islamaumaroc

أثر التناقض في حياة المجتمع ( نحو فلسفة إسلامية جديدة )

  حسن السائح

العدد 242 ربيع1- نونبر 1984

استطاع سينسر أن يوضح في كتابه (أصول البيولوجيا) وأصول علم النفس، كيف تقدمت الحياة بفعل المواءمة المستمرة بين العلاقات الداخلية في الكائن الحي، والعلاقات الخارجية في عناصر البيئة.
ويرى في كتابه (أصول علم الاجتماع)، أنه كلما تطور المجتمع، انفصل الفرد عن الكيان الاجتماعي، وازداد حرية.
وفي تطور الأخلاق، يرى أنها تطورت نحو التوفيق بين حقوق الفرد والجماعة، وألح سينسر إلى مبدأ العودة إلى الطبيعة والعناية بالجسد والصحة، وإشاعة الروح العلمية، وتوجيه الأفكار إلى قوانين التطور الفكري والنفسي، والتربية الذاتية.
وقد عدل مذهب سينسر جون ستيوارت 1873- 1806 الذي عاد إلى مذهب الرازي في فلسفته Emergement e Evolution، والذي قال بأن التطور الانبثاقي، والتركيب المنتخب كيمياء عقلية (أي أن امتزاج الأفكار تنشأ عنه أطوار فكرية جديدة، لم تكن واضحة في الأفكار المتعددة قبل امتزاجها).
وجاء ليود مورجان Leoyd Margan ، فحاول تعديل مذهب سينسر، الذي قال بالارتقاء في عالم العضوية وغير العضوية، وأنه ارتقاء البساطة إلى التركيب، ومن التشاكل إلى التنوع، وبأن الله تعالى هو الوجود المطلق، الذي يتجلى في الوجود المشهود والعقل الإنساني (آخر مثال) وصل إليه الوجود في التجلي.
وأكد مورجان أن الانتقال يجب أن يحتوي شيئا جديدا، والتركيب الجديد يبرز خصائص كانت مكنونة، وهذه الخصائص نفسية وحيوية تعلو وتبرز بعد الخفاء، ويرى أن درجات الارتقاء تكون في المادة في إخلاطها الكمية والكيميائية، ثم في الحياة، ثم في العقل، فلكل ذرة عقل، ولذلك يجوز أن تقول عقل الشجرة، لأنها لا تخلو من عنصر العقل المحرك والمدبر، وهو بالنسبة للشجرة في حالة النزارة، التي تكفيها للحياة وضبط قوانين نموها ?وإن شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم?، أما الذي يخرج الأطوار ويبرز العقل ويجله، فهو المدير الأول، وبجانب هذا الفيلسوف جاء حموئيل اسكندر 1855، الذي عدل التطور، وقال بأنه في المادة صورة عن الزمكانية، فليس الزمان عدما إذا انعزل عن المكان، ولا يمكن ذلك، وتجمع الزمان والمكان هو الحركة، وهي أصل المادة وأصل جميع الموجودات، ومن الانبثاقيين من يجمع بين مذهب التطور، ومذهب هيجل، ذلك لأن هيجل يرى أن الله هو الوجود المطلق، الذي يتمثل في حدود الوجود المشهود، والعقل الإنساني آخر مثال وصل إليه الوجود في هذا التجلي، فهو أرفع مثال، والمادة ومظهرها نشأت عن الكون المؤلف من الزمان والمكان، وإذا فطبقات المادة ذات الخصائص الأولية (والحجم والشكل والعدد والحركة)، ثم خصائص الأعراض (اللون، والصوت، والرائحة، ودرجة الحرارة)، وهذا التركيب هو نظام، وكلمة نظام يستلزم منظما.
ومن الانبثاقيين من يرى أن الكون كله كيان عضوي، كالبنية الحية في تركيب أجزائه، والكون يتجلى في حوادث لا في أشياء، لأنها تتجدد باستمرار.
وتوضيحا لفلسفة الوجود والعدم والفلسفة الإسلامية، وعلاقتها بالتطور والصيرورة حسب أصول الثقافة الإسلامية، نجد هذه الفلسفة ترى:
أن جميع القضايا، وجميع الأفكار، وجميع الآراء والنظريات، فيها جوانب السلب وجوانب الإيجاب، سواء في المفاهيم والمنظورات الفكرية، أو في التعابير اللغوية، فجملة زيد ليس واقفا هي زيد جالس، فالإيجاب والسلب متواجدان حتى في التعبير اللغوي، وإذا فالوجود والعدم بينهما ترابط وعلاقة، أي سلب الربط وربط السلب، فمصداق السلب ومصداق الإيجاب واحد، والمقابلة بينهما تولد الصيرورة أي التدرج والسيلان، أو ما عبر عنه برجسون بالوجود السيال، وهو يعنى بالفكر السيال في أن يكون وجودا مستمرا.
والإسلام يرفض المنهجية الجدلية الماركسية، التي تصور الحياة الإنسانية في صراع تراه أساس الحركة والتغيير والتطور، على أنها توافق حين تكون نسفا بين العلاقات البعيدة عن التناقض... وتدخل (النص) باستمرار يكبح الغرائز العدوانية، لتحل محلها الانصياع لصوت الوحي، الذي هو صوت مصلحة الأمة جمعاء، بينما ترى الماركسية في النزعة الغرائزية محركا أساسيا للتطور والتغير.
وكذلك يرفض الإسلام أن يسمى مفهوم عمل العامل إذا اشتغل مع غيره استغلالا لجهود العامل، متى ضمنت له حقوقه.
وضع مفهوم خارجي لما يحدده الفكر، ولو لم يكن هذا المفهوم موجودا، بل ولو لم يكن قابلا للفهم، وإنما يكفي أن يحدد عقليا، ويخطط لإبرازه، وتكون النتيجة أن العمل الناتج عن التفكير، قد يكون خياليا غير ممكن الوقوع، يضطر الفكر إلى خداع نفسه بخلق صور موهومة.
لقد كان أرسطو أول فيلسوف ميز ذاته عن الخارج، وكان أفلاطون المبرز لعالم المثل خارج الذات، ولقد كانت الفلسفة اليونانية رائدة الفصل بين الذات والوضوح والحقيقة والحياة، وبذلك وضعت أسلوبا للحياة.
إن المجتمع الإسلامي حين يستخدم هذه المحاور بوعي لا تخطئه العناية الإلهية، وحتى أشد الفلاسفة إمعانا في العقلانية مثل (كلود برنارد) يقول: بوجود فكرة موجهة في الطبيعة، وهي (العناية الإلهية كما يسميها الإسلام)، وهذه الفكرة مسؤولة عن التكامل والانسجام بين الأعضاء، التي تقوم بالوظائف كيفما كانت، وكأنها قوانين في الفيزياء والكيمياء.
كما يؤكد (برجسون) على وجود مبدأ حيوي وقوة اختراع خاصة بالطبيعة، تتجلى في الأجهزة المسؤولة عن استمرار الكائن الحي، وهذا ما جعل الغائبين لا يقولون بأن الحياة صدفة، ومجرد تفاعل كيميائي فيزيائي، بل لابد من الغاية والاستعانة بها في كل نظام، ولابد من هدف لكل جهاز، وكما يقول الله تعالى:?وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين?، وكما يقول: Lachelier إن فكرة الكل المحيط سبقت الجزء... والغاية قد تكون في ذاتية العضو، وقد تكون خارجية، وهي أن الغاية للاستمرار والإبداع الكوني، وهي القدر الإلهي، والقوة الحيوية، وهي التي عبر عنها القرآن الكريم: ?وما الحياة الدنيا إلا لهو ولعب، وأن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون?.لأن النظرة الإسلامية لضرورة العمل قبل كل شيء، فالعمل كفاية وليس باستغلال، فلا يوجد استيلاب لا للعمل، ولا للمال.
والإسلام كذلك لا يوافق الماركسية في تحليلاتها للموضوع إيديولوجيا...، فالإيديولوجيا عاتق إبستمولوجي، فالتجربة Empirisme سواء في العلوم، أو في الفكر العلمي، يجب أن تنطلق من الواقع المحسوس، لا من البنية الفوقية، ليتأتى الدخول في البنية الداخلية للظاهرة، فمثلا يرى الماركسيون في تعبير التطور الاقتصادي، بأن فائض القيمة plus value نتاج طبيعي لترويج رأسمال رب العمل...
فهكذا يبدو في الظاهرة، وتأتي الإيديولوجية لتصوغ من هذه الظاهرة مفاهيمها العلمية، ولكن التحليل العميق لميكانزم العمل في إطار النمط الرأسمالي للإنتاج (في نظر ماركس) هو نتاج لعملية وعلاقة غير ملموسة بين قوة العمل وراء مجهود العامل وما يتقاضاه، والذي لا يمثل إلا نسبة بسيطة، مما يستحقه والفرق بين ما يتقاضاه العامل، وما يبذله هو فائض القيمة، وهو السر في تراكم الرأسمال وعند التدقيق، نلاحظ أننا لا نصل بهذه الطريقة إلى حقائق موضوعية، لأن التجربة تعوقنا عن الوصول إلى العلاقات الحقيقية الظاهرة، ولهذا فإن (لويس التوسير) يرى أن ماركس هو في الواقع من رواد المنهج البنيوي، وأن تحليل ماركس بعيد عن كل نزعة تجريبية، وأن لا علاقة له بالاعتبارات الإيديولوجية، بل إن ماركس بعيد عن كل نزعة تجريبية أو تاريخية أو إنسانية، وقد صدر التوسير كتابه (دفاعا عن ماركس) و(اقرأ رأسمال) التوازن بين المحاور (العدل).
المحاور مترابطة بينها ارتباطا بنيويا، لتكون شخصية متماسكة قوية، ومجتمعا مسلما متراصا، فالمسلم للمسلم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا.
وإذا كانت البنيوية المعاصرة تفرق في التحليل (الأفقي سانكرونك)، والتحليل العمودي (دياكرونك)، فالإسلام يؤكد عليهما جميعا، ويلاحم بين التحليلين معا ليحقق التعادل، ولهذا يرى في التاريخ عاملا لا يجوز إغفاله، ولكن لا يجوز الاعتماد عليه كليا، فليس الإسلام كالبنيوية التي ترى التاريخ عائقا إبستمولوجيا، بينما يؤكد الإسلام على أثره في التحليل دون السقوط في التحليل الوهمي (الرجم بالغيب).
إن العدل والتعادل أساسي في الربط بين مختلف أجزاء البنية، ولقد توصل أنصار الحركة الربطية أو السيكولوجية الربطية، إلى وضع قوانين الترابط التي تحكم الحياة النفسية، كالترابط بالاقتران والتضاد، وتؤكد المدرسة الربطية على أهمية الوظيفة، والدور دون الاهتمام بالزمان سواء الماضي أو المستقبلي، بل بالعلاقات بالوظائف الاجتماعية، حيث تشكل منها كلا متوازنا، أو ما سماه الإسلام بالعدل، فإذا اختلت العناصر اختل التوازن وفي التوازن الوضع الطبيعي للمجتمع واختلاله (Diofouctros) تغير اجتماعي، واصطدامات يجوز وقوعها واحتمالها، إلا أنها ليست ضرورية.
فالمجتمع بناء ونظام ووظيفة، وفساده في عدم التوازن أو التأويل، على خلاف ما يفسره الرأي العام، والتأويل سواء كان مثاليا أو ميتافزيقيا، هو تغيير للطاقة المسيرة، وعلى هذا فإن الماديين يرون أن الظواهر لا يمكن معرفتها بأسبابها، بل بغاياتها وأهدافها، ويقول الفيلسوف العقلاني (كلود برنار): إن تعدد الظواهر البيولوجية دليل على وجود فكرة موجهة في الطبيعة، ومنبهة والقوانين تصدر عن هذه القوة التي بها قوة الخلق الكامنة.
البنية الفردية:
المجتمع بنيات متعددة، تنظم بالمؤسسات المختلفة، أما الفرد فهو بنية واحدة ذات طاقات متعددة جسدية، عقلية، روحية، تاريخية، ومستقبلية، خلاقة، محافظة إلخ...، وقد رسم الإسلام الحد الأدنى لكل طاقة، وذلك أن لكل طاقة قدرة على إنجاز شيء، والأصل في الأشياء الإباحة، أما المصالح فتتفاوت حسب الإنسان ومصالحه وتغيرات الزمان والمكان والموضوع، وينبني على ذلك الحكم الشرعي، متدرجا من الجواز إلى الكراهية إلى التحريم.
ولهذا، فالحكم الشرعي قد يكون مباحا، وقد يصبح حراما إذ يناط كل عمل مباح شرعا أن لا يتجاوز الحد، فيصبح له ضرر جسمي أو مادي أو في إضاعة الوقت سدى، أو تبديد الطاقة عبثا، سواء طاقة الإنسان أو طاقة الزمان أو طاقة المجتمع.
والمبدأ الأساسي في الجواز، أن يكون الموضوع غير ضار ولا مضعف...، ثم يدور الحكم الشرعي مع العلة وجودا أو عدما، وأزيد وارتباطا مع مختلف الطاقات الأخرى للإنسان.
وهكذا، فكل حكم له موضوع وإنسان وبيئة، فلكل شيء زمانه المحدد له كالصلاة والصيام والحج...، وكل حق وواجبه يعرض على محك الضرورات، وأخفها والأضرار وأخفها كذلك.
ولذلك، فالتنظيم هو حفظ الصحة، والكساء والمسكن، والدواء والمواصلات، وحماية النفس، وتنطيط الضرورات بمنطق العقل، وطبيعة الفطرة والغريزة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here