islamaumaroc

أقدم مسجد عتيق بمنطقة رباط الفتح -1-

  عثمان عثمان إسماعيل

العدد 241 محرم 1405 - أكنوبر 1984

حديث اليوم يدور حول بعض اكتشافات الأثرية بالمملكة المغربية، ويتناول على الخصوص اكتشافنا لأقدم مسجد عتيق عرف حتى اليوم بمنطقة الرباط.
وهكذا يلزمنا الآن التعرف على مناطق العمران التاريخية بالمنطقة موضوع الحديث، فحول مصب أبي الرقراق في البحر المحيط تقع مدينة سلا وأثارها على يمين المصب أو إلى الشرق منه، وعلى يسار المصب مبتدئين من الجنوب نجد أطلال مدينة شالة الأثرية فمدينة رباط الفتح ثم قصبة المهدية المعروفة اليوم بقصبة الأوداية.
ونستعرض الآن بإيجاز أهم الدراسات الأجنبية والحربية التي تناولت تاريخ وآثار المنطقة.

أهم الدراسات المباشرة في الموضوع :
وأهم الدراسات المباشرة في الموضوع كتاب جاك كاييه J. Gaille عن مدينة الرباط La Ville de Rabat في ثلاثة أجزاء، وكتاب البعثة العلمية الفرنسية عن الرباط وضواحيها Rabat et sa Région في أربعة أجزاء وتقرير الملازم الفرنسي روزيط Lieutenant Rozet عن شالة، وكتاب ليفي بروفنصال، وهنري باسيه حول شالة الذي نشرته مجلة الهسبريس تحت عنوان Chella une Nécropole Mérinide  وهو أهم ما كتب عن شالة قبل أبحاثنا. وهناك كتاب هنري تيراس H.Terrasse Rabat à travers à Rabat وكتاب جاك كابيه وجاك اينو حول مسجد حسان La Mosquée de Hassan à Rabat وأخيرا بعض المقالات القصيرة بالصحف والمجلات المغربية لجول بوريلي J.Borely حول أثار شالة والرباط.
كذلك توجد دراسات غير مباشرة ولابد من الرجوع إليها، مثل كتاب هنري تيراس المعروف L’Art Hispano – Mauresque ثم كتاب هنري تيراس وهنري باسيه حول مساجد وحصون Sanctuaires et Forteresses Almohades لموحدين ويأتي بعده كتاب جورج مارسيه G.Marçais  عن العمارة الاسلامية الغربية L’Architecture Musulmane d’Occident كما وضعت مؤلفات عربية مغربية مباشرة على الخصوص في الموضوع نشرها مؤلفان مغربيان من المنطقة بالذات. فقد ألف محمد بوجندار كتاب مقدمة الفتح في تاريخ رباط الفتح، وكتاب شالة وآثارها، وكتاب عن قصبة الرباط الآثرية. كما ألف السيد محمد بن علي الدكالي كتبا لا زال معظمها مخطوطا وهي الدرة اليتيمة ولا نحاف الوجيز وأدواح البستان، وكثيرا ما نقل عنها معاصره بوجندار. وبعد دراستها المباشرة وأبحاثنا الميدانية بالمنطقة تمكنا من وضع ثلاثة كتب حول تاريخ شالة وأثار وفنون المنطقة وهي : تاريخ شالة الإسلامية من الفتح حتى نهاية عصر المرينيين، وكتاب حفائر شالة الإسلامية 1959-1960م ودراسات جديدة في الفنون الإسلامية والنقوش العربية بالمغرب الأقصى.

محاولات تحقيق أقدم مسجد بالمنطقة :
وننتقل الآن إلى عرض ومناقشة محاولات تحقيق أقدم مسجد عتيق بالمنطقة. ويرى كاييه الذي تخصص في دراسة تاريخ وآثار المنطقة أن أقدم مسجد عتيق بمنطقة الرباط هو مسجد قصبة المهدية الذي أسسه عبد المؤمن بن علي سنة 540 للهجرة. ولكن كاييه الذي تحول أخيرا إلى الاهتمام بدراسة التاريخ والآثار المغربية لم يكن يعرف من العربية غير آسمها، فيرجع إلى المصادر المترجمة وحدها واستعان على قراءة النصوص العربية ببعض القراء محدودي الثقافة، الأمر الذي أوقعه في أخطاء تاريخية خطيرة أدت إلى أخطاء في دراسة الآثار جسيمة، ففضلا عن أنه لم يحاول مطلقا تحقيق أي مشكلة تاريخية تتعلق بأثار شالة ذات الوزن الخطير على طول تاريخ الاسلام بالمنطقة، فهو يصرح بوضوح في كتابه عن مدينة الرباط بقوله (سوف لا نتعرض لشالة لأنها كانت موضوع دراسة رئيسية لهنري باسيه وليفي بروفنسال وأن أي بحث بعدهما سوف لا يأتي أبدا بجديد) وهكذا نرى أن كاييه يغلق باب البحث أمام المتخصصين مكتفيا بدراسة باسيه و بروفنسال التي عنينا بنقد ما اكتنفها من نقص وتقويم ما جاء بها من أخطاء.
والحقيقة أن هنري باسيه وليفي بروفنسال قاما بوضع أول بحث كبير مباشر في منطقة شالة الأثرية تعرضا فيه لتاريخ المنطقة ومبانيها الآثرية وما تبقى بها من فنون زخرفية ونقوش عربية. وقد توصل الباحثان الكبيران إلى أن آثار شالة الاسلامية تشتمل على مسجدين، مسجد أعلى حديث نسباه إلى أبي الحسن المريني، ثم مسجد آخر في ركن الخلوة أسماه بالمسجد العتيق ونسباه إلى أبي يوسف يعقوب المريني المؤسس الحقيقي للدولة المرينية. وعلى الرغم مما تتميز به منهجية العالمين وما توفرا عليه من إمكانيات في ذلك العصر فقد صرحا بكل أمانة أنهما (نظرا للصفة المقدسة التي تتمتع بها هذه المنطقة وآثارها الدينية فإنه لم يسمح لهما بعمل أي حفائز بل أنهما لم يستطيعا مجرد عمل مجسمات في الأرض). ولا شك أن تحقيق مواقع الآثار وتاريخها ودراستها دراسة صحيحة لا يستوي دون عمل تنقيبات تؤدي على كشوف أقرب ما تكون إلى اليقين، خاصة عند فقر النصوص واختلاف الروايات.
وقد رأى بوجندار المؤرخ الرباطي أن المسجد الأعلى من بناء أبي الحسن المريني الذي قام كذلك ببناء صومعة في مسجد جده يعقوب. فهناك إذن مسجدان في نظر بوجندار صومعة مسجد يعقوب لا ترجع إلى عصر ملك واحد. وعلى الرغم من أن بوجندار كان مؤرخا من قلب المنطقة غير أن دراسة الآثار ومنهجيتها لم تكن توفرت بعد للمسلمين في ذلك التاريخ.
وعندما بدأنا دراسة آثار المنطقة قمنا بجمع كل إشارة ورواية ونص جاء به المؤرخون قصدا أو عرضا كما حصرنا جميع انطباعات الرحالة والجغرافيين العرب والأجانب منذ بداية الفتح الإسلامي وحتى تاريخ تصدينا للبحث، كما تبادلنا اللقاءات والكتابات مع عدد كبير من المتخصصين العرب والأجانب الذين يهمهم تاريخ وآثار المنطقة. وقد أوصلنا هذا كله إلى وضع ترتيب تاريخي لجميع النصوص والآراء ثم نقدها ومقابلتها الأمر الذي أدى إلى الوقوف على مدى التضارب الكبير في أقوال المؤرخين والرحالة والجغرافيين من حيث تاريخ المباني وترتيبها ترتيبا زمنيا.
وهذا هو جورج مارسيه يعتذر لنا (بخطاب خطر أرسله من الجزائر) عن عدم استطاعته وضع ترتيب تاريخي لمنشئات خلوه شالة التاريخية وأنه لازال من الصعب وضع ترتيب تاريخي لمجموع تلك الآثار.
ولقد كان هذا دافعا كافيا لمبادرتنا بعمل حفائر أثرية علمية منظمة في عين المكان لوضع حد للخلاف بين الآراء ولتحقيق وضع ترتيب تاريخي للآثار، وهو ما أدى بنا إلى كشف عدد كبير من الآثار الإسلامية المتنوعة داخل حرمة شالة وعلى رأسها اكتشاف أول مسجد عتيق بالمنطقة.

حقائق تاريخية لابد منها :
وبحسن بنا أولا الإلمام ببعض الحقائق التاريخية وتحقيق نتائجها حتى يتيسر لنا إلقاء نظرة جديدة على مفهوم تلك الآثار. وسوف نبدأ بإيجاز بالنظر في عصر الأدارسة وهو العصر الذي بدأ فيه حقيقة صوغ العمارة الإسلامية المغربية بعد استقرار الإسلام الحقيقي في هذه الديار. ويذكر صاحب روض القرطاس بأن المولى إدريس الأكبر رضي الله عنه بعد مبايعته بزرهون قام في سنة 172 هجرية بفتح شالة، ثم تأتي قصة تقسيم ملك الأدارسة بعد وفاة المولى إدريس الأصغر، وفي حياة الإمام محمد بمشورة جدته كنزة سنة 213 هجرية. وقد حققنا سابقا هذا الموضوع وناقشنا أخبار ذلك التقسيم ومواطن الإمارات الإدريسية المنظوية تحت سلطان الإمام الأكبر محمد بن إدريس الثاني المتمركز في فاس. وتذكر الروايات التاريخية أن عيسى بن إدريس الثاني صاحب شالة قام بثورة على أخيه الأكبر صاحب فاس وسلطان المغرب كله. وعندما طلب الإمام محمد من أخيه القاسم صاحب طنجة النهوض إلى شالة اعتدر القاسم، فطلب الإمام محمد من أخيه عمر أن يتوجه إلى عيسى الثائر بشالة فطلب عمر المدد وأمده الإمام أكبر، وبهذا استولى عمر بن إدريس الثاني على شالة حتى وفاته عام 220 هجرية. ويتبين لنا مت تلك اللمحة قوة شالة الإسلامية وخطورتها خلال نصف قرن على الأقل حتى الآن، بالنسبة للمغرب كله.
ونتساءل الآن هل يستقيم وضع شالة على هذا النحو من القوة والأهمية بدون مسجد جامع للمسلمين ؟ وليس ذلك فحسب بل أن النصوص التاريخية تفيدنا أن موسى بن أبي العافية أجلى الأدارسة من مراكزهم بشالة وأصيلا سنة 317 ه ويتبين لنا من ذلك أن شالة ظلت بعد الأدارسة قرنا آخر بعد وفاة الإمام عمر بن إدريس الثاني، فهل كانت شالة خلال ذلك التاريخ أيضا بدون مسجد جامع للمسلمين ؟
وننتقل الآن إلى العصر الزناتي الممتد بين عصري الأدارسة والمرابطين والذي دار حول محاوره الثلاثة المعروفة : أبناء أبي العافية المكناسي، والمغراويين، وبني يفرن. وقد تمركز بنو يفرن أثناء نزاعهم مع المغراويين منذ سنة 381 هجرية في شالة. ثم عرفت شالة عصرها الذهبي في حياة أبي الكمال تميم اليفراني أمير شالة وصاحب مملكتها الذي غزا فاس نفسها سنة 424 وسيطر على المغرب كله مدة خمس سنوات أو سبع حسب روايات المؤرخين. وبعد عودة حمامة بن المعز المغراوي إلى فاس رجع أبو الكمال إلى قاعدة مملكته بشالة حيث توفى عام 446 هجرية ودفن بها، كما دفن إلى جوار قبره بشالة ولده الأمير محمد عام 462 هجرية وهو نفس العام الذي تم فيه للمرابطين الفتح النهائي لفاس والقضاء على مقاومة فروع زناتة لثلاثة التي جمعت بينها وحدة المصير وصراع المنافس المشترك من صنهاجة الملثمين.
ونتساءل الآن مرة أخرى، هل كانت مملكة شالة دون مسجد جامع للمسلمين في عصرها الذهبي هلال فترة الزناتية التي استمرت ما يقرب من قرن من الزمان وخصوصا على عهد أبي الكمال تميم أمير شالة وصاحب مملكتها ؟

(يتبــع)

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here