islamaumaroc

تقويم الفكر الإسلامي القديم.

  محسن عبد الحميد

العدد 239 ذو القعدة 1404/ غشت 1984

مراجعة وتقويم :
لا بد لنا بعد هذا العرض الموجز أن نقوم بتقويم شامل لما قررناه كي تكون رؤيتنا واضحة، فنعرف مواضع أفكارنا تجاه التغيرات الكبيرة التي حدثت في العصر الحديث أو التي يجب أن تحدث.
الأول:
 لاشك أن لكل عصر مشاكله ورؤيته التي تنبثق من طبيعة العصر، ترتبط ارتباطا كبيرا بالتغيرات المتنوعة والصراعات التي تنتج منها. فالفكر الإسلامي في عصر ما هو: محاولة فهم وهضم تلك التغيرات والصراعات في ضوء الإسلام. وقد تكون تلك المحاولة ناجحة تستطيع أن تنفذ بفقه ذكي إلى أصول الإسلام وقواعده الكلية لاستنباط قوانين الحركة الاجتماعية، بالاستجابة لها في جوانب وتطويعها وضبط حركتها في جوانب أخرى. غير أن الحلول الفكرية في شتى المجالات التي يقدمها ذلك الفكر والتي تعبر عن حاجة العصر الذي ظهرت فيه، لا يمكن أن تكون صالحة لكل عصر في تفاصيلها، ولا يمكن أن تكون هي الإسلام من حيث هو وحي معصوم. وإنما الصحيح أن يقوم الفكر الإسلامي الجديد في العصر المتأخر بعملية تواصل عميق مع الفكر الذي تقدمه، ويقوم بموازنة دقيقة تعبر عن المتغيرات الجديدة، ليكون الفكر الجديد في العصر الجديد أكثر تعبيرا عن أصول الإسلام في ضبط الحركة الاجتماعية، على اعتبار أن الإسلام من حيث هو دين حق وخاتم كمال مطلق إلى يوم القيامة. كل عصر يستطيع أن يستنبط منه ما يعينه على فهم ثوابته ومتغيراته. وبذلك يكون الفكر الإسلامي حيا متواصلا مرنا متطورا إسلاميا دائما في منطلقه، دون إعادة الصياغات الفكرية السابقة في محاورها كلها، لأن إعادة خصائص وملامح واستجابات العصور السابقة برمتها وبدون إعادة النظر فيها تعني السكون والموت، بينما الإسلام يريد من المسلم الحياة والحركة. ولا يعني ذلك أن الفكر الإسلامي ليس إلا محاولة اجتهادية واحدة في عصر واحد. بل قد تتنوع الاجتهادات، فتتنوع الحلول في القضايا النظرية والعملية. ومن هنا فلا يجوز لنا أن نستل اجتهادا واحدا من تلك الاجتهادات فنجعله الممثل الوحيد للإسلام في ذلك العصر. وإنما لا بد أن توزن الأمور بدقة، ويرجع فيها إلى موازين الإسلام نفسه. فيقال إن هذا الاجتهاد هو الأقرب إلى تحقيق مقاصد الإسلام. ولقد عبر فقهاؤنا في عصر الإبداع عن هذه المسألة تعبيرا دقيقا عندما قالوا: مذهبنا راجح يحتمل الخطأ والمذاهب الأخرى مرجوحة تحتمل الصواب.
وانطلاقا من هذا المبدأ، لا بد أن نعد الاجتهادات التي جرت في تاريخنا الحضاري الطويل، سواء أكانت في أمور العقائد التفصيلية أم في أمور الحياة العملية، اجتهادات مشروعة إسلاميا في عصرها، طالما أنها من مبادئ الإسلام الكلية وأصولها العامة، وأنها لم يرد بها في الواقع إلا تركيزها وجعلها في خدمة حركة الحياة وضبطها، بغض النظر عن مقدار ما أصابت أو أخطأت.
إن اتباع المنهج الإسلامي الواعي في دراسة مظاهر الفكر الإسلامي القديم له نتائج خطيرة في عصرنا هذا، من حيث أنه ينقذ فكرنا الإسلامي الحديث من بعض مظاهر التمزق نتيجة للنظرات المتطرفة والمتعصبة الناتجة من الجهل بحقائق الإسلام التي تقرر التغيرات الاجتماعية والاجتهادات المتنوعة، التي تجرى في داخل أصولها الكلية. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن مواجهة المقالات الفكرية السابقة التي عبرت عن عصورها وأوضاعها بمنهج إسلامي مرن ستساعد على عقليات مرنة تفهم طبيعة عصرنا وتواجه الاجتهادات المتنوعة التي قد تظهر بروح القبول الحسن والنقد العلمي البناء والبحث عن الدليل والبرهان والابتعاد عن النظرة الذاتية المتعصبة التي تعين على توسيع الهوة بين النظرات الإسلامية المتقاربة ذات المنطلق الأصولي الواحد.
الثاني:
إننا عندما نراجع المعرفية المتنوعة التي كانت تعبر عن مظاهر الفكر المتنوعة في العصور الماضية، نجد أنها تمثل نمط زمانها في التفكير والاختلاط الحضاري، وتستجيب للتحديات التي ظهرت في تلك الأزمنة بفعل العوامل الداخلية والخارجية، ولم تعد تمثل تطور الأفكار والصراعات في زماننا، لا شكلا ولا مضمونا، لأن الحضارة المعاصرة التي داخلت حياتنا بتفاصيلها، بإيجابياتها وسلبياتها، بموافقتها لأسس حياتنا الحضارية الإسلامية ومخالفاتها، قد غيرت حياتنا وحياة غيرنا، فظهرت قضايا جديدة وفلسفات متباينة ومناهج عدة، تستدعي منا أن نعيد النظر في ميراثنا المعرفي الذي نتج عن مواقف المفكرين المسلمين أو الإسلاميين في العصور الماضية، كي نطرح منه كل ما لا يعبر عن عصرنا ولا يشترك في تغيير حياتنا ولا يحقق مصلحة الجماهير الغفيرة من أبناء أمتنا الإسلامية، بل لا بد أن نجتاز كل مظاهر الفكر الإسلامي التي سادت في العصور الماضية، لنوصل أنفسنا مباشرة بالقرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، فنستنبط فكرنا الإسلامي الجديد من هذين المصدرين المقدسين المعصومين، كما استنبط المفكرون الإسلاميون فكر عصرهم دائما منهما، أصابوا أم أخطأوا، إذ هما الملزمان دينا للمسلمين في كل عصر، وليس غيرهما من مظاهر الفكر المتغير. فندخل في شيء من التفصيل لتوضيح هذه المسألة الخطيرة.
ففي مسائل الفلسفة القديمة، لم يعد شيء من صراعاتها التفصيلية، يعبر عن مصطلحات عصرنا وفكره، ففلسفات اليونان التي كانت المصدر الأول لأفكار فلاسفتنا قد سقطت من حيث المادة المعرفية ومن حيث منهج معالجة القضايا. وأسلوب تناول تلك الفلسفات من جانب فلاسفتنا ومحاولتهم تقريب مبادئ الإسلام منها والنتائج التي خرجوا بها غدت اليوم في خضم صراعاتنا الفلسفية مع الفلسفات المادية الحديثة، موادا متحفية لا قيمة لها ولا تأثير. ومن هنا فإن دراستها لا بد أن تنحصر في دوائر ثقافية ضيقة كأقسام الفلسفة مثلا في الجامعات الإسلامية، وتدرس حينئذ كحلقة من حلقات اجتهادات المفكرين المسلمين في القضايا الفلسفية التي واجهوها، وأرادوا أن تكون حلا للقضية التي شغلت بالهم وهي قضية التعارض المزعوم بين ظواهر النقل مع ثوابت العقل.
أما الفلسفة الإسلامية التي يجب أن تسود اليوم، فهي الفلسفة التي تعالج فكر العصر وفلسفاته وقضاياه بعمق ودقة، وتكتشف من خلال المنطق الحديث حقائق نظرة الإسلام على الكون والحياة والمجتمع والإنسان وتركز على الواقع المنهار لتحدث فيه التغيير المطلوب بمنهج عقلي إسلامي واضح المعالم، يقضي على معوقات القيام الحضاري الإسلامي، البعيد عن عقلية التواكل والخرافة والأسطورة والزهد الغنوصي المدمر، والتعصب والجمود الذي يحول الأعراف المتغيرة والأفكار البشرية الماضية إلى وحي إلهي مقدس !!.
إن الفلسفة الإسلامية الحقة في هذا العصر لا بد أن تبني العقائد الإسلامية على مرتكزات المنطق والعلم الحديثين، وتكتشف الأصول الوثنية في الحضارة المعاصرة، ولا بد أن تضع يدها على الثغرات الكبيرة فيها والناتجة عن القطيعة مع الله تعالى خالق الوجود، والداعية إلى تأليه الإنسان وعبادته.
إن الفلسفة الإسلامةي التي يحتاجها عصرنا هي تلك الفلسلفة التي تلحف الهزيمة الفكرية بالفلسفات المادية الحديثة وتنقذ الجيل المسلم من الاضطراب والقلق والحيرة وتشعره بأصالته وذاته وتسحبه من أعماق ماضيه الفكري البشري إلى حاضره ومستقبلهن وتبنى قاعدة رصينة من النظر الإسلامي الرصين، ينطلق منها إلى بناء حياته الجديدة ويشترك في إنقاذ الحضارة الحاضرة من أزماتها الروحية والنفسية والأخلاقية.
وإذا قامت الفلسفة الإسلامية بهذه المهمة الإسلامية العقلية العلمية والواقعية في عصرنا، فعند ذلك لا تبقى حاجة لتلك الأساليب والموضوعات التي لا يفهمها عصرنا لأنها كتبت بغير لغته، لا تعبر عن مواقفه الجديدة والأفكار المطروحة في ساحة صراعه مع نفسه ومع خصومه وأعدائه.
على أننا نظلم فكرنا الإسلامي الحديث إذا زعمنا أنه لم يبدأ بتقديم مثل هذه الفلسفة الإسلامية الحديثة في كتابات الأفغاني ومحمد عبده وإقبال ومحمد فريد وجدى وسعيد النورسي والمودودي وسيد قطب ونجيب فاضل ومالك بن بني ووحيد الدين خان ومحمد البهى وعلال الفاسي.
قلنا لم يبدأ بتقديم هذه الفلسفة الإسلامية، لأنها في الواقع بدايات لم تكتمل حلقاتها بعد، في التناسق الفكري والتصور الكوني العام الشامل المبني على البرهان والدليل بحيث يستقيم على منطق عقلي علمي واضح، لا سيما النفوذ الدقيق إلى معضلات عصرنا الفكرية والتفاعل الأصيل مع التغيرات الحضارية التي دخلت في كل جزئية من جزئيات حياتنا، والخروج منها بتقارير فلسفية إسلامية عقلية تضع الحلول الحاسمة للمشاكل الحيوية التي تعاني منها أمتنا الإسلامية في نواحي الحياة كلها، تتحول إلى ما يسمى بـ "إيديولوجية" إسلامية شاملة تقوم بصياغة الأجيال الحديدة، وتنقل الفكر المجرد على حيز التنفيذ والحركة لإخراج المسلمين من الأزمة الحضارة المعقدة الخانقة التي تهددهم بالتخلف والذوبان والسقوط.
الثالث:
وأما بالنسبة للفكر الأصولي والفقهي الإسلامي فإن القضية تختلف اختلافا جوهريا عن قضية الكلام والفلسفة، لأن الفقهاء الأصوليين عبروا عن واقعية الإسلام تعبيرا صادقا، وتحركوا في إطار الكتاب والسنة، واستنبطوا منهما القواعد الأصولية التفصيلية التي قادت حركة الاستنباط الفقهي في نواحي الحياة، فأنتجت مذاهب فقهية متنوعة في غاية الخصوبة والدقة والموضوعية، استوعبت حياة الإنسان بأدق تفاصيلها ومشاكلها خلال قرون طويلة من الزمان وفي رقعة مكانية شاسعة تشمل أمما وشعوبا تمتد بين المحيطين شرقا وغربا وبين القارتين آسيا وإفريقيا شمالا وجنوبا.
فالمادة المعرفية الفقهية لا تشبه المادة المعرفية الفلسفية والكلامية، لأنها ليست مادة متحفية كمادة الكلام والفلسفة القديمة، بحيث أن مفكرا مسلما اليوم في مواجهته الفلسفات المادية المعاصرة، يستطيع أن يدرسها بعمق ودقة ثم ينطلق من القرآن والسنة مباشرة للتعامل معها وبيان الثغرات الكامنة فيها، واكتشاف وجوه الموافقة أو المخالفة لهما، ولا يحتاج في هذه الدراسة الفلسفية الحضارية المعاصرة أن يطلع على كتابات الكندي وابن سينا والفارابي ولا على كتابات المتكلمين من المعتزلة والأشاعرة وغيرهم، لأن الموضوعات التي بحثها هؤلاء والمصطلحات التي استعملوها قد عفى عليها الزمن، لا يفهمها الجيل المسلم المعاصر ولا أصحاب الفلسفات التي تواجهنا اليوم، باعتبارها فلسفات مادية واقعية تعالج قضايا الإنسان في واقعه، في حين أن موضوعات الفلسفة والكلام القديمين موضوعات عقلية مجردة ومحاكمات جدلية منطقية في معظم جوانبها يمثل ترفا عقليا، لا يمت إلى واقع الإنسان المعاصر وآلامه وأزماته الفكرية والنفسية بصلة.
إن الفقيه المفكر المعاصر في مواجهته قضايا الإنسان الجديدة، الجزئية والكلية، لا يستطيع أن يستغني عن المادة المعرفية الفقهية بمذاهبها المتنوعة، لأنها عالجت أصلا قضايا ومشاكل الإنسان في الإطار الذي بيناه. والإنسان هو هو في تكوينه "البيولوجي" في مشاكل حياته، في أزماته، في آلامه وهمومه، في صراعاته المتنوعة مع العالم الخارجي.
إن المذاهب الفقهية والأصولية الكثيرة تضع أمام الفقيه اليوم عدة حلول للقضية الواحدة أحيانا, ولو راجعنا كتب الفتاوى الحديثة التي تعالج مشاكل الناس في عصرنا رأينا أنها تعتمد في معالجة تلك المشاكل والقضايا على مادة فقهية ضخمة، بحيث تعطي الأرضية القوية والمادة الخصبة للفقيه الواعي المستنير لإصدار الحكم العصري المناسب للقضية المعينة، بعبارة أخرى، إن الفقيه اليوم عندما يواجه قضية ما ويريد أن يحقق فيها المصلحة المطلوبة في عصرنا، يجد أمامه أكثر من رأي وذلك بأدلته الأصولية. ولم أجد في قراءاتي تلك الكتب الفقهية قضية معاصرة تبقى معلقة سلبا أو إيجابا إلا نادرا. وهذا يدل دلالة قاطعة واقعية على الثروة الفقهية المائلة التي يستحيل على الفقيه اليوم الاستغناء حتى عن رأي واحد فيها أو نظرية واحدة من نظرياتها، وإلا فإنه سيبدأ من الفراغ، ويعجز عجزا كاملا عن مواجهة القضايا المعاصرة، وإيجاد الحلول اللازمة لها.
ولكن قد تقول: ما أكثر ما ينطلق بعض الفقهاء المعاصرين من تلك الثروة الفقهية ثم يقدمون لنا آراء وحلولا لمشاكلنا لا تحقق مصلحتنا ولا تحل مشاكلنا، أقول: إن السبب ليس ذلك التراث الفقهي وإنما السبب يمكن فيما يلي:
- قد يعالج الفقيه مشكلة معاصرة، دون أن يستكمل دراسة كل الآراء الواردة في تلك المشكلة بأدلتها التفصيلية، فيخط في الاختيار.
- قد يتعصب الفقيه لمذهب معين، فلا يرى الحق إلا فيه، فيصدر حكما لا يحقق مصالح الناس في المشكلة المعروضة.
- قد يتعصب الفقيه لرأي الجمهور ويعد الآراء الأخرى شاذة، فيحرم الناس من ثمارها الطيبة.
- قد يعالج الفقيه القضية المعروضة بعقلية المحدثين لا بعقلية الفقهاء المجتهدين، فيسيء فهم النصوص ولا يوازن بينها، إذ يحكم من خلال ظواهرها دون دراسة عميقة لروحها وأهدافها ومقاصدها ومآلاتها.
- قد لا يعيش الفقيه في عصره، فيقف عند حدود العصور السابقة فينتهي إلى أنه ليس بالإمكان أبدع مما كان.
ولا يظن أحد أنني لا أعتقد بالاجتهاد المستمر في ظل تغير الظروف والأحوال، ولا أومن بأنه من الممكن إضافة الكثير على ما استنبطه الأولون، لا سيما في المسائل التي استجدت في حياتنا اليوم من خلال اجتهادات فردية أو جماعية، ولكنني أقرر هنا أن أي اجتهاد فقهي اليوم لا يمكن أن يبدأ من الفراغ. بل لا بد للمجتهد الآراء والنظريات الفقهية في الموضوع المبحوث عنه، ذلك لأن الفقه الإسلامي حلقاته متصلة مستمرة بعكس مسائل الكلام والفلسفة القديمين، إذ يستطيع المفكر الإسلامي اليوم أن يستغني عن معظم مصطلحاتهما ومادتهما المعرفية كما قررنا.
الرابع:
لا شك أن النظام العبادي في الإسلام يقوم بدوره كاملا في تطهير النفس من أدران الفساد ومحاربة نوازع الانحراف والهوى فيها. ولا يحاول قتل الفطرة الإنسانية، بل يهذبها ويصقلها من أجل أداء دور متوازن في تحقيق خلافة الله على الأرض. وهو بذلك يحرم الرهبانية والعيش خارج حركة الزمن. وهدف الإسلام في هذه الناحية خلق إنساني رباني، يعبد الله ولا يعبد سواه من مظاهر الحياة المادية، التي إن طغت على الإنسان أفسدت فطرته وحرفته من مساره الإنساني المتزن إلى مسار حيواني قائم على الصراع وحده، صراع الغرائز مع نفسها ومع غيرها, وفي ذلك شقاء الإنسان.
ولقد كانت الحركة الروحية الأخلاقية في الإسلام جزء لا يتجزأ من عقائده وشرائعه المتكاثفة في صياغة الإنسان وصيانته من الانحرافات السلوكية. ولم تكن قط في مصادره وعصروه الأولى حركة منفصلة لها مصطلحات وطقوس خاصة.
ولكن المسألة قد تغيرت بعد عصر الاختلاط الحضاري، عندما دخلت في المجتمع الإسلامي تيارات روحية متطرفة نتجت عن المذاهب والفلسفات الهندية والغنوصية واليونانية وانتهت إلى تيار منحرف غريب في جسم الأمة الإسلامية له رموزه ومصطلحاته ومقوماته غير الإسلامية التي انتهت إلى نظريات الإشراق والحلول ووحدة الوجود على الصعيد النظري، واستغلت النظام الطرقي في معظم الأحوال استغلالا كبيرا في تحريف الحقائق الإسلامية وبناء العقلية الخرافية ونشر الأساطير والبدع والقضاء على الروحية الإسلامية الصافية واتجاهها العقلاني وإحداث شرخ كبير في وحدة التربية الإسلامية لتكوين كيان إنساني متناسق موزون.
والحق أن هذا الاتجاه المخدر الذي غلب على الحياة الثقافية والعامة في العالم الإسلامي، كان من أهم أسباب شلل الإنسان المسلم وسقوطه الحضاري في القرون الأخيرة.
ونحن اليوم عندما نقوم بمراجعة الفكر الإسلامي القديم وتقويمه، لا نحتاج إلى إعادة هذه المسألة الفكرية والسلوكية، بل علينا أن نطرحها من حياتها الفكرية ونعدها من أشد مظاهر التخلف والسقوط في حياتنا, وهذا لا يتم إلا إذا استعاد الفكر الإسلامي توازه في نظرته إلى الكون والحياة والإنسان.
إن عصرنا ذا ليس عصر العزلة والهروب إلى خارج إطار الزمن الحاضر المتحرك، وليس عصر التقوقع حول أشكال وطقوس روحية معينة، وإنما هو عصر الصراع وعصر إنقاذ الإيمان وإلحاق الهزيمة بالطواغيت الكثيرة التي أنتجتها المذاهب المادية. وهو كذلك عصر بناء الشخصية الحضارية الإسلامية المستقلة.
إن معركة الإسلام مع أعدائه في هذا العصر يحتاج إلى حضور دائم في الساحة، وهذا لحضور ليس فرضا كفائيا إذا قام به جمع من المسلمين سقط عن الآخرين. وإنما هو فرض عين على كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر، أن يدلو يدلوه، لسانه، فكره، ماله، قلمه، قوته، سلطانه.
لقت: هو فرض عين، لأن المعركة المخططة الشاملة التي يخوضها أعداؤنا في الداخل والخارج ضد الإسلام وأهله، لا يكفي في مواجهتها جهد البعض، وإنما لا بد من التخطيط الشامل والجبهة المتكاملة التي تشترك فيها الطاقات الإسلامية برمتها، حتى يكتب لمعركة الإسلام في هذا العصر النصر الكامل بإذن الله على قوى التأخر والتأخير.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here