islamaumaroc

حول المدلول التاريخي الإنساني لعالمية المدينة الإسلامية

  ؟ أبو مهدي

العدد 243 ربيع 2 1405- دجنبر 1984

جمعت الحضارة الإسلامية بين ثلاثة قارات، هي كل العالم القديم، الذي كان معروفا أثناء القرون الوسطى قبل اكتشاف اليابسة فيما بين المحيطين، الأطلسي والهادئ.
لقد نبعت أصول هذه الحضارة من آسيا، ثم ترعرعت فيما بعد بين هذه القارة، وبين إفريقيا، وبينهما عبر البحر المتوسط وبين أوربا، في أطراف مختلفة منها بالغرب والشرق.
ومن ثم، اتخذت الحضارة الإسلامية صفة "العالمية"، باعتبار أنها وسعت معظم العالم المعروف في عهد تفوقها، وبكل ما يعنيه هذا الشمول من تعدد شاسع في العناصر، وتنوع في الحالات، بيد أن هذا التعدد والتنوع – وهذه مأثرة الحضارة الإسلامية – كانا واقعين في إطار التلاحم والتكامل، جعل من هذه الحضارة مصهرا حقيقيا للشعوب، التي شاركت فيها، ومرحلة حاسمة في تاريخ التطور الإنساني بكامله.
لقد استوعبت الحضارة الإسلامية أوسع مجموعة بشرية متكاملة عرفها التاريخ، فهذه شعوب شتى متنوعة الألوان والأعراق، لغات بكل حرف ولحن، أمزجة جماعية وبيئات اجتماعية وطبيعية، وأنماط حياة، ومجاري تاريخ على درجة بالغة من اختلاف الأوجه، وتعدد المناحي، بقدر تنائي جهات المحيط الإسلامي المترامي الأطراف بين قارات العالم القديم، وكثافة الحوائل المنبثة بين آفاقه.
ومع هذا، فقد اتسعت الروح التي قامت عليها حضارة المسلمين، لامتصاص مثل هذه التناقضات وتمثلها، وأمكن بفعل ذلك بلورة كيان حضاري فريد، يضم مفارقات الخصائص الاجتماعية والفكرية والثقافية عبر القارات، إلا أن الطابع المعنوي العام المتميز به هذا الكيان، طابع مشترك، تبدو سماته في أقصى الشرق كما في أقصى الغرب، لا اختلاف جوهريا من هذا المعنى، فيما يوجد هنا أو هناك.
ولا بفهم من هذا، أن مظاهر الحضارة في مختلف الآفاق الإسلامية هي هي، بحيث لا تجد من خلالها فروقا بين طبيعة الحياة وآثارها في الشرق الأقصى الإسلامي مثلا، وبين مثل ذلك في أواسط إفريقيا الزنجية الإسلامية، أو بين هذه المناطق وبين غيرها في ناحية خليج البرتغال، أو على شواطئ الشرق الإفريقي.
إن مثل هذا الفهم للأشياء، غير وارد بطبيعة الحال، ولهذا يجب تقييد القول حول تشابه الطابع الحضاري الإسلامي، بكون هذا التشابه واقعا خاصة في النطاق المعنوي، أي في دائرة المفهوم الحضاري الأعمق، المتمثل فيما تحتضنه جماعة أو أخرى من قيم ومثاليات معنوية، وما يتطبع به الفكر العام من سمات مشتركة في تكيفه بموجب مثل هذه المؤثرات، ثم ما يرتد من ذلك على الأخلاق والسلوك في عمومياته، وما ينعكس منه في مضمار العادات والتقاليد، يومية أو موسمية، ونحو ذلك مما يتصل بأنماط الحياة الاجتماعية، وكثير من أوضاع الحياة بشكل عام.
إن هذه المجالات نفسها، لا تعرض بالضرورة حالة تشابه تام على صعيد المجتمع الإسلامي في إطلاقيته، إلا أن هناك في هذا النطاق قدرا واسعا من التماثل في الأحوال، تبررها وحدة النبع الروحي والثقافي، القائمة به الصفة الإسلامية أساسا عند المسلمين، وتجانس الشروط والمعايير، التي ما فتئ يتم بها تطورهم المجتمعي، ضمن نطاق من المؤثرات، من بينها أساسا المؤثر الديني وملابساته، وهذا قاسم مشترك، ذو فاعلية مهمة في ربط الشعوب الإسلامية بعضها ببعض على الصعيد المعنوي للحضارة، كما يتضح أثر ذلك في حياة هذه الشعوب العقلية والاجتماعية، وفي روح التراث المتخلف لها من تاريخها الإسلامي على امتداد أبعاده.
وحتى على المستوى المادي للحضارة، فإننا سنجد أن صورة الحياة الإسلامية – إذا ذهبنا نتبينها من هذه الزاوية – تعرض علينا من القسمات المتشابهة فيما بينها على أوجه متعددة، خاصة ما يتصل من ذلك بالطراز المعماري الديني ومرافقه، ثم ما يدخل في باب الألبسة التقليدية، ومشهد الأسواق وسوى ذلك.
إن الحضارة الإسلامية ظاهرة وحيدة، مختلفة اختلافا كيفما عن الحضارات غيرها وتتميز – من حيث أبعادها المادية – بطاقة شمول واستيعاب جد شاسعة، والملحوظ أن حيوية المدينة الإسلامية بهذه الصورة، لا تختص بعصر دون آخر، فهذه الحيوية لم تنحصر في عهود ازدهار نفوذ المسلمين السياسي، كما أنها لم تتراجع عندما جزر مد سلطانهم وآل بعد توسعه الدافق إلى نضوب، لقد احتفظت الحضارة الإسلامية بديناميتها هذه، حتى عندما تهاوت الأوطان الإسلامية، تحت غمرة السطوة الأوروبية أثناء القرون الأخيرة، وغدا أهلها خلال الحقبة، معرضين لعمليات التحويل المراد منها، خلخلة رسوخ أصالتهم الحضارية، وأكثر من هذا، فإن جاذبية القيمة العليا للفكر الإسلامي وهي العقيدة قد استمرت خلال فترات تدهور المسلمين على حالها، سواء من حيث الفاعلية أو النشاط، مثلما كان حالها إبان سؤددهم، ومن ثم، بقي الأفق أمام الدعوة مفتوحا لاكتساب مزيد من المواقع، وتحدى الحملات التبشيرية المنظمة، والواقعة في الكثير من الحالات، - تحت إشراف القوات الاستعمارية نفسها، وبقدر ذلك التألق المستمر في جاذبية الدعوة – رغم قيود الظرف وسلبياته – كان تألق مضمونها الثقافي، وملابساته الحضارية يتمثل ذلك في تجدد مقدرتها على إعادة صياغة مفاهيم أولئك الذين يعتنقونها، وتحويل علاقتهم بأنفسهم وبالناس، وتطعيم حصيلتهم من المعرفة، بفيض من المعاني والدلالات الجديدة، تنعكس على نظرتهم للحياة، ومسلكهم فيها، إن مثل هذه التأثرات لتشكل قاعدة مبدئية لحالة خصبة بإمكانيات التطور الحضاري، مثلما يحدث دائما بالنسبة لمن يأخذون بمبدأ ما، فيجدون فيه مورد فكر وثقافة ونهج في الحياة، ويرتسم لهم بذلك سبيل لمراجعة موقعهم في مضمار الحضارة، وتطوير ممارستهم الحضارية على ضوء هذه المراجعة.
إن الانتشار الذي ما فتئ الإسلام يحققه في أنحاء إفريقيا وغيرها من مناطق العالم في عصرنا، لينطوي في محتواه على بذور تحولات حضارية من هذا المعنى، تتناول في المدى القريب، وجهة التفكير والتقييم عند الجماعات التي يتخذ الإسلام بين ظهرانيها مراكزه وتنفذ – عبر ذلك – من منظور الأمد البعيد – إلى تغيير الصورة الحضارية لهذه الجماعات، وفقا لموحيات الثقافة التي تحصلت لها بتعرفها على مصادر الفكر الإسلامي الذي اعتنقته، وما يتأتى لها من ذلك أيضا، عن طريق التفاعل الفكري، مع بقية العالم الإسلامي في ارتباطها به.
ومن ثم، فالمعروض أمامنا باستمرار عن الظاهرة الحضارية الإسلامية، هو توالي قوة الدفع الإيجابي في صلب هذه الحضارة خلال عصرنا، مثلما توفر لها من طاقة على هذا النحو أثناء الحقب الماضية، وليس هناك إلا ما يوذن بأن هذه الطاقة موصولة الفعل في مقبل الأزمنة، متجذرة الأثر أكثر، نتيجة لقرب المفهوم الإسلامي من ذهنية المجتمعات التي تتعرف إلى هذا المفهوم وتعتنقه، ولما يقدم هذا المفهوم من حلول لقضايا هذه المجتمعات، وتنسيق لمصالحها ومواقفها في اتجاه البحث عن تعايش عالمي أفضل، واستكشاف سبيل ثقافة إنسانية سمحة ومتحررة.
وفي الرجوع للأصول التاريخية تعرفا على عوامل الشمول والاستيعاب في الكيان الحضاري الإسلامي، ترى أن الطابع الإنساني لتلك الحضارة، كفل لها – على مدى الدهر الطويل – سعة القابلية التي توفرت لها كمصهر مثالي لعبقريات الشعوب، ومحور استقطاب ملائم لهذه العبقريات.
لقد قامت الحضارة الإسلامية – فيما يخص النظرة إلى العلاقات بين الناس – على مبدأ التماثل بين الأجناس في القيمة، فلا تفاوت فطريا بين عرق وآخر من الأعراق، ولا اعتبار لاختلاف الألوان والسحن والخصائص الجسمية بين السلالات، ومن ذلك، كان انصهار الشعوب بسهولة في بوتقة هذه الحضارة، وكان منه بالتالي، صفتها عبر القارية، التي شملت العالم القديم في جل أطرافه.
وإلى هذه السماحة في روح الحضارة الإسلامية، مما ساعد على سهولة الاندماج السلالي في حظيرتها، فقد هيأت مثالية العلم، التي سادت تلك الحضارة، المناخ المناسب لكافة العناصر المتساكنة، كي تدلي بما لديها من تراث علمي، في تشييد البناء الحضاري الذي كان آخذا في التكامل.
ومن مجموع المساهمات هذه، تبلورت – كما يعلم – قيمة حضارية عالمية الوجهة، غنية من حيث محتواها الفكري والثقافي، هي هذه القيمة المدعوة بالحضارة الإسلامية، والتي ملأت الفراغ الحضاري في العالم كله، أثناء الحقبة الطويلة بين أوائل العصر الوسيط إلى مشارف العصور الحديثة.
ولا مجال للمقارنة هنا بين عالمية الموضوع الحضاري في إطاره الإسلامي، وبين عالمية المدنية، التي تبسط ظلها على العالم الآن.
فالمدينة التي ترعرعت في حظيرة العالم الإسلامي، والتي نصطلح على دعوتها بالمدينة الإسلامية، تنتسب انتسابا صميميا إلى المسلمين عامة، وتستمد كثيرا من مواضعاتها، من خصائصهم وعبقرياتهم القومية، في تفاعل دقيق بين المفهوم الإسلامي الذي أخذوا به، وبين عطاءات هذه الخصائص والعبقريات.
وحيث أن المسلمين كانوا يعمرون حيزا كبيرا من العالم القديم، ويؤثرون بنفوذهم وإشعاعهم على ما حولهم من القطاعات الأخرى من الأرض، فإن الحضارة التي تفتقت عن ظرفهم، كانت تبدو بحكم هذا الاعتبار كأبرز نموذج يطبع وضعية العالم الحضارية في ذلك الحين.
والأمر بالنسبة للمدنية الحديثة، يختلف عن هذه الصورة بفارق أساسي.
ذلك أن الحضارة الحديثة، وإن كانت تؤثر بفعالية حقانية، في تشكيل جوانب من صورة الحياة عند مختلف الشعوب المعاصرة، بما فيها – بطبيعة الحال – الشعوب الإسلامية، فإن هذه الحضارة لا ترقى مع ذلك إلى مستوى الحلول، محل القيم الحضارية الخاصة عند هؤلاء أو الآخرين.
ومن ثم، تبقى المدنية الحديثة، مدنية عالمية في نطاق فهم لهذه الصفة محدود بحدود معينة.
أما المدنية الإسلامية، فيمكن – على درجة من المناقضة لذلك – إضفاء صفة العالمية عليها، بالنسبة لظرفها التاريخي، وذلك ضمن مفهوم أكثر إطلاقية، وبالتالي أوفى شمولا.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here