islamaumaroc

ناظر الوقف -3-

  محمد بنعبد الله

العدد 240 ذو الحجة 1404/ شتنبر 1984

يستفاد من مؤرخ الدولة العلوية الشريف مولاي عبد الرحمن بن زيدان، أن السيد الطيب بن أحمد بن غازي المكناسي كانت له رياسة الأوقاف المغربية في سائر الإيالة الشريفة، والنظر التام، والتصرف العام في جميع الأحباس على عهد السلطان المولى عبد الله بن إسماعيل، ويلاحظ أنه لم يكن يطلق على الناظر، إذ ذاك، اسم الوزير..كما سيأتي بيانه، إن شاء الله تعالى، في غير هذا الباب.
ولا ننسى الكتاب الذي وجه إلى السيد بلقاسم المسطاسي من طرف المولى إسماعيل يحضه على تقوى الله ومراقبته في سره وعلانيته، ومحاسبة النظار (1).
والمولى إسماعيل هو الذي اهتم بشؤون الوقف وأصدر أوامره لجميع نظار المملكة بإحصاء الأملاك الوقفية وتدوينها في سجلات خصوصية وحوالات حبسية، (2) كما هو مذكور في بابه..
كما نجد أن المولى عبد الرحمن وابنه المولى محمد كانا قد منعا المعاوضات الوقفية منها كليا حماية للوقف من التفويت الذي يمر في ظلال التلاعب، والمخاتلات..
ولا ننسى المواقف البطولية التي أظهرها المولى عبد العزيز، في مؤتمر الجزيرة الخضراء دفاعا عن الوقف المغربي والأراضي المغربية كما هو مسجل في محاضر جلسات المؤتمر.
ولا يغرب عن البال أيضا تلك المواقف الحاسمة الصارمة، المومنة المسؤولة التي كان يقفها ساكن الجنان، المولى يوسف بن الحسن بوعي وتبصر وحماس مع الإدارة الحامية الدابرة في موضوع الأحباس، ويكفي أن نشير إلى موقفه التاريخي الخطير، وغضبته المضرية وتهديده رجال الحماية بالتنازل عن العرش إن هم أقدموا على تحويل مسجد السنة بالرباط عاصمة المملكة، وإزالته عن مكانة وموقعه من طرف الإدارة الاستعمارية حتى يكون الطريق الذي يمتد ممن شارع الجزاء، واحدا طويلا ينتهي، في خط مستقيم إلى الإقامة العامة، فوقف رحمه الله وأثابه وقفة صارمة، أثنت عزيمتهم، وخضدت شوكتهم، وألانت قناتهم، بعد أن ولوا مدبرين..
وهل ننسى تلك المواقف الحازمة القوية المومنة المسؤولة التي كان يقفها بطل التحرير مولانا محمد الخامس طيب الله ثراه إزاء الاستعماريين والإدارة الحامية، فقد كان شجى في حلوقهم، وصخرة تتكسر على صفاتها قرون دهاقنتهم، مما أحاط الأحباء بحرمة وتقديس، فكان لا يولي على إدارتها إلا المومنين الحازمين المتيقظين.
وقد سار على هذا النهج، واتخذ سبيله فيه، وارث سره، جلالة الملك الحسن الثاني الذي ألان الله له أعطاف الشدائد، فأعطى لفكرة الوقف بعدا عليما وحضاريا مما لا يتسع له المقام في هذا البحث...إذ دراسة أحوال الوقف في هذا العهد الزاهر تحتاج إلى دراسة معمقة سواء في الساحة العلمية، أو الحضور الديني، أو الوجيه، والتثقيف الشعبي في الداخل أو الخارج.
وقد عرفت إدارة الوقف في هذا القرن الأخير، وفي عهد الحماية والاستقلال مسؤولين حازمين، كانوا قدوة حسنة في الاستقامة والنزاهة والنبل والخوف من الله تعالى، إضافة إلى التجاوب والتعاطف المهني والتقني مع الرسالة الوقفية التي اضطلعوا بتحمل أمانتها وأعبائها أمام الحق والخلق مما ترك الألسنة تلهج بالثناء والعطر، لما أسدوه للإدارة من خدمات جلى، وحسنات باقية على الدهر، ونذكر منهم على سبيل المثال، لا الحصر، أول وزير للأوقاف السيد أحمد الجاي (3) الذي كانت له مواقف بطولية، وتضحيات مع مدير الوقف من طرف الدولة الحامية السيد "تور" Torres والسيد امحمد ملين، (4) والعالم الأديب الفاضل الفقيه السيد الحاج محمد بوعشرين، (5) والفقيه الحاج أحمد بركاش (6) وغيرهم من المخلصين الأوفياء الأمناء القائمين على حماية الوقف ورعايته..
                                                   ***
وقد تسند نظارة الوقف على من لا خلاق له من الناس، فينهبها نهبا، ويذرها قاعا صفصفا، ويصرف ريع الأوقاف حسب هواه، وما أكثر ما أصيبت أوقاف المسلمين بنظار ناهبين.
وقد علل المقريزي- الذي جمع بين قوة الحاسة التاريخية من ناحية، وصدقها وانضباطها من ناحية أخرى، فضلا عن إدراكه للأبعاد والأركان الرئيسية لعلم التاريخ – سوء الأحوال الاقتصادية بمصر عام 808 هـ، فأرجع الفساد إلى عدم كفاية القائمين على الشؤون، والمتولين لشتى الوظائف الكبرة، لأن غالبتهم تولى منصبه عن طريق الرشوة، ولذا لم تتوافر فيهم الأهلية والكفاية..بل إن وظائف الدولة، إذ ذلك، صارت "مثل الأموال المملوكة يبيعها صاحبها إذا شاء، ويرثها بعده صغار ولده، وسرى ذلك حتى في التداريس الجليلة، وفي نظر الجوامع والمدارس، ومشيخة التصوف، "فيا نفس جدي...إن دهرك هازل.." (7).
ولا يفوتنا ذكر إساءة بعض المتولين والنظار للأوقاف وخيانتهم في إدارة الوقف، وتفسيراتهم المصلحية لشروط الوقف مما ضيع الثفة بهم، وبمؤسسة الأوقاف كفكرة ونظام، بالإضافة على عدم وضوح الأنظمة والقوانين الوقفية وتجديدها وتحديثها لتكون في متناول الأجيال الجديدة من المسلمين.
وقد أدى هذا على أن يرفع كثير ممن الموقوف عليهم عقيرتهم، ويجأرون بالشكوى، كما أدى إلى قيام منابر عديدة بتوجيه الطعن إلى الوقف الأهلي والمطالبة بإلغائه وتصفيته، بل تعدى ذلك على المطالبة بإلغاء الوقف بكافة أقسامه وأنواعه كنظام قائم في المجتمع (8).
ولقد احتدم النزاع والخلاف في بلاد مصر في العشرينيات حول المشاكل التي تثيرها التطاولات، فقد ألقى محمد علي باشا وزير الأوقاف سابقا محاضرة في القاعة الكبرى بمحكمة الاستئناف عام 1972 كان لها رنين وطنين ودوي قوي في جميع الأوساط، وقد عقب عليها فضيلة الشيخ محمد بخيت المطيعي رحمه الله مفتي الديار المصرية في محاضرة ألقاها مساء الخميس 18 شعبا 1345 /10/1/1927 (9).
ويبدو أن النظر على الأوقاف كان دائما مثيرا للريبة، وشبهت الإثراء الحرام، فابن الفرضي يترجم في تاريخه للفقيه يدعى محمد بن سعيد بن قرط، كان قاضي الجماعة أبو بكر محمد إسحاق ابن السليم (10) قد قدمه على النظر في الأوقاف، فبقي عليها طول مدة قضائه، ثم جانبا كبيرا من مدة خلفه محمد بن يبقى بن زرب، (11) ثم عزله عنها، وأثار عليه هذا النظر قضية طويلة عزل فيها، وذهب فيها أكثر ماله، حتى أنه مات فقيرا في سنة 381 هـ 991م.
ولبد بلغ من التشكي من أعمال بعض النظار مبلغا شديد الخطورة جعل المرتزقة في الوقف يطلبون حل الأوقاف وإنهاءها، كما أن ذلك كان مطعنا للطاعنين في الوقف نفسه باعتباره نظاما قائما في المجتمع الإسلامي، ومرد شكوى الناس، وطعن الطاعنين في بعض الفترات، هو عدم قانون بنظم شؤون النظار وطرق محسابتهم محاسبة دقيقة أمينة نزيهة عادلة.
والكثير من الأوقاف قديما، في المغرب، قد ضاع ومسته يد الخراب قبل القرن الخامس الهجري، فقد لاحظ صاحب الجذوة، (12) أن كثيرا منم أوقاف المساجد أدخلها أهل فاس في منافعهم أيام الخليفة يوسف بن تاشفين، فرفعت القضية إلى القاضي عبد الحق بن معيشة الغرناطي، فتوجه الطلب على النظراء والوكلاء في ذلك ومحاسبتهم، فأبرزت المحاسبة 80 ألف دينار..
وهكذا تولى النظارة غير المستحقين ممن لا سحب للأوقاف حسابها، ولا يراعي حرمتها ولا ذمتها، فكانت حالتهم كحالة ممن وصفهم صاحب المهذب بقوله: "وقد تشتت أمور الأوقاف في هذا الزمان بهذه القرى، وأسند القضاة النظر فيها للذئاب الذين ليس لهم في ذلك مأرب إلا ما يأخذونه من المرتب، مع أن تصرفات النظار يلزم أن تكون دائما على وجه النظر، فمهما فرطوا، غرموا، ومتى خرجوا عن الصراط عزلوا....
وقد أعطي إسماعيل بن بعد الوهاب الهمذاني نزيل دمشق (ت 1006 هـ) تولية جامع "سيباي" خارج باب الجباية، ثم تولية الجامع الأموي، وبقي متوليا على الجامع أربعين سنة، وتصرف هو والقاضي أبو بكر بن الموقع المالكي تصرفا انتقد عليهما أكثره وفيهما يقول شيخ الإسلام أبو الفتح المالكي مشيرا إلى ما فعلاه بالوقف:
يقول – على ما قيل – جامع جلق       ألم يك قاضي الشام عن مســؤولا
يسلم للأعجام وقفي لأكلـــه             ويروي يبهم عني كتاب "ابن ماكولا" (13)
أبعد الفتى السبكي أعطى لسيبك        وبعد الإما م "الزنكلوني" لزنكـلونا
أقاموه لي قردا بشباك مشهـد          وضموا له، دبا، على الرقص مجبولا.
يؤمل كل، أكل وقفي بأسـره           فلا بلغ الله الأعاجم مامــــــولا
ولما آل أمر الوقف إلى الضياع، ولزم توزيع نقص ماله على أرباب الوظائف، وكان يقسم على طبقات، اقتضى صرف إسماعيل عن نظارته، وأطعيت لبورتوز على سنة، فطغى في نظارته، ثم عزل عنها، وولى مكانة حسن باشا الشهير بشوربزه حسن، فسلك فيه أحسن السلوك من تنمية وقفه، وإعطاء علوفاته، ورفع يد إسماعيل، وكان يوصله علوفته، باختل أمره، وبقي في زوايا الخمول إلى أن مات عام 1006 هـ (14).
وقد سنان – والد أحمد المعروف بالقرماني الدمشقي صاحب التاريخ المشهرو، وأحد الكتاب المشهورين – إلى دمشق، وولي نظارة البيمارستان، نظارة الجامع الأموي، وانتقد عليه أنه باع بسط الجامع الأموي وحصره، وأنه خرب المدرسة المالكية بالقرب من البيمارستان النوري، وتعرف بالصمصامية، وحصل به الضرر، وبمدرسة النورية ببعلبك، فقتل بسبب هذه الأمور هو، وناظر السليمية حسين في يوم الخميس رابع عشر شوال سنة ست وستين وتسعمائة خنقا معا بدار السعادة بشاشيهما، وعمامتاهما على رأسيهما (15)..
وقد هجا أبو المعالي درويس محمد الطاولي (16) المولى أحمد بن سلميان الرومي المعروف بالإياشي (17) قاضي القضاة بحلب، ثم بالشام في قصيدة طويلة سماها: "رفع الغواشي، عن ظلم الاياشي" وقسمها فصولا، وجعل كل فضل في حال من أحواله، فمن ذلك قوله مشيرا إلى تعديه على الوقف وظلمه مع وكيله رجل بدمشق يقال له:
"عقيص" مات، وخلف ثلاثة آلاف قرش، أخذ منها ألفا، فقال:
كيف استحل ألف قرش لنا        وجملة المـال ثلاث كبـار
وجملة الأوقاف في عهده         تباع في الدلال بيع الخـيار
ويدعي الرقة في طبعـه           مثل المخاديم الموالي الكبار
والعجيب أن الإياشي كان عادلا في أول أمره، ثم تغيرت أحواله، وفسدت أطواره،و اشتهرت في أيامهم الرشوة، وأبطل كثيرا من الحقوق، وقد مدحه في أول أمره بالولاية الطالوي المذكور آنفا بقصيدة شينية استحسنها أدباء وقته مع صعوبة رويها. فقال:
كيف أخشى في الشام أمر           معاشي  وملاذي بها جناب الإيـاشــي
أفضل القوم من سما للمعالـي       فاعتلاها طفلا،وكهلا، وناشــي
فهو بدر العلوم، صدر الموالي     من سماهم فضلا..ولست أحاشي
ساق عدلا بالشام حتى شهـدنا      مشي ذئب الفلاة بين المواشـي
وقد حدث في عده الملك الأشرف "فايتباي" عام 887 هـ عندما خلع السلطان على شخص من الأراذل يقال له محمد بن العظمة، كانت صنعته فراء، ثمن سعى له عند السلطان وسائط السوء، بأن يقرره في نظر الأوقاف، فخلع عليه ذلك، فلما استقر في الوظيفة، حصل على الناس منه غاية الضرر الشامل، والتزم بمال له صورة يورده في كل شهر، فضار يرسل خلف الناس من رجال ونساء، ورسم عليهم بسبب الأوقاف، ويحاسبهم على الماضي والمستقبل، ويأخذ منهم جملة مال،و صار بابه أنحس من باب الوالي، والتفت عليه جماعة من المناحيس وصاروا يفرعون له الأذى تفريعا..وكان يورد هذه الأموال للسلطان لا يدري أمن حلال هي أم من حرام.
وإذا كانت الضرورة تفرض السهر على رعاية الوقف، فإن اختلاف الأوضاع، وتباينها في الأمة الإسلامية دعم كل حكومة تنظم الأوقاف تنظيما خاصا وفق تطورها وإمكانياتها حيث يلاحظ أن البلاد الإسلامية عرفت نظما متعددة متغايرة فهناك من فرق بين الوقف المعين، والوقف العمومي، كتركيا التي ألغت جمهوريتها الوقف المعين، وفرضت مراقبة صارمة على الوقف العمومي الذي ارتبط مصيره بالشؤون الدينية، وفي عام 1924 صدر قانون تركي أنشئت بموجبه وزارة للشؤون الثقافية تابعة لرئاسة الحكومة يشرف المسؤول فيها على المساجد والمعاهد الدينية، كما ألغى القانون وزارة الأوقاف.
وهناك من أمم الوقف، وصادر ممتلكاته، كما هو الحال في الجمهوريات الإسلامية بآسيا الوسطى التي كانت للمسلمين بها أوقاف تضخمت مواردها طوال قرون إلى أن انهزم التتار عام 1552، فتطاول الروس على ثروات الوقف، واغتصبوا أمواله، وبددوا ما خلفه الواقفون في بلاد ما وراء النهر، واستمرت الحال في شتى أشكال الضغط والمطاردة والملاحقة على أن قرر الحزب الشيوعي الظالم عام 1921 تأميم الوقف، وتسليم الأراضي الحبسية إلى الفلاح المسلم وغير المسلم وحظر مل وقف جديد.
ونجد في بلاد كيوغوسلافيا التي تركت تسيير الوقف إلى الجماعة الإسلامية في البلاد، لأنها تتمتع باستقلال ديني يكاد يكون تاما داخل البلاد وخارجها، فأصبحت هذه الجماعة تتصرف في الأوقاف، لها ميزانيتها المستقلة، وإدارتها الخاصة، وذلك منذ صدور دستور الجامعة الإسلامية بهذه البلاد في 5 نوفمبر عام 1936.
وفي جنوب شرقي آسيا، وبأندونيسيا بالضبط، فإنها تمتاز بظاهرتين، الأولى ندرة الوقف العقاري، وذلك نظرا لاستغلال الملكية الفردية في جميع أطراف البلاد، وشيوع الملكية الجماعية بحيث لا يملك الأفراد حق الوقف، كما أنه لا توجد إدارة مركزية للأوقاف.
وتوجد في الهند وقوف رصدت لصلاح تسيير الشؤون الدينية، وعقارات موقوفة لفائدة التوظيف الديني، ونشر التعليم ومساعدة البائسين والمحتاجين، وقد لوحظ أن الدولة الهندية استولت على أراضي الوقف، وتم تسجيها في الوثائق الرسمية على أنها أملاك تابعة للدولة.
وقد ناقش المؤتمر التعليمي والملي الإسلامي في الهند، في الأيام الأخيرة، عدة قرارات، لعل أهمهما القراران الهامان في موضوعي المساجد والأوقاف الإسلامية...التي حاربها الاستعمار البريطاني، ويهددها خطر من الحكومة الحالية.
إن علماء المسلمين الذين حاربوا الاستعمار الإنجليزي في عام 1875، وواصلوا مقاومتهم للاحتلال أنشأو مدارس لتعليم العلوم الإسلامية في كافة أنحاء الهند، واتخذوا مراكز لنشاطهم المعارض للإنجليز، انطلقت من هذه المدارس تحركات لمقاومة حملات التنصير من جهة، وحماية المسلمين من السياسات الخاطئة للحكومة، وتوجيههم توجيها سليما من جهة أخرى، وليس هذا فقط، بل تخرج من هذه المدارس علماء جاهدوا الاستعمار، وقاوموا الاحتلال.
وقد اتخذ المؤتمر التعليمي والملي الإسلامي في اجتماعه الأخير الذي انعقد بالهند، قرارين هامين في موضوعي الأوقاف والمساجد، وكان نص القرار الخاص بالأوقاف على النحو التالي: "إن الأوقاف الإسلامية في الهند تشكل ثورة كبيرة للمسلمين تقدر بآلاف الملايين من الروبيات، وتبلغ إيراداتها عشرات الملايين، غير أن أملاك الوقف تتعرض للنهب والسلب، ولا يتحقق الهدف الذي من أجله وقف أهل الخير هذه الأملاك، وذلك يعود إلى سوء إدارة هذه الأملاك من قبل الناظرين في بعض الأحوال، وفي البعض الآخر يعود على عدم اهتمام لجان الأوقاف. والقبضة غير القانونية عليها. ومما يؤسف له هو أنه في كثير من الحالات توجد أملاك الوقف في قبضة الهيآت والمؤسسات الحكومية، ويجري التعامل بها بيعا وشراء وإيجارا أو استئجارا.
إن القانون الحالي في بلاد الهند لا يفي بالحاجة، وهو ناقص، وفي بعض الأحوال لوحظ أن الدولة استولت على أراضي الوقف، وتم تسجيلها في الوثائق الرسمية على أنها أراضي وأملاك تابعة للدولة، وفي عام 1979 دعت جمعية علماء الهند إلى مؤتمر للنظر في وضع الأوقاف الإسلامية، وطالبت الحكومة بتشريع قانون جديد للأوقاف، إلا أنه بالرغم من المطالبات المتكررة، لم تفعل الحكومة شيئا، وهي تماطل في عرض مشروع قانون جديد على البرلمان.
لذلك يطلب المؤتمر التعليمي لعموم الهند من الحكومة الهندية الإسراع في تشريع قانون جديد، واسترداد أملاك الوقف من القابضين غير القانونيين، وإعادتها إلى جهات الخير الموقوف عليها.
أما بشأن المساجد، واغتصاب بعض المساجد الإسلامية فقد جاء في قرار المؤتمر: "إن المؤتمر التعليمي لعموم الهند يلاحظ لقلق بالغ أن هناك مساجد كثيرة في أنحاء مختلفة من البلاد، ما زالت في قبضة الغاصبين، كما أن هناك مساجد عديدة حظرت السلطات الحكومية أداء الصلاة فيها، ولا يسمح للمسلمين بدخولها، وحولت مساجد كثيرة على محلات تجارية أو دكاكين أو مساكن..إن المسلمين ينظرون على هذا الوضع السيء بنظرة استنكار وأسف شديدين.
أما في الباكستان فتكثر الأوقاف بصفة ملحوظة، ولا سيما في مقاطعة: "البنكال" التي توجد في قسمها الشرقي...ورجال الإفتاء وعلماء الدين هم الذين يتولون الإشراف عليها بضميمة لجنة يشارك فيها مندوب عن الحكومة، إذا كان الوقف مهما ذا بال، ورجال الإفتاء وعلماء الدين مستقلون عن السلطات العمومية، بيد أنه لا توجد أداة للتنسيق للمسائل الدينية، وما زالت دولة الباكستان، في طور الاختمار والإصلاح، فقد أصدر المجلس التشريعي في "البنجاب" عام  1952 قانونا ينص على صرف ريع الأوقاف لصالح الصحة والتقدم، وضمان إنفاق موارد الوقف فيما وضع لأجله.
وقد أمم الأمير عبد الرحمن الأفغاني المتوفي في أوائل القرن الميلادي الحالي قسطا كبيرا منم الأوقاف، وأدرجها في ميزانية الدولة، وأصبح الأئمة والمؤذنون يحتسبون أعمالهم لله، وابتغاء مرضاته.
أما إيران، فإنها تدرج ميزانية الأوقاف في التعليم العمومي، وتجعل مديرين في الولايات والأقاليم، ويراقب هذه الميزانية مفتشون ماليون تابعون لوزارة المعارف.
والحديث عن مناهج الوقف، وطرق جبايته من كل المواطنين من أساتذة وموظفين وتجار وعمال و..في إيران ذو شجون..
وهناك من الدولة الإسلامية من جعل الإشراف على الأوقاف مشتركا بيم عدة هيآت كسوريا التي أقدمت على حل الوقف الذري عام 1949.
فقد أصدر "حسن الزعيم" قرارا بإلغاء الأوقاف الذرية في القطر السوري.
وكان أول المحتسبين الذي قسموها وعرفوا الفرائض، وأتقنوا الحساب، الأستاذ الشيخ عبد الرحمن السفر جيلاني والشيخ جميل الشطي مفتي الحنابلة (18).
وأصدرت لبنان قانونا نظم بموجبه أحكام الوقف الذري، وصدر هذا القانون في 10/1948.
ويرجع الإشراف على الوقف، وتدبر أموره في بلاد اليمن، لبيت المال الذي يغذى بنفقاته المؤسسات الدينية.
وكان أول خطوة نحو إبطال الوقف الأهلي في العراق هي ما تم في عام 1929 عندما قدم جماعة من النواب في مجلس الأمة اقتراحا إلى الحكومة بسن تشريع يرمي إلى إلغاء الوقف الذري، إلا أن هذا المشروع لقي معارضه شديدة من العلماء، أرغمته على الاحتجاب حتى عام 1952، حيث تشكلت لجنة لسن لائحة في هذا الموضوع، كما هو مسطر في غير هذا الباب.
وقد أدمجت الأوقاف في القطر التونسي في ميزانية الدولة، بعد إعلان الاستقلال، وكانت إدارة الأحباس تتركب من مجلس إداري، وإدارة مركزية، وإدارة محلية، ومتصرفين في الأوقاف، والكل يخضع لمراقبة المجلس الأعلى للأحباس.
وكان يشرف على الإدارة الحبسية منذ عام 1944 رئيس المجلس الإداري الذي يعينه نائبان، أحدهما يسير المصالح الإدارية، والآخر المصالح المالية. وينقسم الجميع إلى عدة مكاتب، مثل المكتب العقاري، ومكتب المنازعات،ومكتب التسيير، ومكتب الزياتين.
وكانت الإدارة المحلية، إذ ذاك تحتوي على 14 مفتشا أو نائيا يمسكون سجلات الأملاك الحبسية.
على أن تنظيم الوقف بصفة استقلالية عرفته بلاد المغرب ومصر. وذلك لوفرة المداخيل، ورعاية توجيه ورغبة المحبسين.
وعندما قامت الثورة في مصر عام 1952، وسلكت إلى الإقطاع سبل التصفية والإنهاء، وجدت أن بقاء الوقف الذري قد يتعارض وهذه الرغبة في الحد من الملكية الزراعية حيث كان الكثير من المستحقين يتمتعون في الواقع بمركز لا يختلف في جوهره عن مركز الإقطاعيين، فاتجهت الحكومة المصرية إلى الرأي القائل بعدم جواز الوقف الأهلي، فأصدرت القانون رمق 180 لعام 1952 الذي نص على إلغاء ما كان موجودا من الأوقاف الأهلية، وجعل الأموال الموقوفة عليها حرة طليقة، كما منع إحداث أوقاف أهلية جديدة، فأصبح الوقف بذلك قاصرا على الخيرات فقط.
وتسهيلا لأصحاب الاستحقاق، وتشجيعا لهم على لإخراج أوقافهم من الوزارة وتداولها، جعلت الوزارة من اختصاصها أيضا، إجراء القسمة بين المستحقين، وأصبحت الوزارة حارسة على ما تحت يدها من أموال كانت وقفا تدريها حتى تتم القسمة، ثم قامت الوزارة في عام 1966 ببيع وتصفية ما تبقى في حراستها من أعيان كان موقوفة وقفا أهليا، ولم تتم قسمتها، أو لم يتسلمها أربابها.
وقد احتفظت إدارة الأحباء في المملكة المغربية باستقلالها إلى عهد السلطان المولى عبد الرحمن الذي قرر ضمها إلى دوائر المخزن، وألغى النظار الخصوصيين للمساجد والأضرحة، وعوهم في كل مدينة بناظرين يعينهما السلطان، وبذلك أمكن بسط مراقبة صارمة حازمة على هذا النوع من الثروة الوطنية التي تسهر عليها وزارة خاصة تعمل في نطاق الدولة.
وقد صدر تشريع ببلادنا في شأن ضبط مراقبة الأوقاف المعقبة، وجعلها تحت إشراف وزارة عموم الأوقاف مع بقاء تصرف المحبس عليهم فيها على انقراضهم على الكيفية المنصوص عليها في لفظ الواقف، لا فرق بين الأوقاف التي ترجع إلى الأوقاف العامة، أو التي ترجع ملكا للمحبس، أو لورثة من بعده، مثل ما يرجع النظر في الأوقاف العامة على وزارة الأوقاف حسبما نص عليه الظهير الشريف المؤرخ في: 29 ربيع الأول عام 1336 الموافق 13 يناير 1913 وقد صدر تشريع بتخلى وزارة الأوقاف في مراقبة الأحباس التي مرجعها ملك/، إسناد النظر فيها للقضاة، بشرط أن يعين المحبس عليهم مقدما يرضاه القاضي، ويكون تحت إشرافه حسبما بالمنشور الوزيري رقم 16198/المؤرخ في 6 شعبان 1351/الموافق 5 دجنبر 1932 المنصوص فيه على الإذن بإصداره من مصدر التشريع.
إن معظم الناس الذين يقفون أوقافهم في سبيل الله وفي سبيل الفقراء، هم بطبيعة الحال يقصدون فقراء جهاتهم، فإذا وقف واقف بمدينة (كذا) مثلا، وقفة على الفقراء، فإنه لا شك يقصد فقراء تلك المدينة، ولكن عندما تعطى نظارة الوقف للوزارة، فإنها تتصرف فيه تصرفا معروفا، وهوي أنها توزعه على جميع الفقراء، وأوجه البر بالطريقة المعروفة لدى الوزارة.
فالصالح العام، يقضي، بأن تكون وزارة الأوقاف أحق بالنظر على الأوقاف الخيرية، لأنهت بمثابة الأموال العامة للدولة، إذ لم يكن النظر عليها للواقف، أو لم يشرط الواقف النظر له عليها. لأنها وزارة تتوفر لديها كل وسائل الاستقلال من أقسام فلاحية وهندسية، وغير ذالك من مختلف الأقسام والمصالح. كما أن لديها من مختلف الوسائل ما يمكنها من إدارة ما يعد إليها إدارته على وجه أتم، وأدعى إلى الطمأنينة والقبول، مع مطابقته لأحكام الشرع الحكيم، والقانون القائم، وهي بحكم وظيفتها مخصصة للقيام بالإنفاق على جهات الخير والبر، ورعاية المساجد والإحسان إلى الفقراء..فضم إدارة الأوقاف الخيرية في يدها مما يسهل لها القيام بمأموريتها، وفيه توسعة على جهات البر والخير، وليس لها – أساس – بصفتها وزارة أي مطمع في مال من جهات الخير والبر.
(يتبع)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1) الإتحاف: ص: 481/4.
2) جمادى الثانية عام 1143، موافق 26 دجنبر 1730، الأصول الباقية منها إنما ترجع لأيام الوطاسيين. فهناك حوالة أحباس المارستان بفاس، حيث يرد بها تاريخ عام 905 هـ منها مصورة على الشريط: خ. ع. 137 من قسم الحوالات وهناك حوالات أحباس فاس العليا، وبها نفس التاريخ 905 منها مصورة على الشريط خ.ع: 161 من فسم الحوالات.
والجزء الأول من حوالة أحباس القرويين، ويشتمل على تاريخ 961 هـ منه مصورة على شريط/ خ.ع. 135 من قسم الحوالات.
وممن عمل على حماية الأوقاف، وضبطها وتنظيم حوالاتها، ومسك دفارتها التاقي أحمد بن الحسين بن عرضون، الذي أفرد لأوقاف مساجد مدينة شفشاون وأحوازها ديوانا خاصا إلى الآن توفي في عام 992 هـ.
وتوجد وثيقة الوقفية الهامة بمحلق الجزء الثاني لحوالات المسجد الأعظم بشفشاون ص: 176.
انظر نص الوثيقة في "الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية بشفشاون وأحوازها خلال القرن العاشر الهجري" للأستاذ عبد القادر العافية ص: 270.
وكان أول اهتمام معاصر بهذا اللون من الوثائق تناول حوالة أحباء طنجة، فنشرت مصورة في نصه العربي بباريس عام 1941 في 330 لوحة بعناية المستشرق الفرنسي السيد ميشو – بلير...
وقامت الخزانة العامة بالرباط، خلال الخمسينيات الأخيرة بالتصوير على الشريط لمعظم الحوالات المغربية في 75 مصورة، حيث توجد لائحتها وأرقامها في مجلة "البحث العلمي" للأستاذ الكبير البحاثة سيدي محمد المنوني بالعدد 20-21 (مزدوج) ص: 86-89.
وتلج ه المدونات قطاع الدراسات الجامعية، وقد رأينا أن الأستاذ محمد مزين يتخذ منها موضوعا لرسالته: "فاس، وباديتها من 1549-1637" التي نال بها شهادة دبلوم الدراسات العليا في التاريخ الحديث، ثم أحرز بها على جائزة المغرب لسنة 1979.

3) هناك ظهير يوسفي  سند إدارة الأحباء العمومية إلى السيد أحمد الجاي يخول له القيام بكل ما يرجع إلى هذه الوظيفة على مقتضى ما هو مقرر، وما يتجدد فيها من الضوابط الشرعية والقواعد المرعية الكفيلة بسير أعمالها على أسلوب واضح متين، وذلك في 20 ذي القعدة 1330/31/10/1912: وقد رقي من رتبة مدير إلى رتبة وزير في 23 رمضان 1333، غشت 1915م.
4) الحاج امحمد بن عبد الله ملين من علماء الرباط، شغل منصب العدالة بنظارة الأحباس، ورشح ناظرا لكبرى الرباط بدل المرحوم بنعيسى بنمسعود، ثم اختير لوزارة الأوقاف خلفا للمرحوم أحمد الجاي، وللسيد امحمد ملين حاشية على "بهجة السيوطي على ألفية ابن مالك"، سماها "المناهج السوية" قرظها له أبو حامد البيطاوري، وله أيضا "إرشاد الخواص والعوام، يفعل الواجب وترك الحرام" ط. عام 1345، توفي عام 1953، ولم يحضر وفاته ابنه العالم الأستاذ محمد الرشيد ملين الذي كان يتزعم حزب الأحرار المستقلين، إذ كان منفيا يعيش بين جدران السجن وديار المنفى من طرف الاستعمار في جملة المبعدين يوم 11 دجنبر 1952 عقب حوادث السوق البلدي بالدارالبيضاء.
5) الحاج محمد بن الوزير الحاج إدريس بن الوزير الطيب بن الوزير اليماني بن الكاتب..الخزرجي الأنصاري من أسرة عربية شهيرة بالمغرب، ولد بمدينة الرسول ونشأ بها. وقرأ القرآن والعلم، ونبغ في فنون الأدب نظما ونثرا، عين ناظرا لعموم أوقاف الأندلس، ثم عين كاتبا بقسم مراقبة الأحباس بإدارة الشؤون الشريفة ثم عين مراقبا عاما لنظارات الأحباء بمكناس وزرهون، ثم رئيسا للمحكمة العليا بالرباط، ثم مندوبا سلطانيا بمنطقة طنجة، ثم وزير الأوقاف، وكان رحمه الله قمة في الفضل والحياء والحزم والطهارة والخوف من الله تعالى.
6) تقلد عدة مناصب سامية، فكان فيها مثال اليقظة والحزم والتبصر وحسن التدبير، وكان وزيرا للأوقاف مرتين، وفي عهده عرفت الوزارة نشاطا في الشؤون الإسلامية والثقافية، وكان محل ثقة وعطف من المرحوم مولانا محمد الخامس، وصاحب الجلالة الحسن الثاني، ويعد السيد بركاش من أئمة المجاملين إن لم يكن إمامهم. ومن اللطائف المطرقة التي ت وقلت عن العلامة الموسوعي الوزير السيد محمد المختار السوسي أنه كان يتمنى أن تؤسس في المغرب كلمة لدارسة "علم السلوك" ويتولى عمادتها الحاج أحمد بركاش. على أن يكون خليفته المباشر في العمادة المرحوم الحاج الفاطمي بن سليمان (انظر مطالعات في الكتب والحياة موضوعا بعنوان: "علم الاحترام" للأستاذ عباس محمود العقاد ص: 451).
7) كتاب السلوك، للمقريزي ج: 4.
8) 241/2/الكبيسي عبد الله.
9) المحاضرة المذكورة مطبوعة في المطبعة السلفية عام 1945 ومحمد بخيت المطبعي كان حنفي المذهب, وتتلمذ على كبار الشيوخ في الأزهر وخارجه, وكان منهم السيد جمال الدين الأفغاني، والشيخ حسن الطويل..تولى عدة مناصب، كما عين مفتيا للديار المصرية، واستمر بشغل هذا المنصب حتى عام 1338هـ, أصدر خلالها حوالي 2028 فتوى.وكانت له فتاوي جريئة، له عدة تآليف منا: "إرشاد العباد، في الوقف على الأولاد".
10) انظر ترجمته في المربقة العليا، فيمن يستحق القضاء والفتيا، لأبي الحسن النباهي المالقي ص: 75.
11 ) المصدر السابق ص: 77. وابن زرب قاضي قرطبة ومفتيها الموصوف بسعة العلم والنظر والنزاهة، كان القاضي ابن السليم يقول له: "لو رآك ابن القاسم لعجب منك، به كتاب "الخصال: في الفقه عارض به كتاب "الخصال " الحنفي. فجاء في غاية الإتقان.."
ولما ولي القضاء،وجاء الناس لتهنئته، كشف لهم عن صندوق من المال. وقال لهم: "إن قشا من مالي ما يناسب هذا، فلا لوم، إن ظهر على أكثر منه وجب مقتي". (ت 381هـ).
انظر: الديباج، والفكر السامي ص 121/3.
12) ص/ 42
انظر: "جني زهرة الآس، للجزنائي ص: 67
13) ابن ماكولا: أبو النصر ابن العجلي (1031_1094 هـ) ولد في عكبرة (بغداد) أمير من أمراء الفرس، كان من كبار الحفاظ. والمحدثين. قتله أحد ممالكيه الأتراك له كتاب: "الاكمال، في المختلف والمؤتلف من أسماء الرجال" مخطوط في لندن. كان في القرن الحادي عشر، كما ذكر ذلك بروكلمان وكراتشكوفكسي في تاريخ الأدب الجغرافي ص: 319/1.
14) خلاصة الأثر، ص: 410/1.
15) خلاصة الثر،ص: 210/1.
16) المصدر السابق. ص 148/2.
17) المصدر السابق، ص: 209/1.
18) بائع الزهور، ص: 510.
19) الحلقة: 118/مذكرات على الطنطاوي. "الشرق الأوسط". 1984.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here