islamaumaroc

الحوالات الحبسية مصدر أساسي للتعرف على التاريخ الحضاري للمغرب.

  عمر الجيدي

العدد 242 ربيع1- نونبر 1984

بقدر ما يمتاز به التراث المغربي بالكثرة، يمتاز بالتنوع والطرافة، ويشكل في مجموعه ثروة هائلة تعين الباحث على فهم تطور التاريخ الحضاري للمغرب، وتهديه إلى التعرف على نشأته ونموه، ورصد حركته، وتسجيل مواطن الضعف والقوة فيه، ومن ثم فإن الاكتفاء بمصدر واحد للتعرف على تاريخ المغرب وحضارته، قلما يسعف الباحث بإعطاء نظرة شاملة لكتابة هذا التاريخ كتابة صافية، بل تفوته زوايا خفية، وفجوات واسعة لا يستطيع أن يقول فيها شيئا، إلا إذا استند إلى الظن والتخمين والافتراضات، التي غالبا ما تجمح بصاحبها إلى ركوب الوهم والخيال، ومن ثم توقعه في الخلط والخبط.
وإذا كان كل باحث يفترض فيه أن لا يستهين بالأشياء التافهة، ولا يهمل أي شيء – مهما تضاءلت أهميته – فإن الأمر بالنسبة للباحث في حركة التاريخ يصبح أكثر ضرورة، وأشد تأكيدا.
إن تراثنا الثفافي، يتميز بتشعبه وتداخله، وكتابات المغاربة يطغى عليها الاستطراد والحشو، فالمؤرخ وهو يتحدث عن الوقائع والأحداث يحلو له أن يحشر أنفه في الفقه والتشريع، والفقيه وهو يقرر حكما تشريعا يجمح به قلمه إلى الحديث عن الظواهر التاريخية والقضايا الاجتماعية والسياسة والحضارية... وهكذا...
فلو تصفحنا مثلا كتب الفقه والنوازل والتوثيق، لوجدنا فيها حقائق تاريخية في منتهى الأهمية، يستفيد منها المؤرخ استفادة جلي، قد لا تسعفه بها المصادر المتخصصة، ومن ذلك ما يسمى بالحوالات الحبسية، إذ تضمنت أشياء طريفة تتصل بتاريخ المغرب وحضارته، وتضم معلومات نادرة، وقيمة لتصوير المجتمع المغربي، وتسجيل ظواهره ومختلف أحواله، لكن ماهي الحوالات الحبسية؟ كيف نشأت وتطورت؟ ما هي الضرورات التي دعت الناس على الاهتمام بها؟ وما وجه تسميتها؟ وما هي الحجية التي تعطاها في ميدان التشريع والقضاء؟ حول هذه التساؤلات يدور هذا الحديث المقتضب.
والمضنون أنها سميت بالحوالات، لأنها حولت إليها وثائق فردية، وضمت إلى ديوان شامل لها، أو لعلها آتية من الحول، بمعنى العام، لملاحظة أنها تتجدد في كل سنة في أكثر الظروف التي مرت بها الأوقاف، كما أنها تعرض باستمرار للمراجعات والمتابعات، الأمر الذي يدل على اشتقاقها من الحول أو من التحويل، لأن وثائق التحبيس تحول وتنقل إلى هذه السجلات، وفي هذا يقول أستاذنا الجليل الباحث سيدي سعيد أعراب: "وتعرف اليوم بالحوالات الحبسية، لأن وثائق التحبيس حولت ونقلت إليها، وكان كلما تجمعت أملاك وأوقاف دونها القاضي بنفسه، أو أمر بعض العدول البارزين لديه بتدوينها"، ولو رحنا نتعرف على نشأة هذه الحوالات وتطورها، وكيف بدأ التفكير فيها لوجدنا أستاذنا الجليل الباحث سيدي محمد المنوني يقول: "إن أقدم المعروف منها يرتقي إلى أيام المرينيين، ثم تتكاثر تدريجيا وتكثر مع العصر العلوي"، كما أن الدكتور المؤرخ النابه عبد الهادي التازي، يؤكد أن أقدم ورقة ما تزال شاخصة بتاريخها المسجل كتابة بخط واضح مقروء على العموم متآكلة، وهي تتضمن لائحة بالربع المستدرك الشراء عام 893هـ، ثم حوالة عام 904هـ، وأستاذنا الجليل سعيد أعراب، يرى أن هذا التدوين مر بمراحل، تبتدئ المرحلة الأولى من نحو 980هـ - 1012هـ، على يد القاضيين أبي العباس ابن عرضون (992هـ) وأخيه أبي عبد الله (1012هـ)، اللذين يرجع إليهما الفضل في تنظيم هذه الأوقاف والسهر عليها، بعد أن دوناها في كنانيش خاصة، وجعلاها حجة أمام المحاكم تقضى بها الحقوق.
والحوالات الوقفية لا تزال لم تدرس دراسة مفصلة، ولم يعن بها أحد – فيما نعلم – ولا تصدى لبحثها باحث، مع أنها تشكل جزءا مهما من تراثنا الثقافي المجيد.
ونظرا لأهمية الوقف في الإسلام، كان الحرص على حفظه واستمراره واجبا لا غنى عنه، فهو كما يقول شيخنا الجليل سيدي محمد المكي الناصري "تراث خالص للمسلمين تركه السلف ضمانة لاستمرار تعاليم الإسلام، ونظرا كذلك لما للأوقاف من قدسية وحرمة دينية، وكلوا أمرها إلى من يكون أكبر حارس لها، وأحرص الناس على حفظها من عوادي الزمن، وعبث الأيدي الأثيمة من أن تمتد إليها، وهكذا وكلت إلى نظر القضاة الشرعيين، وأصبحت من اختصاصاتهم، وإليهم أسند أمر حفظها وصيانتها، وكان النظار يعتبرون بمثابة نواب عن القضاة، يديرون الأوقاف تحت إشرافهم ومراقبتهم الفعلية، وكانوا بذلك ملزمين أمامهم وأمام جماعة المسلمين، بصرف مداخيلها طبقا لرغبات الواقفين...
ولما كثرت الأحباس، وتعددت أنواعها من رباع وعقار وأموال وثمار...، وخيف عليها من الضياع والنسيان، أمر النظار في كل جهة من الجهات بإحصاء الأوقاف وتسجيلها في دفاتر وكنانيش خاصة ورسمية، تكون قانونية وتاريخية بين أيدي الأجيال القادمة، حتى يتعرفوا بواسطتها على أملاك الأوقاف ومقاصد الواقفين، وكان من ذلك ما سمي بالحوالات الحبسية، ونحن لا نعرف بالتحديد متى بدأ التفكير في تدوين هذه الحوالات، واعتبارها حجة قانونية أمام المحاكم، وكل ما نعرفه أن أول من فكر في تدوين هذه الأوقاف، ودونها بالفعل هو القاضي أبو العباس أحمد بن عرضون الغماري قاضي شفشاون ونواحيها، المتوفى سنة 992هـ، وإن كان أستاذنا الفاضل محمد المنوني يرجع بها إلى العصر المريني كما سبق القول.
ويغلب على الظن، أن الدافع الذي دفع ابن عرضون إلى القيام بهذا العمل الجليل، هو ما كان يتصف به هذا العالم من غيرة على حقوق الغير خشية أن تضيع، وقد كان ذلك دأبه فيما يروى عنه في جميع الأمور، لا سيما ما تعلق منها بشؤون الدين، جاء في مقال أستاذنا الباحث سيدي سعيد أعراب ما نصه: "ويجب أن نشير هنا إلى أنه (يقصد ابن عرضون) أول من نظم الأوقاف بشمال المغرب، فقد أحصى أملاك الأوقاف الشفشاونية وما حولها من القبائل التابعة لها، ودونها بخطه في سجلات خاصة، وجعل على كل مسجد ناظرا يقوم على شؤونه، ويطوف على رباعه وأملاكه، فانتظمت الأوقاف، وأدرت ريعا كثيرا، أغنى الفقراء والمحتاجين، وشجع الوعاظ والمرشدين، وساعد العلماء والمتعلمين، مما أدى إلى قيام نهضة فكرية روحية بالمدينة الراشدية" ويقول القاضي أبو عبد الله محمد مخشان الغماري (1042هـ) وقد تقرر ضبطه رحمه الله ( يقصد ابن عرضون)، للأوقاف وغيرها، حتى إنه لم يدع وقفا من أوقاف عمالته الشفشاونية حاضرة وبادية إلا دونها، وجعل عليها عاملا يطوف عليها مدة دولته احتراسا من الضياع".
وقد قدر لي أن أزور نظارة أوقاف شفشاون في صيف 1975، لأطلع على ما عمله ابن عرضون هذا بهذه الأوقاف، والخطة التي اتبعها في تسجيلها وحفظها، فاتضح لي من خلال الكنانيش التي لا تزال محفوظة بهذه النظارة لحد الآن، الجهد الطيب الذي بذله هذا العالم في تدوين هذه الدواوين.
هناك دواوين تضمنت نحو 807 صفحة تحتوي على أكثر من ألف وثيقة كلها خطها يراع ابن عرضون، وهو ما بقي محفوظا منها بنظارة شفشاون وإلى الآن، ولا يبعد أن يكون ضاع منها الكثير، وهذه الدواوين تتعلق بأحباس المسجد الأعظم، ومسجد أبي خنشة، منها كناشان وملحق لأحباس الجامع الأعظم، يحتوي الكناش الأول على 200 ورقة، في حين يتضمن الكناش الثاني 92 ورقة، بينما يتضمن الملحق 306 صفحة، أما ما يتعلق بمسجد أبي خنشة، فهناك ديوانان، الأول يقع في 28 صفحة، والثاني يقع في 306 صفحة، ولنا أن نتصور مدى الدقة والضبط في عمل ابن عرضون في تدوينه لهذه الكنانيش، فهو يتثبت من الوثيقة، ويتحرى في وصفها بشكل شمولي مطلق، فعندما ينتهي من كتابة الوثيقة يعقب على ذلك بقوله: "الحبس أعلاه صحيح لا يجوز بيعه...، وقد حضر صاحبه" واصفا الموقوف رباعا كان أو عقارا أو ثيابا، وإن كانت الكتب يحدد اسم الكتاب وأجزاءه، وخطه، بدايته، ونهايته ومؤلفه، ونوع المادة التي احتواها... إلى غير ذلك من الأوصاف الكاشفة التي تضبط النوع الموقوف وتزيده تعريفا، وتلك هي شدة عنايته رحمه الله بتحديد الأشياء، وبفضل عمله هذا، حفظت الأوقاف الشفشاونية.
حجية هذه الحوالات في الفقه: وإذ عرفنا وجه تسميته هذه الحوالات ونشأتها وبداية التدوين فيها، والدور الذي اضطلع به ابن عرضون في شأنها، يجدر أن نعرف أيضا حجيتها، بمعنى: هل يمكن اعتبار هذه الدواوين حجة قانونية وشرعية يعمل بها أمام المحاكم تقضى بها الحقوق، وتعطاها الصبغة القانونية والشرعية ويجري بها العمل؟
حول هذا يدور سؤال القاضي أبي عبد الله مخشان الغماري في إحدى رسائله التي وجهها إلى عالم عصره أبي حامد الفاسي، يسأله عن صحة الاحتجاج بهذه الدواوين الوقفية، التي دونها القاضي ابن عرضون بخط يده بعد أن اختلطت أوقاف المسجد الأعظم بمسجد أبي خنشة بمدينة شفشاون، وتعذر التفريق بينهما، مما أدى إلى خصام بين ناظري المسجدين، ونورد سؤاله بكامله – على طوله- قال ما نصه: "أوقاف مسجدين، كل واحد منهما مدون بخط القاضي المبرز في العدالة والفصل، وهو سيدي أحمد بن عرضون رحمه الله، ثم إن ناظرا تولى النظر على المسجدين في زمانه فجمع أوقاف المسجدين، وجعل يصرف الغلة عليهما من غير تمييز، بل كلما احتاج المسجدان، أو أحدهما يأخذ من مجموع الغلتين، ثم صرف ذلك الناظر في دولة القاضي المذكور، وتولى آخر مكانه واستمر على ما استمر عليه الناظر قبله، بقية حياة سيدي أحمد المذكور، ثم مدة أخيه سيدي محمد رحمه الله، إلى قرب انقضائها، ومات الناظر الثاني والغلات مجموعة تصرف على ما ذكر، وخزن الغلات كلها في بيت في حرم أحد المسجدين طول المدة، وقدرها ما يقرب من ثلاثين سنة، ثم مات سيدي محمد رحمه الله، وجعل لكل مسجد ناظر، وأخذ ديوان كل مسجد ناظره، والجميع بخط سيدنا المذكور (يقصد أبا العباس ابن عرضون)، وقد تقرر ضبطه رحمه الله للأوقاف وغيرها، حتى إنه لم يدع وقفا من أوقاف عمالته الشفشاونية حاضرة وبادية إلا دونها، وجعل عليها عاملا يطوف عليها مدة دولته احتراسا من الضياع، ولا شك أن بعد القاضيين رحمهما الله وقع إهمال، لا سيما ما كان من أوقاف المسجدين في البوادي، وهو أكثرها أدى الإهمال إلى دفع غلة أحد المسجدين للآخر، واشتهر في الناس أن الأحباس هي للذي كان الخزن فيه، فمن أتى بزيت أو ثمار وفاكهة، وإنما يحمله لموضع الخزن، فلا يدرى تفضيل ذلك، والآن وقع الاختلاف في بعض الأوقاف، ناظر المسجد الذي كان يخزن فيه، يقول هذا إلى نظري أنا أتولاه، والآخر يقول: "هذا في ديواني بخط الموثوق به، فلا عبرة بنسبته للذي كان الخزن به، من ذلك غلط نشأ من الإهمال، وأقام ناظر الذي يخزن به بينة شهدت بأن هذا الوقف، وهو زيتون لا نعرفه إلا لمسجد أبي خنشة، وهو الذي كان الخزن فيه، واحتج الآخر بخط من ذكرنا، وأنه رسمه في ديوانه إلى الجامع الكبير، وأن البينة المذكورة لا تعارض الديوان المذكور، فعلى ماذا نعمل في النازلة مأجورا إن شاء الله".
فأجاب أبو حامد الفاسي بأن المرسوم في ديوان القاضي العادل المتثبت الموثوق به رحمه الله، أحق بان يعمل عليه، ولا يعارض ببينة تنسبه إلى حوز المسجد الآخر.
هذا هو سؤال القاضي مخشان، وجواب أبي حامد الفاسي عنه، ولعلنا نستطيع أن نثبت من خلال السؤال والجواب أن ابن عرضون لم يكن مسبوقا في عمله هذا، إذ لو كان أحد سبقه إلى هذا العمل لما أشكل الحكم على مخشان هذا، وهو الفقيه المتمرس بالأحكام الشرعية، والمطلع على خفاياها، إذ كان قاضيا، فكيف يغيب عنه ذلك؟ وأيضا فإن جواب أبي حامد الفاسي، قد يؤكد ذلك إذ لم ترد في جوابه إشارة إلى تعليل هذه الحوالات، أو مقارنتها بعمل سابق مماثل، كما انه لم يورد في ذلك أقوالا وآراء لعلماء سابقين، وفي تصورنا أنه لو اطلع على شيء من ذلك لاحتج به، ولكن كل ما أجاب به، هو أنه سلم القضية دون تعليل ولا تحديد، على خلاف العادة في أجوبة فقهاء ذلك العصر، إذ كثيرا ما كانوا يلجأون إلى إيراد نصوص مماثلة لفقهاء سابقين، قصد التنظير والمقارنة اتفاقا أو اختلافا، لا سيما إذا كانت القضية ذات أهمية كهذه، ومع ذلك فإن هذا ليس إلا استنتاجا لا يقوم حجة ولا يخصص دليلا على صحة الدعوى، على أستاذنا الجليل سيدي سعيد أعراب استنتج من عبارة الزرهوني، في نوازله ما يؤكد ذلك إذ جاء في نوازل الزرهوني "وزمام تكسير الأحباس المعبر عنه اليوم بالحوالة...".
وهكذا استمر العمل على عهد القضاة، الذين جاءوا بعد ابن عرضون – على مر العصور والأجيال- يحتجون بهذه الدواوين.
والقصد من هذه العجالة: هو لفت أنظار الباحثين في التراث المغربي إلى أشياء قد يستهين بها الباحث أو يحسبها بعيدة عن ميدان تخصصه، مع أنها تحتوي على مادة نافعة في مختلف مجالات الفنون، وما قلناه عن الحوالات يمكن أن يقال عن النوازل بصفة عامة، وكتب التوثيق بصفة أخص، وللحديث عنهما مجال آخر.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here