islamaumaroc

الرسالة المحمدية في منهجها الاجتماعي والتنظيمي.

  إبراهيم حركات

العدد 239 ذو القعدة 1404/ غشت 1984

من أي جانب يمكن تناول النموذج المحمدي؟ إن جوانب المثالية والتكامل والقدوة المثلى لا تضبطها الصفحات والأمثلة المحدودة، فمحمد الرسول صلى الله عليه وسلم، له إسهام في مسالك الخير والحكمة العميقة، والمبادرة ذات البعد الإنساني الذي لا نهاية له.
نظر الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، إلى الإنسان في مظهره، فرأى أن النظافة تجعل منه المؤمن الصالح، وهو في ذلك يستجيب قبل غيره، لمبدأ سام في الإسلام، قوامه الغسل والوضوء والطهارة.
وفي تعامله مع العرب، كان يختار لكل مجتمع لهجته، ويخاطبه بمصطلحاته الخاصة، حتى يكون قريبا إلى كل منهم قلبا ولسانا، وليعطي المثال للمسؤولين بعده، فلا يضربوا بفصاحتهم في واد، ويتركوا المحكومين في واد آخر.
وبرور محمد الرسول صلى الله عليه وسلم عجيب بأسرته ومجتمعه، وكان شديد الحض على الإحسان إلى الوالدين والبر بهما، فهو يريد مجتمعا متماسكا، لأن المجتمع قوامه الأسرة، والأسرة قوامها الوالدان ثم الأبناء، جاء رجل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يبايعه على الهجرة، وترك والديه يبكيان، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "ارجع إليهما وأضحكهما كما أبكيتهما" !
حقا، لقد فقد محمد صلى الله عليه وسلم والديه صبيا، ولكن مرارة اليتم أذكت فيه الرغبة في تكريم أسرته وكل من يقصده، وظلت الأسرة عنده خلية مقدسة، حتى إنه أحدث بهذا الحنو على الأسرة بعض ما لم يكن مألوفا في المجتمع الجاهلي، بل وحتى ما تركته مجتمعات متقدمة كالفرس والروم، قال رجل للرسول صلى الله عليه وسلم: من أبر؟ قال: أمك وأباك وأختك وأخاك، ومولاك الذي يلي، ذاك حق واجب وصلة موصولة، فالموالي والخدم كانوا أحط الناس قيمة، حتى رفع من شأنهم محمد الرسول صلى الله عليه وسلم، والأسرة انحط شأنها في أوساط الفرس والروم التي أفسدها التفرق والشذوذ الجنسي، فأعاد محمد النبي إلى الذين دخلوا في عقيدته كرامة الأسرة، وعلمهم تكريم الوالدين والرأفة بالأبناء، وتكريم الموالي وصلة الرحم، وفي ذلك يقول صلى الله عليه وسلم:
"إن الله يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم بآبائكم، ثم يوصيكم بالأقرب فالأقرب".
ويقول صلى الله عليه وسلم: "لا يكون لأحد ثلاث بنات أو ثلاث أخوات فيحسن إليهن إلا دخل الجنة".
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم ببيته يجالس أحد زعماء تميم: "الأقرع بن حابس"، فقبل الرسول حسن ابن علي وهو صبي يدرج، فقال حابس: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا، فقال الرسول: "من لا يرحم لا يرحم" !
وخدم أنس بن مالك الرسول عشر سنين، فلم يتأفف منه الرسول قط، ولم يسأله لم فعل شيئا أو لم لم يفعله.
وقالت عائشة عن الرسول: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم منتصرا من مظلمة ظلمها قط، ما لم يكن حرمة من محارم الله، وما ضرب بيده شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما ضرب خادما ولا امرأة (1).
عرفنا الرسول منذ صعره نموذجا للرجل الذي يكسب قوته بعرق جبينه، فهو راع في صباه، وتاجر في شبابه، وهو أمين في تجارته، وفي تعامله مع الجميع، وكم كان وفيا لأصدقائه الذين وقفوا إلى جانبه في المحنة، ونالوا شرف صحبته، وتحملوا الأذى من أجله وعقيدته، ولقد صبر على البلوى بكل صنوفها من سب وسخرية وقذف بالحجارة وحصار وتجويع ورمي بالقاذورات، واتهام بالسحر والجنون والكهانة والطمع المادي، والطموح إلى السلطة، فوقف صلبا ثابتا، حتى أدى الرسالة وهو عنها راض بعد رضا ربه.
لم يتوان الرسول محمد صلى الله عليه وسلم عن أداء تعاليم ربه ورسالته، حتى آخر رمق من حياته، ولم يقبل من العرب أن يعبدوا الأوثان، ويتقربوا للأصنام، وينفقوا من أجلها الأموال، ويحتفلوا لها في المواسم، فإذا دخل منهم فريق في الإسلام، رفض كل تنازل في هذا الشأن، وعمل على تحطيم الأصنام فورا، وهو رفض تقديس الشخصية البشرية نفسها، ونهى أن يتخذ قبره مسجدا، وحرم التصوير لأسباب ظرفية، فالبشر متساوون لا يكرمون إلا لتقواهم، ولا يتخذ من أشخاصهم معبودون، فأحرى من رسومهم أو تماثيلهم، ولقد كان للإجراء المحمدي أثر كبير على الكنائس، التي قامت بها حركة معادية للصور الدينية، حتى بلغت من الخطورة مبلغا.
كان محمد صلى الله عليه وسلم ثوريا بالمعنى السليم، في حركته التصحيحية العالمية، لقد جاء دينه بأشياء كثيرة جديدة في مبادئها غالبا، وفي شكلها أحيانا، فقد وضع فكرة المساواة البشرية بشكل لم تعهده المجتمعات السابقة والتي عاصرته، ونص الدين على تعاليم جديدة في الطلاق والزواج والصوم والتجارة وسبل التعامل، ونص القرآن على كتابه العهود والعقود وتوثيقها، ولفت القرآن نظر الجميع إلى آيات من الكون والحياة والطبيعة والنفس والإنسانية، وبالإجمال، جاءت ثورة محمد لتلزم الناس بالتفقه في الدين، هذا الدين الذي لم يعد صلاة ولا طقوسا فحسب، كما ألفته كل الأديان السالفة، بل أنشأ شريعة واسعة للعمل اليومي، وبناء الأسرة والصراع ضد الشر والموبقات، ومن أجل ذلك ألزم محمد صلى الله عليه وسلم الناس أن يقرأوا ويكتبوا، لأن القرآن هكذا نزل، ولن الحضارة التي أنشأ محمد صلى الله عليه وسلم أسسها انطلقت بسرعة من العلم والمعرفة، وبدونهما لا تعرف حتى طقوس الإسلام وشعائره بكيفية دقيقة، وإن كان في الإسلام تسامح كبير في الممارسة.
وحيث أن محمدا هو أيضا رجل دولة، فشخصيته بهذا الاعتبار تتكامل فيها الجوانب السياسية والإدارية والعسكرية، فمحمد السياسي يستخدم الحوار الحر مع الأفراد والوفود، ومع الذين يدعوهم إلى اعتناق دينه ومبادئه، والذين يرغب في أن يعايشهم سلما لا حربا، وهو سياسي في التخطيط الشامل للحكم، فهو ينطلق من الشورى ولا يتصرف دكتاتورا، ولم يتخذ المبادرة الفردية إلا في حالات نادرة من غير نزول عند رأي الأغلبية، كما فعل في معاهدة الحديبية، لأنه نظر إليها وإلى ما فيها من تساهل في حق الطرف الإسلامي، من زاوية بعيدة لم تقترب منها رؤية الأغلبية، وهو مع هذا يتلقى الوحي بهذا الشأن، بحيث يطبق تعاليم إلهية أجلت معرفة خفاياها لوقت لاحق.
ومحمد السياسي لا يحتقر شعوبا ولا يهددها بالويل، فإن تصرف ولاتها بسوء نحو رسالته دعا عليهم، وليس على شعوبهم البريئة.
ومحمد العسكري إنما نال هذه الصفة مجاهدا ومقاوما للطغيان ودعاة الشرك، والمستغلين للأديان السماوية لمصالحهم، لتقوية جاههم وتوسيع ثرواتهم، ولذلك ينهى قادة السرايا أن يقاتلوا الذين لم يقاتلوهم، وينهى عن قتل الشيخ والمرأة والصبي، وهو بصفته القيادية لا يستنكف من الاستفادة من تجارب الآخرين في اتخاذ وسائلهم الحربية وفي وضع حد لطريقة الكر والفر، التي كانت من الطرق الفوضوية في حروب الجاهلية، وهو يستعين بالنساء في تمريض الجرحى وإسعافهم، ومع هذا يعرف بالكمين والحرب النفسية، ويتعرف على أخبار العدو من شتى الطرق وفي الوقت المناسب، ولا يكل أسراره إلا لمن يثق (يوجد سطر مفقود من الورقة)
ومحمد الإداري ينظم المراكز الحضرية والقروية، ويطبق الرسالة السماوية بشأن الزكوات جباية وتصريفا، ولا يختار للولاية إلا الأكفاء، ويحاسبهم ويتتبع أحوالهم، ويفرق بين مهمة عسكرية، ومن له مهمة إرشادية عقائدية، ومن له مسؤولية جبائية، فاجتماع المسؤوليات كلها في يد واحدة، تطغي صاحبها وتحوله إلى الاستبداد والجور، ولئن كانت حالات نادرة جمعت فيها المسؤوليات، فإن من وكلت إليهم كانوا ندرة في كفاءتهم وأهليتهم.
وانتصار الحزب المحمدي في كل الحالات، لا يسمح بظلم أو عدوان على المغلوب، ودخول الرسول إلى مكة في تواضع جم بعد أن تجلى انتصاره على أكبر معقل للوثنية في الأرض العربية، وعفوه الذي شمل كل قريش وزعمائها، يمثل أحد أكرم الفضائل في شخصية هذا الرسول العظيم.
ولقد علم الرسول الناس أن يستميتوا من أجل العقيدة، وأن يستشهدوا دفاعا عن الشرف، لكنه ليس شرف قبيلة ولا نسب، إنه شرف العقيدة والمبدأ، وهو شرف يتجاوز المحيط الجغرافي والاجتماعي الضيق، إنه شرف الدفاع عن وحدانية الله ورسالة نبيه محمد، وأكبر الشعوب حضارة اليوم، تدافع عن التراب أو القومية في شكل من أشكالها، أما هذا الشيء الذي جاء به الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ليدافع الناس عنه، ويستشهدوا عند الاقتضاء، فإن ترابه العالم كله، وإنه ليستند إلى مبادئ يسع عدلها ورحمتها الناس جميعا، ومن أجل ذلك ألغيت القبيلة، ولم يعد لها اعتبار في تشريع الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، ولقد أراد هذا الرسول الكبير القلب أن يجعل من المدينة نموذجا للمجتمع الذي تتعايش فيه العقائد والديانات السماوية، وتمحى فيه الفوارق القبيلة، فآخى بين المهاجرين والأنصار، وتلك كانت خطوة بالغة الأهمية في مقدمات الوحدة الإسلامية، وقد أتت هذه الوحدة أكلها في الحين وعلى طول السنين، أما اليهود فتخلوا عن عهودهم تلقائيا، وتخلوا عن الانسجام الاجتماعي والتعامل مع عقيدة موازية، لا تمسهم بسوء ولا تنال في شيء من أموالهم واقتصادهم، ما كان عليهم من جزية ليس شيئا يذكر، وعلى المسلمين أكثر منه في زكواتهم وصدقاتهم.
وحافظ محمد الإنسان، والرسول السياسي والعسكري على التزاماته ووعوده وعهوده طيلة حياته، فقد كان يغضب إذا جرأ غيره على خرق عهد التزم به، وكان يغضب إذا وفى بعهد وخرقه المعاهد له، ولذلك نجد بصمات الرسول ووفاءه ينعكس بوضوح على التزامات خلفائه وصحابته، وخصوصا من تحمل من هؤلاء مسؤوليات قيادية، وعهود الصلح لم يكن يقبلها إلا مكتوبة ومختومة، فقد ولى عهد الالتزام الشفوي، الذي كان من سمات القبائل العربية ونهى عنه القرآن.
كان محمد الرسول صلى الله عليه وسلم رجل نظام ومجتمع، فانتماؤه القرشي والعربي يختفي كليا في أسرته ومحيطه الصحابي وتعييناته للولاة والعمال، فقد حل المسلم محل القرشي والعربي، ليكن مولى من أصل مجهول، وليكن حبشيا أو روميا أو فارسيا، وليكن غنيا أو فقيرا، فكفاءته تعد بعمق دينه ومعرفته لهذا الدين، ولقد بقي العرب كثرة في المسؤوليات بعد الرسول لا لنهم عرب، ولكن لمعرفتهم بتعاليم الإسلام ولغة القرآن أكثر من غيرهم، فلما انتشر الإسلام أصبحوا شعبا من شعوب الإسلام ليس أكثر.
ولم يكد محمد الرسول صلى الله عليه وسلم يلتحق بربه، حتى كان قد كون مئات الأطر القاعدية والقيادية في كل المجالات التي يحتاج إليها الإسلام في عصره، وبعده لفترة غير قصيرة، فالذين تكونوا على يده، هم الذين تابعوا نشر الإسلام، وأعادوا المرتدين إلى رشدهم، واقتبسوا من هديه في الاجتهاد القضائي، وأعطوا للإدارة في بقعة شاسعة من العالم وفي أمد قصير طابع الرسالة المحمدية، وأعادوا توزيع الثروات بشكل أعدل.
لم يكن أحد غير محمد صلى الله عليه وسلم، ولن يكون، بقادر على أن يحقق كل هذه المنجزات الرائعة، والغنية في تعددها ومناحيها، لقد كان بحق رسول الله وخاتم النبيئين.
ــــــــــــــــــــــ
1) ما تقدم من الأحاديث في الأدب المفرد للبخاري، والحديث الأخير في الشفاء لعياض.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here