على آخر، فالشخصية الإسلامية إذن وحدة متراصة متماسكة مستمدة وحدتها من وحدانية الخلق والأمر.
3) المعلمة الثالثة: تتجلى في أن الشخصية الإسلامية ليست معصومة، إنما هي بشر، وبشريتها هي التي تفترق بها عن الملائكة الأطهار، والشياطين الأشرار، ومن ثم اعترف في الإسلام باستعداد الإنسان للخير والشر، للطاعة والمعصية، للهدى والضلال، وليس هذا مما يعارض تكريمه، إنما هو من مقتضيات حملة لأمانة التكليف الصعبة: " ?إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين ان يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان?" طاقة الإنسان على التكليف محدودة بوسعه، واله سبحانه لا يكلف نفسا إلا وسعها ولا يحملنا ما لا طاقة لنا به، " ?وما جعل عليكم في الدين من حرج"?.
" إن فهمنا لبشريتنا السوية، وما يجوز عليها من نقص خطأ وضعف ليريحنا من أزمة تعقد الشخصية بين ما نحرص عليه من تقوى وطهر وطاعة، وما تتورط فيه من إثم ومعصية، وما فتح باب التوبة أمام الجميع إلا اعتراف ضمني بجواز اقتراف الذنوب، وانه لا عصمة منها لبشر" ?قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم? ( 12).
فالإسلام باعتباره لبشرية الإنسان يجاري واقع الفطرة بما فيها من ضعف وأنانية وطاقة محدودة كما لا يغفل عن الطاقة المكنونة التي تحقق المثال، فهو بعين طبيعة الإنسان بما يشتمل عليه من توجيهات تعم حياته الفردية والاجتماعية قصد إنماء ما لها من إرادة وميل الاجتماع ( 13).
كل ذلك في واقعية تشمل المثال ومثالية لا تغفل واقع الحياة، ولذلك انعدم في الإسلام أي حالة من حالات الرهبانية، كما أسقط عنا إغلال الكهنوتية.
فالشخصية الإسلامية، من هذه الناحية، عدوة الترف والسرف والبذخ والخيلاء، لكنها في نفس الوقت تعرف كيف توسع على نفسها فيما أحل الله من طيبات الدنيا.
فالالتزام بالتوسط سمة من سمات الشخصية الإسلامي.
4) المعلمة الرابعة: هي المسؤولية الفردية، ذلك أن الإنسان في الإسلام أفضل المخلوقات فيما ينفع الناس والحياة عموما، ومن ثم ثبتت مسؤوليته على سعيه في دنياه ليعرف كيف يوجه غرائزه ويعليها باستخدامه لعقله أحسن استخدام.
فالشخصية الإسلامية شخصية مسؤولة تتحمل فرديا تبعة أعمالها، إذ لا قوام للخلق ولا للدين بغير التبعية ولا معنى لتكليف ولا حساب بغير المسؤولية الفردية.
5) خامسة المعالم: أن الشخصية الإسلامية شخصية إنسانية عالمية، تحمل رسالة الإسلام إلى كل بقاع العالم، بغية قيام مجتمع نظيف يستمد منهاج حياته من خالقه مجتمع نعمه الرحمة والعدل والمساواة والإحسان، وتتكافأ فيه فرص الحياة الفكرية والمادية على السواء: " ?كنتم خير أمة أخرجت للناس تامرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتومــنون بالله?" " ?وما أرسلناك إلا كافة للناس" " يا أيها الناس إنا خلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم"?.
فإنسانية المسلم وعالميته مشتقة من إنسانية الرسالة المحمدية وعموميتها لسائر الخلق أجمعين.
6) سادسة المعالم: إن الشخصية الإسلامية شخصية جادة في طلب العلم، تراه فريضة على كل مسلم، شخصية منفتحة على العالم، فإذا كانت غايتها في الحياة هي العبادة، فلا عبادة بدون علم، ومفهوم العلم في الإسلام مفهوم واسع يتسع لكل مجال من مجالات استخدام العقل البشري مادام استخدامه لصالح الإنسانية، فبالعلم تعرف الشخصية الإسلامية مصيرها الأخروي وتبني حياتها الدنيوية، وبالعلم مع حسن الانتفاع به كان أهله ورثة الأنبياء.
7) سابعة المعالم: إن الشخصية الإسلامية شخصية متخلقة بخلق القرآن، ذلك أن الأخلاق الإنسانية الأساسية المعروفة لنجاح المرء في حياته لا تتم ولا يتسع مداها وتتأصل في الإنسان إلا إذا دخلت النفوس عن طريق الإيمان وجعلت غايتها وجه الله، فبدون أخلاق نابعة من الإيمان تكون الحضارة الحالية عرجاء كمن يسير على رجل واحدة.
8) ثامنة المعالم: إن الشخصية الإسلامية " طاقة إيجابية عاملة في واقع الحياة، قوة دافعة إلى الأمام تسيطر على القوة المادية وتستغلها في عمارة الأرض " ?وسخر لكم ما في السماوات والأرض جميعا منه?" قوة يغير الله بها واقع البشر لتنشئ واقعا حسب المنهج الذي تومن به" ( 14).
معنى هذا أن الحركية والعمل في اتجاه إيجابي هما صفة المسلم، فلم يكن المسلم الحق اتكاليا ولا ذلولا خنوعا.
إن غاية الخلق هي العبادة " ?وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون?" ولا عبادة بدون إيمان، ولا إيمان بدون عمل، ولا عمل دون خضوع لأدق رقابة من ضمير محروس بعين الله ومبرمج في منهج الله.
لقد ثبت عن الصحابة رضوان الله عليهم أنهم لم يكونوا يتلقون القرآن ليتملوا من معرفته وكفى، وإنما كانوا يتلقونه ليطبقوه في خاصية من خصوصيات حياتهم الفردية أو الجماعية، وهذا ما يفسر لنا واقعية أولئك الشخصيات الفذة وفهمهم للإسلام الذي من خصائصه أنه واقعي قريب من الحياة الفردية والاجتماعية، وأن تلقيهم للقرآن للعمل به وتنفيذه في حياتهم هو الذي صنع الجيل الأول.
9) المعلمة التاسعة: تتعلق بشخصية المرأة المسلمة حفاظا على كرامتها ووقوفا بها عند حدود الشرع، فإنه من أسباب اضمحلال الشخصية المسلمة عموما اضمحلال كرامة المرأة المسلمة والخروج بها من نطاقها الحقيقي إلى حالات من التميع والتفسخ والفتنة تحت ستار المساهمة في الحياة إلى جانب الرجل، فحفاظا على شخصية الرجل حافظ الإسلام على شخصية المرأة وضمن لها حقوقها كاملة موفورة وعين لها واجباتها وكرمها بنتا وأما وأختا وزوجة، ولم يفرق بينها وبين الرجل في أي مجال من مجالات الحياة في حدود الوظيفة التي خلقت لها، مما لا يتسع له مقام هنا، وإنما تكفي الإشارة إلى أن المرآة سلاح ذو حدين فهي في الحضارة الغربية الحديثة تستخدم وتستغل استغلالا سلبيا في مجال نشر ما يسمونه تقدما ورقيا، ويحققون بها مآربهم السياسية والاقتصادية ويتخذونها وسيلة لنشر الدعارة وفساد الأخلاق، بينما هي في الإسلام ذات حقوق تحفظ بها شخصيتها من الضياع، وتصونها عن الرذيلة والإهانة، فمنحها حق التصرف في مالها، وأباح لها حل عقد النكاح إن شاءت، وجعلها شقيقة الرجل في الأحكام.
10) المعلمة العاشرة: هي من مقومات الشخصية الإسلامية ومن مستلزماتها. تلك هي اللغة العربية التي يتداول بها الفكر داخل المجتمع الإسلامي والأمة الإسلامية، فإذا صح أن اللغة هي ألصق شيء بالمقومات الأساسية النفسية والاجتماعية للشخصية الإنسانية تعبر من خلالها عن أفكارها وعناصرها الداخلية المكونة لها... " وأن الفكر الجماعي يتكون مثل الفكر الفردي، من القوة النفسية الداخلية التي تبرز المزايا العقلية والوجدانية للمجتمعات وللأفراد على السواء" فمما لا ريب فيه أن توحيد لغة الأمة هو السبيل الأقوم للاعتراف بوحدة عقليتها أو تشابهها إلى حد بعيد، ولذا لم يجعل الإسلام اللسان العربي الذي نزل به القرآن أداة للتعبير عن الشعائر الدينية فحسب، ولكنه اتخذها أرفع وسيلة لانصهار الأمة انصهارا كاملا في جوهر شخصيتها وذاتيتها وأصالتها". فهناك تلازم تلقائي بين الإسلام والعربية: ذلك أن القرآن رفض التمييز بين البشر مصرحا بعالمية دعوته من جهة، ومكررا في عدة آيات نزوله بلسان عربي مبين مشيدا بهذا اللسان من جهة أخرى.
فماذا يعني هذا؟ إنه لا يعني سوى صيغة من الصيغ التي يلتقي فيها التوجيه مع التشريع أو السياسة مع الدين، الأمر الذي يحملنا على جعل تعريب اللسان ضمن المقومات الأساسية للشخصية الإسلامية (15).
وقد صرح بهذه الحقيقة كثير من المنصفين الدارسين للإسلام، فاعترفوا بأن العربية لغة الوحدة الفعلية للأمة جمعاء، وأداء الرسالة لنشر الإسلام بين جميع المم والشعوب ( 16).
ولعله من المفيد هنا الاستدلال بما استدل به الدكتور صبحي الصالح من كلام ابن تيمية حيث أورد قوله: " فإن الله لما انزل كتابه باللسان العربي وجعل السابقين إلى هذا الدين ومعرفته إلا بضبط هذا اللسان، وصارت معرفته من الدين، وصار اعتياد التكلم به أسهل على أهل الدين في معرفة دين الله وأقرب إلى إقامة شعائر الدين، وأقرب إلى مشابهتهم للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار في جميع أمورهم".
ثم أردف الدكتور صبحي الصالح على ذلك قوله: " ولابن تيمية كلام في هذا الموضوع مفاده ان العربية هي اللغة الوحيدة التي يجب أن تلقن للأطفال في البيت والمدرسة، وهي وحدها لغة الدولة والجيش، وتعلمها واجب على كل مسلم قادر مادام فهم الكتاب والسنة متوقفا عليها".

خلاصة:
وبعد، فهذه خلاصة للمعالم التي ينبغي أن تكون عليها شخصية المسلم في كل زمان ومكان كما نص عليها الإسلام، وهي ليست على سبيل الحصر إذ لا حد للكمال فيها... إنها لو طبقت في مجتمع ما لحقق لنفسه التحرر من كل عبودية أو تبعية، ولوجد من ذاته وأصالته وطاقته ما يؤهله لتحمل مسؤولية التعمير والبناء في الحياة كما كلفه الله بها، وقد كان بودنا أن نعززها بنماذج من حياة الصحابة وأبطال الإسلام، ولكن المقام لم يتسع لذلك، وحسبنا الإشارة إلى أن الفكر الحديث متجليا في مفكرين من الشرق والغرب، بدأ يعي حقيقة الإسلام، فعرفوا قدره واستخلصوا أسباب قوته وعظمته ودواعي انفراده بالقدرة على توكيد الذات وفرض نفسه على الذات وفرض نسه على الثقافات دون بقية الأديان الأخرى، ووجدوا انه يمتاز فيما يمتاز به بسمتين بارزتين متلاحمتين:
الأولى: أنه دين الوحدة والتوحيد.
الثانية: أنه منهاج متكامل للحياة عام وشامل في اتساق وتوازن، وهو بذلك يتسع لكل علم سواء ما تعلق منه بالعقيدة والعبادة والتشريع، أو ما اتصل منه بالدنيا وما ارتبط بها من قوانين طبيعية وسنن كونية.
إن نظرة إلى الإنسان والكون والحياة عامة وشاملة جديرة بأن تورث المسلم معرفة كلية وشاملة، ينظر بها إلى الكون على أنه كتاب واحد ذو فصول متعددة متكاملة، وجديرة أيضا بأن توضح له العناصر الأساسية للحضارة الإسلامية التي هي أركان لكل تقدم بشري وهي:
1) الإنسان: الذي هو سيد الكون وخليفة الله في أرضه، مسؤول عن تعميرها بإنشاء حضارة إنسانية فيها.
2) الكون: وهو مجال مسخر للإنسان يستغل فيه طاقاته ليكشف عن سنن الله، وينشئ وفق ذلك حياة راقية.
3) العلم: الذي هو وسيلة الإنسان لضبط نواميس الكون المادية من جهة، وضبط النوازع البشرية من جهة أخرى.
4) الأخلاق: القائمة على أساس من الإيمان بالله خالق الكون، وبالقيم الروحية التي هي أسمى ما يصل إليه الإنسان في مسعاه والتي هي عماد الحضارة، بها يكون الإنسان إنسانا، فيضمن لنفسه عدم الزيغ في متاهات العلم.
5) العمل: الذي بدونه لا يصح إيمان ولا عمل.
فتلك أركان للحضارة الإسلامية، وقد تكفل القرآن الكريم بتبيانها في نظرة معرفية عامة وشاملة، فبين أصل الإنسان وحدد مهمته في الحياة والكون، وأثنى على العلم والعلماء وربط كل ذلك بالعمل والأخلاق.
إن الإنسان في هذه الحضارة الإسلامية، وبمعرفته الكلية الشاملة الحقيقية وللوجود والحياة وما وراء ذلك من إله يتفرد بالخلق والأمر، إنه بذلك كله يبني أرضية صلبة ترتكز عليها شخصية كإنسان مسلم، فيحرر نفسه من أي تبعية أو عبودية، ثم ينطلق بعد ذلك في ميدان البحث العلمي والنظر في جزئيات الكون المادية فيسهل عليه تفسيرها وتعليلها دون خوف من ضياع إنسانيته، أو زيغ في متاهات من الإعجاب والانبهار بالمادة وتركيبها لحد الكفر بخالقها، والتطاول على الإنسانية لهلاكها، كما هو عليه أغلب علماء الغرب اليوم.
خاتمة: يمثل الإسلام بهذه النظرة المعرفية الكلية ثورة فكرية من أجل تحقيق عدالة اجتماعية واقتصادية تجعل منه أقوى عامل يخرج المجتمع الحالي من الرتابة والجمود بما يستطيع تقديمه من حلول، كما يعتبر النظام المعول عليه في إيجاد صيغة اجتماعية وسطى ونظام أصيل متوازن ينسق بين الحاجيات المادية والقيم الروحية، وينقذ العالم من مساوئ الإفراط والتفريط، ويتوقف وجود هذه الصيغة الحديثة على مجهود علماء الإسلام في إبراز قدرة الدين على مسايرة روح العصر وتلبية مطالب الحياة، وبالتالي على محاولاتهم الجادة لتطوير الفكر التشريعي في إطاره الإسلامي، ولابد لهم في هذا من مراجعة رصيدنا من الشريعة الإسلامية في شؤون الاجتهاد والاستحسان والاستصلاح رعاية لمصالح العباد، وقد قال الأصوليون إن: " الأحكام تتغير تبعا لتغير الأزمنة والأمكنة".
ومن المفيد أن ننبه هنا إلى أن هذا التغيير الذي يطرأ على الأحكام الشرعية لا يتنافى إطلاقا مع ما نسب لهذه الشريعة من عصمة وثبات، فجوهرها قائم وثابت على الدوام قد أحكمه الله وأوجب العمل به كتابا وسنة فلا مانع – إذا ما صين جوهرها- من الذهاب إلى تغير بعض الأشكال تبعا لما يعتري الحياة البشرية من تطورات.
وبالإجمال، فإن علماء الإسلام حينما يعزمون على إيجاد صيغة جديدة لحياة اجتماعية واقتصادية إسلامية لابد وأن يدركوا حقيقتين:
الأولى: أن الشريعة الإسلامية قد اشتملت على قواعد أساسية ومبادئ عامة ثابتة بنص القرآن والمبادئ، فهي بهذه القواعد والمبادئ والتطبيقات ثابتة لا تقبل التعديل أو التطور " إلا ما كان داخلا في اعتبار الناسخ أو المنسوخ أو التخصيص بعد التعميم أو التقييد بعد الإطلاق أو التفصيل بعد الإجمال".
الثانية: إن القرآن والسنة قد سكتا عن أوضاع وأحكام في أكثر فروع الفقه وهو أمر مقصود ليبقى المجال مفتوحا للتطور في الصياغة القانونية حسب ما يستجد في حياة الناس عبر الأزمنة والأمكنة وفي حدود التنسيق بين تلك الأوضاع المستجدة وروح الشريعة الإسلامية المعصومة بمبادئها الأساسية ( 17) .
وقد قال بوجوب مراعاة المصلحة كثير من الفقهاء حينما لم يجدوا دليلا شرعيا واضحا من الكتاب والسنة والإجماع على جواز شيء أو عدم جوازه، وحبنا السلفي المجدد ابن القيم الجوزية يقول: " الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ومصالح كلها وحكمة كلها" ثم يضيف قائلا: " فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه" ( 18).
 
-------------------------------
1) علم النفس التربوي لفاخر عاقل.
2) مجلة الفكر العربي 21 ص 239 بتصرف.
3) يراجع ي هذا الشأن كتاب " العالم الإسلامي ومحاولة السيطرة عليه" لمحمود شاكر.
4) مجلة الفكر العربي 21 ص 241 بتصرف.
5) مجلة عالم الفكر المجلد 11 العدد الأول ص 280 من مقال: " الإسلام المناضل" بتصرف.
6) المصدر السابق.
7) كتاب الشخصية الإسلامية للدكتورة عائشة عبد الرحمن.
8) مجلة الفكر العربي 21 ص 244. 
9) أنظر تعليقا على هذا الكتاب في مجلة عالم الفكر مجلد 10 عدد 4 ص 244.
10) المصدر السابق.
11) من كتاب " الإسلام على مفترق الطرق" لمحمد أسد ص 39. 
12) من كتاب " الشخصية الإسلامية" للدكتورة عائشة عبد الرحمن.
13) انظر كتاب " الدين والحضارة الإنسانية" للدكتور محمد البهي ص 144.
14) من كتاب " منهج التربية الإسلامية" لمحمد قطب ص 32 بتصرف.
15) " الإسلام والمجتمع العصري" للدكتور صبحي الصالح بتصرف.
16) المصدر نفسه.
17) عن كتاب " الإسلام والمجتمع العصري" بتصرف.
18) أعلام الموقعين عن رب العالمين.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here