islamaumaroc

افتتاحية: دفاعا عن العقيدة

  دعوة الحق

العدد 243 ربيع 2 1405- دجنبر 1984

بوات العناية الإلهية بلادنا، منذ بزوغ الإسلام وسطوع شمسه على العالم أجمع، مكانة مرموقة بين شعوب ودول الأمة الإسلامية جمعاء، تصدر المغرب بفضل هذه المكانة، وبفضل ما تتميز به من خصوصية في الحضارة والتاريخ، طليعة العمل الهادف إلى حماية الإسلام والدفاع عنه، عقيدة ودستور حياة، ورسالة وقوام وجود، وحضارة وعنوان رفعة.
وهذا العمل لم يقتصر على ما يؤديه المغرب – بوحي من القصد النبيل والسعي المتجاوب مع إيمانه ووفائه لرسالته – في نطاق جغرافي ضيق بالحدود التي أقامتها الأفكار والمفهوميات المنعزلة في الحياة البشرية، بل وتجاوز بخصال التسامح والتعايش من جهة، وبشمائل التفاعل والتواصل من جهة أخرى، النطاق المحدود إلى النطاق الأشمل، وخاصة على صعيد العالم الإسلامي، الذي أصبح يكون في عصرنا الحديث، كتلته واحدة جعلت من أمة الإسلام – اليوم وأكثر من أي وقت آخر- عروة وثقى بما بينها من أواصر ووشائج عديدة ومتعددة.
وانطلاقا من دور المغرب في هذا النطاق، وهو نطاق يتسع ويتنامى، وتتأكد فعاليته في مسار التاريخ الإنساني المعاصر، يمكن الحديث عن سمة تطبع العمل المغربي وتميزه بالمفعولية والمصداقية، بل وتفرد له في دائرة العمل الإسلامي ككل، منزلة تشهد له بالحضور الفعال في حلبة الدفاع عن قضايا الإسلام والمسلمين، وتقرن دوره الطليعي بالفعل الهادف إلى آفاق التقدم والنماء، وتجعل اسم المغرب – في المحافل الإسلامية بشكل خاص – رديف الاستمرارية في المشاركة الدائمة والنزيهة في تحريك وصقل وبلورة الأفكار التي ستحدو العمل الإسلامي كله، إلى المقاصد والغايات التي حددتها مبادؤه ومنطلقاته الثابتة، وذلك من أجل أن يصبح هذا العمل في النهاية عنصرا أساسيا في إقرار التعايش والتسامح والتساكن بين الدول الإسلامية أولا، ثم بين أعضاء الأسرة البشرية ثانيا.
وسواء في تاريخه القديم أو في تاريخه الحديث، فإن سجل المغرب ناطق بالأعمال والخطوات العظيمة، التي خطتها بلادنا على هذا السبيل، سبيل الإيمان بفعالية العمل من أجل حماية الإسلام والمسلمين، وإبقاء راية الذين الحنيف عالية في الآفاق، وهامته سامقة ين الحضارات وتقدمها لمصلحة التطور الإنساني.
إذ منذ وصول الفاتح الأعظم، المولى إدريس الأول إلى أرض المغرب، حاملا شعاع الدين والأمانة، ورسالة الهداية والنور والحصانة من الجهالة والضلالات، منذ أربعة عشر قرنا ونيف، والمغرب لا يكف عن التضحية، ولا يتوقف عن البذل، ولا يتردد عن العطاء، بل يقدم على الشهادة وهو مؤمن أن كلمة الله هي العليا، وكلمة الكفار والمارقين هي السفلى.
وبتسلسل التاريخ، وتغير أطواره، توارثت أجيال المغرب المؤمن المسلم المهمة الصعبة في الحفاظ على عزة الإسلام والمسلمين بأي ثمن، وتوارثت معها هذه الأجيال: صلابة في الدفاع، وقوة في العزيمة، وهمة قعساء لا تستكين للأهوال والخطوب، لا تستطيب كل ما يقرب إلى نيل إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة، وعدا من الله سبحانه، كتبه لعباده المؤمنين، ومن اصدق من الله وعدا.
حتى إذا أطلت على عالمنا الحديث ملامح عصر جديد، انفرد بالتنافس والتباري في جميع الميادين، وبصرف الجهود والهمم والفعاليات الفكرية والبشرية إلى النهوض بالمسؤوليات وأدائها، وتجدد فيها – أكثر من أي وقت مضى – الإحساس بأهمية العمل المشترك، وبقيمة المساهمة المتبادلة لاجتناء جدوى تكون أشمل وأكمل للمجموع...
كانت بلادنا – تحت قيادة العرش العلوي المؤمن – البلد الإسلامي الطليعي، الذي تنبه إلى مهام المرحلة التاريخية التي تجتازها أمتنا الإسلامية اجتيازا دقيقا وخطيرا، وحافلا بالمهالك والشدائد، التي قد تغري الأمة بالانزلاق والزلل، إن لم تكن الأمة موحدة، والصفوف محمومة، والجموع الشتيتة مشمولة بالإيمان والعقيدة، وحسن النيات، وصدق وإخلاص الإرادات على المستويات كافة، اقتصادية واجتماعية وتنموية وثقافية وسياسية...
ولهذا الهدف، كانت جهود وطاقات أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني حفظه الله، مجندة بالكامل إلى لم شعت المسلمين، وتوحيد أفكارهم وأهدافهم ومجهوداتهم على سبيل سوي، تكون فيه المصالح الإسلامية العليا مصونة ومحمية من الأطماع والتهافتات، التي تمارسها عليها قوى الصهيونية والاستعمار الجديد، المتمثل في أكثر من جهة تتربص الدوائر بالعالم الإسلامي، وتتحين الفرص والأوقات المواتية للانقضاض عليه.
ويطول بالقلم المقال، ويتسع لكلماته المجال، إذا عزم النية وعقدها على تعداد المناقب والمآثر والمكرمات الجليلة التي أسداها، وما فتئ يسديها أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني أعزه الله للأمة الإسلامية في منعطفها التاريخي الحاسم هذا، حفاظا على مقدساتها، ودفاعا عن عدالة قضاياها، ومرافعة أمام العالم ومحافله ودوائر القرار فيه، لتحسين فكره بالأخطار التي تحدق بهذه القضايا، ولتنوير رجالاته وقادته وزعمائه المبرزين بما يشكله استمرار المظالم على العالم الإسلامي من خطر شديد، قد لا تكون عواقبه حميدة إذا غالى وأصر الأعداء على عدوانهم وكفرهم بالحق الإسلامي، الذي أقرت به المواثيق الدولية، في الشرق أو الغرب، واعترفت بمشروعيته ومصداقيته كل المحافل الأممية، على اختلاف اختصاصاتها وتباين اهتماماتها وتنوع انشغالاتها.
أجل، إن المغرب في دائرة عمله الإسلامي، يمارس في شخص قائده الملهم أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني أيده الله، تأثيرا واسعا ونافذا على طول الخط، الذي تلتقي فيه القضايا الإسلامية الملحة، هذا التأثير يتجسد حينا في عمل ذي طابع روحي وفكري متفاعل مع التيارات والمناهج العالمية المعاصرة، ويتجلى حينا آخر في مبادرة حية وديناميكية مستعملة أقرب السبل وأيسر الطرق لإيجاد الحلول الناجعة للمشاكل التي يتخبط فيها العالم الإسلامي، ويتمثل حينا آخر في خطوة عملية يتخذها المغرب إزاء قضية من القضايا، تكون فيه مثل هذه الخطوة أمرا لازما وفعلا حازما، لحسم الإشكاليات التي تكتنف الرؤية والفهم والعواطف في تأججها وانفعالاتها، وأخيرا، يتشخص هذا التأثير تارة في العمل الجاد والحيوي، لتقريب الشقة وتنقية الأجواء ورفع المنغصات عنها، وتارة أخرى في العمل المكثف والمتواصل لإبقاء إطار العمل الإسلامي، الإطار الصالح لمعالجة المشاكل، وتصفية الخلافات، وتصري المجهودات إلى ما فيه الخير والصلاح والنفع لمجموع الأمة الإسلامية.
ولا جرم بعد ذلك، أن يكون سجل الواقع، حافلا بالشواهد الناطقة بحقيقة هذه السياسة الحكمية، وهذا المنهاج القويم الصحيح الذي يسلكه المغرب، مسلكا إسلاميا يدافع عن العقيدة ويصونها، ويلتزم بالذود عن حياضها، ويبذل كل الوسع في غرس بذور الوفاق، والتساكن، والسلام، والاستقرار ين الدول الإسلامية كافة.
ولا جرم كذلك، أن تنتج هذه السياسة المؤمنة مواقف الإكبار والتقدير لبلادنا، لتولد في ضمير العالم الإسلامي كله، شعورا غامرا بالاعتزاز والإجلال لما يتخذه المغرب من القرارات وخطوات رشيدة، ولما يبذله من تضحيات وأعمال جسيمة، ولما يبادر إليه من حركية تنم عن حس إسلامي أصيل وحقيقي، وبالغ نهايته وغايته في الصدق والمصداقية، دفاعا عن الإسلام، وحفاظا على الكيان الإسلامي، وتثبيتا لمشروعية الأمة الإسلامية ومشروعية وجودها البشري والحضاري والتاريخي، وقبل كل شيء، مشروعية وجودها العقائدي والمذهبي كأمة تحمل رسالة في الحياة، وتؤمن بدين هو رحمة وهداية للناس كافة للعالمين جميعا، في مشارق العالم ومغاربه.
ومن نافلة القول، الحديث عما حتمته هذه الوقائع الناطقة والشواهد الحية، على بلادنا من مهام ومسؤوليات إسلامية خطيرة في شأنها، فريدة في نوعها، تستوجب ممن يحملها وممن قلد بمقاليدها جهدا دائبا، وطاقة حية، وعملا مستمرا، ونزاهة مطلقة، ومرونة فكرية وعملية، تستطيع أن توفق بين جوهر القضية والمسؤولية، وبين المتغيرات العميقة، التي تحدث في عالمنا السريع المضطرب والمتشابك في مصالحه واستراتيجياته المختلفة...
وهذا هو شأن المغرب فعلا حينما أوجبت من باب الثقة الكاملة، والأمانة المطلقة، سائر الدول الإسلامية على جلالة الملك الحسن الثاني المنصور بالله، أن يضطلع جلالته بمهمة الدفاع عن قضاياها ومصالحها الجوهرية، وحينما ارتأت هذه الدول من جهة التقدير لعبقرية جلالة الملك، وحنكته وعلو كعبه في إدارة الحوار في المحافل الدولية، وسمو فكره ونفاذ صيرته واستوائها على صراط الله المستقيم، أن تفرض على جلالته التكليف بالمسؤولية، مسؤولية الدفاع عن الحقوق والقضايا الإسلامية المشروعة أمام العالم أجمع.
إن ذلك كان كله صدى لواقع يعيشه المغرب ويحيا في خضمه، بلدا يؤمن بالخير للجميع، وبالتساكن والتسامح، وبالتعايش والتكافل، لتجديد وثبة إسلامية نهضوية تبعث الاعتزاز، وتحيي الأمجاد، وتعيد زهرة الحضارة الإسلامية إلى أوجها وعنفوانها، وعز ازدهارها وحيويتها، التي تأثرت بها وانعكست منجزاتها على سير الحضارات الإنسانية كلها.
ومن هذا الواقع الداعي إلى الفخر، والباعث على الاعتزاز، نتحدث كذلك عن المؤتمرات الإسلامية، على مستوى القمة وعلى المستويات الأخرى، التي كانت – وما تزال أرض المغرب صعيدا طيبا لها، ونتحدث عن المؤسسات والمنظمات الإسلامية، ثقافية وعلمية وغيرها، التي يوجد مقرها ببلادنا، ونتحدث كذلك عن الندوات والملتقيات والمناظرات الإسلامية، التي تكون بلادنا منطلقا لصياغتها ولإقرار أفكارها ومقاصدها والمغزى منها، بهدف الدفع بالثقافة والوعي والفكر – في نطاق الدعوة الإسلامية ككل – إلى آفاق ومجالات من التأثير غير محدودة.
وخلاصة الخلاصة لهذا الحديث، أن المغرب المسلم بالقيادة الرشيدة لأمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني المؤيد بالله، يقع من الأمة الإسلامية، موقع القلب النابض بالحركة والعمل والإخلاص في الدعوة والنزاهة في الفعل، والوضوح في الهدف، ولذلك فهو ذلك البلد الإسلامي الذي يعلن حضوره المستمر، والتقاؤه الدائم حول كل ما يهم الإسلام والمسلمين في عالمنا الحديث، عن مغرب وفي لدينه ولرسالته، ومخلص لأمانته الدينية والتاريخية والحضارية والفكرية، وهي أمانة تتخذ من الإيمان معوانا على مجابهة الضالين، ودحض الجهالات، وردع المعتدين على حرمات الإسلام، وانتهاج ما أمره المولى سبحانه في كتابه الحكيم: "أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن"، منهاجا دائما لتقوية الحضور، وشحذ الذهن للمهام، وصقل الفكر للمزيد من تحمل المسؤوليات، انتصارا للإسلام وللمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here