islamaumaroc

هل أصبح الفكر الغربي على طريق الإسلام اليوم؟

  أنور الجندي

العدد 239 ذو القعدة 1404/ غشت 1984

دخل موريس بوكاي ساحة الإسلام عن طريق العلوم التجريبية، فقد وجد أن القرآن، قبل أربعة عشر قرنا، حسم الرأي بالنسبة لحقائق علمية لم يكن للبشر في هذا التاريخ أن يعلم عنها شيئا، حتى جاء العلم فكشف عنها، فدل ذلك على أنه وحي من الله تارك وتعالى، أما (روجيه جارودي) فإن تجربته تختلف، فقد دخل الإسلام عن طريق معطيات الحضارة الإسلامية للإنسانية: العدل الاجتماعي والرحمة والإخاء البشري، وهو ما تفتقده الحضارة الغربية المعاصرة، فهل يستطيع الإسلام أن يعطي هذا الضياء للغرب، ربما هذا هو المنطلق الذي انطلق منه جارودي، عندما ألف أول الحوار معها (حوار الحضارات)، فهو من هذا المنطلق يرى عطاء الإسلام بعد أن فقد أمله في اشتراكية إنسانية حين ترك الحزب الشيوعي الفرنسي منذ سنوات.
ولا ريب أن ما يطوف في ذهن هؤلاء المثقفين الأوربيين من فساد الحضارة الغربية، وإيمانها بأنها حرمت القدرة على العطاء بعد أن التمسوا لها مناهج الشرق والغرب، هو الذي دفعهم أخيرا إلى التفكير في الإسلام على النحو الذي تطلع إليه برناردشو وغيره، ممن ظنوا أنه يمكن تطعيم الحضارة الغربية بنتاج الحضارة الإنسانية، وكان "توينبي" يرى أن تحريم الخمر والمساواة بين الألوان هما ما يمكن للحضارة الغربية أن تقتطفه من الإسلام، وهي نظرة ضيقة جدا حين ظن أنه يمكن لإقامة الدين الرباعي من المسيحية والإسلام والبوذية والهندوكية، ولقد أثبتت الأيام للمفكرين الغربيين سذاجة هذه النظرة وعجزها عن العطاء وتساقط النظرة الأخلاقية، القائمة وراء عض الأديان الوضعية المنفصلة عن التوحيد، وكذلك تداعت منظومة المسيحية واليهودية، بعد أن تكشفت فكرة بشرية الرسائل المقدسة، وكانت مطروحات بوكاي بأن القرآن هو وحده العطاء الرباني الأصيل بالوحي، إنه توصل إلى ذلك عن طريق معطياته، التي قدمها قبل أربعة عشر قرنا، وأقرها العلم الحديث اليوم، فقضية (روجيه جارودي) هي مع الحضارة الحديثة، فهو ينتقدها وينتقد ما أفرزته من نظم سياسية واجتماعية وفلسفية، ويرى أن هذه المدينة قد قامت على فتات موائد الحضارات الأخرى التقطها لصوص التاريخ في غفلة من أعين الشرق موطن التراث الحضاري، الذي يدعي الغرب الانتماء إليه، وعنده أن العلوم في الغرب قد ابتعدت عن هدفها الأول، المتمثل في خدمة الإنسانية والسعي إلى خلاصها، وهو يتهم تلك العلوم بأنها قد تحولت إلى سلطة قائمة بذاتها خارجة عن أي رغبة وتوق إنساني في السعي نحو الأفضل، وما القلق والفوضى والإحساس بالعبث والفراغ سوى نتائج أولية للصراع القائم بين السلطة القامعة، التي أفرزتها تلك العلوم، وبين الإنسان، بعد أن تمحورت تلك العلوم والتقنيات حول ضمنية الإله في هدف السيطرة على الإنسان والطبيعة معا، وفي الوقت نفسه كانت العلوم الإنسانية، ولم تزل تهدف في الدرجة الأولى إلى خدمة الإنسان.
لذلك امتزجت تلك العلوم بالحكمة، واتسمت برحابة الأفق الروحي، وتخدرت في بعد غيبي يقي الإنسان من الوقوع في العبث والفراغ، وأي علم خال من الحكمة هو في النهاية خال من أي مقومات أساسية لتقدم الإنسان، وهكذا بعد أن كانت أوربا في القرون الوسطى (متوحشة جاهلة أصبحت الآن "متوحشة عارفة")، على هذا النحو يصور جارودي موقف الغرب من الحضارة، وهو في نفس الوقت يدافع عن (التنظيم الإسلامي)، ويرى فيه خلاصا للإنسانية من تعسف السلطة السياسية، ويقول إن الزكاة هي أول نوع من أنواع الضريبة المجباة في سبيل خدمة المجتمع، وطريقة جبايتها وتوزيعها على الخدمات العامة، هي الطريقة المثلى، ولا يضاهيها في ذلك أي نظام ضريبي حديث.
ويدعو جارودي إلى فتح حوار بناء وإيجابي مع الحضارة الإسلامية، وإلى إلغاء قرون من العداء والحقد والكراهية لهذه الحضارة، التي أثرت وما تزال تؤثر في الفلسفة والاجتماع والتنظيم السياسي، ويرى جارودي أن الحملات الصليبية، كانت نتيجة للصورة المشوهة عن الإسلام، والمتواجدة في أذهان أجيال وأجيال من الغربيين، ويدعو في كتبه الثلاثة "حوار الحضارات"، "نداء إلى الأحياء"، و"وعود الإسلام" إلى عقد مصالحة بين الحضارة الغربية، والفكر الإسلامي تبدأ بإعادة فهم هادئ ورزين لمعطيات الحضارة الإسلامية.
ويرى الدكتور عبد الحليم الكناني أن جارودي، قد كشف في كتبه جملة من حقائق هامة (الأولى): أن الحضارة الغربية شرقية كانت أم إفرنجية، أوربية كانت أم أمريكية، لم تنجح حتى الآن في وقف الحروب ورد الطغيان، وتحرير الشعوب، وإطعام مئات الملايين من الجوعى، وإيواء الملايين من المشردين من أوطانهم، وتعليم أكثر من ربع البشرية القراءة والكتابة، ولم توفق حتى الآن إلى حماية الإنسان من أخيه الإنسان، وصيانة الكرامة الآدمية، والحفاظ على القيم الدينية والروحية والأخلاقية والجمالية، التي تعطي الحياة معناها الحقيقي، وبهجتها وقوتها الخلاقة.
(الثانية): الإعجاب بالإسلام، لاهتمامه بأمور الدنيا والآخرة معا، وأنه يشرك في بناء المجتمع البشري القوى الروحية والأخلاقية، وتقوى الله، إلى جانب اهتمامه بالحياة الطيبة، وبناء المدن، والاستمتاع بكل آثار المدنية، والنعم والملذات عدا المحرمة.
وقد وجد (جارودي) في الإسلام نظاما اجتماعيا، اقتصاديا، روحيا، أخلاقيا، يصلح لإخراج "البشرية" من ورطتها الحاضرة، ويدل الناس على نمط جديد من الحياة والتنظيم تعين على معالجة المشكلات البشرية الحاضرة، وتنجيها من البؤس واليأس والهلاك قبل فوات الأوان – يقول: "يملك الإسلام اليوم قوتين: قوة روحية توجه حياة (ألف مليون مسلم)، ويملك في الوقت نفسه، أكثر ثروات العالم المالية والمعدنية، ولن يطول الجمع بين هاتين القوتين أكثر من عشرين أو ثلاثين عاما، قد تتضاءل بعدها الثروة المعدنية كالبترول وغيره، ولذلك فإن الإسلام مدعو الآن لتحمل مسؤوليته تجاه المجتمع البشري، والسير بالإنسان في طريق جديدة إلى آفاق جديدة، ويرى جاردوي أن الإسلام هو اليوم أصلح النظم العالمية الكبرى لتحقيق هذه النظرية السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية، ومن خصائص هذه النظرية (التوفيق بين الإيمان والعلم)، والإسلام أقدر الأديان على هذا التوفيق، لأنه لا يقيم حاجزا بين العبد وربه، وين الإيمان وبين الله، ولا يقيم حجابا ين الإيمان والمجتمع.
وفي تقرير ثالث عن كتاب "وعود الإسلام" (promesses of lislam) للأستاذ صلاح الدين المستاوي، يرى أن سر فساد المجتمعات الغربية الحاضرة هو: 1) صراع الطبقات المتحكم في العلاقات الاجتماعية. 2) اتخاذ التفسير المادي سببا لنشأة الحياة والكون.
ويرى أن الحضارة الغربية تعيش في مأزق، وقد تردت في هذا الخطر من جراء "ماديتها"، ومن جراء "انشطارها"، ورؤيتها الجزئية للإنسان وللكون وللطبيعة. إنه لا ينكر التقدم العلمي الحديث، والتقنية المتطورة، ولكن هذا التقدم لم يكن محققا لسعادة الإنسان، بل إنه سبب شقائه اليوم، ويورد إحصاءات وأرقام مزعجة عن القفزة التي حققها الإنسان في مجال الخراب والدمار، والحل هو ضرورة الحوار بين الحضارات، ويرى أن الحوار بين الحضارات أصبح ضرورة ملحة، وأن الجدل العميق لم يعد اليوم بين رأسمالية غربية واشتراكية سوفيتية، فكل منهما يمثل نفس الغاية والأهداف، ماداما يتخذان الاستغلال والاحتكار والتنافس، الذي لا يعرف التوقف على الأسواق والموارد الأولية، والمواقع الاستراتيجية منهجا وسبيلا، ويرى أن الجدل الحقيقي اليوم هو بين (النمط الغربي للعيش) بشكليه الرأسمالي والاشتراكي، ونظام جديد يتلافى السلبيات التي وقع ارتكابها في الماضي.
ولا يرى جارودي بديلا لهذا الاضطراب في الكتلتين، بل في العالم كله، ولا يرى منفذا إلا الإسلام.
وقد تطورت نظرة جارودي إلى الإسلام في مراحل ثلاث:
المرحلة الأولى: في التفات جارودي إلى الإسلام ممثلة في النظر إلى عطائه في مجالات العلم والمعرفة في بغداد والقيروان وفاس وقرطبة، وبرز ذلك في كتابه (حوار الحضارات) بصفة خاصة.
المرحلة الثانية: التفاته إلى القيم الروحية والحضارات الإنسانية في برنامجه، الذي قدمه للشعب الفرنسي بمناسبة انتخابات الرئاسة، والذي دعا فيه إلى التغيير، حيث حذر الفرنسيين، والغرب بصفة خاصة، من طغيان الاستهلاك والمادية وانخرام التوازن الاجتماعي، ونبه إلى الخطر الذي يتربص بالبشرية من جراء التسابق في مجال الأسلحة النووية والجرثومية، وما ينفق في سبيلها من أموال، وما ترصد لها من ميزانيات كبرى.
المرحلة الثالثة: قدم مشروعا أورد فيه تجارب إنسانية وحضارية في أرجاء مختلفة من المعمورة في فترات متفاوتة، ودعا شعوب الإسلام إلى التوجيه نحو دينها وقيمها، وبرز ذلك واضحا في العقود والسنوات الأخيرة في البرامج السياسية والاجتماعية والاقتصادية لعدد من البلدان الإسلامية.
ولا ريب أن (الصحوة الإسلامية) قد أعطت جارودي ضوءا كاشفا على الطريق الذي سار عليه أول الأمر في حذر، فاندفع بقوة حتى إنه أطلق على كتابه الجديد الذي لم تعرف محتوياته بعد: "الإسلام هو مستقبلنا".
وجارودي الآن في موقف الإنصاف، فهو يكشف زيف النظامين ويراهما استعماريين متوحشين، ويدين تصرفاتهما وتجاوزاتهما، ويذكر بما للإسلام على الغرب من أيد، فالإسلام هو الذي غذى فنونه وفلسفته وعلومه وتقنيته وقوانينه وآدابه، وفي نقاط كثيرة كان الشرق، ولمدة طويلة، متقدما على أوربا.
إنه يرى أن الأشد وحشية ليس أولئك الذين أوقف شارل مارشل زحفهم، إن هذا الاكتشاف للغير، هذا الاعتراف المتبادل وبصفة مستعجلة بالنسبة للإسلام هو أمر ضروري اليوم، فإنه هو الذي يستطيع أن ينقذ الغرب من أزمته، إن حوارا حقيقيا يمكن أن يجري بين الحضارات، ويرى جارودي أنه يمكن للحضارة الغربية أن تأخذ وتعدل نفسها، وذلك باكتشاف ما هو حي في الثقافات غير الغربية، إن جارودي يقوم إزاء قومه وأبناء حضارته، بمهمة تزيح عن أعين وعقول قومه الحزازات والخلفيات والمركبات التي تحكمت في مواقفهم، فجعلتهم منغلقين عن سواهم من الشعوب والحضارات الأخرى.
وليس من شك أن لنا وقفة إزاء هذه الفكرة التي تبناها جارودي في السنوات الماضية، والتي نرجو أن يكون دخوله في الإسلام عاملا في تغيير وجهة نظره إليها، أو إلى الأساليب الموصلة إليها، فالحقيقة التي يعرفها جارودي الآن وهو من المسلمين، أن الإسلام منهج مستقل، له ذاتيته الخاصة، وطبيعته المنفردة، وأن الأخذ منه ممكن، ولكنه لا يكون الإسلام، وأن الحضارة الغربية غدت في انحرافها منطقة القدرة على تعديل مسارها بمفاهيم الإسلام، فقد بلغت في انحرافها حدا كبيرا لا يصلح معه أي تطعيم، وهي تتطلع عن طريق الغربيين إلى تحقيق أهوائها بتبرير أوضاعها المنحرفة، ولكن الإسلام لن يكون يوما مبررا لفساد الحضارات، ولا خادما لإيديولوجيات الشعوب، وهو وإن التقى مع الديمقراطية في بعض ظواهر (الشورى) أو مع الاشتراكية في بعض مظاهر (العدل الاجتماعي)، فإنه يختلف عنهما تماما، لأنه منهج منفرد رباني المصدر، قائم على التكامل الجامع بين الروح والمادة، والدنيا والآخرة، ولذلك، فإن حوار الحضارات لا يكون إلا بأن يتخلى الغرب عن سيطرته، حتى تستطيع شعوب الإسلام أن تمتلك إرادتها، وتطبق منهج الله، وتقيم منهجه على الأرض، وعندئذ يمكن أن يتم الحوار بين إرادتين، أما اليوم فإن هناك محاولات للسيطرة والاحتواء من القوى الكبرى، تحاول أن تؤخر نهضة الإسلام، أو تدمر يقظة أو تفسد انطلاقة. إن الإسلام يستطيع أن يعطي الكثير للمجتمعات المتطلعة إلى التماسه منهجا لها، وإلى الأمم التي ترى أنه لا يوجد منقذا للبشرية غيره، ولعل الأستاذ جارودي يبذل جهدا في هذا الاتجاه.
ولا ريب أن هذه الحقائق الثلاث، التي قدمها هي منطلق صحيح، وطيب لخطواته القادمة، وهي قوله:
1) إن الله هو المالك الوحيد.
2) إن الله هو المشرع الوحيد.
3 إن الله هو الحاكم الوحيد.
ففي النقطة الأولى، تحدث عن الاقتصاد الإسلامي، وركز على مبدأ الاستخلاف الإلهي للإنسان، وبين كيف أن المؤمنين كانوا يتجردون مما يملكون تقربا إلى الله، وأن الزكاة أحد أركان الإسلام والاقتصاد.
2) وفي النقطة الثانية يقول: اختصاص الله بالتشريع في المجتمع الإسلامي، كان مصدرا لإنسانية التشريع الإسلامي، ومرونته، وصلاحيته لكل الأزمان والأماكن، ومن هذا المنطلق أزاح ما أشاعه، بهتانا، خصوم الإسلام من ادعائهم قسوة أحكامه، خصوصا في نظرته إلى المرأة.
3) وفي النقطة الثالثة يقول: حاول استقصاء أصالة النظرية الإسلامية السياسية، وارتكازها على الشورى، وتحدث عن ثراء وعطاء الحضارة الإسلامية في مجالات العلم والمعرفة المختلفة، والازدهار الكبير، الذي حدث للمسلمين في كل بلد حلوا به، وعدد أسماء أعلام المسلمين أثروا في مسيرة الحضارة الإنسانية في الطب والفلك والعلوم، في وقت كانت فيه أوربا في ظلام دامس وليل طويل.
وبالجملة، فإن جارودي رد اعتبار الحضارة الإسلامية أولا، ثم رد اعتبار المنهج الإسلامي أخيرا، وهو كسب كبير للإسلام، ونحن نعتبره هو وبوكاي مقدمة لخير كثير في محيط المثقفين الغربيين، فهذه ظاهرة جديدة طيبة بعد مرحلة طويلة من كتابات الإنصاف للإسلام من مفكرين غربيين، ظلوا محتفظين بعقيدتهم، ولعل عباراته التي ختم بها كتابه (وعود الإسلام) توحي بالوجهة الجديدة، حيث يقول:
"إن الإسلام الذي يمثل قوة حية، ليس فقط في ماضيه، ولكن في كل ما يمكن أن يبتكره ويقدمه في الحاضر والمستقبل، الإسلام الذي ظل قرونا طويلة مكروها غير مرغوب فيه من طرف الغربيين من جراء آثار الحروب الصليبية، إن المسألة مسألة مستقبل، مستقبلنا جميعا".
هذا، ونقول للأخوين المسلمين "بوكاي وجارودي": مرحبا بكما في ساحة لا إله إلا الله.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here