islamaumaroc

أقدم مسجد عتيق بمنطقة رباط الفتح -2-

  عثمان عثمان إسماعيل

العدد 242 ربيع1- نونبر 1984

وبعد التقديم التاريخي بالمقال السابق، نستعرض الآن آثار الموقع ونتائج الحفائر والتنقيبات، التي قمنا بها عامي 1959 و1963م. ويتضح كما رأينا من اللوحة رقم (2) بالمقال السابق تخطيط أسوار شالة الإسلامية، التي تضم مساحة مخمسة الأضلاع، تحدد معالم شالة في عصر أبي الحسن المريني فقط، لقد سبق أن بحث أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق عن بقعة يخصصها لدفن الملوك والمجاهدين من دولة بني مرين ورجالاتها، ذلك أنه اختار المساحة الحادثة للمدينة، حيث كانت شالة تمتد في الحقيقة أسفل الأسوار المرينية الظاهرة إلى ساحل البحر المحيط، منذ أيام الفينيقيين.
ويحمل مدخل شالة الكبير نقشا تأسيسيا بالخط الكوفي المضفر من عصر أبي الحسن المريني، نقرأ فيه بوضوح عام التأسيس 739 هجرية، ويتضح من اللوحة رقم (1) تخطيط المسجد، الذي نسبوه خطأ إلى أبي الحسن المريني وأرخوه بالقرن الثامن الهجري، وهو يشتمل حاليا على ثلاثة أساكيب وخمسة بلاطات، وخلف قبلته بقايا بعض الأضرحة، من أبرزها قبة السلطان أبي الحسن باني الأسوار.
ويمتد في مجموع الركن الشمالي الشرقي للخلوة، زاوية يتوسطها صحن حوله بيوت الطلبة ومصلى ومحراب وصومعة، ظنوها سابقا مسجدا ونسبوه إلى أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق.
وتوضح اللوحة رقم (4) بالمقال السابق، اكتشافنا لقبر الأمير أبي الكمال تميم أمير مملكة شالة اليفرني، وتوضح اللوحة رقم (2) حفائرنا بالقبة التي نسبناها إلى السلطان أبي سعيد عثمان، الذي اختلف العلماء المؤرخون والأثريون في موقع دفنه.
وقد واصلنا التنقيب بالقبة التي نسبناها إلى الوزير المريني أبي زيان عريف السويدي، الذي وزر لثلاثة من ملوك المرينيين، وبقاعة الدفن العامة، وكشفنا موقع قبور شهداء موقعة طريف، التي محص الله فيها المسلمين، وكانت آخر سلسلة الجهاد المقدس قبيل نهاية النصف الأول من القرن الثامن أيام أبي الحسن، وقد سماها الأثريون سابقا بقبة أي العباس أحمد.
ودرسنا شاهد قبر منشوري الشكل من الرخام نسبه العلماء عربا وأجانب إلى السلطان أبي العباس أحمد، وقد صححنا خطأهم في القراءة، وحققنا التاريخ، وكشفنا عن شخصية الأمير صاحب المقبرة، وهو موضوع دراسة مفصلة بكتابينا: حفائر شالة، والفنون الإسلامية، والنقوش العربية بالمغرب الأقصى.
وقمنا بتخصيص دراسة موسعة لنقش التأسيس المنقوش بالزليج، وكان قد عثر عليه جول بوريلي، وقام المرحوم المعلم مصطفى فيلال (كما أفادني شخصيا) بإكماله وتركيبه على جدار الزاوية المذكورة خلوة شالة، أن هذا النقش ينسب الزاوية في صراحة إلى عصر أبي سعيد عثمان المريني المتوفى عام 731 هجرية، وقد نشرنا دراسة حول الموضوع، وصححنا الخطأ أو التزييف الذي أصاب النقش.
وتوضح اللوحة رقم (3) حقيقة البناء ووظيفته، فصحن الزاوية (المدرسة في نفس الوقت)، حوله بيوت الطلبة من طابقين لازالت آثار دروجها باقية، أما صومعة الزاوية التي نسب بوجندار بناءها إلى أبي الحسن فوق قاعدة قديمة من عصر يعقوب، فإنها خلافا لما توهموا، وبعد دراستنا وأبحاثنا الميدانية، تبدو متجانسة البناء غير منجورة، كانت داخلة أصلا في مجموع البناء محجوبة بالملحقات، وقد كشفت أبحاثنا عن الحقيقة، بأن بناء الصومعة متجانس من القاع إلى القمة، ومن عصر بناء الزاوية أيام السلطان أي سعيد والد أبي الحسن المريني.
كما واصلنا الحفر والتنقيب داخل محراب الزاوية، لتمام الكشف عن تصميمه وتخطيطه، والتأكد من بطلان الروايات، التي زعمت بأن السلطان يعقوب المريني كان قد دفن بداخله، ومن اللوحة رقم (4) يظهر اكتشافنا لأثر إسلامي قديم يرجع إلى عصر الموحدين، كشفنا عنه داخل مصلى الزاوية المذكورة، وعلى عمق أربعة أمتار من الأرض الحالية، وعندما واصلنا الحفر أسفل الأثر المكتشف، وصلنا إلى أرضية رومانية مفروشة بالموزاييك، وتأكدنا من اكتمال اكتشاف الأرضيات الإسلامية.
وهكذا، فإن المسجد الذي ظنوه عتيقا ونسبوه إلى السلطان أبي يوسف يعقوب المريني، كان في الحقيقة زاوية أسسها أبو سعيد عثمان المتوفى عام 731 هجرية.
أما المسجد الأعلى الذي نسبوه إلى أبي الحسن، فيتضح تخطيطه العلوي (اللوحة 5) من ثلاثة أساكيب، الشمالي منها متراجع عن التخطيط شرقا وغربا، وأمكننا التنقيب والكشف من الوصول إلى أرضية المسجد العتيق، الذي أرجعناه إلى عصر الأدارسة فيما بين 213 – 220 هجرية، أي قبل بناء جامع القرويين نفسه، الذي أرست فاطمة الفهرية أم البنين قواعده عام 245 هجرية بفاس كما هو معلوم، وقد اعتمدنا في هذا التاريخ على نظام التخطيط وعناصر العمارة ومواد البناء، وكشف التنقيب أسفل أرضية المسجد العتيق عن طبقة العصر الروماني بعمارتها وفخارها ومخلفاتها، وتوضح اللوحة (1) التخطيط الجديد الذي وضعناه للمسجد العتيق الأول، الذي كان مشتملا على أسكوبين اثنين فقط، ثم الأسكوب الثالث المتراجع من الجانبين، والمضاف في عصر الدولة المرينية أيام السلطان يعقوب بالذات، كما أن الحفر داخل الأسكوبين الأولين من جهة القبلة، أسفر عن كشف أرضية المسجد الإدريسي العتيق، ثم أرضية مسجد آخر فوق المسجد الإدريسي، أرجعناه هو وصومعته إلى العصر الزناتي، ينما تتمشى الأرضية الأخيرة المرينية مع الأرضية الوحيدة بالأسكوب الثالث، المضاف على عصر السلطان أبي يوسف يعقوب المريني، ومن اللوحة (6) تتضح لنا واجهة بيت الصلاة الأصلية بالمسجد العتيق المكتشفة بحجارتها الرومانية الكبيرة، وقد قطعت هذه الواجهة بمستوى أرضية الإضافة المرينية لبناء أرضية متجانسة لمجموع مساحة المسجد على عصر السلطان أبي يوسف المريني، وقد رجعنا إلى تفصيل عمارة وزخرفة الصومعة التي نسبناها إلى العصر الزناتي على أساس عمارتها وهندستها ومواد البناء والزخرفة وتحليلها، فأضفنا بذلك أختا ثالثة إلى الصومعتين الزناتيتين المعروفتين بالمغرب، وهما صومعة جامع القرويين، التي تحمل نقشا باسم أحمد بن أبي بكر الزناتي وإلى فاس، من قبل بن الخير المفراوي سنة 344 للهجرة، وأختها صومعة مسجد الأندلسيين بفاس.
وإيمانا منا بمهام وظيفة الأثري الإنشائية، قمنا بوضع تصميم لسقوف المسجد المتلاشية حاليا لوحة (7)، كما أعدنا تصميم بناء المسجد إلى حالته الأولى، مع وضع تخطيطات ورسوم وهياكل توضح عناصر بنيانه من الداخل والخارج.
على أن ظاهرة تراجع الأسكوب الثالث المكتشف، التي سبق أن حيرت تيراس وباسيه وجورج مارسيه، فقالوا بأن بمسجد ابن صالح بمراكش تراجع في أسكوبه الأخير يذكر بمسجد أبي الحسن بشالة لازال محيرا للآن، لقد دفعنا ذلك إلى استقراء الآثار الإسلامية الدينية والمدنية بالمملكة المغربية، وحصر التخطيطات والرسوم التي تبدو فيها تلك الظاهرة، وتوصلنا بذلك إلى وضع نظرية جديدة في العمارة الأثرية المغربية، تقول أن ظاهرة الفص المتماثل في العمائر الدينية والمدنية المغربية ظاهرة مرينية، وأن البناء المريني استمد من عناصر البنيان والتخطيط توقيعا لا سبيل إلى تبديله وتزييفه.
كما نشرنا دراسة حول جميع الأمثلة، التي تعكس هذه الظاهرة حسبما يتضح على سبيل المثال من تخطيط مجموعة ابن صالح بمراكش، وتفصيل تخطيط مدرسة الصهريج بفاس البالي، وهي المدرسة التي أسسها أبو الحسن في حياة والده السلطان أبي سعيد عثمان فيما بين عامي 721 و773 للهجرة، وأخيرا تخطيط الجامع الكبير بالرباط، الذي يرجع وجود هذه الظاهرة فيه إرجاعه إلى عصر الدولة المرينية، بناء على أدلة عديدة سقناها في بحث سابق، ومن بينها مواجهة المجموعة العزيزية المقابلة له، وهكذا أدت تنقيباتها التي ناقشتها مؤتمرات رجال الآثار، وعرضت تفاصيلها وخطواتها ونتائجها على أثريين متخصصين من الأجانب، أقروها جميعا، ونذكر منهم على سبيل المثال بوريس ماسلوف، وجورج مارسيه، وجاستون، وفروان، واسكندر، ولبي، والأستاذ تاراديل، والدكتور أحمد فكري، أشهر علماء الآثار الإسلامية من العرب.
نقول: لقد أدت هذه التنقيبات إلى وضع ترتيب تاريخي لمباني شالة الأثرية، بعد أن قال مارسيه إنه من الصعب تحقيق ذلك، كما أدت حفائرنا وأبحاثنا إلى تفسير ظاهرة الفص المتماثل في تخطيط العمائر الأثرية المغربية، التي حيرت تراس ومارسيه وغيرهما، وقد مكنتنا تلك الحفائر أيضا من الكشف عن عدد من قبور الملوك والأمراء والأميرات والوزراء ورجال الدولة، وإلى إثبات حقيقة هامة وهي أن المسجد الوحيد بشالة أقدم من زاوية أبي سعيد عثمان، التي ظنوها مسجدا عتيقا، وأن المسجد العتيق الذي اكتشفناه بشالة، يرجع تاريخه الأول وتخطيطه القديم إلى عصر الأدارسة ثم الزناتيين قبل أن يخضع للتوسيع والإضافة على عصر المرينيين، وبهذا نستطيع القول بان مسجد شالة العتيق، الذي أرجعناه إلى عصر الأدارسة فيما بين 213- 220 هجرية، هو أقدم مسجد عتيق معروف إلى اليوم بمنطقة الرباط، طالما لم يثبت البحث والكشف ما يبطل ذلك إلى الآن.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here