islamaumaroc

مسيرة الحديبية مسيرة الفتح المبين.-2-

  عبد الله العمراني

العدد 243 ربيع 2 1405- دجنبر 1984

سفراء الرسول إلى قريش:
لم تتمكن قريش من التوصل إلى رأي حاسم في الموضوع، فتوقفت المفاوضات بعض الوقت. ولكن رسول الله (ص) أراد أن يحركها، فبعث أول سفير له إلى قريش، كي يبلغها ما جاء المسلمون من أجله، وكان هذا السفير هو:

خراش بن أمية الخزاعي :
بعثه رسول الله ليخبر قريشا، ويبلغها مقاصد المسلمين، ولكنهم عقروا بعيره، وكادوا يفتكون به ويقتلونه، لولا أن منعه منهم الأحابيش، فعفوا عنه، وخلوا سبيله، فعاد مكتفيا من الغنيمة بالاياب.

عمر بن الخطاب :
دعا رسول الله (ص) عمر بن الخطاب (ض) ليسفر بينه وبين قريش، لكن عمر اعتذر قائلا:
" أخاف قريشا على نفسي، وهي تعرف شدتي عليها، وليس من بني (1) عدي أحد يمنعني، ولكني أذلك على من هو أعز بها مني : عثمان بن عفان".

عثمان بن عفان:
دعار رسول الله (ص) عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية (ض) وقال له :
" أخبرهم أننا لم نات لقتال، وإنما جئنا زوارا لهذا البيت، معظمين لحرمته. معنا الهدى ننحره وننصرف".
ذهب عثمان لابلاغ الرسالة النبوية، فلقيه عند مدخل مكة أحد أقربائه (أبان بن سعيد بن العاص بن أمية) فأجاره الزمن الذي يفرغ من أداء رسالته.
انطلق عثمان إلى سادة قريش، وأبلغهم رسالة رسول الله. قالوا له : " يا عثمان ، إن شءت أن تطوف بالبيت، فطف". أجابهم : " ما كنت لافعل حتى يطوف رسول الله، إنما جئنا لنزور البيت العتيق، ولنعظم حرمته، ولنؤدي فرض العبادة عنده، وقد جئنا بالهدى معنا، فإذا نحرناها رجعنا بسلام" . . . أجاب القرشيون بأنهم اقسموا أن لا يدخل محمد مكة هذا العم عنوة. وطال النقاش، واحتبست قريش عثمان عندها طيلة ثلاث أيام، فترامى إلى مسامع رسول الله أن مبعوثه قتل، ولم يستغرب المسلمون ذلك، ولا استبعدوا أن تقتله قريش غيلة وغدرا، لأن كل شيء مستباح زمن الحرب أو إشتداد الأزمات !
تأزم الموقف، وأصبح لا مناص من الحرب، فقال رسول الله (ص) : " لا نبرح حتى نناجز القوم"، ثم دعا الناس إلى مبايعته على مقاتلة قريش، فبايعوه.

 بيعة الرضوان :
قلق المسلمون على مبعوتهم أشد القلق، وتمثلوا غذر قريش وتعنتها، واستفظعوا أن تقدم على هذا العمل الشنيع في الشهر الحرام والبلد الحرام اللذين أجمعت أديان العرب على حرمتهما، وحرمتهما لذا تقاطر المسلمون على رسول الله بيايعونه تحت الشجرة الواحد تلو الآخر، بايعوه على أن يقاتلوا عدوهم، وأن يصبروا ويصابروا ولا يفروا، وأتموا المبايعة رجالا ونساء، فضرب رسول الله إحدى يديه الأخرى مبايعا بالنيابة عن عثمان.
وقد أثنى الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز على المبايعين حين قال في سورة (الفتح) التي نزلت في طريق العودة من الحديبية : ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم، فأنزل السكينة عليهم، وأثابهم فتحا قريبا).
وأخيرا، تبين أن الأرجاف بمقتل عثمان، لم يتعد أن يكون إشاعة لا أساس لها، فهي لا تستند إلا إلى الظن.. وتبين أن عثمان لا يزال حيا يرزق، ولم يلبث أن عاد، فأخبر رسول الله أن قريشا علمت أن المسلمين جاءوا معتمرين، وأنها لا تستطيع منع أحد من تعظيم بيت الله، أو الحج، أو العمرة. وعرفت كذلك أن بعض سفهائها كانوا يرمون المسلمين بالحجارة ليلا، وأن المسلمين تربصوا بهم، وأخذوهم أخذا، وحجزوهم، فردهم رسول الله إلى قريش. وعرف المكيون أيضا أنهم كانوا خرجوا – بقيادة خالد ابن الوليد، وعكرمة بن أبي جهل – لقتال المسلمين وصدهم عن دخول مكة ... فإذا ترك المسلمون – بعد هذا كله – يدخلون مكة هذا العام، ظن العرب أن قريشا قبلت مرغمة، وعدوا ذلك هزيمة منكرة لا ترضاها قريش لنفسها.

الصلـــح : 
وحلا للاشكال، وفضا للنزاع، ولكي تتفادى قريش – وقد سمعت بيعة الرضوان – نشوب الحرب بينها وبين المسلمين، أجمعت على المصالحة والموادعة، فبعثت عنها سفيرا جديدا.

سهيل بن عمرو العامري :
أوفدت قريش سهيلا هذا، وقالت له : " أنت محمدا فصالحه، ولا يكن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا". جاء سهيل في عدد من رجال قريش، وفاوض رسول الله، وتم الاتفاق على مبادىء وشروط معينة. وسمع المسلمون كل ما دار من حديث، فضاقو ذرعا بما سمعوا، شاهدوا تشدد سهيل، وتساهل رسول الله. ولولا ثقة المسلمين بينهم، ولولا إيمانهم الراسخ برسالته السماوية، لرفضوا الاتفاقية، ولقاتلوا حتى يدخلوا مكة أو يستشهدوا.
كان على رأس المتذمرين عمر بن الخطاب الذي جاء إلى أبي بكر الصديق وقال له :
أليس محمد برسول الله ؟ أجاب أبو بكر : بلى ! قال عمر : أو لسنا بالمسلمين ؟ أجاب أبو بكر : بلى ! قال عمر : فعلام نعطي الدنية في ديننا ؟ قال أبو بكر : يا عمر، ؟ إلزم (2) غرزك ! فإني أشهد أنه رسول الله، قال عمر : وأنا أشهد أنه رسول الله ...
ولم يرعو عمر، ولم يسكت، بل ذهب إلى رسول الله نفسه، وأسمعه مثل ما أسمع أبا بكر، فأجابه رسول الله (ص) في هدوء وثبات وثقة وعزم: " أنا عبد لله ورسوله، لن أخالف أمره، ولن يضيعني".

نصــوص المعاهــدة :
دعا رسول الله علي بن أبي طالب لتحرير نصوص لمعاهدة وشروطها، وقال له : اكتب " بسم الله الرحمن الرحيم"، فقال سهيل : لا أعرف هذا، ولكن أكتب " باسمك الله" كما كنت تكتب، فقال المسلمون : والله لا نكتب " إلا باسم الله الرحمن الرحيم"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أكتب " باسمك اللهم" فكتبها. ثم قال : أكتب " هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو" فقال سهيل : والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن أكتب : محمد بن عبد الله، فقال صلى الله عليه وسلم : والله إني لرسول الله وأن كذبتموني، ثم قال لعلي : أمح رسول الله ! فقال : والله لا أمحوك أبدا، فقال : أرنيه، فأراه إياه، فمحاه بيده الشريفة، وقال : أكتب :
" هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل ابن عمرو : اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، يأمن فيهن الناس ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه، رده عليهم، ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يرده عليه... وإنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده، دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه".
قال سهيل : " وإنك ترجع عنا عامك هذا فلا تدخل علينا مكة، وإنه إذا كان عامن قابل خرجنا عنك، فدخلتها بأصحابك، فأقمت بها ثلاثا معك سلاح الراكب: السيوف في القرب، لا تدخلها بغير هذا".
اعتبر المسلمون بعض هذه الشروط قاسية، ولكنهم قبلوها إرضاء لله ولرسوله، على أن بعض الشروط بدا تنفيذه في الحين، ونعني الشرط الثالث، إذ سرعان ما تواثبت " خزاعة" فقالوا : نحن في عقد رسول الله وعهده، وتواثبت في المقابل " بكر" فقالوا : نحن في عقد قريش وعهدهم. أما الشرط الثاني فلم يكد يجف مداده حتى جاء أبو جندل ابن سفير قريش (سهيل بن عمرو) وهو يرسف في قيود قيدوه بها عندما أعلن إسلامه. رآه أبو سهيل، فقام إليه، وأمسك بتلابيبه، وصفعه على وجهه، ثم قال لرسول الله : " يا محمد، قد لجت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا". قال رسول الله : " صدقت يا سهيل " ثم خاطب الرسول أبا جندل قائلا : " يا أبا جندل قد تم الصلح بيننا وبين القوم، فاصبر حتى يجعل الله لك فرجا ومخرجا".

هنا يعاد نشر الخريطة :
بيد أن أبا جندل كان يصيح قائلا : " أأرد إلى المشركين يفتتونني في ديني ؟ " ورغم صياح أبي جندل، رد لقريش عملا بنص وثيقة الصلح، وتنفيذا لقوله تعالى : ( وأن أستنصروكم في الدين فعليكم النصر، إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق).
وخاطب رسول الله أبا جندل مطمئنا : " إصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا، وأعطيناهم على ذلك، وأعطونا عهد الله، وإنا لا نغدرنهم"... زادت هذه الحادثة من قلق المسلمين، وشعورهم بالغبن، كما زادت عدم رضاهم بالعقد المبره.
حررت وثيقة الصلح في نسختين، سلمت إحداهما لرسول الله، وسلمت الأخرى لمندوب قريش سهيل بن عمرو، فأخذهما وانصرف. أما رسول الله، فقام إلى هذيه فنحره، وحلق، وقام من معه من المهاجرين والأنصار فنحروا وحلقوا أو قصروا ايذانا باتمام مناسك العمرة، إن لم يتموها على الوجه الأكمل.
وبعد أيام قضاها المسلمون بالحديبية، عادوا إلى المدينة المنورة، على أمل الرجوع إلى مكة في العام المقبل، وبينما المسلمون في طريق عودتهم تنتابهم الحيرة والارتباك، نزلت على رسول الله (ص) سورة الفتح :
(إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر، ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا...) فزايل المسلمين كل قلق، واتضح لهم بعد نظر محمد، وحسن سياسته، وحكمته.

قضية أبي بصير :
وما أن وصل رسول الله وصحبه إلى المدينة المنورة، حتى جاءه من قريش أبو بصير عتبة الذي كان محبوسا بمكة، واستطاع الافلات... أرسلت قريش إلى رسول الله، تطلبه منه تنفيذا لنص الاتفاقية : بعثت رسالة مع رجلين : أحدهما عامري والآخر مولى لبني عامر. أمر الرسول أبا بصير بالعودة مع الرجلين. ولكا أبا بصير قال : " يا رسول الله، أتردني إلى المشركين يفتنونني عن ديني ؟ " فأجابه الرسول بمثل ما أجاب به أبا جندل في " الحديبية" : " إن الله سيجعل لك ولمن حولك من المسلمين فرجا ومخرجا، فاصبر، وأرجع".
فصبر أبو بصير، ورجع فعلا مع الرجلين، ولكنه في الطريق، طلب من العامري أن يريه سيفه، فأراه إياه، فقتله به، وفر مولى بني عامر إلى الرسول الله مستجيرا شاكيا، فقال له الرسول : ما بك ؟ أجاب: قتل صاحبك صاحبي ... ثم ما لبث أن قدم أبو بصير متوشحا سيف العامري المقتول، وموجها الخطاب لرسول الله : " لقد وفت ذمتك، وأدى الله عنك، أسلمتني إلى القوم، وقد امتنعت بديني أن أفتن فيه، أو يعبث بي".
ولم يخف رسول الله (ص) إعجابه بأبي بصير، وتمنى لو كان معه رجال، ثم خرج أبو بصير متجها نحو مكان يقع في طريق قريش إلى الشام على ساحل البحر، ويعرف باسم "العيص". ومن هناك صار يعترض تجار قريش. ولم يلبث أن انضم إليه العدد العديد من مسلمي مكة المضطهدين، بما فيهم أبو جندل نفسه، وبلغ عددهم أولا سبعين، ثم بلغ ثلاثمائة، فكانوا يتعرضون لعير قريش فينهبونها ويقتلون أصحابها، ما عدا القافلة التي كان فيها صهر رسول الله أبو العاص بن الربيع زوج زينب ابنة رسول الله، فإنهم اخذوا ما معهم، ولم يقتلوا منهم أحدا، واكتفوا بأسرهم.
إزاء هذا الخطر المحدق بتجارة قريش، وبأرواح تجارها، فكرت قريش في حل هذه المشكلة ولو أدى ذلك إلى التخلي عن بعض حقوقها التي تخولها المعاهدة إياها، فكتبت إلى رسول الله تسأله – بالارحام- أن يستعمل نفوذه، فيؤوي هؤلاء الناقمين على قريش. واستجاب رسول الله (ص) فاستدعاهم إلى المدينة، فقدموا مع أسراهم، وأمنت قريش على تجارتها وتجارها.

المؤمنــات المهاجـرات:
وهاجرت من مكة إلى المدينة فئة من المؤمنات فيهن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، فخرج إخواها عمارة والوليد يطلبان من رسول الله أن يردها عليهما بحكم صلح الحديبية، فكان لرسول الله في هؤلاء المؤمنات المهاجرات رأي آخر مخالف، إذ أبى أن يردهن، ورأى أن صلح الحديبية لا يسري عليهن، لأن النسوة إذا استجرن وجبت أجارتهم. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن المرأة إذا أسلمت، لم تبق حلا لزوجها المشرك، فوجب التفريق بينه وبينها .. قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنو إذا جاءكم المومنات مهاجرات فامتحنوهن. الله أعلم بايمانهن، فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار، لا هن حل لهم، ولا هم يحلون لهن، وآتوهم ما أنفقوا).
وهكذا نجد أن صلح الحديبية كان عملا " ديبلوماسيا" رائعا، بل كان فتحا مبينا، وإن اعتناق الاسلام، وتعزيز جانب المسلمين، يزدادان كل يوم كثرة وقوة.

عمــــرة القضاء :
حال الحول، وحل شهر ذي القعدة من جديد، فاستعد رسول الله والمسلمون لقضاء العمرة، في جماعة وصل عددها هذا العام ألفين، فيهم الكثير ممن لم يكتب لهم الدخول إلى مكة في العام المنصرم. أما الذين استشهدوا في الجهاد بعد مسيرة الحديبية، أو ماتوا موتتهم الطبيعية، فلم يكتب لهم أن يقضوا عمرتهم هذه السنة، وأجرهم على الله.
لم يكن رسول الله ليأمن غدر قريش، لذلك حمل معه السلاح : الدروع، والبيض، والرماح، علاوة على السيوف في أغمادها ... قيل لرسول الله : " لم حملنا السلاح يا رسول الله، وقد شرطوا علينا ألا ندخلها عليهم إلا بسلاح المسافر : السيوف في قربها ؟" أجاب رسول الله : " لا ندخل عليهم الحرم بالسلاح، ولكن يكون قريبا منا". كانت القيادة لبشير بن سعد هذه المرة، وأما الفرسان – وعددهم مائة – فكانوا تحت أمرة محمد بن مسلمة الانصاري. واستخلف رسول الله على المدينة سباع بن عرفطة، وساق المسلمون معهم من الهدي ستين بدنة: وتقدم الركب إلى ميقات أهل المدينة : ذي الحليفة ، فأحرم رسول الله ولبى، وأحرم المسلمون ولبوا، وأمر الرسول بتقدم الفرسان كطليعة استكشاف، تسير القافلة في أثرها.
سمع المكيون بقدوم المسلمون، وبقرب وصولهم، فغادر كبراؤهم مكة إلى الجبال (التلال) المجاورة، حيث نصبوا خيامهم، ومكثوا ينتظرون. وهو فعلوا ذلك تنفيذا لشرط الاتفاقية من جهة، ومن جهة أخرى تفاديا من أن يروا طواف المسلمين بالكعبة، وما قد ينتج عن ذلك من ميل للإسلام أو تعاطف مع المسلمين.
أما بعض المكيين فقد دفعهم الفضول وحب الاستطلاع إلى المكوث في مكة، حيث صفوا أنفسهم عند (دار الندوة)، وظلوا ينظرون – من هناك وعن كثب – كيف يؤدي المسلمون مناسك العمرة ... واقترب المسلمون من مكة، وبدت لهم معالم المسجد الحرام، فانطلقوا يلبون في أصوات كهزيم الرعد.
ولم تكتف قريش بهذا، بل نراها تلجأ إلى ما يعرف اليوم بحرا الأعصاب أو الحرب النفسية (السيكلوجية)، فأشاعت أن محمدا وصحبه يعانون الشدة والعسرة والعنت. ولكن رسول الله (ص) علم بما تقوم به قريش من إشاعات مفرضة، أو حرب باردة، فعمل على إبطال مفعولها حينما قال للمؤمنين : " رحم الله أمرا أراهم اليوم من نفسه قوة".
ثم بدا المسلمون طوافهم بالكعبة وهم أشد ما يكونون نشاطا، فاستلم رسول الله (ص) الحجر الأسود، وهرول في طوافه، ففعل أصحابه مثل ما فعل، وأتموا الطواف بالكعبة، وأتموا السعي بين الصفا والمروة، فنحر رسول الله هذيه عند المروة، وحلق رأسه، وفعل المسلمون مثل ذلك. وتمت تأدية المناسك، وتم معها مقام المسلمين بمكة ثلاثا.

زواج ميمـــون :
كانت أم الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية – زوجة العباس بن عبد المطلب – موكلة بتزويج أختها       رات من أمور المسلمين ما راقها، فطابت منحت زوجها هذا الحق، فأنابته عنها في تزويج أختها التي رأت من أمور المسلمين ما راقها، فطابت نفسا، ومالت إلى اعتناق الاسلام، حينئذ أراد العباس أن يفاجئ ابن أخيه (رسول الله) فعرض عليه الزواج بميمونة على صداق يتولى دفعه عنه، وقدره أربعمائة درهم.
وفي اليوم الثالث من إقامة المسلمين بمكة، جاء إلى رسول الله سهيل بن عمرو العامري، وجويطب بن عبد العزى – وكان هذا من شهود عقد الصلح في الحديبية – ليطلبا منه مغادرة مكة، فقال لهما :
" وما عليكم لو تركتموني، فأعرست بين أظهركم، وصنعنا لكم طعاما فحضرتموه ؟"، وكان رسول الله (ص) بعرضه هذا، يريد أن يبدد الاشاعة التي بلغتهم عنه من أنه كان يعاني شدة وعسرة، كما أراد – من جهة أخرى – أن يتألفهم. ولكن رسولي قريش قالا في جفاء وغلظة : " لا حاجة لنا في طعامك، فأخرج عنا ".
وخرج رسول الله والمسلمون من مكة تنفيذا للشرط المتفق عليه في الحديبية. وأخذ الرسول معه أختى ميمونة : سلمى – أرملة عمه حمزة – وعمارة – البكر التي لم تتزوج – وعاد الركب النبوي الميمون إلى المدينة المنورة، فدخلها في شهر ذي الحجة الحرام. وبذلك تمت على خير وجه رؤيا رسول الله ونبوءة كتاب الله العزيز : ( لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق، لتدخلن المسجد الحرام – إن شاء الله – آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين، لا تخافون).

مكاسب المسيرة النبوية :
بعد استعراضنا للظروف والملابسات التي لابست المسيرة النبوية المظفرة، والتي تم في أعقابها إبرام صلح الحديبية، يجدر بنا الآن أن نتعرف على أهم المكاسب التي كسبتها الدعوة الاسلامية، الجديدة، نتيجة لهذا الصلح المبرم.
1 – أول مكسب وأهمه نزول سورة (الفتح) بعد إبرام الصلح مباشرة، وفيها التأييد الكامل لكل ما فعله رسول الله (ص)، والتعزيز القوي الواضح للدعوة الاسلامية الجديدة.
2 – اعتراف قريش ضمنيا – إن لم يكن رسميا – بأنها إنما تفاوض ندا لها، وتصالح رجلا كفؤا، وسياسيا محتكا، وليس مجرد ثائر عليها، مفند لعقيتها وتقاليدها.
3- اقتراف قريش بدين محمد، فلم يعد هذا الدين بعد صلح الحديبية غريبا، بل أصبح من أديان شبه الجزيرة المعترف بها.
4- اعتراف قريش لأول مرة بحق رسول الله وحق المسلمين في أداء فريضة الحج، وإقامة شعائرهم الدينية، في حرية تامة، وحماية مكفولة.
5- إقرار الهدنة مدة عشر سنين، جعل المسلمين يأمنون ألد أعدائهم : قريشا التي كانت تهددهم من الجنوب، وتتربص بهم الدوائر على الدوام.
6- تفرغ المسلمين للقضاء على أعدائهم الشماليين : يهود خيبر، وفدك، ووادي القرى. وقد تم بالفعل اخضاعهم جميعا في السنة الهجرية السابعة.
7 – تفرغ رسول الله (ص) لمكاتبة الحكام والأمراء والملوك والأباطرة، بما فيهم امبراطور الصين تاي – تسونك (سنة 628 م)، ودعوتهم للاسلام.
8 – فتح مكة، فقد كان نتيجة نقض قريش لصلح الحديبية، ذلك أن قبيلة بكر (خلفاء قريش)، اعتدوا على قبيلة خزاعة ( حلفاء رسول الله)، فاستنجد هؤلاء به على لسان شاعرهم عمرو بن السالم الخزاعي الذي قال :
لا هم إني ناشد محمــــدا          حلف أبينا وأبيك الألتــدا
إن قريشـا أخلفوك الموعـدا       ونقضوا ميثاقـك المؤكـدا
هم بيتوتا ب (الوتير) هجـدا      وقتلونا ركعـا وسجــدا
ثمت أسلمنا ولم ننزع يــدا  فانصر – هذاك الله – نصرا أيدا (3)
فقام رسول الله (ص) يجر رداءه وهو يقول : " لا نصرني الله إن لم أنصر خزاعة مما أنصر منه نفسي" ... وفعلا، نصر الرسول خزاعة، فنصره الله، وكان الفتح المبين، وكان انتشار الاسلام في شبه الجزيرة العربية، ثم في خارجها بالسرعة الفائقة التي لم يشهد لها التاريخ مثيلا.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بنو عدى: هم قوم عمر بن الخطاب، فهو ينسب إلى عدى بن كعب، جده السابع.
(2) أي إلزم حدودك. يقال إلزم غرز فلان، أي إلزم أمره ونهيه ولا تتعدهما.
(3) نصرا أيدا: أي نصرا قويا، مأخوذا من آد الرجل يئيد: ذا اشتد وقوي وصلب.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here