islamaumaroc

الأسدي شاعر الوحدة الإسلامية في الأندلس

  علي لغزيوي

العدد 241 محرم 1405 - أكنوبر 1984

يحفل التاريخ بالأحداث والعبر التي لا تنتهي بانتهاء الظروف التي أفرزتها، بل تظل متجددة قابلة للاستمرار عبر الأجيال اللاحقة، بسبب تشابه الظروف والمناسبات في كثير من بقاع الأرض، ولا أريد أن أضرب الأمثلة، أو لأسوق النماذج العديدة لذلك، ولكني أوثر أن أمثل بأصوات الوحدة التي تعالت في مختلف الظروف والحقب، تنادي بضرورة الوحدة ونبذ الخلاف، وكان المجتمع الإسلامي خاصة ولا يزال ميدانا لهذه النداءات المتوالية بسبب ما أحاط به من ظروف لا يختلف ما مضى منها كثيرا عما يعرفه عالمنا اليوم.
ولكن هل يستفيد الإنسان من الدروس والعبر التي يسجلها التاريخ ؟ وهل يستجيب للنداء النبيل الذي يرسله الأحرار من ذوي النيات الحسنة لجمع شتات ما تفرق ؟ وتصحيح خط السير ووضع العجلات في الطريق الرشيد للإنسانية ؟ والتسامي فوق كل أنواع النزاع والاستغلال لتجنب الضعف الذي يهدد بالدمار ؟ والخلاص من الخطر الذي قد يدفع بنا إلى هوة سحيقة.
قد تتعدد الأجوبة، أو تتنوع أساليب التسويغ والتهرب للتخلص من الجواب الصريح المباشر، ولكن مما لا مراء فيه أن الإنسانية لا تستفيد إلا بالقدر اليسير من تجارب الأسلاف ؛ إذ لو كانت الاستجابة قوية، لكان العالم اليوم غير ما هو عليه من فرقة وتطاحن وانقسام، وإراقة دماء بحق وبغير حق. فإذا قصرنا الأمر على الأمة الإسلامية باعتبارها حاملة مشعل النور لهداية العالم وقيادته، استجابة وتحقيقا لأهداف الرسالة الإسلامية الخالدة، لوجدنا الحالة لا تختلف كثيرا. فهل نحن في مستوى قيادة العالم ونشر الرسالة الربانية الخالدة، والمحافظة عليها باعتبارها أمانة ومسؤولية كبرى ؟ وكيف يتحقق ذلك في وقت لا تزداد فيه الأمة الإسلامية إلا فرقة وتطاحنا واختلاف ؟ بالرغم من وعي كثير من أبنائها بالمال الذي يمكن أن يؤول إليه المصير في خضم الصراع المفروض على المسلمين فرضا من طرف خصومهم المتربصين بهم.
لا أريد أن أذهب بعيدا فأجاري من يقول أن المسلمين ليسوا في مستوى القيادة، لأنهم لا يعدون أن يكونوا طوائف شتى بحال القبائل المختلفة التي تنشر في المشرق والمغرب، فذلك قد لا نقبله على هذه الدرجة من القسوة في التطرف، ولكن الملاحظ مع ذلك، أن متتبع أخبار العالم الإسلامي، والمراقب لطبيعة العلاقات بين بعض (الدول) الإسلامية وبعض، يجد نفسه أمام صورة مماثلة لعهد الطوائف في الأندلس، وهو العصر الذي حمل في طياته بذرة الضعف والانقسام والانهيار.
وإذا كان هذا الوضع – إذا نظرنا إليه من هذه الزاوية – مزريا يبعث على التشاؤم أحيانا، ويزرع في النفوس الصادقة المرارة والأسى، فإن أصوات الوعي تتعالى هنا وهناك، تدق (ناقوس) الخطر حينا، وتسهم بكل أنواع المعروف حينا آخر لتقريب وجهات النظر، وتوحيد الرؤية، أو إعادتها إلى وضعها الطبيعي، وهي بذلك تبعث على الأمل، وتكاد تبددد الظلمة التي تحجب الرؤية السليمة لواقع والمستقبل على السواء.
تلك خواطر مستخلصة من قراءة الواقع العربي الإسلامي في عهدنا هذا، وهي قراءة ذكرتني بواقع الأندلس في كثير من مراحل تاريخها، وما سد فيها من صراع وانقسام في الداخل، ومواجهات متوالية في الخارج. ولكن أصوات الوحدة التي تعكس الوعي العميق بأبعاد المعركة وخطورتها لم تغب حينذاك أيضا، وكانت عاملا من أهم عوامل اليقظة، وجوع الصفوف، وتوحيد الكلمة، ولو إلى حين. والأمثلة على ذلك كثيرة على امتداد تاريخ الإسلام في الفردوس المفقود، ولكني أختار منها نموذجا واحدا لعله من أقوى وأوضح أصوات الوحدة دلالة وعمقا، ينتمي إلى وقت مبكر في تاريخ الأندلس، أفرزته ظروف وملابسات معينة، تشبه إلى حد كبير ظروف وملابسات واقعنا الراهن، ذلك هو صوت الشاعر الأسدي الذي يمكن اعتباره بحق شاعر الوحدة الإسلامية في الأندلس، ولكن دعوته لا تقتصر على عصره وحده، بل يمكن أن يغذو نموذجا حيا خالدا، ورمزا غنيا يحمل الكثير من الدلالات، مما يؤكد أنه إذا كان عصرنا اليوم يعتبر عصر اليقظة والوعي، بسبب ما حققه تاريخ البشرية وفكرها من نمو وتطور، فإن العهود الماضية بدورها لم تخل من علامات الوعي واليقظة التي لا تقل قيمة عن مظاهر اليقظة والوعي في عهدنا الراهن هذا، إن لم تفقها أحيانا، لتكسب صفة الاستمرار والخلود. ولعل الأسدي واحد من أوضح تلك العلامات.
فمن هو الشاعر الأسدي ؟ وما هي مقومات دعوته من خلال شعره ؟ هذا شاعر يكاد يكون مغمورا بسبب ضياع أخباره وآثاره أو معظمها، مما يجعلنا لا نعرف عنه لشيء الكثير، وكل ما نعرفه عنه اعتمادا على المصادر القليلة التي احتفظت ببعض الإشارات إنه : محمد بن سعيد بن مخارق الأسدي، نسبة إلى أسد بني خزيمة، فهو عربي النسب، عاش في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، لأن ما بقي من شعره يرتبط بأحداث هذه الفترة، وقد عاصر الصراع المرير الذي دار بين القوة العربية من جهة، سواء على الصعيد الشعبي أم على الصعيد الرسمي، وبين قوة المولدين الحاقدين على العرب، والمتمردين على أمراء قرطبة بزعامة عمر بن حفصون من جهة أخرى.
وكانت المواجهة بين العرب والمولدين تتمثل في واجهات متعددة، أبرزها: الاصطدمات الدموية والمعارك الحربية، والمنافرات اللسانية بين شعراء كل فريق، وقد كان الشاعر الأسدي يحامي عن العرب بلسانه، ويقوم فيهم مقام عبد الرحمان بن أحمد المعروف بالعبلي في المولدين.
وبالرغم من قلو ما بأيدينا من أخبار وآثار الأسدي، فإن ذلك القدر اليسير، ولا سيما ما احتفظ به أبن حيان الأندلسي في كتابة (المقتبس) (1)، يعكس وعيا عميقا بخطورة المعركة، وفهما واسعا لإبعادها وانعكاسها؛ فقد تأمل واقع الغرب والمسلمين فرأى أن جرثومة العصبية القبلية بين القيسية واليمنية، بعد أن حملوها معهم من المشرق ولم يستطيعوا التخلص منها في البيئة الجديدة، قد أفنتهم أو كادت، وهم لم يكادوا يتخلصون من الصراع الذي كان محتدما في مرحلة سابقة لعصر الأسدي، في عهد الولاة بين الشاميين والبلديين، تغذيه النزعة القبلية بين القيسية واليمنية، وقد بلغ الأمر بالمسلمين في تلك المرحلة، وبسبب توالي الجهاد الخارجي حيث كان العدو يتربص بهم، إن شعروا بالخطر الحقيقي الذي يهدد مقدساتهم ووجودهم، وتمثل ذلك الإحساس المشبع بالمرارة والأسى، في رسالة جماعية بعثوا بها من الأندلس إلى والي إفريقية من قبل الخليفة الأموي في دمشق، ومما جاء فيها : " أعنا بوالي يجمعنا ويأخذ بيعتنا له ولأمير المؤمنين، وحتى يصير الشام والبلدان على دعوة ولحدة، فقد أفتانا القتل، وخفنا العدو على ذرارينا " (2).   
وهي رسالة غنية عن كل تعليق، تعيد إلينا اليوم صورا متعددة من القتال الدائر بين الإخوة بعضهم بعض.
وتأمل الشاعر الأسدي الهلاقات بين العرب والمولدين الذين يصدرون عن حقد شعوبي على العرب، فرأى أن فرقة العرب وتشتت صفوفهم سبيل إلى ضعفهم، ولا سيما أمام ثورة ابن حفصون التي تعتبر من أخطر الثورات التي عرفتها الأندلس، سواء في طول أمدها الني استغرق حوالي نصف قرن من الزمن، وفي اتساع رقعتها، أو في ما نتج عنها من تهيئ الجو لانتشار ثورات أخرى، واستنزف قوة المسلمين. ولا شك أن المسلمين –وفي مقدمتهم الشعراء الذين واكبوا تلك الأحداث – حين رأوا حرب ابن حفصون جهادا، كانوا على حق، لأن حركة ابن حفصون لم تكن حركة تمردية عادية، ولا مجرد موقف شعوبي حاقد، بل غدى زعيمها حركته بنزعة صليبية، ذلك أنه كان يتظاهر بالإسلام ويسر النصرانية، ولكنه أقدم على أخطر تحد للمسلمين في الأندلس، حين جهر بالنصرانية سنة 286هـ.
وقد عاصر الأسدي كل تلك الأحداث، وكان ضمير العصر الذي يتنبأ بكثير من نتائج الصراع، ويدعو إلى الحلول التي تجنب المسلمين التقهقر والسقوط.
تلك هي الظروف التي جعلت الأسدي ينشد الوحدة ويدعو إليها، بعد أن ملكت عليه نفسه، فأصبح يلهج بها، وقد تمثل صوت الوحدة عنده في مبدأين متكاملين :
المبدأ الأول : الوحدة العربية :
في إطار وحدة النسب، لمواجهة المولدين وما في نفوسهم من حقد شعوبي، وفي ذلك يقول الشاعر الأسدي مبرزا قيمة توحيد الصف ونبذ الخلاف (3) :
إذا ما استلأمت أسد وقيس     رأيت الشرك قد خضعوا وذلوا
ومن قحطان والحيين بكر      وتتغلب أسد غاب ما تفـــل
واقتناعا منه بأهمية الوحدة العربية، راح يتغنى بها ويدعو إلى تحقيقها باعتبارها أهم عناصر القوة، ويظهر ذلك واضحا في أبيات له يوجه فيها الخطاب إلى القبائل العربية في الأندلس، يحرضها وينبهها من غفلتها، بينما خصوم العرب وأعداؤهم ساهرون منتبهون حذرون، ويسعى إلى إبراز فضائل الوحدة وإيجابياتها من خلال ما يسوقه من حكم وضرب للامثال، ويغنيها بالتشبيهات والصور، ويؤكد دعوته بوسائل التأكيد البلاغية المناسبة، كما يوظف الوصية المشهورة في تاريخ العرب عن أهمية الوحدة والتماسك، ولكن في عبارات بسيطة واضحة تعكس صدق الانفعال، وحرارة العاطفة، فيقول
موضفا وصية المهلب بن أبي صفرة :
يا أيها العرب النائي محلتهــم           أنتم نيام ومن يشتاكم سهـــر
ما عيش عدنان دون الحي يمن؟       أو عيش ذي يمن قد خانها مضر؟
إن السهام إذا ما فرقت كسرت       وإن تجمعن تبقى ليس تنكســر (4)
المبدأ الثاني : الوحدة الإسلامية :
ذلك بأن الوحدة بين العدنانية واليمنية لا يمكن أن تشكل مصدر قوة حقيقية في نظر الشاعر الأسدي ألا باصطباغها الإسلامية، لأن الإطار الإسلامي هو الذي يحقق الوحدة الكبرى في أقوى درجاتها أما الخطر الصليبي الذي يهدد العرب والمسلمين، ولأن الوحدة في ذلك الإطار السامي هي الكفيلة بمحو الخلافات، وتجاوز الأحقاد والانقسامات، والسمو فوق كل أنواع التفرقة التي تغذي الصراع العربي – العربي بدافع من العصبية الحاقدة. ولا يمكن للمسلمين أن يكونوا في مستوى المرحلة الجديدة من تاريخهم حينذاك – وفي كل عصر – إلا بنبذ تلك الحزازات التي تنهش القلوب، وتريق الدماء هدرا. ومن ثم فهو يلح على تذكيرهم بانتساب الرسول صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدين إليهم، ويكون المهاجرون والأنصار الذين مثلوا أروع نموذج للوحدة والتآخي، وغيرهم من الصحابة والتابعين منهم، فيقول في أبيات يلتزم فيها الوضوح في الفكرة والعبارة، معتمدا على وسائل الاقتناع المناسبة :
أليس منكم نبي الله أكرم من          يرى إلاله ومن جاءت به السور
وصاحباه أبو بكر خليفتــه          وخدنه المرتضى من بعده عمر
ومعشر هاجروا في الله ربهم      والتابعون وقد آووا وقد نصروا (5)
ولا شك أنه في هذا النموذج، يسعى إلى إحياء تلك الصورة المشرفة للوحدة الإسلامية كما عرفها المسلمون في صدر الإسلام وعصوره الزاهية، لتتمثلها أجيال المسلمين في الأندلس، وهي صورة رائعة كانت سبيلا إلى القوة والنصر، كما أنها تقدم دروسا خالدة في الوحدة والإيثار والتغلب على النزعات الفردية، ومشاعر الأنانية الضيقة. كما أنه يحسن التوجيه إذ يستوحي القرءان الكريم، فقد نظر إلى قوله تعالى : " والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض" (6). وكذلك إلى قوله تعالى : " والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا" (7).
وكيف لا تملأ عليه الوحدة نفسه وهو يرى إخوانه يتساقطون صرعى على أيدي أعدائهم، بسبب تفرقهم الذي أدى إلى ضعفهم ؟ فحين نظم العبلي شاعر المولدين قصيدته اللامية التي مطلعها :
قد انقصفت قناتهم وذلـوا  وزعزع ركن عزهم الأذل (8)
وفيها يقول عن العرب بنوع من التشفي والحقد :
فما طلت دماؤهم لديهم        وهاهم عندنا في البير طلوا
رد عليه الأسدي بنقيضة ينص ابن حيان على أنها من مشهور شعره، يعبر فيها عن أسفه وحزنه لما أصاب قومه، ويشاركهم ما يعانون من آلام، ويجزع لجزعهم، ولا يملك تحت تأثير الصدمة إلا أن يسيل الدموع الغزيرة التي لا يكاد تنقطع، وهو في الحقيقة لا يبكي لا إشفاقا عليهم لتورع قواهم. فإذا أفاق من تأثير الصدمة، واستعاد رشده وتوازنه، تحمل مسؤوليته باعتباره شاعرهم الذي يجب ألا يستسلم لليأس والحزن، فأعلن أنه ملتزم بالنفح عنهم بالكلمة التي تصيب ما قد لا يصيبه السنان
قد احتل الأحبة واستقلــوا        لطيتهم بليل وأحزالــوا
فظل الدمع من جزع عليهم      إذ احتملوا يسح ويستهل
سأصرف همتي عنهم وأسلوا   بهجوي معشرا كفروا وضلوا (10)
وهو إذ يصف المولدين بالكفر والضلال، يؤكد أن العرب كانوا يدركون حقيقة نواياهم، وما كانوا يطوون عليه كشحهم من أحقاد النصرانية، مما جعل العرب يعتبرون موقفهم دفاعا عن الدين.
ومع أن الشاعر يبدو حزينا، ويعترف بتلقائية بأن دمعة لا ينقطع جزعا على قومه، فهو لا يتشاءم، بل يعبر عن تفاؤله بالنصر لأن موقفهم عادل يؤيدهم فيه إلاله، فيقول بضمير الجمع الذي يعتبر من الأدوات التي يعتمد عليها في تأكيد الوحدة الإسلامية :
لواء النصر معقود علينا  بتأييد إلاله فما يحل (11)
وإذا قال العبلي المنافح عن المولدين يهدد العرب في أبيات أثارت ذعر العرب حتى أنه لو أحاطت بهم عساكر أهل الأرض ما وجدوا مزيدا من ذلك على حد تعبير ابن حيان الذي أثبت لأبيات المذكورة في تاريخه :
منازلهم منهم قفار بلاقـــع                 تجاري السفافيها الرياح الزعازع
وفي القلعة الحمراء تدبير زيعهم         ومنها عليهم تستدير الوقائع
كما جدلت آباءهم في خلائها              استتنا والمرهفات القواطع (12)
تصدى له الأسدي المنافح عن العرب، فرد عليه بنقيضة يهدد فيها الموالدين بقرب نهايتهم وسوء مصيرهم، بطريقة وأثقة توحي بالإعتزاز بالنفس :
منازلنا معمورة لا بلاقــــع               وقلعتنا حصن من الضيم مانـع
وفيها لنا عز وتدبير نصــرة              ومنها عليكم تشيب الوقائع
ألا فأذنوا منها قريبا بوقعــة              تشيب لها ولداتكم والمراضع (13)
وهو يستحضر دائما لمعاني القرآنية، كما يستفيد من بنية الجملة في القرءان، إذ استوحى البيت الأخير مبنى ومعنى لي حد كبير من قوله تعالى : " فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله" (14). ومن قوله تعالى : " فكيف تتقون أن كفرتم يوما يجعل الوالدان شيبا" (15).
ويبدو واضحا من سياق الأحداث، ومن الإشارات التاريخية الصريحة عند ابن حيان وغيره، ومن طبيعة هذه النماذج الشعرية، ولا سيما ما تمثل منها في فن النقائض، أن الموالدين كانوا البادئين بالهجوم سواء في المعارك الحربية أم في المساجلات اللسانية. ومن تم فإن موقف العرب موقف عادل مشروع. لأنه موقف دفاع بالدرجة الأولى، وليس موقف هجوم واعتداء.
وهكذا نلاحظ أن العاطفة العربية القوية عند الشاعر الأسدي قد اصطبغت بالعاطفة الإسلامية الجياشة التي سمت بها فوق كل أنواع التعصب والأنانية، فبدأ من خلال شعره عربيا مسلما مخلصا في نصيحته، متحرقا لتحقيق الوحدة، مما يدل على وعيه العميق وإدراكه البعيد الخطورة الموقف الذي لا يسمح بالانقسام والتخاذل، واقتناعه بأن الإطار الإسلامي كفيل يصهر كل الأجناس، ومحو كل العصبيات، لذلك نجده ينادي بأعلى صوته، انطلاقا من تقديره لمسؤوليته وإدراكه لدوره في المعركة، فيقول :
قل للقبائل من هود ومــن أدد  تقبلوا النصح إذ قلناه أو فذروا
ما أن تركت لكم نصحا لمنتصح  والنصح عند ذوي الألباب مذخر (16)
ذلكم صوت ونموذج حي من نماذج كثيرة ما أحوجنا إلى استلهامها لتحقيق الهدف المنشود، وتجاوز كل أنواع الخلاف لتعيش الأجيال المسلمة المتطلعة إلى الغد المشرق، في شرق بلاد الإسلام وغربها، في وئام وتلاحم ووحدة، فلا يجد العدو إليها سبيلا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المقتبس لابن حيان، القسم الثالث، تحقيق الاب م. انطونيا، طبعة باريس 1937، صفحات متفرقة، وهو القسم المعتمد في هذه الدراسة.
(2) أخبار مجموعة في فتح الأندلس لمؤلف نجهول، ص : 48، تحقيق إبراهيم الابياري 1401 هـ - 1981 / ، دار الكتاب البناني – بيروت. 
(3) المقتبس لابن حيان ص : 64.
(4) المصدر نفسه.

(5) نفسه.
(6) سورة الأنفال الآية : 72.
(7) سورة الأنفال الآية : 74.
(8) المقتبس ص : 64 والحلة لسيراء لابن الأبار : 1/153، تحقيق د. حسين مؤنس، الطبعة الأولى 1963، لجنة التأليف والترجمة والنشر القاهرة.
(9) أحزال (الشيء) : اجتمع، وأرتفع، لسان العرب لابن منظور، مادة : حزل.
(10) المقتبس  ص : 64.
(11) المصدر نفسه.

(12) المصدر نفسه ص 63.
(13) نفسه، وأنظر المغرب في حلى المغرب لابن سعيد : 2/125، تحقيق د. شوقي ضيف، الطبعة الثانية 1964، دار المعارف – مصر.
(14) سورة البقرة الآية : 279.
(15) سورة المزمل الآية : 17.
(16) المقتبس ص : 64.
وأنظر ما كتبناه عن الشاعر الأسدي في الفصل الذي خصصناه لقضايا الصراع الاجتماعي والسياسي في الشعر الأندلسي ضمن رسالتنا : أدب السياسة والحرب في الأندلس من الفتح الإسلامي إلى نهاية القرن الرابع الهجري، نسخة مرقونة بمكتبة كلية الآدب – فاس.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here