islamaumaroc

الكلمة الملكية الموجهة إلى مؤتمر التضامن الإسلامي بباكستان.

  الحسن الثاني

العدد 241 محرم 1405 - أكنوبر 1984

** انعقدت بمدينة أسلام أباد بباكستان ندوة إسلامية عالمية تحت عنوان: ( التضامن الإسلامي في خدمة السلام العالمي) نظمها مؤتمر العالم الإسلامي وحضرها أزيد من 300 مفكر وعالم من مختلف أنحاء العالم الإسلامي. وبهذه المناسبة وجه جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله كلمة سامية إلى الندوة تضمنت توجيهات وإرشادات وتحليلا عميقا للوضع العام في العالم الإسلامي. وقد قال الكلمة الملكية السامية في الجلسة الافتتاحية للندوة سفير صاحب الجلالة بباكستان السيد أحمد الإدريسي.
وننشر فيما يلي نص الكلمة الملكية الهامة **

باسم الله
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه
أيها السادة:
إن التقاء مؤتمر العالم الإسلامي في ندوة ترفع الشعار الذي ترفعون الشعار القائل أن " التضامن الإسلامي ضروري للسلام العالمي" هو في حد ذاته عمل صائب وموفق لأن هذا الشعار يركز على أن البشرية مهددة بأخطار عديدة بعضها ما حق يصل إلى احتمال مواجهة الدمار الكلي لعالمنا وعدم إمكانية الحياة فوق كوكبنا تركزه على أن البشرية بحاجة إلى الانعتاق من هذه الأخطار حاجتها إلى من يرشدها إلى أن التضامن ضروري بحد ذاته لبلاد الإسلام جميعا كما هو ضروري ضرورة أساسية لإقامة سلم عالمي.
لقد طرحتم شعار ندوتكم بصيغة مقولة " فرضية" وكأني بكم تريدون لهذه المقولة أن ترتفع إلى مستوى حقيقة تسلم بصحتها حتى النخبة لتأخذ طريقها إلى قاموس رجال الدولة في العالم وتحتل حيزا في عقولهم بأمل تنشيط كل ما يعين على السلام العالمي، هذا السلام الذي يجب أن يسهم بتدعيمه والحفاظ على دوامه.
اسمحوا لي إذن أيها السادة أن أخاطبكم بالصدق والصراحة اللذين يوجيهما الاحترام لمؤتمركم والمشاركين به وجدية الموضوع الذي تطرحه ندوتكم لأقول لكم : من أجل أن تكون فاعلين في ميدان الإسهام بإقامة السلم العالمي وفي غيره من الميادين يجب أن يكون متحدين وأن نحرر قادة المسلمين ورجال دولهم من الفرقة المحزنة التي هم عليها اليوم.
إن المسلمين يعدون زهاء ربع البشرية ودينهم المكون لذاتيتهم يوجب عليهم وحدة الهدف ووحدة الصف عندما يأمرهم أن يتجهوا معا إلى الكعبة الشريفة بصلواتهم الخمس كل يوم وقد أرادهم الله عز وجل أن يكونوا خير أمة أخرجت للناس، ولهذا أعطاهم الله سبحانه كل الوسائل التي تعينهم على ذلك، بلادا شاسعة واسعة هي في القلب من آسيا وعلى امتدادات كبيرة من إفريقيا وأعانهم على أن يكونوا في بقاع عدة من دول أوروبا وفي غير قليل من المراكز في القارة الأمريكية ومكن لهم لكي يكونوا القيمين على غير قليل من الطرق والمعاير البرية والبحرية الأكثر أهمية في العالم وجعل بلادهم عامرة بالثروات المتعددة والمواد الأولية والكنوز المعدنية وجعل منهم أكبر قوة عاملة بالدنيا ومن سوقهم أوسع سوق استهلاكية في العالم.
ومع ذلك نجد أن وزننا الدولي كمسلمين ودول وجماعات وأفرادا عدا لا يتناسب بحال مع عددنا وإمكانيات بلادنا لا لنقص عضوي فينا ولا لأمراض مستقرة في ديارنا ولا لقلة بقوانا العاملة أو نقص بثرواتنا بل لأن كلمتنا غدت مفرقة وآراءنا شتيتة لا تدفع باتجاه واحد وأنها باتجاهات متعاكسة.
لهذا بتنا نهون على القوى العظمى ونصنف بين المستضعفين في الأرض ونعد بين المجتمعات النامية حينا والتي هي في طريق النمو أحيانا، وتتطاول علينا قوة غريبة عنا زرعت في قلب ديار العرب والإسلام زرعا لها زعامات تتبارى علينا فينا بينها بكيفية تحقيق طرد ما تبقى من الفلسطينيين من ديارهم ووضع مخططات الوصول بطائراتها إلى تهديد كل قاعدة من القواعد في العالم الإسلامي بالدمار مهما بعدت عن مراكز انطلاقها من الأراضي التي اغتصبت من إخواننا الفلسطينيين، ويسألون ما العلاج. هناك علاج واحد للشفاء من هذه الحالة المرضية المنهكة: إنه الاتحاد ثم الاتحاد، ولا شيء غير الاتحاد. إتحاد الرغبة والإرادة، واتحاد الكلمة المعلنة جهرا والكلمة المبلغة سرا، وقبل ذلك وبعده وقف هذه الحرب الأثمة الدائرة منذ أربع سنوات بين بلدين مسلمين جارين هما العراق وإيران وتنفيذ ميثاق منظمة مؤتمرنا الإسلامي المستوحي من أوامر الله المحرمة لاقتتال المسلمين وتحريك المادة الخاصة في ميثاق مؤتمرنا والتي تنص على حل ما قد ينشأ من منازعات بين دولتين إسلاميتين بالوسائل السلمية بالمفاوضة أو الوساطة أو التوفيق أو التحكيم.
إن الأضرار على المضي بهذه الحرب الأثمة بعد كل المساعي الإسلامية وغير الإسلامية ورغم كل الخطوات التي خطاها أحد الطرفين المتحاربين ليساعد على وقف القتال والتفاوض يضعف من وزن الدول الإسلامية في ميزان قوى العالم ويشجع الأعداء والخصوم على تحدي المسلمين ويبدد مليارات الدولارات التي تنفق على السلاح والحرب وكان أوجب أن تنفق في ميادين التنمية الاقتصادية والاجتماعية ويزيد من ازهاق أرواح المسلمين في قتال لا يمكن أن يحقق الظفر عنوة بالنهاية لأي من الطرفين ويصرف اهتمام المسلمين عن العديد من الأخطار والتحديات الأخرى التي تواجهم.
فوق كل هذا فإن كل يوم جديد يمر على هذه الحرب المقيتة يطيل من مأساة الشعب الفلسطيني وعذابه ويضاعف من الأخطار التي تتعرض لها الأمة العربية والعالم الإسلامي عامة وفلسطين السليبة والقدس الشريف خاصة ويغري قادة إسرائيل باتباع المزيد من المنهجية والصلب والتطرف ويقودهم إلى الإيغال في سياسة العدوان التي ينتهجونها عابثين بحرمات الإسلام ومقدساته ومنتهكين لحقوق المسلمين والعرب بعد أن أخذتهم العزة والأثم وأعمتهم الكبرياء وتمكن منهم الغرور حتى أصبحوا لا يأبهون للمبادئ والمثل العليا التي يقوم عليها المجتمع الدولي ولا يعيرون اهتماما للمقرارات الصادرة عن المنظمات والمحافل الدولية على اختلاف مستوياتها.
أيها السادة:
إن الفقرة الأخيرة التي استمعتم إليها الآن هي نص الفقرة الأولى من معاهدة الاتحاد بين دولتي المملكة المغربية والجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية والتي وقعتها في الثالث عشر من شهر غشت الماضي مع صديقي الرئيس العقيد معمر القذافي واستفتينا عليها الشعب المغربي والشعب الليبي في 31 غشت الماضي فأفتينا بإجماع شهد بصدق الجميع.
معاهدتنا هذه سميناها بموجب مادة من موادها " معاهدة الاتحاد العربي الإفريقي " وقلنا في صلب مادة أخرى منها : " يجوز للدول الأخرى المنتمية إلى الأمة العربية والأسرة الإفريقية أن تنضم إلى هذه المعاهدة وأن تصير أعضاء في الإتحاد".
واقتناعا من المملكة المغربية بأن الانعتاق من الضغط والشتات والهوان والتخلف وكلها أمراض تئن شعوب المغرب العربي تحت وطأتها يمكن أن تعالج بانتظام دول المغرب في إتحاد يمكن أن يسمى " إتحاد دول المغرب العربي" على أن يبقى هذا الاتحاد مفتوحا لجميع الدول العربية لتنضم إليه سواء كدول بمفردها أو على شكل إتحادان إقليمية، وأن يظل بعيدا عن أية مشاعر عرقية أو عنصرية بضفتها مخلفات جاهلية لا تتفق مع الإسلام وتعاليمه ولأن كل الدول العربية أعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي منذ قيامها فسيسهل هذا التعاون والتضامن العربي الإسلامي على جميع الأصعدة كما سيسهل بروز الشخصية العربية والشخصية الإسلامية على الصعيد الدولي وبذلك يجتمع شمل الأمة الإسلامية ويتوحد صفها وكلمتها وتنصرف طاقاتها ومواهبها المهدورة حاليا في الخلافات والحروب إلى البناء والتجديد والتحديث وإلى خلق مناخ من النظام والأمن والاستقرار ليساعد على بعث العبقرية العربية والإسلامية من جديد لتسهم كما أسهمت في الماضي في إثراء كنوز المعرفة البشرية بإشعاعها في شتى مجالات الحضارة الإنسانية.
وإذ يتم الله نعمته على أمتنا بالاتحاد ونصبح كما وعدنا جل علاه في كتابه العزيز: " خير أمة أخرجت للناس " سنتبوأ يومئذ المكانة اللائقة بنا بين أمم الأرض ونفرض احترامنا على العالم ويصبح لنا صوت لا يمكن تجاهله ووزن نستطيع به ترجيح كفة الإسلام العالمي.
ويسكون من النتائج الأولى والطبيعية لهذا الاتحاد القضاء على سوء التفاهم والخلافات التي تنشب بين الأشقاء من حين لآخر وتتحول أحيانا إلى حروب حامية تزيد الهوة عمقا والمسافة بعدا بين الشقيقين فيعم السلام والتفاهم والتعاون هذه الرقعة المباركة الشاسعة التي تمتد عليها دار السلام.
وسيكون من نتائج هذا الاتحاد كذلك نهاية هذه الحروب الموسمية التي تشنها إسرائيل على جيرانها كلما قويت وتفتحت شهيتها إلى ابتلاع المزيد من أراضيهم لبناء إسرائيل الكبرى التي ما تفتأ تصرح علانية بأنها تقع بين النيل والفرات.
واعتقادي – وأرجو أن تشاركوني إياه – أن مجرد السير الجاد في هذا الطريق سيعطي للحقوق المشروعة لإخواننا الفلسطينيين بوطنهم قوة لا تقاوم. ويحد من الصلف العدواني لزعماء إسرائيل ويبخر أحلام من يحلم منهم بإقامة كيانات ميكروسكوبية حول إسرائيل على أسس عنصرية أو طائفية تدور في الفلك الإسرائيلي ويمهد الطريق أمام الحل العادل لقضية فلسطين ويحقق حلم العرب والمسلمين في إقامة إتحاد للدول العربية بتعاون وبتضامن مع الدول الإسلامية في السراء والضراء.
وسيكون لكتلة بهذا الحجم من الوزن المادي والمعنوي في المحافل الدولية ما يساعدها على التأثير بشكل إيجابي على التوازن الدولي لصالح السلام العالمي وما يجعلها عامل ضغط قوي على أي جانب سولت له قوته أن يتجبر كما سيتيح لنا الوقوف الفعال في وجه التسابق الجنوبي إلى التسلح والتنافس في صنع آلات الدمار وتحديثها وتطويرها وتصعيد إيقاع إنتاجها ونقلها إلى الفضاء حيث لا تبقى ولا تذر.
فإذا استطعنا الحد من هذا التصعيد وخلق جو من الثقة والطمأنينة بين المتنافسين فسنكون قد حولنا هذا المسار المؤدي بالإنسانية إلى اليأس والفناء وساعدنا على إثبات السلام العالمي.
كل هذا يمكن تحقيقه وأكثر لو أننا اتحدنا وتضامنا واستلهمنا قوله تعالى: " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها "، وقوله صلى الله عليه وسلم: " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا"، ولو أننا صدرنا في جميع أعمالنا عن قيمنا الروحية وتقاليدنا الإسلامية السمحاء لاستطعنا أن نفرض الأخلاق العالية في التعامل الدولي ونفرض النفعية القومية العاجلة التي تستهوي الجانب الكهفي المظلم من الإنسان.
وليس بيننا وبين تحقيق هذه الأمنية الحبيبة إلى قلوبنا وقلوب شعوبنا إلا الإيمان الصادق والإرادة القوية والعزم والتصميم على قهر التردد والتشكك وخوف المجهول والأقدام بعد تفكير عميق وحساب دقيق على تكوين إتحاد أو تكتل تطبعه العقلانية والمرونة ويحمل بذور بقائه وتجدده فيه.
والسلام عليكم ورحمة الله.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here