islamaumaroc

حول تاريخ الأديان -3-

  محمد كمال شبانة

العدد 241 محرم 1405 - أكنوبر 1984

أول المرسلين إلى بني إسرائيل:
إن أول المرسلين إلى بني إسرئيل هو سيدنا يعقوب، وقد قص القرءان الكريم علينا قصته مع قومه في أيجاز، ولا يتطرق إلى شيء من التفصيل عنه إلا حينما يتحدث عن يوسف وقصته.
ويتردد الحديث عن يعقوب في مواضع مختلفة وكثيرة عند ذكر الأنبياء بصفة عامة، بحيث يكون الحديث منصبا على النمط العام الذي تكتسبه نبوة المرسلين، كقوله تعالى:
" قولوا: أمنا بالله، وما أنزل إلينا، ما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وما أوتي موسى وعيسى، وما أوتي النبيئون من ربهم، لا نفرق بين أحد منهم، ونحن له مسلمون" (1).
- " واذكر عبدنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولى الأيدي والابصار. إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار. وأنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار. وأذكر اسماعيل واليسع وذا الكفل، وكل من الاخيار" (2).
- " أم يقولون : إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى ؟ قل : أ أنتم أعلم أم الله ! ؟ ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله ، وما الله بغافل عما تعملون" (3).
وعليه فإن قضية الصعود والهبوط وإرادة كذلك في جانب سيدنا يعقوب؛ لكونه بشرا كسائر الأنبياء، وقصته مع ابنه سيدنا يوسف، وما كان من تمييزه له دون إخوته لدليل على تلك النزعة البشرية، الأمر الذي حدا بالإخوة إلى التفكير في قتل يوسف، حتى ينفردوا بعطف أبيهم، ويحتلوا مكانة أخيهم لديه :
- " إذ قالوا : ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا، ونحن عصبة، أن أبانا لفي مبين، اقتلوا يوسف، أو إطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم، وتكونوا من بعده قوما صالحين " (4).
ونحن نرى الدافع لهؤلاء الإخوة في هذا السلوك إنما هو افتقادهم أباهم وهو ما زال بقيد الحياة، والسبب لهذا الافتقاد هو يوسف في نظرهم، وإن كان الأب هو السبب الحقيقي، حيث الواقع المشاهد.
ويسرد القرءان الكريم القصة هذه من البداية إلى النهاية، وما أن عاد الأبناء إلى أبيهم دون أخيهم يوسف – بعد أن ألقوه في غيابة الجب، وأتوا بقميصه ملوثا بالدماء الكاذبة – حتى شك فيهم أبوهم، وخاطبهم : " .. بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل، والله المستعان على ما تصفون" (5).
ثم يتقدم الأبناء إلى أبيهم برغبة أخرى بعدئذ، وهي أنهم يريدون أن يصطحبوا " بنيامين" أخا يوسف، ولكن سيدنا يعقوب ما زال ناقما عليهم فعلتهم السابقة نحو يوسف، ولذلك خاطبهم في شأن " بنيامين" تبعا لرغبتهم هذه :
- " قال : هل أمنكم عليه ألا كما أمنتكم على أخيه من قبل ! ؟ فالله خير حفظا، وهو أرحم الراحمين " (6).
فهذا الهبوط البشري – كما حكاه القرءان الكريم في صدد سيدنا يعقوب في هاتين المناسبتين – لا يقاس بما أوردته التوراة في هذا المضمار، بل لقد سردت أسفار التكوين عند اليهود الكثير عن يعقوب، مما لو أتاه بشر آخر لاستحق اللوم مضاعفا..
وهاهي صورة بشعة، كما جاءت في التوراة بسفر التكوين، فقد تزوج يعقوب ابنتي خاله معا؛ وهما: لينة، الابنة الكبرى، التي لم يحبها قط، والتي أنجب منها ستة من أبنائه لم يحبهم قط. وراحيل، الابنة الصغرى الجميلة، التي أحبها وأنجب منها ابنيه الأثيرين: يوسف ، (صاحب القصة المشهورة) ، وبنيامين الذي أتى به الإخوة إلى يوسف في مصر، بناء على طلبه (7).
كما قدمت له كل من الشقيقتين جاريتها، ليزداد لها حبا، ولتكون أثيرة لديه، فأنجب من " بلهة" جارية راحيل ابنين، بينما أنجب من " زلفة" جارية لبنة ابنين (8).
ومن مجموع هؤلاء الأبناء الاثنى عشر يتكون أسباط بني إسرائيل الاثنا عشر.
وهكذا .. نرى قضية الهبوط البشري في صورة محدودة في القرءان الكريم في قصة سيدنا يعقوب، بينما هذا الهبوط نراه في التوراة يتخذ أبعادا...

النبي المنقــذ :
أما النبي المنقذ لبني إسرائيل فهو سيدنا موسى عليه السلام، وقصته في أكثر من موضع من القرءان الكريم، وفي كل موضع لها هدف محدد نحو العظة والاعتبار.
وتقترن قصة موسى بالعنت والإرهاق الذي أصاب اليهود على يد فرعون مصر (رمسيس الثاني) والاستبداد الذي كان عنوانا له.
على أن هذه الممارسة من فرعون نحو اليهود بمصر إنما كانت تعبيرا عن أحاسيس المصريين نحو تلك الطائفة التي لم تحاول يوما أن تندمج مع الشعب المصري كما أسلفنا، وإنما استغلته وتعالت عليه، وتنكرت لضيافته.
وقد قص العهد القديم هذه القصة، من وجهة نظر بني إسرائيل، تلك الوجهة التي تتسم بالتعصب، دفاعا بالباطل عن " شعب الله المختار"، تقول القصة:
" ثم قام ملك جديد على مصر، لم يكن يعرف يوسف، فقال لشعبه: هو ذا بنو إسرائيل، شعب أكثر وأعظم منا. هلم نحتال لهم، لئلا ينموا، فيكون إذا حدثت حرب إنهم ينضمون إلى أعدائنا، ويحاربوننا، ويصعدون من الأرض. فجعلوا عليهم رؤساء تسخير، لكي يذلوهم بأثقالهم".
" فاستعبد المصريون بني إسرائيل بعنف، ومرروا حياتهم بعبودية قاسية، في الطين واللبن، وفي كل عمل في الحقل. كل عملهم الذي عملوه بواسطتهم عنفا، وكلم ملك مصر قابلتي العبرانيات، اللتين اسم إحداها شفن، واسم الأخرى فوعة، وقال : حينما تولدان العبرانيات، وتنظرانهن على الكراسي ؛ إن كان إبنا فاقتلاه، وإن كان بنتا فتحيا " (9).
فكان هذا السلوك لا يتمشى مع منطق العدالة الإلهية، فكان من الضروري أن تتدخل العناية الإلهية، وذلك بإرسال بني منقذ، وهو ما قد حدث بالفعل ؛ إنقاذا للبشرية من طوفان الاستبداد.
ولكن لا ينبغي أن نصدق ما يصوره العهد القديم في هذا الشأن ؛ فقد صور اليهود أن الله تدخل لإنقاذ " شعبه المختار" !! وإنما تدخل – سبحانه وتعالى – لإنقاذ الإنسانية إن هي تعرضت لاضطهاد أو ظلم، ولو كانت هذه الإنسانية تنتمي إلى بني إسرائيل، والذي يعرف عنهم التاريخ أنهم أشد كفرا بالله وعصيانا، وأنهم لا يلجأون إليه إلا ساعة الحاجة، والقرءان الكريم يصور قصتهم هذه، فيقول :
- " إن فرعون علا في الأرض، وجعل أهلها شيعا، يستضعف طائفة منهم، يذبح أبناءهم، ويستحي نساءهم، إنه كان من المفسدين. ونريد إن نمن على الذين استضعفوا في الأرض، ونجعلهم أئمة، ونجعلهم الوارثين، وتمكن لهم في الأرض، ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون" (10).
وكان الرسول الذي بعثه الله لهذه المهمة هو موسى بن عمران، وهو واحد من بني إسرائيل المضطهدين، والذي رأى أن يستعين بأخيه هارون في الاستجابة لهذا الأمر الإلهي :
- " وهل أتاك حديث موسى ؟ إذ رأى نارا، فقال لأهله : امكثوا، إني آنست نارا، لعلي آتيكم منها بقبس، أو أجد على النار هدى. فلما أتاها نودى: يا موسى، إني أنا ربك، فأخلع نعليك، إنك بالوادي المقدس طوى. وأنا اخترتك، فاسمع لما يوحى . . اذهب إلى فرعون ، إنه طغى. قال : رب اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، وأحلل عقدة من لساني يفقهوا، قولي. واجعل لي وزيرا من أهلي ؛ هارون أخي أشدد به أزري، وأشركه في أمري؛ كي نسجك كثيرا ونذكرك كثيرا، إنك كنت بنا بصيرا. قال: قد أوتيت سؤلك يا موسى " (11)
- وتجدر الإشارة إلى أن سيدنا موسى هو الطفل الوحيد الذي ينقذ من الموت دون بقية أطفال بني إسرائيل، بالإضافة إلى أن تنشئته وتربيته كانت في قصر فرعون ذاته، هو الذي ثار عليه فيما بعد، وذلك حينما أنيطت به الرسالة، وفي هذا دليل على القدرة الإلهية، والإعجاز العظيم الذي تتضاءل أمامه خوارق العادات.
وقد أورد القرءان الكريم قصة إنقاذ موسى، وتربيته في قصر فرعون، فقال تعالى:
- " وأوحينا إلى أم موسى إن أرضعيه، فإذا خفت عليه فألقيه في اليم، ولا تخافي، ولا تحزني، إننا رادوه إليك، وجاعلوه من المرسلين. فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا. إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين. وقالت امرأة فرعون : قرة عين لي ولك، لا تقتلوه، عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولد، وهم لا يشعرون".
- - " وحرمنا عليه المراضع من قبل، فقالت: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم، وهم له ناصحون ؟ فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن، ولتعلم أن وعد الله حق، ولكن أكثرهم لا يعلمون" (12).
ونلحظ كذلك سيماء الهبوط البشري عند سيدنا موسى، وهي أكثر مما لاحظنا في قصة يعقوب فقد طلب موسى أن يرى ربه، وألح في ذلك
- " ولما جاء موسى لميقاتنا، وكلمه ربه، قال : رب أرني أنظر أليك، قال : لن تراني، ولكن أنظر إلى الجبل، فإن استقر مكانه فسوف تراني، فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا، فلما أفاق قال : سبحانك، أني تبت إليك، وأنا أول المؤمنين" (13).
كما أن موسى كان يتصف بالعجلة في أخص الأمور، ذلك أن طلب من ربه أن يعذب فرعون وقومه في الدنيا، بذل أن يطلب له ولهم الهداية، صبرا منه وتقربا إليه:
- " وقال موسى : ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا، ربنا ليضلوا عن سبيلك، ربنا اطمس على أموالهم، وأشدد على قلوبهم، فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم" (14).
- ويصور الأستاذ قطب ما كان من أمر موسى، بعد أن أنقذه ربه من فرعون وملأه، بعبوره إلى سيناء، فيقول :
" وواعده على الجبل ميعادا ضربه له، ليلقاه بعد أربعين يوما، لتلقي التكاليف، تكاليف النصر بعد الهزيمة، وللنصر تكاليفه، والعقيدة تكاليفها، ولابد من تهيؤ نفسي، واستعداد للتلقي" .
" لقد غلب الشوق على موسى إلى مناجاة ربه، والوقوف بين يديه، وقد ذاق حلاوتها من قبل، فهو إليها مشتاق عجول، ووقف في حضرة مولاه، وهو لا يعلم ما وراءه، ولا ما أحدث القوم بعده حين تركهم في أسفل الجبل".
" إن الاستعباد الطويل، والذل الطويل – في ظل الفرعونية الوثنية – كان قد أفسد طبيعة القوم، وأضعف استعدادهم لاحتمال التكاليف والصبر عليها، والوفاء بالعهد، والثبات عليه، وترك في كيانهم النفسي خلخلة، واستعداد للانقياد، والتقليد المربح، فما يكاد موسى بتركهم في رعاية هارون، ويبعد عنهم قليلا، حتى تتخلخل عقيدتهم كلها، وتنهار أمام أول اختبار" (15)
ويصور القرءان الكريم كلتا العجلتين من موسى؛ تعجلة للقاء ربه، وتعجلة في الغضب على قومه:
- " وما أعجبك عن قومك يا موسى ؟ قال : هم أولاء على أثري، وعجلت إليك رب لترضى. قال : فانا قد فتنا قومك من بعدك، وأضلهم السامري. فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا... " الايات (16)
وهناك تعجل آخر ومن نوع آخر، ظهر في تصرف سيدنا موسى الخضر عليهما السلام:
- " وإذ قال موسى لفتاه : لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا.... فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا، وعلمناه من لدنا علما. قال له موسى : هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشد ؟ قال : إنك لن تستطيع معي صبرا ".
ومع أن موسى وعد الخضر بالصبر، حين قال : " ستجدني – إن شاء الله – صابرا، ولا أعصي لك أمرا" (17)، إلا أنه كان يتعجل الأمر، قلقا للغاية، حتى وصل الأمر بالخضر إلى حد تهديده مرتين : أحدهما بقوله :
- " قال : ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا ؟ " (18).
وأخيرا اضطره إلى أن يخاطبه بقوله :
- " هذا فراق بيني وبينك ..." (19).
وأردف الخضر هذا بأن فسر له كل عمل كان موسى يتعجل أسبابه ودافعه " ... ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبرا" (20).
ولا غرو فان تلك العجلة من سيدنا موسى كانت ملازمة له منذ صغره ؛ فقد قتل خطأ وبعصبية أحد المصريين، وتلك خاصية العصبيين عادة، سرعان ما يتورون، فيقعون في المخظور، ثم يعودون لرشدهم، فيتوبون مستغفرين. وقد قص علينا القرءان الكريم ما حدث من سيدنا موسى في هذا الأمر ، فقال تعالى :
- " ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها، فوجد  فيها رجلين يقتتلان ؛ هذا من شعيته وهذا من عدوه ... الآيات " حتى قوله تعالى : " وما تريد أن تكون من المصلحين " (21).
ومثل تلك القصة مع سابقاتها – من جانب موسى إنما هي دلائل البشرية،وما يجوز عليها من الخطأ والوقوع فيه، إضافة إلى انتمائه إلى بتي إسرائيل بما عرف عنهم من عدم استقرار نفسي..
وهكذا .. نرى أن موسى أنما هو نموذج للزعيم المندفع العصبي المزاج ؛ " حيث نرى في تصرفاته التعصب القومي، كما يبدو الانفعال العصبي، وسرعان ما تذهب هذه الدفعة العصبية، فيثوب إلى نفسه، شأن العصبيين " (22).
ولقد ثاب بالفعل إلى رشده، وعزا ما كان قد اقترفه إلى عدو بني الإنسان منذ بدء الخليقة، وقال : هذا من عمل الشيطان " إنه عدو مضل مبين " .


 

ــــــــــــــــــــــــ
(1) البقرة : 139.
(2) ص : 45-48
(3) البقرة : 14.
(4) يوسف : 8 -9.
(5) يوسف  : 18.
(6) يوسف : 64.
(7) العهد القديم : سفر التكوين – 1: الاصحاح التاسع والعشرون : 21 – 35.
(8) المصدر السابق، الاصحاح الثلاثون : 1: 13.
(9) العهد القديم : سفر الخروج – 2: الاصحاح الاول : 8 – 16.
(10)  القصص : 4 -6.
(11) طـــه : 9 – 36.
(12) القصص : 7 – 13.
(13) الأعراف : 143.
(14) يونس : 88.
(15) في ظلال القرءان، المجلد الرابع، س : 2643.
(16) طـــه : 83 – 86.
(17) الكهف : 69.
(18) الكهف : 72.
(19) الكهف : 78.
(20) الكهف : 82.
(21) القصص : 15 - 19.
(22) سيد قطب: " التصوير الفني في القرءان" : 162.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here