islamaumaroc

حول تاريخ الأديان السماوية -1-

  محمد كمال شبانة

العدد 239 ذو القعدة 1404/ غشت 1984

تطلق كلمة "الدين: فتعني وضعا إلهيا. يرشد إلى الحق في الاعتقادات، وإلى الخير في السلوك والمعاملات. وقد عرفه الفقهاء، فقالوا: إن الدين هو الإيمان بذات إلهية جدية بالطاعة والعبادة.
ولقد عرف الإنسان الدين منذ القدم، فأخضع سلوكه تجاه ما لمسه وعاناه من الطبيعة، حتى قيض الله للإنسان الرحمة، فبعث إليه بالأنبياء والمرسلين مبشرين ومنذرين، وليضيئوا له طرق الحياة، وليجعل العلاقات البشرية مرتكزة على أسس تليق بالإنسان الذي كرمه من بين خلقه، وجعله خليفته في أرضه.
والأنبياء الذين بعثهم الله على فترات من الزمن نوعان: أنبياء بلا رسالات، وأنبياء برسالات، ثم تجلت حكمته فأنزل التوراة على موسي، وأعقب بالإنجيل على عيسى، وأخيرا ختم بالقرآن على محمد، عليه وعلى كافة الأنبياء والمرسلين أفضل الصلاة والسلام.
ومن المقرر عند الجمهور أن عدد الرسل والأنبياء غير محصور، وليس من الممكن، بل من غير المعقول – أن يحاول بشر حصره، ولكن القرآن الكريم أورد عددا منهم في مواطن مختلفة من سوره وآياته، تبعا للمناسبات المتنوعة، ومع هذا فإنه أغفل ذكر المثير منهم، وما ذلك إلا لأن القرآن ليس كتابا تاريخيا، أما ما ورد فيه من إشارات تمس الجنب التاريخي فإنما مرد ذلك للعظة والاعتبار، لا سيما من تلك الإشارات ما ورد خاصا بأحد الأنبياء والرسل، وفي القرآن نفسه ما يؤيد هذه النظرية:
?فاصبر، إن وعد الله حق، فإما نرينك بعض الذي نعدهم، أن نتوفينك، فإلينا يرجعون. ولقد أرسلنا رسلا من قبلك، منهم من قصصنا عليك، ومنهم من لم نقصص عليك، وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله، فإذا جاء أمر الله قضى بالحق، وخسر هنالك المبطلون? (1).
ومهما يكن من ملاحظة على تعدد الأنبياء والمرسلين، وتعدد أقوامهم الذي أرسلوا غليهم، فإن جوهر الرسالات في جملتها واحد، وهو أن طريقها طريق الحق سبحانه وتعالى.
وقد أبرز القرآن الكريم هذا الجوهر في أكير من آية منه ?..إن هذه أمتكم أمة واحدة، وأنا ربكم فاعبدون? (2).
?.. يأيها الرسل كلوا من الطيبات، واعملوا صالحا، إني بما تعملون عليم، وإن هذه أمتكم أمة واحدة، وأنا ربكم فاتقون.? (3).
ومعنى أنهم "أمة واحدة" أنهم جاءوا نحو طريق واحد، وهو طريق الله، وهذا ما يفسر ختام الآية مرة بالأمر بالعبادة، ومرة أخرى بالأمر بالتقوى، واللفظتان بمعنى واحد وإن اختلفتا شكلا...
فأمة الأنبياء أمة واحدة، تدين بعقيدة واحدة، وتتخذ سبيلا واحدا، وهو سبيل الله وحده لا شريك له، فهي أمة واحدة على الأرض، ورب واحد لا معبود سواه.
ويعلق الأستاذ سيد قطب على الآية الثانية قائلا:
"...وعندما يصل إلى هذه الحلقة من سلسلة الرسالات يتوجه بالخطاب إلى أمة الرسل، وكأنما هم متجمعون في صعيد واحد، في وقت واحد، فهذه الفوارق الزمانية والمكانية لا اعتبارها لها أمام وحدة الحقيقة التي تربط ببينهم جميعا".
"إنه نداء للرسل، ليمارسوا طبيعتهم البشرية التي ينكرها عليهم الغافلون، ونداء لهم ليصلحوا في هذه الأرض. وليس المطلوب من الرسول أن يتجرد من بشريته، وإنما المطلوب أن يرتقى بهذه البشرية فيه، إلى أفقها الكريم الوضيء الذي أراده الله لها، وجعل الأنبياء روادا لهذا الأفق، ومثلا أعلى".
"وتتلاشى آماد الزمان وأبعاد المكان أمام وحدة الحقيقة التي جاء لها الرسول، ووحدة الطبيعة التي تميزهم، ووحدة الخالق الذي أرسلهم، ووحدة الاتجاه الذي يتجهونه أجمعين ?وإن هذه أمتكم أمة واحدة، وأنا ربكم فاتقون? (4).
وعلى هذا الأساس نرى أن أهداف الرسل واحدة، لتصل في النهاية إلى العمل على صلة الإنسان ربه، صلة تتحقق بها كرامة بني آدم، وقد تحقق له هذا التكريم منذ أن استخلفه في الأرض ?وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض.. ? الآية، ولتحول الرسل بين الشيطان وبين أهدافه في الوصول إلى هذا الإنسان في لحظات ضعفه، ليصير إلى عبودية غير الله، وهي بطبيعة الحال عبودية تنال من كرامته، وتحط من شرفه.
فهكذا أرسل الله رسله جميعا مبشرين ومنذرين "يرشدون العقل إلى معرفة الله، وما يجب أن يعرف من صفاته، ويبينون الحد الذي يجب أن يقف عنده في طلب ذلك العرفان، على وده لا يشق عليه الاطمئنان إليه، ولا يرفع ثقته بما آتاه من القوة. يجمعون كلمة الخلق على إله واحد، ويبينون للناس ما اختلفت عليه عقولهم وشهواتهم، وتنازعته مصالحهم ولذاتهم، يصنعون لهم بأمر الله حدودا عامة، يسهل عليهم أن يردوا إليها أعمالهم"(5).
تدرج الرسالات:
من المعلوم أن الرسل كانوا كثيرين في عهود الإنسانية الأولى، ولكن أعدادهم بدأت تتقلص مع تقدم الإنسان عمرا على هذه البسيطة، وفي ذلك ما يدل علة أن الإنسانية في طفولتها كانت في أمس حاجة إلى الإرشاد والتوجيه من طرف هؤلاء الأنبياء، وأنها كلما اقتربت من النضج ضعفت حاجتها إليهم، واستمرت مسيرة الرسل على هذا المنوال حتى أشرقت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وحيث كانت الإنسانية قد بلغت درجة من النضج يمكنها معنا الاعتماد في سيرها على ما بشرها به من كتاب "لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد"، فكان بهذا دينا إنسانيا عالميا، وقد أخبر الرسول نفسه بذلك "....وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة".
حقا، لقد كانت الإنسانية في بداية عهدها بالحياة على وجه الأرض تشعر بالضعف، ولهذا الضعف - الذي كانت عليه الإنسانية في مراحلها الأولى – فقد كثر مبعوثو السماء إليهم، فكان لا يكاد يخلو مجتمع حينذاك من رسول، ولا تعيش قرية من غير نبي.. ! وذلك لأن الإنسان أشد ما يكون حاجة إلى الرعاية والعناية في طور طفولته، وهو في هذا الدور من حياته إن لم يجد من يرعاه ويقوم على توجيهه هلك، أو بات في معرض الهلاك، وكذلك الإنسانية في طفولتها تكون غيرها حين تشب وترشد....(6).
ومهما كان من تباعد المسافات في تلك العهود السالفة، وما كان من قلة وسائل الاتصال وضعفها بين هذه المجتمعات بعضها وبعض.... فإنه هذا الفارق بين مجتمع وآخر وبين نبي وآخر لم يكن له أدنى تأثير في جوهر الرسالات في مجموعها، فقد كانت الأهداف مشتركة، واللغة في مفهومها واحدة، وذلك لأنها كلها قد نبعث من معين واحد، وهو الله سبحانه وتعالى.
موقف البشر من أنبيائهم:
أما كيف كانت الاستجابة من بني البشر لهؤلاء الأنبياء والمرسلين، فذلك يختلف بين فريق من الناس وفريق آخر، في ذات الوقت، ونحو النبي الواحد، تبعا لنواميس الطبيعة البشرية في الهداية والتوفيق أو عدم ذلك، وعليه فنجد أن الكفار ينتحلون لأنفسهم وللناس أعذارا شتى، يبررون بها رفضهم للرسول ورسالته، بل منهم من يؤلبون الناس عليه، ويصدرونهم عن السبيل القويم.
وعندما تنجح دعوة رسول من الرسل نلاحظ أنها قامت في البداية على سواعد المستضعفين من الناس، أولئك الذين كانوا يقاسون من إرهاق القائمين على أمورهم، بيد أن شادتهم يتخذون من إيمان هؤلاء المستضعفين ذريعة للهجوم على الرسالة والرسول:
?كذبت قوم نوح المرسلين، إذ قال لهم أخوهم نوح: ألا تتقون؟ إني لكم رسول أمين، فاتقون الله وأطيعون، وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين فاتقوا الله وأطيعون، قالوا: أنؤمن لك واتبعك الأرذلون !!؟?(7).
?ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه: إني لكم نذير مبين، ألا تعبدوا إلا الله، إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم. فقال الملأ الذين كفروا من قومه: ما نراك إلا بشرا مثلنا، وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادى الرأي، وما نرى لكم علينا من فضل، بل نظنكم كاذبين?(7).
الرسول إنسان:
لقد اقتضت حكمة الخالق سبحانه وتعالى أن يرسل إلى بني البشر رسولا منهم، يمارس من شؤون الحياة ما يمارسون، ويخضع كمثلهم لنواميس الطبيعة البشرية، فقد يكون الرسول أو النبي غنيا، وقد يكون فقيرا، كما يمكن أن يكون ذا صناعة أو زراعة أو تجارة، كما يجوز أن يكون مرموقا مشهورا بين القوم، أو عاديا مغمورا.
وعليه فكون النبي أو الرسول بشرا أمر طبيعي، بل لا بد أن يكون كذلك، لأنه مرسل إلى بشر، وبالتالي فلا يمكن إلا أن يكون مثلهم؛ حيث يترجم أقواله وتعاليمه إلى أفعال تبرز في تصرفاته، فيسترشد القوم بما يأتي من سلوك بشري، يتمثل في فعل المأمورات، واجتناب المنهيات، وهكذا تكون بشرية الرسول أمرا منطقيا، وغير هذا يكون قلبا للأوضاع، ومنافاة لمنطق الأمور.
بيد أن الكفار قد جبلوا على قلب الحقائق، نراهم يقلبون الحق باطلا، والباطل حقا. وعليه فبدلا من أن تكون بشرية الأنبياء والرسل شيئا طبيعيا بادئي بدء، ومنطلق قوة تدفع بهم إلى تصديق أولئك الأنبياء، بدلا من هذا...نراهم يتخذون من بشرية المرسلين نقطة ضعف تغريهم بتكذيبهم، والصد عن طريق الله الذي يدعون إليه.
إن القرآن الكريم يحكي لنا هذه المواقف المتناقضة من الكفار على مدى الدهور، وما كانوا يأتونه من أفعال وأقوال تنبئ عن غيبة العقل، كاتخاذ آلهة من صنع أيديهم، يعبدونها من دون الله، وينسبون إليها كل خير أو شر يصيبهم، بل ويلتمسون عندها الخير والبركة وصلاح الحال، إلى وصفهم نجاح الرسل بأن المستضعفين من الناس هم الذين وقفوا إلى جانبهم في دعوتهم، إلى إنكارهم كون الأنبياء بشرا مثلهم، إلى غير ذلك من الترهات والتخيلات التي لا تستند إلى منطق أو وقاع سليم.
وها هي الآيات من سورة الفرقان، كاستشهاد على تلك المواقف الشاذة من أولئك الكفار المعاندين:
?تبارك الذي نزل الفرقان على عبده، ليكون للعاملين نذيرا. الذي له ملك السموات والأرض،ولم يتخذ ولدا،ولم يكن له شريك في الملك، وخلق كل شيء فقدره تقديرا. واتخذوا من دونه آلهة، لا يخلقونه شيئا وهم يخلقون، ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا، ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا.وقال الذين كفروا: إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون، فقد جاءوا ظلما وزروا. وقالوا أساطير الأولين اكتتبها، فهي تملى عليه بكرة وأصيلا. قل: أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض، إنه كان غفورا رحيما, وقالوا: مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق !! ؟ لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا. أو يلقى إليه كنز، أو تكون له جنة يأكل مها، وقال الظالمون: إن تتبعون على رجلا مسحورا. أنظرن كيف ضربوا لك الأمثال !! فضلوا، فلا يستطيعون سبيلا?(9).
ولا تترك سورة الفرقان قضية بشرية الأنبياء والمرسلين دون تأكيد بعد ذلك، مشيرة إلى أنهم جميعا كانوا ذلك، يمارسون ما يمارسه البشر في كافة مجالات الحياة والمعايشة ?وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلوا الطعام، ويمشون في الأسواق، وجعلنا بعضكم لبعض فتنة، أتصبرون؟ وكان ربك بصيرا? (10).
ونلاحظ أن هذه السورة كأنما سميت بهذا الاسم لتقطع على الكافرين سبل التشبث بأمور تخالف الطبيعة وتناوئ المنطق. فهي بذلك "تفرق" بين الحق وبالباطل، وتحسم هذه القضية بما لا يدع مجالا لضال أو مضل.
وبهذا المناسبة نذكر أن "الفرقان" اسم من أسماء القرآن البارزة المبنى والمعنى، فقد سمي بذلك لجمعه بين دفتين ما "يرفق" بين الحق والباطل، وما يضمن للبشرية جمعاء بعادتها الدنيوية والأخروية، فالقرآن فرقان بما فيه من "فارق" بين الحق والباطل والهدى والضلال، بل بما فيه من "تفرقة" بين نهج في الحياة ونهج، وبين عهد للبشرية وعهد. فالقرآن يرسم منهجا واضحا للحياة كلها، في صورتها المستقرة في الضمير، وصورتها المتمثلة في الواقع، منهجا لا يختلط بأي منهج آخر ما عرفته البشرية قبله، ويمثل عهدا جديدا للبشرية في مشاعرها وفي واقعها، لا يختلط كذلك بكل ما كان قبله. فهو "فرقان" بهذا المعنى الواسع الكبير، فرقان ينتهي به عهد الطفولة، ويبدأ به عهد الرشد، وينتهي به عهد الخوارق المادية، ويبدأ به عهد المنجزات العقلية، وينتهي به عهد الرسالات المحلية الموقوتة، ويبدأ به عهد الرسالة العامة الشاملة" (11).

1) غافر: 77-78
2) الأنبياء: 21.
3) المؤمنون: 23.
4) سيد قطب "في ظلال القرآن" المجلد الرابع، ح 12/18، ص: 2395- 2396.
5) السعادة الأبدية في الشرائع الإسلامية (ط: 4 –بيروت) ص: 101-103
6) عبد الكريم الخطيب في "الله ذاتا وموضوعا، وقضية الألوهية بين الفلسفة والدين" ص: 91 (ط: 2 عام 1971م).
7) الشعراء: 105-111.
8) هود: 27.
9) الفرقان: 1-9.
10) الفرقان: -20.
11) سيد قطب في ظلال القرآن" المجلد الخامس (ح 19-25) ط:4 ص: 2547.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here