islamaumaroc

قيمة الوضوح في أساليب الفلاسفة وأهل العلم والأدب

  دعوة الحق

28 العدد

ان قرأت لكاتب شيئا اختلط عليك معناه والتبس مفهومه فالأمر لا يخلو من إحدى ثلاث: أن الكاتب فلسفي النزعة عالي التفكير، فهو يكتب للخاصة ولا يعبأ بإيضاح كلامه للعامة –فغموضه عن تهاون، أو أنه ضعيف الملكة ناقص الأداة، يدور حول فكرته ولا يوضحها، ويحاول قيد خياله الآبد ولا يستطيع –فغموضه عن عجز، أو هو من المعجبين بالرمز. الزاعمين خطا ان أعلى مراتب الكلام أن يجل عن فهم الجمهور، فهو يعقد كلامه ابتغاء العمق، ويعمي خياله قصد السمو- فغموضه عن عمد!
ويدل النظر في كلام طوائف الكتاب من العلماء والأدباء على أن أكثر أهل القلم غموضا هم الفلاسفة. وقل منهم من كتب شيئا يفهمه القارئ الوسط، وأكثر كتب الفلسفة ان نظرت فيها وجدتها مغلقة مستعجمة، والسبب في ذلك، ان تأملت، ليس مقصورا على أن الفلسفة تعالج ما يعد الطبيعة وما شاكله من المواضيع الفنية الصعبة، بل هو راجع أيضا إلى أن معظم الكتب في موضوع الفلسفة قد صنعت بأسلوب مرتبك غامض ينفر منه المبتدئ، وقد قيل أنه لم يأت أحد بعد أفلاطون (347 قبل المسيح) بكلام يمتاز بالإبانة والوضوح في فلسفة الحكم إلا روسو الفرنسي (1778م)، أما هذه الفترة الطويلة بينهما فلا يوجد فيها من فلاسفة الحكم من يبلغ شأوهما في البيان، وقد يحتج الفلاسفة بأنهم لا يكتبون لعامة القراء وإنما يكون مخاطبهم أهل العلم وذوي الفكر والرأي، لذلك هم في سعة من العذر إذا لم يعنوا بتهذيب كلامهم إيضاحا للمقصود، ولكن أصحاب هذا الرأي ينسبون أن الفلاسفة ما زالوا يقفون من الناس موقف الهداة والمصلحين، وأن المجتمع الذي لا يكون بيده أصول مجمع عليها في شؤون الدين والأخلاق والسياسة والاقتصاد يكون فيه من واجب الفلسفة وحدها أن ترشد الفكر الإنساني، ولكن أي غناء يمكن أن يغني الفلاسفة في هذا الإرشاد مادامت تهابهم الدنيا ولا تتوجه إليهم لغموضهم، وبحق نصح الويكونت سموئيل(1) لفلاسفة هذا العصر في خطبته الرئيسية التي ألقاها على المؤسسة الفلسفية البريطانية أن ينزلوا عن علوهم الفكري إلى حيث يستطيع أن يفهمهم الجمهور، وألا يكتبوا بأسلوب يقال له: «الفلسفة بعرق القربة»، وقد رأى الويكونت أن الفلسفة إذا شعرت بأهمية الأسلوب كما فعلت على عهد أفلاطون، استردت ولا شك بعض النفوذ الذي كان لها بين اليونان، وأخرجت الدنيا الحاضرة من فوضى الفكر والرأي إلى الاستقرار والنظام.
فالفلاسفة كما رأيت أصحاب الطائفة الأولى التي لا تعني بإيضاح كلامها وهي قادرة عليه.
يأتي بعدها الطائفة الثانية التي يمثلها ناشئة الكتاب والأدباء بين طالب في الجامعة وكاتب في القسم ومحرر في الجريدة، وهؤلاء لكونهم في عهد التمرن بعد، تضعف ملكتهم البيانية فكثيرا ما يأتون بأفكار مضطربة في كلمات لا تبين وهم في أكثر الأحيان يركبون العجل، فيحاولون تدوين الفكرة قبل أن يعالجوها في أذهانهم حتى تنضج، فإذا خرجت فجة مستبهمة عادوا يبسطونها بكلام مسهب لا يزيد الفكرة إلا تعقدا،  وما من كاتب أو شاعر أو أديب إلا وقد جاز هذه المرحلة في عنفوان حياته الأدبية، وقد أتى عليه حين من الدهر كان يعجب بكل ما يخطر في نفسه من خاطرة، فيقيدها كما هي ويظن أنها من أبلغ ما يقال في الموضوع،وإذا قلم الحمرة بيد الأستاذ أو بيد رئيس التحرير يكذب ظنه ويحد من أمله الواثب حدا.
أما الطائفة الثالثة الأخيرة فلم نعرف لها في تاريخ أدبنا الماضي إلا أفرادا وآحادا، وإنما طلع علينا بها في صورة طائفة هذا الزمن الأخير، وأنت إن تصفحت أرقى مجلات الأدب والفن اليوم فلا يفوتك آثار أدبية إذا وقفت أمامها، راقك العنوان وراعك الموضوع وأعجبك حسن الطبع والإخراج، ولكنك متى دخلت في مطالعتها، فإذا أنت بعد قطعتين أو ثلاث منها في بيداء ضلال لا تدري أين المخرج منها، تكاد لا تعرف ماذا يريد الكاتب أن يقول، وأي ارتباط منطقي يوجد بين جملة وأخرى، وبأي معان شاذة وردت أكثر الكلمات التي لها في اللغة معان أخرى لا تلائم هذا المقام.
هذه بدعة أدبية قد ابتلينا بها في يومنا هذا، وكما أن أصحاب البدع في الدين ما زالوا يقنعون الناس بأن ما ابتدعوه من الطرق والعادات والتقاليد هي الأصل في الدين، كذلك جاءت هذه الطائفة توهم الناس أن الغموض في الكلام عبارة عن الدقة والعمق، وهما كمال الفن، وإذا تحدى أحدهم ناقد بصير أن كلامه بلا معنى وأنه لا يستطيع أن يفسره حضرة الكاتب نفسه، هز كتفيه كمن لا يبالي بأمر وقال: على الكاتب أن يكتب، وعلى القارئ أن يفهم أو يتأول، مثل هذا الرأي أبدى الشاعر الانكليزي المشهور ت-س ايلات (12) حين قابله بعض النقاد عقد ظهور مسرحيته (دعوة الخمر) لأول مرة بايد نبرا، وقد وجدت المسرحية منطبعة بطابع الدقة والغموض، فقال الشاعر: ان الكاتب لا إلزام عليه أن يكون واضحا في كل حال وإنما هو يعرض أفكاره وأحاسيسه على الناس، وللناس أن يفسروها ويستخرجوا منها المعاني حسب ذكائهم، كأني بأصحاب هذه الطائفة يظنون أن نتاج كل كاتب منهم يكون (حاملا) بالمعاني أبدا، يجب على القارئ أن يقعد منه مقعد القابلة ليستخرج منه الجنين.
ولم يمض كثير من الأيام على أني مررت في مجلة أدب عال تصدر من بعض مراكز الثقافة والأدب العربي بقطعة أدبية هي كالشعر الوجداني غير الموزون. بعنوان (كأس) فاستوقفني العنوان وشوقني مظهر القطعة في زاوية من صدر المجلة إلى أن أمتع بها نفسي، فإذا كان الكاتب الأديب يقول:
هنا في قعر كأسي رؤى لا تنضب، رؤى يحيلها فراغ الكأس، أحيانا، مأثم شفافة تعول فيها غضات من زمن مبتور، وتعربد حولها بقايا صلوات مجت التحنط ثم الالتصاق بجدران هياكل داب لبناتها التثاؤب والتغامز، غير أن في الأنفاس الشاردة التي تطوف في فراغ كأسي تطواف محموم... ضحات  لاهبة تذيب أمسي الذي كنته وغدي الذي أحياه الآن ويومي الذي ما زال يتسكع الظلمة بقدم واحدة وبنصف عين، تذيب هذا الكل في صيغوغة من جمال نضاح بألف لون ولون، فأصبح وكأني والقعر والأمس والغد رشفة صادرة لحلم لا يعرف الفجر وليقظة لاتفقه اليقظة.
قرأت القطعة مرة وثانية وثالثة واقفا عند كل كلمة من كلماتها وفي خاتمة كل جملة من جملها لعلي أجد منها المنفذ إلى دنيا الكاتب الأديب فأحلق معه في سماء الشعر والخيال، ولكني أشهد أني لم أوفق، وإذا جاز أن أعد قارئا من الطراز الوسط قد قرأ في أدب اللغتين: العربية والانكليزية ما ان لم يكثر لم يقل فتتساءل النفس: من ذا الذي كتب له الكاتب الفاضل هذه القطعة الأدبية إذا لم يكتب لي؟ النفر من قراء الطبقة العليا؟ أو لنفسه هو دون سواه؟
على أن (كأس) موضوع شعري واسع الأفق، قد يبدع فيه الفنان ويبتكر آيات من حسه وخياله، فإن قرأت تحت هذا العنوان قطعة نثر هي في انبهامها وظلمة جوها كقطعة شعر وجداني، فللكاتب بعض العذر، ولكن ماذا يقول المرء دفاعا عن كاتب يكتب في موضوع علمي فتي كاللغة المثالية للقصة العربية المعاصرة ويأتي بمثل الكلام الآتي مترجما عن الفرنسية:
إن قانون الفن الحق الذي لا سبيل إلى مخالفته، هو أن يستمد الفنان من الطبيعة ولكن شريطة أن ينتخب ويختار التفاصيل الأساسية ويكسبها وجها جديدا ويجمعها «ويبنيها» وفق إيقاع بديهي وأن يوحي واقعا ايحاء أشد تعبيرا وأعظم توترا من الواقع الطبيعي، ان الفن ليس هو الحياة، وليس هو صورة دقيقة عن الحياة، ان مهمته أن «يعيد الحياة» أن يؤلفها من جديد، أن يحملها نزعة شاعرية ما، أن الفن يتغذى من الحياة ليخلق شيئا آخر، هو «الاثر»، وأن الأثر لا يتم عن غير اختيار، وتضحيات وتجارب وجهود من غير انقطاع سابق عن الحياة يتموضع الفنان بفضله في صعيد آخر، ان الحقيقة في الفن تكمن حيث تتجاوز الحياة إلى سمو، وأن عبقرية القصة تحيي الممكن، ولا تحيي الواقع مرة أخرى».
لا أتهم هذا الكلام بأنه غير مفهوم البتة، بل قد يكون هناك من القراء الأذكياء من يهتدي إلى مغزاه لأول قراءة، ولكني أعترف بأني لم أستطع أن أفهمه تماما حتى بعد قراءته مرارا متعددة.
ان الوضوح في التعبير من أبرز محاسن العبارة وأهم أركان الأسلوب، وعلى الكاتب واجب نحو القراء لا ينبغي أن يغفله بحال، هو أن يكون واضحا في كلامه ولا يكلفهم من كد النظر وتعب الفكر ما يشق عليهم، والوضوح في التعبير لا يعني السذاجة في الكلام، فإذا دعونا إليه فلا ندعو إلى أن ينزل بالكلام إلى درك السهل المبتذل الذي يفهمه الغبي والذكي على السواء، وفي تاريخ الأدب العربي كثير من الأدباء والكتاب كتبوا بأسلوب عال هو أبعد شيء عن السذاجة ولكنه لم يجد الغموض إليه سبيلا، فأسلوب الجاحظ من القدماء وأسلوب الإبراهيمي والزيات –مثلا- من الاحياء يمتاز بجزالة اللفظ وفخامة التركيب ورونق الديباجة، ولكنه أسلوب واضح في كل حال، تتجلى فيه عرائس المعاني ظاهرة للعيان، ولا يكلفك فهمه واجتلاء جماله الأدبي كثيرا من الجهد والعناء، وفي الأدب الانكليزي تعرف شكسبير وملتن وبرك ورسكن ممن كتبوا بأسلوب محكم جزل لا يمكن أن يوصف بالسذاجة والسهولة ولكنه لا يمكن كذلك أن يوصم بعدم الوضوح.
ومن أصحاب الأسلوب المتأنق رجال شعروا بواجبهم ذلك نحو القراء شعورا تاما، فكلفوا أنفسهم مشقة التهذيب ليكفوا قراءهم مشقة التفسير والتأويل، وقد قال الأستاذ سعيد العريان عن نابغة كتاب العرب المغفور له مصطفى صادق الرافعي: انه كان قد اتخذني عقلا متوسطا من القراء، فكان يملي على العبارة من مقاله ثم يسألني ماذا فهمت مما كتب، فإذا كان ما فهمت يطابق ما في نفس، مضى في املائه وإلا عاد إلى ما أملاه بالتغيير والتبديل حتى –يتضح المعنى ويبين المراد، كذلك يعرف عن القصصي الفرنسي موليير أنه كان يقرأ مسرحياته على طاهيه قبل أن يسلمها للنشر، ومثل ذلك واظب عليه سوفت.
هذا في النثر، وتماثله الحالة في الشعر، فأجزل الشعر العربي وأعلاه لغة لدينا هو الشعر القديم، ولكنك إذا تأملت معانيه وجدتها صافية كجو الصحراء ساذجة كطبع البدوي، لا يعاظلها تفلسف ولا يعقدها اغراب، وكل الصعوبة في الشعر الجاهلي هو في الأسماء والمفردات، فكثير من الالفاظ قد أمست متروكة بتراخي الزمن، وكثير من أسماء الأمكنة والجبال والمياه قد اختصت بزمان الشاعر وبيئته فلا يعرفها القارئ العربي اليوم، فالمرء إذا قرأ اليوم قول امرء القيس –مثلا- في صفة ناقته التي ركبها في سفره إلى بيزنطة:
(كأن صليل المرو حين تشذه
                       صليل زيوف ينتقدن بعبقرا)
ولم يفهم معناه كله لأول وهلة فمرد ذلك إلى أشكال المفردات، ولو أنه علم أن (عبقر) اسم مكان زعموا أنه تسكنه الجن ثم نسبوا إليه كل دقيق من الصناعات والأعمال، وان «المرو»: الحجارة التي نعرف بالصوان ومنه المثل: قرع الدهر مروته، و (اشذه) كلمة غريبة بمعنى أقصاه ونحاه، لو أنه علم هذا كله لتجلى له قول الشاعر واضحا كالشمس ليس دونها غمام، وهو أن صوت الحجارة حين تفرقها وتطيرها الناقة بسرعة سيرها كصوت الدراهم المزيفة التي ينتقدها الصير في بعبقر.
ولكن هل مثل ذلك يقال في الشعر المعاصر؟ الحقيقة أن الأمر على العكس من ذلك، فأكثر شعرنا المعاصر مغلق لا لغرابة الالفاظ وشذوذها بل لخفاء المعنى وغموضه. وغموض المعنى لا شك أشد وأصعب من غرابة الألفاظ، وقد أدى ذلك إلى هذا النفور المتزايد من المنظوم، مما أصبح به باب الشعر في مجلة آخر مايلتفت إليه من الأبواب، وهذا لا يخص الشعر العربي، بل الشعر الإنكليزي أيضا قد آل إلى هذا الهوان لا لشيء إلا ذلك الغموض والتعقيد الذي تنبو عنه اسماع القراء، ومذ أمد غير بعيد احتج الناشرون للكتب في لندن أنه ما عدا شاعرين أو ثلاثة لا تروج دواوين الشعراء عامة، والقيام بنشرها في هذا العصر مدعاة للخسارة المالية الباهظة، وقد قلق لهذه الحال نفر من الشعراء الانكليز فتقدموا إلى مجلس الفنون يستنجدونه في هذه النكبة، وغدا المجلس يفكر كيف يمنع هيكل الشعر من التداعي والانهيار، أهو يطيع الشعر على حساب الأموال العمومية لديه، أم يلتمس للمشكلة حلا آخر.
وإذا عيب على الشعراء هذا الغموض في نتاجهم الشعري فإن دفاعهم عن أنفسهم يختلف ويتباين، فمنهم من لا يعترف بالغموض في شعره أصلا، بل هو يلوم القراء على أنهم لا يسبرون غور معانيه العميقة بجد وعناء، ومنهم من يعترف بغموض كلامه، ولكن حجته في ذلك أن هذه الدنيا التي نحن نعيش فيها اليوم هي بنفسها غامضة متعقدة بمشاكلها النفسية والخلقية والاقتصادية والسياسية، لذلك كل من صدق تأثره بها فلا بد أن يكون غامضا، فالأول ينكر عيبه وتقصيره ولا يأتي على ذلك بدليل ناهض، والآخر يعترف بقصوره الأدبي ولكنه يبرر ذلك بحجة لا تستقيم، وبطلانها ظاهر، وذلك أنه إذا ازدادت حياتنا اليوم عقدا ومشاكل وجب أن يكون رد فعله الأدب الصافي النير الذي يغذي الروح وينير الطريق لا الأدب الغامض المبهم الذي يزيد ظلام حياتنا ظلاما ونفسنا الحرجة ضيقا واضطرابا.

إن الغموض يتطرق إلى الكلام من جهتين:
1) من جهة التأليف و2) من جهة الترتيب، أما من جهة التأليف فإن تتنافر المعاني والكلمات، فتكون المعاني سامية والألفاظ بسيطة لا تساوي قيمتها، وهذا ما يقع فيه الفلاسفة وأولوا الفكر السامي في الأغلب، أو تكون المعاني غثة والألفاظ جزلة منمقة تعثر فيها المعاني وتحتجب، وهذا ما يسقط فيه هواة الزخرفة البيانية والصناعة اللفظية قدماء كانوا أو محدثين أو تكون المعاني أجنبية والألفاظ عربية لا يبالي الكاتب أن يزاوج بينهما بالبراعة والحذق، وهذا يغلب على أكثر المثقفين بثقافة الغرب اليوم، وأما من جهة الترتيب فإن تضعف الصلة بين جملة وأخرى، وبين معنى وآخر، وبعبارة أخرى يضمحل في الكلام ارتباط منطقي هو من لوازم البلاغة والوضوح.
والغموض الفاشي في كلام الكتاب العصريين هو من جهتي التأليف والترتيب كليهما، وقد بلغ من سيطرة  المدنية الحديثة والأفكار الغربية على أذهان الجيل الناشئ أنهم أصبحوا يفكرون بالذهن الغربي وبلغة الغرب، فإذا دعتهم الضرورة إلى أن يعبروا عن فكرهم بلغة الضاد التي تنقص فيها بضاعتهم لقلة المزاولة وضؤولة المطالعة وفساد الذوق جاءوا بكلام أوربي في لباس عربي، وقد مر النموذج من ذلك فيما اقتبسناه آنفا، وأحسن هذا النوع من الكلام لا يعدو أن يكون ترجمة من إحدى لغات الغرب إلى اللغة العربية، ومن ثم يصدق قول الأستاذ النحوي الكبير تقي الدين الهلالي المغربي: «قد أصبحت أمة العرب كلها مترجمين».
وضعف الترتيب في المعاني والأفكار مبثوثة أمثلته على صفحات الجرائد والصحف لهذا العصر، ولولا خوف الإطالة لسردنا أمثلة من الكلام الذي يأتي غموضه من قبل تشوش الأفكار وعدم ترتيبها.
والوضوح في التعبير ليس عسير المنال، انه يتطلب شيئا واحدا هو التعني والعمل وتحري خدمة الناس دون التعاظم في أعينهم، وذلك أن يتكلف المرء بعض الجهد في الكتابة ويتجنب ارسال الكلام على عواهنه، وانا نعتقد أن معظم الكتاب لعصرنا هذا لا يدخل في كلامهم الغموض لضعف أداتهم أو نقص ملكتهم، بل لكسلهم وفرارهم  من كد التهذيب، ولو أنه يضع أحدهم نفسه موضع القارئ لم يرض بكلامه المرتجل الغامض وأحس من نفسه الحاجة إلى تهذيبه وتبيينه.
وبينما  كان اعراض بعض الكتاب عن التروي في الكتابة آتيا من طبيعة هذا العصر الآلي العجول الذي قلما يدع للمرء من هدوء الخاطر أو فراغ الوقت ما يمكنه من القيام بعمل جدي يتطلب الصبر، إذا هناك أناس يقدحون في تلك العناية بالأسلوب ذاهبين إلى أن كل عمل على التجويد لا جرم يسلب الكلام  طبيعته وسذاجته ويورثه بدلا منها الزخرفة التي تخالف روح هذا العصر، وبجانب هؤلاء أناس يحبون التروي والتعمل في الانشاء عنوان العجز وضعف الملكة، ولكن كلتا هاتين الطائفتين بعيدة عن الصواب، يفند زعمهما ما اطلعنا عليه من عادات بعض العباقرة الأفذاذ في الكتابة.
فهذا أناطول فرانس صاحب الأسلوب الفرد باللغة الفرنسية، قيل أنه كان يكتب القطعة من النثر مرتين وثلاثا وأربعا حتى يطمئن قلبه بأنها بلغت الكمال الفني، ثم يأتي كلامه بعد هذا التعمل سلسا كالمطبوع المترجل، وشاتوبريان أمير النثر الفرنسي غير مدافع كان يبتدئ الصفحة ثم ينظر فيها مرات وفي كل مرة يحرر ويغير ويحذف ويضيق، ويقول بسكال أنه حرر بعض فصول البروفنسيات خمس عشر مرة، وفي شبه القارة الهندية عرف الإمام أبو الكلام الدهاوي(2) بروعة بيانه وسحر كلامه باللغة الأردية كتابة وخطابة، كان البيان طوع يده يصرفه كيف يشاء، وان قلنا فيه أنه لم يكتب أحد باللغة الاردية بأسلوب أجزل وأفخم من أسلوبه لم نبالغ، قد بلغنا عن هذا العبقري انه كان يكتب العبارة ثم ينظر فيها ثانيا ويستبدل بجملة منها جملة أخرى يكتبها فوقها، ثم ينظر ثالثا فينسخ الجملة الثانية ويأتي بخير منها يكتبها فوقها، حتى إذا شغل فراغ ما بين السطرين كله الصق على الموضع قطعة بيضاء من الورق ومضى في عمل التهذيب والتشذيب على هذا النحو، ولربما يغير الإمام عباراته وهي قد طبعت وجاءته ملازمه للنظر فيها ولكن كلامه على رغم كل هذه الصنعة والعمل متى نشر، فإذا هو مشرق كالشمس متسلسل كالماء المنحدر، لا ترى عليه مسحة من الصنعة والزخرفة، بل هو بهجته وصفائه كأنه تنزيل من سماء البلاغة والبيان، ومن أصدق قولا من صنعة الكتابة من الدكتور جانس، ذلك العملاق اللغوي الإنكليزي الذي فاق أهل زمانه في اللغة والأدب، فقد قال:  «كل ما يكتب بدون مشقة وجهد يقرأ بدون متعة ورضي». ورأى آخر ما هو متصل به وقريب منه فقال: «ان لم يكن الكاتب نشيطا في كابته لم يكن القارئ نشيطا في قراءته».
على أننا لا ننكر أن هذا الجهد المندوب إليه في عمل الكتابة يجب أن يعالج بالحذق والبراعة والاحتياط، حتى لا يظهر أثره واضحا على الكتابة، بل ينبغي أن يبدو الكلام كأنه انتجه الكاتب بدون مشقة وتعب، وإذا ظهر التعمل والجهد في نتاج الكاتب فظهر التكلف البادي والزخرف الكاذب فذلك هو الخرق بعينه، وذلك هو العي الذي ليس بعده عي.
أما بعد فلعل الكاتب أوضح المراد بكلمته الموجزة هذه في مدح الوضوح والحض عليه والترغيب فيه، ولم يكن من الذين يحضون غيرهم على عمل خيرهم أنفسهم راغبون عنه أو متهاونون فيه، مصداق قول الله عز وجل: «أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم، وأنتم تتلون الكتاب، أفلا تعقلون؟»

(1) رئيس جمعية اللغة الانكليزية لسنة 1941.
(2) توفي بدلهي قبل سنتين وهو وزير المعارف في الهند.

 

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here