islamaumaroc

قضية الأدب عندنا

  دعوة الحق

28 العدد

لا غنى للباحث في أسباب عقمنا الأدبي عن أن يتجه في بحثه اتجاهات مختلفة، وأحيانا متباينة، وقد تكون هذه الاتجاهات بالقياس إلى عدة باحثين مختلفة شديدة الاختلاف، متباينة شديدة التباين، نتيجة للمنطق الذي يسير عليه كل باحث، أو قل بالأحرى، نتيجة أو تبعا للمنحى النفسي لكل باحث، ولذلك اختلفت طرائق هذا البحث عندنا اختلافا بعيدا، وانطلق الناس فيه قددا شتى، وخضعوا لمستويات متفاوتة، بيد أنه على تنوعه، وغنى أسبابه لم يتصل بالظواهر الاجتماعية والنفسية التي نعيش فيها، فهذا العقم الأدبي كما نسميه لايمت إلى سبب واحد، أو عدة أسباب مما تعارف عليه الباحثون في شؤون الأدب، وما يعتوره من حالات الجمود والعقم، أو يهزه من عوامل الثورة والتجدد، لأن تلك الأسباب التي اصطلح عليها النقاد والباحثون في هذا الميدان تكان تكون عامة، تنطبق على عدد من البيئات ولا تنطبق على واحدة منها بالذات، والواقع أن لكل شعب قضاياه وظواهره الخاصة، وهي التي تميزه عن باقي الشعوب في جميع مجالات نشاطه، وهكذا يكون العقم الأدبي عندنا- وهو ظاهرة لا شك فيها- متصلا بواقعنا الاجتماعي والنفسي من ناحية، ومتصلا بوضعنا الثقافي من ناحية أخرى، وكلاهما عندنا امتداد لأحوال وأسباب تتصل بالسياسة والتاريخ الذي نعيشه والذي عشناه مع ما يسوده من قيم ومثل خاصة، ولا بد للباحث عندنا إذا ما أراد محاولة واعية في بحث قضية الأدب عندنا من أن يلج كل باب، وأن يستجلي كل سبب ويمحص كل اتجاه ليخلص إلى النتائج التي يمكن وصفها بأنها موضوعية، وأنها جدية.
ولن نستطيع أن نقف على حقيقة الوضع الذي يتخبط فيه أدبنا، إلا إذا استطعنا أن نقف على حقيقة أنفسنا في معتركها الفكري والمادي، وأن نقف بالذات على مختلف مقومات هذه الحياة، ما كان منها يدعو للخلق والتطور، وما كان منها يشدنا إلى العقم والاجتواء.
وأولى المشاكل في هذا الباب مشكلة المفاهيم عندنا، وأنا لا أتجاهل هذه المفاهيم الغريبة ولا ادع سبيلا يذكرني بها كل حين، لأفسر على ضوئها الأحداث المتعاقبة، والظواهر العابرة، ذلك لأن هذه المفاهيم المادية والمعنوية هي في الواقع التصاميم التي تجتمع إليها خيوط الظاهرة الأدبية على أي صعيد وضعت، وتفسر لنا ولو إلى حد يسير ذلك الفراغ المهول الذي يسود عالمنا الأدبي.
ونحن نعلم أن هناك مفاهيم متضاربة في السياسة والاقتصاد والاجتماع، وأن هناك مفاهيم متناقضة في شؤون الفكر والعلم والفن، وأخرى متلاحية، أو متعادية في شؤون الدين والأخلاق، ونعلم أيضا أن هذه المفاهيم تختمر في عقلية أجيالنا، وترتمي ظلالها علا حاضرنا ومستقبلنا، فتشدنا إلى الشك والفوضى، وتجعل بعضنا عدوا للبعض، ولكن هي أشبه بالقول: انها تفرق بين المرء وزوجه، وآية ذلك عندنا أننا نتميز اليوم بفترة من الشك والارتباك يقذفنا بعيدا عن صميمة الوضع إلى هوامش الأحداث فنظل نتجتر فيها الأقاويل، ونظل نحوك حولها وحول أنفسنا عناكب واهية، تلك هي مشكلة اضطراب مفاهيمنا كلها في شؤون الفكر والحياة، وحظ الأدب، والحياة الأدبية عندنا من ذلك غير يسير، فالمفاهيم الأدبية التي يقوم نسغها على بلورة قضايا الحياة الإنسانية، ويقوم مضمونها على استقرار أو إقرار مفاهيم لهذه القضايا، ويقوم شكلها على اعتبارات جمالية وفنية آخذة بالتجديد والتطور، هذه المفاهيم عندنا لا يدري الباحثون عنها اليوم شيئا، أو لا يدرون عن قيمتها وخطرها شيئا.
إننا نفكر ونحيا خارج المناهج العلمية، وخارج الآفاق الفلسفية، أي خارج عصرنا كله، لا لأننا نتجاهل هذا كله، أو لأننا يئسنا من نتائج المذاهب الموضوعية، بل لأننا نجهلها من ناحية، ولأننا ننشد الراحة من ناحية ثانية، راحة البحث حين نبحث، وراحة الكشف حين نحاول أن نكشف، إننا نريد راحة، وتؤثرها على الشعب حتى في استعمال الفكر، وما ظنك بأناس يؤثرون كسل الحياة على متاعب العمل والتفاعل مع الحياة، لذا كان من الحتم أن نتناول قضية المفاهيم المتداولة عندنا أدبيا ونحن بصدد بحث عقمنا الأدبي من بعض الوجوه.
وأول مفهوم مضطرب عندنا مفهوم الحياة الأدبية، فهو لا يصدق عندنا على وجه معين من أوجه النشاط الفكري، فهل نريد بهذه الحياة أن تثار عندنا قضية أو عدة قضايا فكرية يناقشها الناس، أم نريد حركة صحفية متصلة تملأ الصحف وتشغل رجال الطبع والنشر، حركة يتاح لنا من خلالها مطالعة إنتاج مغربي مهما يكن نوعه وقيمته، أم ترانا نستهدف بهذه الحياة أدبا في مستوى الاصطلاح الذي تتداوله الدراسات النقدية الأدبية أعني أدبا مستوي الخلق، أدبا واعيا لذاته، لا يتعتع حين يحدث عنا، ولا يوارب حين يكشف لأنفسنا عن أنفسنا، ولا يتخاذل حين ننظر إليه النظرة التقييمية الفاحصة، أدبا يزخر بالأصالة والقوة، ويجرف كل ما تراكم فوق انسانيتنا من صدا وعفن، وكل ما ران على قلوبنا من ظلال الارتباك والجبن، وبالتالي أدبا كفكرنا عزما وتوقانا؟؟
ويبدو لي أننا لا نقصد شيئا من هذا القبيل، وكأني بقائل يقول: وما لنا ولهذا التعقيد؟ اننا نريد حياة أدبية تشغلنا، تملأ سمع السامع، وبصر القارئ، وقاطع المتحلى، نريد هذه البضاعة المسماة الأدب، كما لغيرنا منها، لنؤلف حياتنا تأليفا متكاملا، فيه ما يؤكل وما يسمع وما يقرأ، وما يثار من أجله، وما يعبث به، وما يملأ الفراغ ويقتل الوقت من كل لون وصنف تجد الحضارة في تقديمه للناس.
نريد فقط أن نستوفي حظنا من كل شيء، وجدنا الناس يستوفون حظوظهم منه، وهكذا فلن يكون استهلاك الأدب عندنا أبعد قيمة من استهلاك الطماطم، ولن يكون تذوقنا الفني أكثر اهتزازا من تذوقنا الصور المتحركة، وقس على ذلك قضية العلم والأخلاق، وكل القيم، إن فئة قليلة تظل يحرقها الشوق إلى الأمثل من كل شيء، والحقيقي من كل شيء، وتظل مشكلة الأدب عندها في إطار الإشكال العام للحياة ولقضية الفكر، وليس من الحق أن يزعم زاعم أن قضيتها قضية العامة...؟
واضح أننا لا نقصد مفهوما ما للأدب، فيما نحن نحرص أن يكون لنا أدب، ونلح على كتابنا أن ينتجوا أدبا، لا نقصد مفهوما قديما ولا حديثا للأدب، وهذا ثاني المفاهيم المضطربة عندها، إن السبب في ذلك هو أننا لم نتمكن بعد كتابا وقراء من تحديد مفهوم للأدب في سياق التطور الذي نعيشه، واستجابة للتطور الذي نمارسه، وينبغي أن ألاحظ بهذه المناسبة أننا لم نساهم حتى في خلق هذه المفاهيم التي نتبناها اليوم. هذه المفاهيم التي استوردناها من الخارج، وتلك احدى ظاهرات شللنا الفكري، وإذا كان الكتاب الشرقيون يشكون قضية الاستيراد الفكري اليوم، فماذا نقول نحن الذين نستورد منهم أحيانا، ألسنا من فصائل الإنسان المجتر؟
إن أدباءنا –إن كان لنا أدباء- مختلفون جميعا في فهم قضية الأدب اختلافهم في أذواقهم ومشاربهم الثقافية، مختلفون لأنهم متباينون في أسلوب قراءتهم، ومختلفون لأنهم متباينون في نوع ما يقرأون، ومختلفون ثالثة الاثافى، في مناهجهم التي تخرجوا عنها في دراستهم للأدب كاختلاف الصدف التي عملت على توجيه كل منهم في هذا الميدان، وأقول الصدف، لأنني أعلم أن تكويننا الأدبي في هذه البلاد كان محض صدفة كسائر وجوه نشاطنا المادي تقريبا، ولهذا فمحاصيل هذه الصدف كبيادر ألف تربة، لا ينبت زرعها غير ألف لون ولو في أتلام واحدة.
كان أحدنا يتلقى من دراسات الأدب ما يراه الآخر غريبا مغرقا في الغرابة، ويتلقى بعضنا من شؤون الأدب ما يجده البعض الآخر متطرفا موغلا في التطرف، وهذا مدلول لفظ الأدب يكفي للدلالة على ذلك، فبين المفهوم الذي يتلقاه الطالب عندنا في الجامعة وبين المفهوم الصاعد ألف بون.
وهذه أجيالنا يشد بعضها إلى عمدة ابن رشيق، والمقدمة، وبعضها إلى التآليف المدرسية الحديثة وبعضها الآخر إلى المذاهب النقدية الحديثة، وبعضها إلى التشكيك في كل شيء، فأي مدلول سيخصب عقولنا، ويكهرب بلفح صدقه قلوبنا،  ان أصحاب الأدب الرجعي عندنا لا يعلمون شيئا ولا يريدون أن يعلموا أن هناك مفاهيم جديدة استلزمتها تطورات الحياة، وتطور وظائف العلم والفن والأدب في واقع المجتمعات، وأن هذه المفاهيم تنطلق اليوم من ثورات علمية واقتصادية بعيدة كل البعد عن جثث الأدب القديم المحنط، الذي لا وظيفة، لمعظمه إلا اغناء المعاجم، وشواهد الاستعارة والمجاز، والجناس والطباق، ومختلف ضروب الفن الشكلي للقرون الوسطى.
وسيزعم زاعم أن اختلاف مفاهيم الأدب شيء شائع حتى في أوربا، والواقع أن اختلاف مفاهيم الأدب في أوربا ينطوي على مغزى آخر، فإذا كان هذا الاختلاف يعني في بيئة أخرى أنه مظهر لتطورها المستمر وأخذها بمختلف تيارات الفكر الإنساني، فإنه في بلادنا لا يعني أكثر من اضطراب وارتباك شكليين، مصدرهما تعدد ينابيع ثقافتنا، وتناقص مقوماتها بين شرقية وغربية، وسطحية اتجاهاتها بصفة عامة، فلنبحث إذن عن مفهوم حقيقي أو على الأقل واضح للأدب قبل أن نبحث عما يمكن أن نسميه أدبا، وأنا لا ازعم للقراء أن من شروط وجود حياة أدبية خصبة أن يتداول الناس تعاريف للأدب في مختلف أشكاله، ولا أن يتفق الأدباء حول تعريف أو تحديد ما لمهمة الأدب شكلا ومضمونا، كما يمكن ذلك في النطاق العلمي، ذلك أن الأدب هو البحث المتطور عن مفهوم متجدد من ناحية، وهو إعلاء هذه المفاهيم الحية الآتية بإعلاء غاياته من ناحية أخرى، بل لعل الأدب هو ذلك التوقان الدائم إلى الخروج عن إطارات التحديد والتعريف، وبالرغم من ذلك فلا بد له أن يخضع لمفهوم تجيش به الحياة في حقبة من الحقب وتنصهر فيه إبداعات تحتفظ لذاتها بالفروق الفردية في اللقطات الحسية، والمنحنيات الموضوعية، ولا ضير على الأدب والأدباء من أن ينقلب هذا المفهوم بعد ذلك وأن يتطور ما دام قد استجاب لحاجات الذين عاشوه، وصدروا عنه في فترة من الفترات، بل أن الضير كله ألا ينقلب من المفهوم ولا يتطور مسايرا الانقلابات والتطورات الدائبة في واقع المجتمعات والأفراد.
إن الذي أريده مبدئيا توحيد مضمون هذه الكلمة في مفهوم يغثون هذه الحقبة، ويصوغ إنتاجها تحت شعار جديد، ليكن الالتزام أو ليكن الفن لذاته، أو ليكن الفن للحياة، ليكن ما يقتضيه واقعنا أن يكون، فمن أين لنا بهذا المفهوم، هل نستورد أفكارا ومفاهيم، أو أننا بالفعل يجب ألا نستورد هذه الآراء والمفاهيم فكلا الفعلين في حد ذاتهما يعكسان موتنا الأدبي، وإنما الذي يجوز أن نستورد لنطالع، ونتمثل، ونقيس، ونحتكم إلى واقعنا وأهدافنا ومنطق التطور ومعنى ذلك في سياق الفعل أن تكون لنا حياة أدبية، أو ثورة تضمن لنا الوصول إلى ذلك المفهوم، وهذه الحياة الأدبية ليست لغزا أو مشروعا اقتصاديا، أو مخططا فلسفيا، وإنما هو أن نتلاقح والتراث العالمي دون تحرج، وأن نتمثل ما نقرأ ونسمع، وأن نقيس، ونحتكم إلى واقعنا والتطور الذي نريده، وعندما نقول كلمة ما في هذا الصميم، عندما يتحدث لنا الروائي والفنان والشاعر والكاتب عن ذلك في أشكال مختلفة سنعطي للمفهوم الذي ننشده مضمونه الواقعي في دنيا الإنتاج، أن هذا المفهوم وذلك المضمون لا يتمان نتيجة طفرة أدبية أو عبقرية حتى ولو كانت فذة، لأن المفهوم الأدبي ومضمونه نسبيان دائما، ومن ثم كان لا بد أن ينبثقا عن تصميم جماعة مفكرة يستهدف القلم والفكر عندها توظيف إنتاجها في إغناء جيلها بإنتاج واع صادق مشع بالجمال، وسوف لا أتمكن الآن من إبداء رأيي في المفهوم الأدبي الذي ينبغي أن نحقق مضمونه في أدبنا، ولكني سأرجيء ذلك إلى مناسبة أخرى.
إننا حين نريد إنتاجا أدبيا لا نعدو اننا نطالب من أدبائنا إنتاجا منوعا بين قصص ومقالات وقصائد ومسرحيات –إذا شئنا أن نقنع بالمفهوم السطحي في الإنتاج الأدبي- وهنا سأكون قد غالبت جدا حين ظهرت بمظهر من يحرص على توفير مجموعة من القواعد الشكلية أو الموضوعية قبل الإنتاج ذاته، والواقع، أننا نشكو فقرا في مادة الإنتاج قبل أن نشكو فقرا في مادة النقد والقيم الأدبية، وأنا أعتقد زيادة على ذلك أن إنتاج الأديب لا يتوقف على إلمامه أو معرفته بهذه القيم والقواعد الموضوعية، بيد أن تجاهل هذه العلاقة إلى حد بعيد، بل أن تجاهلها ولو على نحو يسير يجعل من الإنتاج ميدانا للإنشاء تختلف قيمه وتتضارب، وينزع فيه كل كاتب إلى المقومات الشكلية أو المضمونية التي يصدر عنها في تكوينه، ويصبح واقعنا الأدبي على النحو الذي عليه الآن، وبين ظهرانينا اليوم الكاتب الذي ما زال على تراث القاضي الفاضل يسحب وجدانه وتفكيره، والذي حلق في طفرة غير واعية إلى رومانتكية اهترأت قيمها الشكلية ولم يبق له منها إلا عبارات وألفاظ هي في حكم اطلال الشعر القديم، وعندنا ذلك الشاعر الذي يزخر رأسه بأصداء الشعر الحر في المشرق فيهذر بها عن غير وعي ولاية تجربة تستدعي صورة تلقائيا، وذلك الذي ما زال يغرف من بحر وينحت من صخر، خاضعا في مفهومه لهذا المقياس الذي يجب أن يسكن صاحبه «أطلال برقة ثهمد» .
على الكاتب أو الشاعر أو القصاص عندنا أن يتمثل القيم الأدبية الجديدة، ويستوعب الشروط الفنية التي تجلى تجربته في شكل فني، فإذا لم يفعل تاه في ذاته، وبالتالي إذا لم يجب كاتبنا وشاعرنا أمامه الأبعاد الفنية، والأبعاد الواقعية التي يصرف إليها خياله وشعوره فسيظل هائما، وسيظل ضالا، وسيظل شاعرا وكاتبا في داخل سديمه، أو في حاجاته الضيقة، وهواياته الفردية، وهنا تتجلى خطورة رسالة النقد عندنا –وهي لحد الآن مجهولة- ان على النقد عندنا أن يتحسس مواهبنا الأدبية الكامنة وينعش براعمها من ناحية، وإلا يترك هذه المواهب طليقة من ناحية أخرى لا تعرف الأبعاد الحقيقية لرسالتها فتنمو كالعليق غير هادفة تاصيل ذاتها أو توظيف ذاتها.
إن النقد عندنا لا يزيد عن كونه تعليقات صحفية تخدم الغرض والعاطفة، ولا تنزع عن ثقافة أو تذوق أصيل، وما دام الأمر كذلك فهو تسميم أو تزييف، وكلاهما يعمل على كبت الأصوات الحقيقية للفكر والعاطفة.
إن الانطلاق الذي ننشده في حياتنا الأدبية يعتمد حتما على التسليم بقيم سائدة، وتحديد أبعاد واقعية للكفاح الإنساني يستطيع الكاتب والشاعر فيها أن يحدد واجهته، ويحتضن جزءا من رسالة الإنسان في ذلك الكفاح، وهنا أعود بإلحاح لأسأل: هل عندنا هذه القيم، هل حددنا أبعاد نضالنا الإنساني، هل عرف الفكر والوجدان عندنا واجهتهما من المعركة التي نخوضها جميعا، وهل عندنا تقييم أدبي، أو نقد  أدبي يلح على طاقتنا الأدبية أن تلتزم رسالتها، ويحثها في طريقها، بل بالأحرى هل عندنا مفهوم ما للأدب؟؟
سيقول قائل: إن هذا الكلام لا يخلو من الغلو في التحامل على أدبنا، أو من التحذلق أحيانا، بل لا يخلو من تحكم في حرية الأديب، هذه الحرية الغالية التي ترفض كل ما يخرج عن نطاق طبيعتها، وماذا يبقى للأديب من حرية بعد أن نتحكم في اتجاهه، وفي انطلاق موهبته، وفي القيم التي يؤمن بها، وفي القوالب والأشكال التي يختارها لتجاربه؟ وأنا سأوافق هذا القائل في زعمه إذا كنت لا أبتغي من وراء الحياة الأدبية كهذا القائل سوى  كتابة ترهق القارئ وترهق المستمع، وترهق قبلهما رجال المطابع والناشرين، بل سأذهب أبعد من ذلك إلى القول بأنها ترهق كاتبيها قبل هؤلاء جميعا، أعني أدبا متسكعا زائفا، أدبا يتراكم في طريق القراء على مر الزمان ولا يفتح لنا طريقا جديدة في توعيتنا مشاكلنا على الصعيد الإنساني، مثلما يفعل العلم حين يفتح طرقه الجديدة في الفضاء، وفي الطبيعة، وفي القوى البشرية، ان قضية الأدب في هذا المنعرج الخطير من حضارتنا بالقياس إلى الصعيد العالمي كله توشك أن تفضي إلى اعتبار خطير على الأدب نفسه، وهذا الاعتبار هو طرح رسالة الأدب وراء اهتماماتنا الثقافية باعتبار أنه سخافة تتحدث عن أمراض الوجدان، انني انذر هنا أولئك الذين ما زالوا يحترمون الأجداث والجثث المحنطة تاركين الزمن يتخطاهم فلا يبنون لأنفسهم وللأحياء صروحا عتيدة، ولكنهم يفعلون كالأطفال إذا وصفوا بغير ما يشتهون، وأن كتابا كثيرين يجيدون فن الكتابة، ويحترفون التعبير عن شهوات الجماهير ودغدغة غرائزها، ان هؤلاء جميعا لا يغيرون طبيعة المشكل كثروا أم قلوا، بل ربما كانوا يسيئون إلى وظيفة الأدب من ناحية، ويسيئون إلى الجماهير في صرفها عن الحقيقة الاجتماعية والإنسانية في النضال القائم، من أجل ذلك فإني أؤكد أن الأدب الذي أريد والذي ينبغي أن يكون موازيا لانتصاراتنا الإنسانية هو الأدب الحق الذي يحقق مضمون الثورة والتطور، ويخدم القيم الإنسانية، ويلتزم الصياغة الجمالية، وهو الأدب الذي سيظل إلى جانب العلم موازيا لتطورنا، صاعدا بدواتنا، متساميا بوجداننا كاشفا كياننا لأنفسنا.
أما ما يعرفه الناس حتى اليوم عن الأدب، وعن أنه صناعة الكلام، أو فن التعبير فقط، فقد تخطاه الزمان إلى أن الأدب مضمون إنساني كبير يوائم بين الإنسان وعالم المثل بطريقته الخاصة، وسيظل الأدب كذلك ما نبض القلب بحب، وهام الفكر بمثل، وصلى العقل في محراب حقيقة.
إن النتيجة التي أخلص إليها بعد كل هذا هي أننا متسكعون في حياتنا الأدبية، متسكعون كتابا وقراء، لأننا نقرأ حين نقرأ لملء الفراغ أو قتل الوقت، ما يملأ الفراغ ويقتل الوقت حقا، ولأننا نكتب حين نكتب استجابة للعادة أو إرضاء لغرض ما، وليسمح لي الذين يسمون عن هذا الحكم –كل عادة أو أي غرض ما عدا الاستجابة الفكرية السامية النزيهة أو الوجدانية الصرف، وهب أننا نكتب لنثير مشكلا أو نحاول حقا فإننا لا نفعل حين نفعل إلا لأننا نحترف هذا النوع من الكتابة، ولأنه مما يحب القراء أن يقرءوا، ولأن الكتابة النافقة والصحافة النافقة هي التي يكفيها أن تضع عنوانا تحريريا لامعا أو ثوريا ملتهبا، ثم تقول كل ما تشاء غير التحرير وغير الثورة.
إن الثورة، وأن التطور والتحرير، لا ينبثقان من أقلام معروضة للبيع، ولو أنها تبيع للناس كلاما عن الثورة والتطور والتحرير، ومن ثم فإن أدبا تنتجه هذه الأقلام ليس مما يغير من أحكام الموضوع القائم شيئا، أما قراؤنا –وما أقلهم- فهم يقرأون بالصدفة، أو بالهواية أو بحكم العادة، وتلك هي المراتب التي يرقون فيها تدريجيا: وان كان الذين يقرأون بالعادة أو يدمنون على القراءة لا يتجاوزون الأصابع عندنا، لأن مشاغل الحياة ومباهجها وملاهيها، بل لأن أعداء القراءة كثروا في حضارتنا، وقلما ينجو من شباكهم الأدباء أنفسهم أحرى المستضعفون من القراء، وما دام القراء يعكسون رغباتهم سامية أو مبتذلة على دنيا الكتاب، فإن هؤلاء يسفون معهم تأثرا بالقاعدة الاقتصادية، أما الذين يقرأون بالصدفة فهم لا ينتمون إلى القراء إلا بكونهم قابلين للقراءة عندما تسعى الصحف والمجلات إلى منازلهم أو أيديهم، وأما القراء بالهواية أو بالعادة فأغلبهم لا يتمثلون ما يقرأون، ولا يخصبون عقولهم وقلوبهم بهذه القراءة، وهكذا تتحول قراءة قراء من هذا النوع إلى اجترار وتوظيف آلي، والظاهرة التي تؤيد ذلك –وإن كانت بسيطة في حد ذاتها- هي أننا لا نستجيب للأصداء التي تتردد في عالمنا الأدبي، إلا ما كان من الصحفيين الذين يهتزون بشكل مفتعل لهذه الأصداء والأحداث بحكم مهنتهم، وأنا لا أشك أن كثيرين عندنا يقرءون كثيرا، وان كثيرين أيضا قد تعودوا أن يقرأوا نوعا من الكتاب أو نوعا من الكتابات الأدبية حتى تكون لديهم ما يجب اعتباره سعة اطلاع في هذا الباب أو ذاك، بيد أن السؤال الذي يوضع هنا بقصد اختبار نضج قراءتنا وحرثيتها لذواتنا هو: إلى أي حد يستطيع قارئ طه حسين أن يحدثنا عن طه حسين بشكل ما عميق الفهم، وإلى أي حد يستطيع آخرون رسم تخطيط فكري للعقاد أو توفيق الحكيم في آرائهما وفلسفتهما في الحياة؟ وإذا صح أن هناك أشخاصا يستطيعون هذا النحو من التجاوب والتفاعل مع كتابهم فما يحبسهم عنا نحن القراء؟.
إنني لا أكاد أشك في فراغنا الأدبي الناتج عن اجتواء طاقتنا الأدبية، فلا نحن نعبر عن ذواتنا، ولا نحن نتجاوب مع الأصداء المنطلقة عن الذواب الأخرى، لا نحن نكتب، ولا نحن نقرأ على النحو الذي نريد، وإنني لا أكاد أشك أيضا في أننا متسكعون في حياتنا الأدبية، وواهمون بأننا متجهون لهدف ما، ولا أشك مطلقا في أن سبب ذلك يرجع إلى أسباب كثيرة غير التي المعت إليها، أو شرحتها، بيد أن انعدام الإيمان بوظيفة ما للأدب في حياتنا، وانعدام مفاهيم وقيم خلاقة للأدب مشاعة في صدور تلك الطائفة القليلة من أدبائنا، وانعدام المستوى الثقافي اللازم للتصادي مع العالم الخارجي يكاد كل هذا القحط يسيج  ذواتنا، ويعزلنا عن الحياة الأدبية، ويجثم علينا بمناخ صحراوي جذب.
وكل الذي يجب أن يقوله مؤمن برسالة الكلمة في مثل هذا المناخ العقيم هو الدعوة إلى الإنقاذ.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here