islamaumaroc

أحمد بن المامون البلغيثي العلامة الأديب الشاعر.

  محمد بن محمد العلمي

العدد 242 ربيع1- نونبر 1984

قام الأستاذ محمد العلمي أستاذ مساعد بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمكناس، بتحقيق الجزء الأول من الديوان الضخم:
"تبسم ثغور الأشعار بتنسم عبير الأفكار" للعلامة الأديب الشيخ أحمد بن المامون البلغيثي، مع دراسة ضافية لشعره من خلال الديوان، تناولت عمر الشاعر "1282هـ- 1865م = 1348هـ- 1929م.
كما تناولت حياته وشخصيته وآثاره وشعره.
وقد تقدم بذلك لنيل دبلوم الدراسات العليا في اللغة العربية وآدابها، تحت إشراف الأستاذ الدكتور عباس الجراري.
وقد نوقشت هذه الرسالة بكلية الآداب جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، بتاريخ الاثنين 22 رمضان عام 1403هـ= 4 يوليوز 1983م، ونالت النجاح بميزة حسن.
وفيما يلي، نقتطف المبحث الأول والسادس من الفصل الثاني من الباب الأول من الدراسة المذكورة، عن الأديب الشاعر، وعن بعض مميزات شخصيته.

الفصل الثاني:
حياة الشاعر
1- نسبه ونشأته:
الأديب الشاعر أحمد البلغيثي العلوي الحسني، المغربي وطنا، الفاسي نشأة ودارا، المالكي مذهبا.
هو أحمد بن المامون نقيب الشرفاء العلويين بفاس، ابن الطيب بن المدني بن عبد الكبير بن عبد المومن بن محمد (فتحا)بن عبد المومن بن عبد الكبير بن علي الشريف بن الحسن ابن محمد بن الحسن بن القاسم بن محمد بن أبي القاسم بن محمد ابن الحسن بن عبد الله بن محمد بن عرفة بن الحسن بن أبي بكر بن علي بن الحسن بن أحمد بن إسماعيل بن أبي القاسم ابن محمد النفس الزكية بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى ابن الحسن السبط بن علي وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه (1).
والبلغيثي نسبة إلى جده أبي الغيث، قال في كتاه "تحبير طرسي بعبير نفسي في التعبير عن نفسي": البلغيثي بضم الباء في الأصل على ما يظهر، لأنه نسبة إلى جدنا الحادي عشر أبي الغيث لقب لا كنية، واسمه عبد الواحد، أخبرنا سيدنا الوالد – رحمه الله – أنه قلما يسافر أحد منا إلا وينزل المطر في سفره ولو في الصيف، ولعل هذا بحسب الغالب، وكذا أفراحنا قلما تخلو من مطر فيها" (2).
وقال في كتابه المذكور: "وكنت نظمت عمود نسبي، بعد أن حققته وتحققته، وعن جماعة من المؤرخين والنسابين وجدته، بقولي:
يقـول أحمــد الفقير الجــاني        المرتجي لرحمـــة الرحمـــان
الحسن العلـــــوي البلغيثي         الملتجي لربـــــــه المغيث 
الحمـــد للـه على الإنعــام         بنعمـة الإيمــان والإسـلام (3)
وعلق على هذه القصيدة الطويلة بقوله: "وحين نقلت هذا الرجز من محله القديم، استشعرت بنعمة الله ذي الفضل العظيم علي في أزله القديم، بهذا النسب الكريم،فقلت:
حمــدت إلهي إذ حبــاني بجوده        وألبسني ثوبـا من المجـد سـابغـا
وأنعم لي بـالكون من نسـل هاشم       ومن بضعة المختار أصبحت نـابغا (4)
ولد الشاعر أحمد البلغيثي مدينة فاس في بيت عز ومجد شامخ راسخ في شهر رمضان سنة (1282هـ- 1865م) وتربى في حجر والده أحسن تربية من المحافظة على الدين، والتحلي بالفضيلة، وسلوك سنن المهتدين.
وكان أحد أجداده المدعو الحسن بن القاسم هو القادم من الحجاز، وقد انتقل أحد أجداده وهو عبد المومن من منازل آبائهم الأولى إلى قبيلة بني يازغة قرب مدينة فاس، ومنها انتقل إلى هذه المدينة، وقد زار الشاعر ضريحه بالقبيلة المذكورة في السابع من شهر شعبان عام 1345هـ كما يحكي في ديوانه، وفي ذلك يقول:
جئت إلى بني يـــازغـــه            وكنت أسمع بهــا زائغـــه
وثم لي جــد دفين بهــــا             ذو قبـة وحرمـة بـالغـــه
زرتــه دون طمـع في الـذي        لـه من الهـدايـة السـابغـه
فنـالنـا منــه كبير الجــدا           بحكم رؤيـا مـا ترى رائغـه(5)
وقال الشاعر البلغيثي في كتابه: "شرح الرحلة" (6) عن مدينة فاس: "وفاس بلدنا المعروفة، التي هي عند العموم بكل فضل موصوفة، وهي بلدي وبها مولدي" (7) وفي شعره ما يكشف لنا بجلاء عن عميق حنينه الجارف نحو هذه المدينة.
نشأ الشاعر في بيت شهير المجد ونباهة الذكر، وعلو القدر، وأصالة حسب وشرف محتد، تعدد فيه الفضلاء والعلماء والأدباء والكتاب، وكان في صغره محاطا برعاية أبيه وعطفه، وفي شعره ما يصور بعض ملامح هذه النشأة إذ يقول:
تربيت في حجر العفــاف وفي الغنى      وشبت ومـا أدري الخصاصة والقـلا
فمن كان في أصـل أصـيل من العلى      وكان على يسر فمـا لــه والــذلا؟
أمـا اللـه أغنـاني بهمـة أمجــد             علمت لـه في شـامخـات العلى أصلا
على أنني من فضـل ربي وجــوده       غني بما أسـدى الإلـه ومـا أولى (8)
ويقول ابنه عن دراسته: "بمجرد ما خرج من الكتاب، بعد أن حفظ القرآن على أساتذة أجلة، وقضى فيه الزمن الذي يهيئه للانخراط في صف طلبة العلم بالكلية القروية، لازم مجالس أعلام المدرسين لمختلف الفنون والمعارف، وذلك عام (1298هـ/ 1880م). "وكان جامع القرويين منبع العلم والعرفان، ومحط أنظار القاصي والداني، لازم الدرس على كبار علماء عصره" فانكب على الدراسة بهمة ونشاط، واستمر في مسيرته الثقافية يتابع دروسه العديدة، متنقلا في حلقاتها ما بين تشريع وبيان ومنطق، ورقائق وآداب، إلى ان بدت ثمرة اجتهاده، وأصبح في مقدمة الصفوف نجاحا وذكاء، مما جعل والده يعضده ويساعده، أكثر رغبة في الوصول إلى الهدف المنشود" (10).
وهكذا ظهر نبوغ الشاعر منذ صغره، وازداد تفوقه في التحصيل والاستيعاب وترقى في مدارج، فما لبث أن بلغ شأوا عظيما في جل ميادين المعرفة، وتميزت مشاركته العلمية، وصدقت الفراسة في شأنه، بأنه سيكون عالما ذا شأوا كبير في المستقبل، ويظهر أن والده – حسب ما يحكي ابنه عبد الملك – أبدى تراخيا في بداية تعليمه وتكوينه، وذلك بسبب العناء الذي لحقه، وما قاساه مع غيره من إخوته (عادة الآباء مع الأبناء) في حثهم على المثابرة على طلب العلم، وسلوكه معهم كل ما في وسعه ماديا وأدبيا لشدة معرفته بمركز العلم ومستقبل صاحبه، ولكن ذهب عمله سدى، وكان كالنافخ في رماد، غير أن اللحظة التي بدت فيها شارات نجابة ابنه هذا، ارتد إليه حرصه القديم، على أن يكون أب عالم جليل، فقوى نشاطه، حيث لمس الحلة العلمية التي ضحى في طلبها قدما بكل نفيس (11) .
وكأن البلغيثي ما خلق إلا ليكون أديبا شاعرا، فقد كان منذ صباه يختلس جل أوقاته في مطالعة كتب الأدب ودواوين الشعر، وكان بغيته الاطلاع على منتجات الشعراء المشهورين القدامى، يقول عنه المرحوم محمد ابن العباس القباج: "هذا والذي يهمنا منه هنا هو اشتغاله بالأدب منذ صباه، وتراميه على دواوين الشعراء" (12).
وكان مفتنا بالنظم للشعر منذ صباه، يقول عن كتابه: "نظم معاني حروف الجر": "وبعد، فقد كنت شرحت قبل رجزي في معاني حروف الجر، الذي كنت نظمته أوان طلب العلم بشرح مفيد، ثم رأيت اختصاره مختصرا على المثل"(13).
وفي شعره ما يؤكد أنه كان يتعاطى نظم الشعر منذ صغره، وأثناء دراسته مثل قوله: وقلت في صغري:
وخــود أدهشت فكري بخــد       صقيـل قـد عـلا خـال عليـه
فمـال عن الخـدود إلى لحـاظ       (وشبـه الشيء منجذب إليـه) (14)
أو قوله في نظمه لقصيدة جمع فيها جميع أغراض الشعر، وعلق على ذلك بقوله: "وقد نظمتها حال الصغر جدا" (15).
بل إننا نجده منذ هذا السن المبكر من مرحلة طلبه للعلم ينظم أروع مولدياته بالمناسبة، من ذلك مولديته البليغة، التي نظمها سنة 1305 هـ وعدد أبياتها ستون بيتا، وأكثر من ذلك أنه نظم أخرى سنة 1306هـ وعدد أبياتها اثنان وستون بيتا، وأكثر من ذلك أنه نظم منذ سنة 1304هـ مولديته البائية بالمناسبة المذكورة، بلغ مجموع أبياتها تسعة وستين بيتا، مما يدل على نبوغه الشعري منذ وقت مبكر من حياته.
"وفي سنة (1306هـ= 1888م) أدرج المترجم له البلغيثي في سلك المدرسين الأفذاذ وكبار المفتين، فصار يلقي دروسه على مختلف التلاميذ والطلبة، وحسب مستوياتهم بعبارات سلسلة جذابة وبأسلوب جديد لفت النظار، وصار تلاميذه يرون في طريقته مالم يعهدوه قبل في سوى حلقاته الممتعة" (16).
ومع الأسف الشديد لا نملك معلومات كافية عن أطوار دراسته، وما يصور لنا نوع سلوكه مع شيوخه، كما نفقد التفاصيل الكافية، التي تترجم لنا سيرته خلال هذه المرحلة المبكرة من حياته، وتنقله بين حلقات الدرس، ومدى إقباله على علوم معينة، وإعراضه عن أخرى إلى غير ذلك مما يتصل بجوانب حياته الدراسية، فقد سكت عن ذلك – غالبا – في أشعاره وباقي مؤلفاته الأخرى، التي نعثر فيها على بعض الإشارات القليلة، التي لا تشفي ظمأ الدارس، ففي كتابه "الابتهاج"، وهو يتحدث عن آداب المدرس، وطريقة زجره كل تلميذ فوضوي مشاغب أثناء الدرس من طرف الأستاذ يقول: "وقد كان شيخنا العلامة أبو عبد الله جنون- رحمه الله – شديد الزجر والتأديب لمن يرتكب شيئا من هذه الأمور، وخصوصا النوم، وربما طرده من المجلس وأقسم بالله أنه لا يزيد في القراءة حرفا إلا قام ذلك الشخص من مجلسه، وذلك كله من تأديب الشيخ لتلميذه بكل ما يمكن، وهو أمر مطلوب" (17).
نعم كاد أن يكون لنا الشيء الكثير عن حياته كلها، وعن ماجريات أحوال عصره، وكل ما يتعلق بذلك لو انه أتم كتابه "تحبير طرسي بعبير نفسي في التعبير عن نفسي"، وبداية هذا الكتاب توحي لنا بأنه كان ذا عزيمة قوية لإتمامه يقول: "ولست أول من عرف بنفسه وذكر جميلها لأبناء جنسه، فهذا الحافظ السيوطي في محاضراته سلك ذلك، وهذا الشريف سيدي سليمان الحوات كان كذلك" (18).
ويقول عن المنهج الذي كان ينوي اتباعه، وعن الموضوعات التي كان ينوي طرقها، مؤكدا أهمية ذلك بقوله: "وقد التزمت أن أذكر جميع ما اتفق لي من لدن عقلت أيام حياتي، ولو في حال صاي وطفولتي، مما لم يغب عن حافظتي ومخيلتي، وربما يستبرد بعضها من لم يعرف قيمة ذلك" (19).
وفي هذا الكتاب، يذكر الأسباب التي صرفته عن متابعة تأليفه وذلك باشتغاله بتأليف كتاب آخر في الهجاء، ومن ذلك كما قال: "بعدا من ساحة المحمدة، التي ربما أدت للافتخار والاعتساف، وعلما بأن المعايب أغلب عند الاعتبار والإنصاف مع منا عن في هذا الوقت العجيب، مما لا يقدر على وصفه البليغ النجيب من هموم أشابت الولدان، وعمت القاصي والدان، ولم يسلم منها إلا من عدم الغيرة والدين، وفقد الاهتمام بأمر الإسلام والمسلمين، زيادة على تعذر الضروريات فضلا عن غيرهما" (20).
6- مميزات شخصيته:
شخصية البلغيثي متعددة السمات، متنوعة العطاء، ملتوية المناحي والاتجاهات، عملت على تكوينها وتلوينها ثقافته المتنوعة، ووظائفه الدينية والتعليمية، وما قام به من رحلات عديدة داخل وطنه وخارجه، مكنته من أن يعاشر أصنافا متعددة من الناس، ويقف عن كثب على انماط عديدة من العيش والسلوك والتفكير عند مختلف الطبقات، أضف إلى كل ذلك نوع النشأة المترفة، التي حظي بها في كنف والده، وفي اتجاه معاكس ما كان يقوم به من أعمال مهينة في حياته، متناقضة كل التناقض ومركزه العلمي، ومكانته في المجتمع، يقول ابنه: "وكان الوالد إذ ذاك يخوض في الحرير بمحل قرب منزله، مع اشتغاله بإلقاء الدروس العلمية". (21).
هذه الظروف التي عاشها البلغيثي، والعوامل التي مر ذكرها، أثرت على سلوكه وتفكيره، ومزاجه، وتركت خيوطا متنوعة ما لبثت أن ظهرت على رقعة النسيج العام في حياته وأدبه، على نحو ما نرى في متنوعات أشعاره التي جاءت صادقة لكل ذلك.
تلك العوامل كلها مجتمعة، امتزجت وتعاونت في تكوين شخصيته، وميزتها بسمات قلما تجتمع في غيره.
له وقار العلماء العاملين، وهيبة كبار القضاة، ورزانة العارفين، وهو إلى ذلك كله يتمتع بنبل الأخلاق، واستقامة السيرة، والشيم المرضية، والشرف الرفيع، وبعد الهمة، والغيرة الشديدة على الدين، وقد نظم الشعر في أغراض مختلفة تضرب ما بين الجدية والهزل، والرزانة والمجون، الذي يصل أحيانا إلى درجة التهتك، حيث تجري على لسانه أحيانا وعلانية ودون تستر أو خفاء، ألفاظ بذيئة ينكرها الخلق ويأباها الدين.
لا يستحيي أن يذكر الهجر في شعره، وهو في شعره الظريف الماجن قليل الفحش ليس من المتهالكين المبالغين، فليس هناك مجال للمقارنة بينه وبين عدد كبير من شعراء وقته، الذين كانوا يبالغون في الشعر الإباحي، ويقصدون إليه قصدا، ويذهبون في الخلاعة أبعد الغايات، وتحس وأنت تقرأ شعره انه لا يقصد إلى هذه الألفاظ قصدا، وإنما يعرض – غالبا – إلى ذلك في حالتين: إذا انساق في ذلك مساجلا أو مطارحا، أو ممازحا بعض أصدقائه من الشعراء، أو في حالة غضبه وهيجانه على أعدائه وخصومه، فيرميهم بفاحش الهجاء، ويصورهم بأقذع الصور وأبشع الألفاظ، وسنعرض لهذه الظاهرة المتميزة عنده في شعره عند الحديث عن غرض الهجاء. "وأرجع كلمة تقال فيه أنه ممن جمع رقة الأدباء إلى وقار العلماء" (22).
وهل معنى هذا أن البلغيثي كان ممن يجمع بين صفتين مزدوجتين؟
نعم! إن شعره يصوره مزدوج الشخصية، التي تجمع الجد إلى الهزل، أما عن صفات الجد في شخصيته، فتغذيها ثقافته العلمية، ومركزه الديني في القضاء، والوعظ والإرشاد، وجاهه عند كبار رجال الدولة، وغيرته على الإسلام، عن هذا الجانب الجاد في حياته، صدرت أشعاره في الزهد والتصوف، والابتهالات، والأمداح النبوية، والسلطانية، وشعر الفخر، والرثاء، والحكمة، وكذا الأشعار التي التزم فيها التعبير عن بعض القضايا الإسلامية والوطنية، وغيرها من الأغراض الجادة، التي تعبر عن بعض مواقفه – كما سنرى – وذلك في بعض المقالات الآتية بحول الله.
وكانت شخصيته محترمة معطرة بالثناء، تحظى بتقدير العلماء، وتمجيد الشعراء، معظمة عند من ترجموا لصاحبها أو تحدثوا عنها، ومن أجل ذلك كان حظيا عند الملوك، خاصة عبد الحفيظ والمولى يوسف.
يقول عنه تلميذه عبد الحفيظ الفاسي وهو يترجم له: "كبير الوجاهة، رفيع القدر، ميمون النقيبة، مسعود الحظ بمكان من الملوك ورعيهم، وعنايتهم، وبرهم" (23)، ولكن ليس من الشعراء الممتهنين للمدح، المكتسبين بشعرهم المغالين في تملقهم.
وكان إلى ذلك كله شديد الاعتزاز بنفسه، كثير الفخر بمزاياه، يقول في ذلك:
لهف نفسي على مــوافـــاة حر       همــه في الـوفــاء قـولا وفعـلا
لم أجـد بعـد خبري الخلـق دهرا        مت يـواتي صفـات مجدي أصـلا (24)
ومع ذلك، فليس البلغيثي في أخلاقه العامة، ومواقفه العلمية، وسلوكه مع الناس بالمتكبر الذي يترفع عنهم، وشعره صورة صادقة لأخلاقه السامية، وسجاياه الحميدة، يعطي عن شخصيته صورة معبرة عن صاحبه.
أما عن الجانب الآخر من شخصيته الهازلة الماجنة، فإن شعره يصور لنا في أغراض أخرى نجدها في الغزل بالمذكر، والهجاء المقذع، وفي هزلياته وإخوانياته، وهو شعر فاحش بذيء، مكشوف تارة، ومعتمد على الرمز والإيحاء تارات أخرى.
وليس لنا أن نحاسبه أخلاقيا في ذلك، إذا نحن أدركنا ظروف العصر، وتأكدنا من طبيعة الشاعر المرحة، الميالة إلى الهزل والظرف، وكثيرا ما كان يميل بشعره إلى السخرية والمزح، فلا تلبث وأنت تقرأ بعض أشعاره أن تضحك، واقرأ له مثلا ما قاله في القرع: "وقد كان بمجلسنا ننظره بعيننا".
يـــا من لـــه يحـــق         بين السراة حـــــــــذق
مــــا اسم تراه عينــــا       بــالقلب منــــه عرق؟ (25)
أو قوله في ثقيل لحقه في سفر ببعض الثغور، كان الشاعر يكرهه، وذاك حريص على مرافقته لإعجابه الكبير بشخصيته:
لـو علمنـا قــدومكم لرحلنـا       قبـل أن تنزلـوا بخمسن عـامـا
غير أني واللــه لا علم عنـدي      يا لقلبي من الثقيل إذا مـا نـزل (26)
نخلص من هذا، ونحن نريد أن نعرف شخصية البلغيثي بصدق، وكما يصورها لنا شعره، أنه كان في مثل هذه الألوان من أدبه الهزلي الساخر شاعرا ظريفا، خفيف الروح، حلو الدعابة، ميالا إلى التهكم البريء، ومع ذلك، فلم يكن هذا الجانب في شعره هو كل قوام حياته وشخصيته، وإنما كان ضربا من الترفيه عن النفس يلجأ إليه، كما يلجأ إليه سائر الفقهاء والعلماء، ليخففوا عن أنفسهم عناء الحث وأسر التفكير.
ويتبدد كل شيء عابث في حياة البلغيثي وشعره، ويبقى أحمد بن المامون ذلك العالم الأديب، المتحلي بكرم الأخلاق، الحريص على تطبيق مبادئ الإسلام في أوامره ونواهيه.
كل هذه الصفات مجتمعة، جعلته إنسانا محبوبا إلى النفس، مكرما أثيرا لدى الناس أينما حل وارتحل، وقد قال في ذلك عن نفسه: "وإنا بفضل الله وكرمه، ما حللنا بلدا إلا وحصل لأهلها من الفرح والسرور ما لا يكيف، سواء كانت لنا بهم معرفة سابقة أم لا، وهي منة من الله قد عهدتها، فما وقع بصر أحد علي إلا أحبني وأكرمني، وخدمني من دون أدنى استدعاء لذلك مني" (27).
  ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
1) نقلت عمود هذا النسب من المقدمة التي كتبها ابن الشاعر عبد الملك لكتاب والده "تشنيف الأسماع" ج  1، وقابلته بما في كتابه "تحبير طرسي" مخ في ملك ابنه المذكور ص 4.
2) كتابه المذكور ص 7.
3) المصدر السابق ص 9، وعدد أبيات هذه القصيدة اثنان وخمسون بيتا.
4) المصدر السابق ص 10، وهذه الأبيات بديوانه ج 2 ص 35 ن "ب".
5) ديوانه ج 2 ص 35 ن "ب".
6) أي الرحلة الموهوبة النجارية في الرحلة الميمونية الحجازية مط، وقد وضع عليه شرحا لا يزال مخطوطا توجد منه نسخة مصورة عن الأصل بالخزانة الصبيحية بسلا تحت عدد 6015.
7) نفسه ص 9.
8) ديوانه ج 2 ص 159 ن "ب".
9) مقدمة تشنيف الأسماع ج 1 ص 3.
10) عبد الله الجراري "التاليف ونهضته بالمغرب القصى" ص 37، مخ لدى المؤلف.
11) مقدمة كتابه تشنيف الأسماع ج 1 ص 3.
12) الأدب العربي في المغرب الأقصى ج  1 ص 15.
13) الكتاب المذكور هامش ص 2.
15) كتابه الابتهاج ج 2 ص 140.
16) التأليف ونهضته في القرن العشرين ج 1 ص 37، وانظر مقدمة كتاب تشنيف الأسماع ج 1 ص 3،4.
17) كتابه الابتهاج ج 2 ص 112.
18) الكتاب المذكور ص 2 مخ لدى ابنه عبد الملك.
19) المصدر المذكور ص 3.
20) نفسه ص 4.
21) هامش ص 28 من مقدمة كتابه تشنيف الأسماع.
22) الدب العربي في المغرب الأقصى لابن العباس القباج ج 1 ص 15.
23) معجم الشيوخ ج 1 ص 134.
24) ديوانه ج 2 ص 167. ب.
25) ديوانه ج 2 ص 75.
26) ديوانه ج 2 ص 201 ب.
27) شرح رحلته الحجازية ص 40 مخ لدى ابنه عبد الملك.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here