islamaumaroc

المولى سيدي محمد الثالث

  محمد التهامي الوكيلي

237 العدد

الدولة العلوية الشريفة، دولة عظيمة أعطت للمغرب أبعادا جديدة، وخلقت فيه حمية للعلوم والتقدم والحفاظ على التراث وعلى وحدة الوطن، فكان لها مع التاريخ مجموعة من الملاحم البطولية في شتى المجالات، سجلها التاريخ بمداد الفخر والاعتزاز في صفحات مشرقة بالمجد الرفيع.
ومن صفحات هذا التاريخ، تأتي سيرة السلطان العالم سيدي محمد بن عبد الله الذي كانت إسهاماته رائدة في مجالات عديدة ومتنوعة، قلما اجتمعت لسلطان واحد في زمن واحد.
وقد جمع الأستاذ الدكتور التهامي محمد الوكيلي جملة من سير ملوك المغرب في كتاب سماه (موجز تراجم ملوك المغرب) وهو جزء من سلسلة من الكتب تتعلق بكتب المعرفة البالغ عددها 555 كتابا تتولى الآن مؤسسة دار الأعماق بإشرافه وإشراف الأستاذ نور الدين عبد الحق إصدارها ونشرها.
وكان الدكتور التهامي محمد الوكيلي قد خص هذه المجلة في عددها 227 الخاص بعيد العرش المجيد لسنة 1983 ببحث تاريخي عن جلالة السلطان مولاي الحسن الأول.
واليوم تنشر المجلة للكاتب الدكتور محمد الوكيلي بحثا عن سيرة السلطان العالم سيدي محمد بن عبد الله تعميما للفائدة، وذلك بعد استأذنت المجلة سيادته في نشر هذا البحث التاريخي القيم الذي يلقي أضواء ساطعة على سيرة هذا الملك العظيم، والذي يتضمن معلومات تاريخية جديدة، لم تكن معروفة من قبل هذا السلطان العلوي العظيم، اجتهد الباحث فترة طويلة في العثور عليها، وبذل جهدا مشكورا ليضعها إضافة جديدة في دراسة التاريخ المغربية ورصيدا من المعرفة للأجيال والباحثين والمتخصصين.
هو السلطان سيدي محمد بن عبد الله بن السلطان المولى إسماعيل بن الشريف بن علي بن محمد بن علي بن يوسف بن علي الشريف بن الحسن بن محمد بن الحسن الداخل بن قاسم بز محمد بن أبي القاسم بن محمد بن الحسن بن عبد الله بن أبي محمد بن عرفة بن الحسن بن أبي بكر بن علي بن الحسن بن أحمد بن إسماعيل بن قاسم ابن محمد الملقب بالنفس الزكية والذي ثار في المدينة في العهد العباسي مطالبا بحق البيت العلوي بالخلافة، بن عبد الله الكامل بن حسن بن الحسن بن علي وفاطمة الزهراء بنت رسول الله عليه أزكى الصلاة والسلام.
ولد بمدينة مكناس عام 1134 هـ / 1721م في أواخر عهد جده المولى إسماعيل الذي تولى تربيته واعتنى بتعليمه عناية فائقة.
وفي عام 143 هـ بعث والده المولى عبد الله أمه السيدة خناثة بنت الشيخ بكار المغفري / وهي فقيهة وعالمة وزوجة السلطان المولى إسماعيل ومستشارته / إلى الديار المقدسة لحج بيت الله الحرام وزيارة مقام الرسول الكريم، وأرسل معها إبنه سيدي محمد وهو دون البلوغ، ومعهما جماعة من الشرفاء والعلماء كالقاضي أبي القاسم العميري والكاتب الوزير الشرقي الإسحاقي، فرحلوا برا إلى طرابلس ومصر في موكب فخم يليق بهيبة المغرب وعظمة والدة السلطان وابنه، كانوا محل التكريم والإجلال في كل مكان وخاصة من طرف باشا طرابلس الذي بالغ في إكرامهم والاحتفاء بهم.
وحين وصلوا إلى مكة المكرمة دخلوها في يوم مشهود، فأغدقت السيدة خناثة على الفقراء والمحتاجين من الأموال بما سارت به الركبان، ومنحت من صنوف الهبات والعطايا ما أكسبها الذكر الحسن والثناء الجميل، فأمر المولى عبد الله كاتبه الإسحاقي بإثباته في سجل يدون أخبار هذه الرحلة ويبقي ذكراها للأجيال من بعده، وتوجد نسخة بذلك في خزانة القرويين منذ عام 1156 هـ.
ولما عاد الأمير الصغير من المشرق إلى أرض الوطن، تزاحمت في ذهنه صور المواقف التي حضرها، ونبض قلبه بالأخوة الإسلامية الشاملة، فكان أحرص الناس على التعاون والتواصل، والدعوة إلى العروة الوثقى التي لا انفصام لها، وكانت مدينة مكناس حينئذ حيث عاش المولى سيدي محمد في كفالة والده وجدته، تعرف نوعا من القلق والاضطراب السياسي الذي لم يؤثر في الأمير الصغير إلا أثرا ضعيفا.
شب الأمير الصغير تحت رعاية والده وعناية جدته، ونهل من منابع العلم حيث تمكن من دراسة الأدب والتاريخ والفقه والحديث قبل أن يهتم بالجمع والتأليف إلى أن أصبح من العلماء الأفذاذ والبارزين في قضايا الشريعة والأحكام.
وما كاد يبلغ الخامسة والعشرين من عمره حتى عينه والده خليفة له على مراكش، نظرا لما كان يتحلى به من شخصية قوية وكفاءة عالية في التسيير والتدبير. وبرزت مواهنه في الحكم والسياسة في تلك المدينة التي كانت تجتاحها يومئذ الفوضى والانحلال والمكائد من طرف المتمردين الذين حز في نفوسهم أن يروا مراكش ترفل في الرخاء، وتنعم بنظام محكم، ويود فيها النظام بعد الفتن التي تمخضت عن عصيان، قواد جيش البخاري وتمردهم في مكناس بعد وفاة المولى إسماعيل وتنازع أبنائه : أحمد الذهبي والعباس وعبد المالك وعلي والمستعين على الملك.
ولقد حاول المولى سيدي محمد بن عبد الله إصلاح أوضاع مدينة مراكش بمجرد حلوله بها، ولكن العناصر المناوئة له ناصبته العداء، فرجع إلى مدينة آسفي حيث انكب على وضع خطة تضمن إقرار الأمن والازدهار والعمران لسائر القبائل المحيطة بمراكش.
وتفطن المتمردون - فيما بعد - لمزايا سياسة سيدي محمد الثالث فبعثوا وفود المستشفعين إلى آسفي يطلبون رجوع الأمير إلى مراكش، فتفضل بالاستجابة لهذه الرغبة وعاد إلى المدينة متفرغا فيها لأعمال البناء والتشييد وتنظيم الجند ووضع المشاريع وتنفيذ ما كان يسعى إليه من إستقرار وعمران.
وفي ربيع الأول من عام 1162 هـ/1749 م شقت عناصر من جيش البخاري عصا الطاعة على والده المولى عبد الله بمكناس وزرهون وخطبوا باسمه وأرسلوا يستقدمونه إليهم من مدينة مراكش، ولكن سيدي محمد بن عبد الله برهن على حسن ولائه لأبيه ووفائه له، فرفض الانسياق لهذه المؤامرة، بل وبذل جحودا محمودة لإرجاع تلك العناصر إلى طريق الصواب وحملهم على التصالح وتقديم فروض الطاعة والولاء للسلطان المولى عبد الله.
والحقيقة أن سيدي محمد كان يقظا بعيد النظر، متعمقا في دراسة التاريخ، شديد التمسك بالحق وبوحدة الوطن. فتغلب وفاؤه لأبيه على وسوسة النفس الأمارة بالسوء، فرفض ما دعاه إليه المتمردون، ورد عليهم بيعتهم، وقبح أعمالهم، وسعى بعد ذلك في إصلاح ما بينهم وبين والده.
وجاء إلى مكناس عام 1163 هـ فوجدهم مستمرين يخطبون باسمه، فدعاهم من جديد إلى طاعة والده، وتشفع لهم عنده، ولكنهم لم ينتهوا إذ عادوا سنة 1164 هـ إلى مراودته مرة أخرى، ولكنه ردهم إلى طريق المصاب وكتب إلى أبيه فسامحهم وعفا عنهم.
وفي عام 1169 هـ / 1756 م توجه إلى سوس، فأصلح أحوالها، وتمكن من إقرار الأمن فيها، وتقوية حامياتها، واهتم بشؤون تارودانت وأكادير، وتفقد قبائل الشاوية، وبسط السلطة الشرعية على الناحية كلها، ثم سار إلى العدوتين والقصر الكبير وشفشاون، وتطوان وطنجة والعرائش فأصلح من شأنها ورتب أعمالها وأقام نوابه على المدن والقبائل واجتهد في إنشاء السفن.
وقد استطاع سيدي محمد بن عبد الله تحقيق كل هذه الأعمال بحنكة سياسية ومهارة عالية وخطط خالية من أي شكل من أشكال القمع والعنف والإرهاب، كما أكدت ذلك وثائق عدد من الدبلوماسيين الأجانب الذين عاشروه، مثل القنصل الفرنسي شينيي والمؤرخين تيراس وجاك كايي، كما أكدتها كذلك الشهادات والكتابات والمذكرات التي سجلها ودونها المؤرخون الذين اهتموا بدراسة حياة هذا السلطان وبالمناخ السياسي والاجتماعي الذي كان سائدا في عصره.
ونظرا لما عرف به سيدي محمد بن عبد الله من لين في السياسة وحزم وعزم في التدبير والتنفيذ، ألقى إليه المغاربة زمام أمورهم وبايعوه بعد وفاة والده في فاس يوم 25 صفر 1171 هـ /  بداية شهر نوفمبر سنة 1757 م.
وقد بويع أول الأمر في مدينة مراكش، ثم حمل إليه أهل فاس بيعتهم، فتوجه إليها معرجا على الثغور يتفقد أحوالها، ويرعى شؤونها قبل وصوله إلى العاصمة العلمية حيث تولى الملك وقد حنكته التجربة والدراية، وسئم الناس الفتن، فأعاد إلى النفوس الطمأنينة وإلى الحياة بهجتها، وسار في الناس سيرة حسنة، وبنى المآثر الخالدة، ورعى الدين وأقام العدالة، وجدد للمغرب عزه وصولته ومجده وطولته، وعد مجدد الدين والدولة على رأس المائة.
وكان سيدي محمد في خلافته الكبرى كعهده قي خلافته الصغرى، حين كان نائبا وخليفة لأبيه  بيد أن مسؤوليته صارت أعظم، وأعباءه أثقل، لأنه أصبح يسوس ملكا متباعد الأطراف، فكان دائم السعي، متواصل الحركة، لا يهمل شيئا من أحوال رعيته، ويحسن اختيار الرجال والقيام بأعمال الجهاد ورعاية شؤون البلاد، يتعهد الثغور ويتفقد الأطراف ويتغلغل داخل الوطن.
وتعرض المغرب خلال نلك الفترة لمجاعة وقحط شديدين، فرأى الناس من سلطانهم رحمة وشفقة خففت من وطأه البؤس والغلاء عليهم، ثم إنه أمر بجلب الأقوات من خارج الوطن وبيعها بأثمانها، ولم ينس إعداد المطاعم للأرامل والأيتام والمساكين، وترتيب  الخبز للضعفاء في كل حي من أحياء المدن لتوزيعه على الدور، حتى قيل إن إعطاءه لأهل العدوتين شمل الخواص والعوام زيادة على أصحاب الفاقة من أرباب البطاقات، فكان أمناء الخبز يطوفون يه ويطرقون الأبواب وكانت المواد الأخرى الضرورية توزع ببطاقات مطبوعة يأتي بها الشخص في متم كل شهر ليأخذ من المكلف ما تنص عليه تلك البطاقة، وشهد على ذلك العدول.
وفي هذه السنين المجدبة أسقط المولى سيدي محمد بن عبد الله كل أنواع الخراج والضرائب عن الناس إلى أن عم الخصب وارتفع القحط وعاد الرخاء.
ومع ذلك كله، لم ينس سيدي محمد بن عبد الله مكتبته وقراءاته، فاشتغل بدراسة كتب الحديث إلى أن تبحر فيها، وأصبحت له أفكار ثاقبة ورائدة في المذاهب الفقهية والكلامية، فتزعم بذلك النزعة السلفية التي تدعو إلى الاقتداء بالسلف الصالح لإصلاح أمور الرعية، بالإضافة إلى ما يقوم به من الشؤون الداخلية وجمع كلمة الأمة.
وهكذا وضع سياسة محكمة في ميدان المالية، واعتمد أنظمة فعالة لتقوية مالية الدولة وضبط مداخليها وتحسين مواردها المالية بواسطة برامجه الإصلاحية في الميدان المالي، وبذلك نمت مداخيل الدولة وارتفع المستوى المالي للحكومة وأصبحت قادرة على مواجهة المطالب العديدة، وتأمين النفقات التي تتطلبها مشروعات التجهيز والتنظيم التي كان يقترحها ويسهر على تنفيذها السلطان سيدي محمد الثالث بنفسه.
كما أعاد تنظيم التجارة الخارجية، ونظر فيها من حيث التصدير والاستيراد بعين المصلحة العامة، فشجع التجار الأجانب على التعامل مع المغرب وعلى إقامة وكالات لهم في مختلف المدن المغربية.
واتخذ أيضا تدابير إيجابية تضن للاقتصاد المغربي ازدهاره ورواجه، فأنشط حركة التسويق للبضائع من الموانئ المغربية إلى أقطار أوروبا كلها، فانتعش هذا الجانب من الاقتصاد الوطني وعاد على الدولة بالخير الكثير والمنفعة العظمى.
واتجهت عنايته كذلك إلى معالجة المشاكل الاجتماعية للرعية، وخاصة تخفيف الفقر والبؤس، فنظم الإحسان وأنشأ له إدارة خاصة تضم دواوين متعددة تتولى توزيع العطايا والصلات على الطبقات المحتاجة وتعنى بالضعفاء والطلبة والأيتام والأرامل والمساكين والعلماء والمؤذنين وغيرهم من الطبقات المعوزة.
واعتنى أيضا بالناحية الأخلاقية والإنسانية، فأصدر وصية للأمة يدعو فيها كل طبقات الشعب بالنصائح الثمينة والإرشادات السديدة والآراء الحكيمة إلى جمع الكلمة والاقتداء بسنة سيد المرسلين، ويحثها على طلب العلم والسعي إلى الارتواء من ينابيعه وبثه بين الناس.
وأصلح العدل والقضاء في البلاد، واهتم بإصلاح أحوال جامعة القرويين بفاس، وأصدر مرسوما أمر فيه بقراءة التفسير والحديث والفقه من الكتب القديمة، وبتدريس السيرة النبوية والنحو والصرف والبيان والأدب والحساب والفلك، عاملا على إنعاش وتنشيط الحياة الثقافية والفكرية والعلمية في عهده الزاهر.
وقد شهد له المؤرخون بسعة اطلاعه وإدراكه وقوة حافظته، سيما في التاريخ والأدب والسياسة والعلوم الفقهية، حتى قال عنه مؤرخه الزياني : (كان يستحضر كل ما يطالع حتى كاد أن يحفظ كتاب الأغاني برمته لا يعزب عنه منه إلى النادر).
وقال عنه أحد علماء المغرب : (إن محمدا بن عبد الله هو سلطان العلماء وعالم السلاطين).
وقال آخر : (أما خزانة جامع القرويين فإنه عني بأمرها وشدد في صيانة نفائسها وجعل فتحها لا يقع إلا على يد العدلين القائمين عليها بحضور القاضي والإمام، وأمر أن لا يخرج منها كتاب إلا بإشهاد، وقد نشر منشورا بين فيه ما يراه صالحا للتدريس في مساجد فاس، وأمر بالاقتصار عليه، فنص في الحديث على تدريس المساند والصحاح، وفي الفقه على دراسة المدونة والبيان والتحميل والمقدمات لابن رشد وجواهر ابن شاس ونوادر ابن أبي زيد القيرواني ورسالته، وكتب الأقدمين. أما المختصر فقصر دراسته لمن أراده على شرحي بهرام والخرشي الكبيرين والمواق والحطاب والأجهوري، ونص في السيرة على الاكتفاء للكلاعى وسيرة ابن سيد الناس، ونص في النحو على التسهيل والألفية، وفي البيان على الإيضاح والمطول، وفي الأدب واللغة على دواوين الشعراء الستة ومقامات الحريري والقاموس ولسان الإيضاح والمطول، وفي الأدب واللغة على دواوين الشراء الستة ومقامات الحريري والقاموس ولسان العرب، ورأى الاكتفاء في الكلام بعقيدة ابن أبي زيد، وأطلق فيما يقرأ في التسفير والتصريف والإسطرلاب والحساب، ونهى عن قراءة مواضع من الكتب كالربع الأخير من الشفاء وحديث الإفك من البخاري، أما المنطق والكلام والفلسفة وكتب غلاة الصوفية والقصص فمنع قراءتها في المساجد خشية إضلال طلبة البادية : "إنهم يأتون من بلادهم بنية خالص في التفقه في الدين وحديث رسل الله صلى الله عليه وسلم، فحين يسمعونهم يدرسون هذه العلوم التي نهينا عنها يظنون أنهم يعملون على فائدة بالعلوم المذكورة ويتركون مجالس التفقه في الدين واستماع حديث خير المرسلين عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وإصلاح ألسنتهم بالعربية فيكون سببا في إضلال الطلبة".
وفي حقل التعليم والتدريس والتحصيل، فقد وجه كثيرا من جهوده وأعماله إلى هذا الميدان، فعني بنشر وإشاعة العلم في جميع المدن والمداشر والقرى والدواوير النائية عن الحواضر، ومهد للطلبة سبل الحصول على العلم، وساعدهم بالمنح، وشيد لهم الدور والمدارس، وحث العلماء والفقهاء على الانتقال إلى الأرجاء والأنحاء القصية لتعليم الصبيان، وكان يخص العلماء بالنعم والعطايا السخية ويقضي حاجاتهم ومآربهم حتى يتفرغوا إلى التدريس والتأليف والتعليم.
وكانت بمكناس دويرة للكتب إسماعيلية النيبة تشتمل على ما يزيد على اثني عشر ألف مجلد، فوزعها على جميع مساجد المغرب وحبسها عليها ليعم نفعها طلاب العلم ورواد المعرفة، فأصبحت كتبها مشاعة الفوائد دانية القطوف بعد أن كانت على رفوفها مقصورة وفي دويرتها محصورة ، وكان شروعه في ذلك سنة 1175م.
وشارك السلطان محمد بن عبد الله في التأليف فصنف على سبيل المثال لا الحصر كتاب (الفتوحات الإلهية في أحاديث خير البرية) و(مواهب المنان بما يتأكد على المعلمين تعليمه للصبيان) و(الجامع الصحيح الأسانيد المستخرج من ستة مسانيد).
وكان السلطان العالم سيدي محمد بن عبد الله تربطه بعلماء مصر علاقات متينة، فكان يكاتبهم ويكاتبونه في عدة مسائل، وكان يعرض عليهم بعض ما يخطر له من الخواطر المتصلة بهذا الجانب أو ذاك من جوانب الحياة العلمية وقضاياها المختلفة، وكذلك كانت له صداقة مع شيخ الإسلام بالاستانة - إسطنبول اليوم - وقاضي قضاتها وفقهائها.
وباختصار، كان هذا السلطان المعظم مفكرا حرا ومصلحا اجتماعيا ودينيا وداعية من دعاة الوحدة العربية والإسلامية، وكان ذا عقل وقاد وفكر عبقري وهمة عالية، وكان في جميع أحواله وأعماله يحدوه الإخلاص وخدمة الإنسانية.
وعرف المغرب في عهده ازدهارا واسعا واستقرارا شاملا لم يعرفهما منذ وفاة جده المولى إسماعيل، وأصبح في سنوات قلائل محل إعجاب وتقدير واحترام من كل الدول التي كانت تربطها بالمغرب روابط الصداقة والتعاون، حتى تلك الدول التي لم تكن قد اتصلت به من قبل.
وقد تميزت مدة خلافة السلطان سيدي محمد بن عبد الله تنظيم الجيش المغربي وإصلاح الإدارة وتحرير مدينة الجديدة من الاحتلال البرتغالي، وتجهيز الجيوش لمحاصرة الثغور المغربية التي كان يحتلها الاسبان في شمال البلاد، واعتنى بالبحرية المغربية وأحيا صولتها وأمر بإنشاء السفن في كل من الرباط وسلا والعرائش، وأنشأ فيها مراكز هامة تتولى صناعة السفن المغربية وغيرها.
وهكذا كثرت السفن على اختلاف أحجامها وطاقاتها ومهامها وأنواعها، وارتفع عدد البحارة المتمرسين القادرين، كما زودت السفن بالمدافع وأسند أمرها إلى الرجال الأكفاء، حتى يضمنوا للمغرب هيبته، ويقوموا بحراسة الشواطئ حراسة كاملة.
ولم يغفل عن بناء قواته البرية وإمدادها بما تحتاجه، لأنه كان يقتدي بجده العظيم المولى إسماعيل، ويريد أن يكمل شروعه بتحرير الثغور المغربية وتطهير شواطئها من الاحتلال الأجنبي، وهكذا افتتح سنة 1182 مدينة الجديدة التي كانت معروفة آنذاك باسم البريجة، وطوق مدينة مليلية بنفسه سنة 1185 هـ، وأما المنجزات العمرانية التي أقامها سيدي محمد الثالث فكانت عديدة ومتنوعة، منها المدن والأبراج والجسور والمساجد والقصور والقصبات وغيرها كثير.
ثم جهز قوات من المشاة بلغ عدد أفرادها في عهده أزيد من 24 ألف رجل علاوة على كتائب قات للحراسة المستمرة في الأبراج والموانئ كطنجة والعرائش والمهدية والرباط وسلا والمحمدية والدار البيضاء وأزمور وآسفي والصويرة وأكادير وغيرها، كما جدد صناعة السكر التي كانت عنوان تقدم المغرب الصناعي، وقام بتقسيم المملكة إلى تسع عشرة ولاية، كما أنشأ بعض المدن مثل الصويرة وفضالة ووسع رقعة مدينة الرباط وأكثر من بناء القلاع والحصون والأبراج لصيانة الأمن داخل البلاد وحراسة الوطن من المفاجآت الخارجية.
واستطاع السلطان محمد الثالث بفضل سياسته الحكيمة أن يجمع بين البناء الداخلي وبين مواصلة الجهاد لتحرير الثغور المغربية، مع السعي الدائم إلى وضع حد للاسترقاق بواسطة الافتداء المتبادل للأسرى المسلمين والمسيحيين، وتد بلغ عدد من افتدى من الأسرى المسلمين أزيد من 50 ألف أسير.
وأبرم في هذا النطاق معاهدات واتفاقيات مع كثير من الدول الأوروبية، كما كان أول من اعترف باستقلال الولايات المتحدة الأميركية، وعقد مع جورج واشنطون معاهدة كانت بمثابة اللبنة الأولى في صرح العلاقات المغربية الأمريكية.
وفي عام 1203 هـ / 1790 م اضطر محمد الثالث إلى التحرك من مراكش لتدارك أمر ابنه المولى اليزيد الذي اعتصم بضريح المولى الصالح مولاي عبد السلام بن مشيش بعدما تمرد على سلطنة والده بتغرير وإيعاز من بعض المنحرفين من قادة الجيش.
وقد اشتد به المرض في الطريق فتوفي قرب وادي شراط وذلك بعد العشاء من ليلة الاثنين 26 رجب 1204 هـ / 1790 م ودفن بالرباط، وكان له من العمر سبعون سنة قضى منها في الملك ثلاثا وثلاثين سنة.
السلطان العالم
دون السلطان سيدي محمد بن عبد الله عدة مجموعات في الفقه والحديث، لا تزال إلى اليوم منتشرة في المغرب وفي غيره من البلدان العربية والإسلامية والإفريقية، وقد كتب العلماء تقاريظ كثيرة لهذه الكتب الآتية أسماؤها :
1 – "مواهب المنان بما يتأكد على المسلمين تعليمه للصبيان"، وقد ذكر فيه أنه حين كان في طريقه من مكناس إلى مراكش وجد كل من اختبره منهم ضعيف العلم بالدين فـ : حملني ذلك، لما انطوى عليه الفؤاد من حب النصح للمسلمين، أن أجمع لهم مسائل مهمة من علم أمور الدين، قريبة المقاصد، شهيرة الموارد، مقتصرا فيها على الضروري ليسهل حفظه على الصبيان، وهي أيضا نافعة لمن اقتصر عليها في دينه من الشيوخ والكهول والشبان.
2 - «طبق الارطاب فيما اقتطفناه من مساند الأيمة وكتب مشاهير المالكية والإمام الحطاب - ذكر في بدايته أنه كان قد ألف كتابه (بغية ذوي البصائر والألباب في الدرر المنتخبة من تأليف الحطاب).
فبرز (وسارت به في الآفاق الركبان، وانتفع به الناس ولله الحمد في سائر الأقطار والبلدان). وإنه كان اقتصر فيه على عقيدة ابن أبي زيد وكتابي الطهارة والصلاة، ثم بعد سنة من تأليفه رأى كماله ببقية قواعد الإسلام فألف : الفتح الرباني فيما اقتطفناه من مساند الأيمة، وفق الإمام الحطاب، والشيخ ابن أبي زيد القيرواني.
ثم بعد سنتين من تأليفه أعاد النظر فيه ونسب المسائل لقائلها وسماه طبق الارطاب، وفرغ من تأليفه أوائل ربيع الآخر سنة 1204 فيكون آخر مؤلفاته، وتوجد منه نسخة بخزانة القرويين عليها تقريظان أحدهما للشيخ محمد بن محمد الأمير المالكي الأزهري، والآخر للشيخ معمد بن المعطي الأزهري الحريري الحنفي بخطهما.

3 - الجامع الصحيح الأسانيد المستخرج من ستة مسانيد
وهو كتاب استخرجه من الصحيحين والموطأ ومساند أحمد والشافعي وأبي حنيفة ورتبه على أبواب الفقه من عبادات ومعاملات، وذيله ببابين أولهما في المواعظ والرقائق، والآخر في فضل الذكر، وختمه بفصلين أحدهما في شرح قوله في طالعة كتبه الحنبلي اعتقادا، وثانيها في الأيمة الأربعة، وقد قرظه من علماء مضر الأمير والحريري وتقريظهما بخطهما يوجد على ظهر نسخة منه بالخزانة الزيدانية، وفي خزانة القرويين منه نسخة في جزءين آخرهما الحج والعمرة.

4 - الفتوحات الإلاهية الصغرى :
تشتمل كما ذكر في أولها على ثلاثمائة حديث وزيادة، وكان مراده أولا جمع أربعين حديثا، وقد خرج فيها أحاديث من الصحيحين واصحيحين والموطأ وسند الإمام أحمد. ولم يكن قد ظفر بسندي أبي حنيفة والشافعي، وصدره بمقدمة في حديث إنما الأعمال وقعه كتبا على : الإيمان ثم العلم والطهارة والصلاة والآذان وفرض الصلاة والجمعة والزكاة والصيام والحج والعمرة والجهاد والأدعية والأذكار، وفي كل كتاب تراجم، وختمه بذكر آل البيت ومن استشهد منهم : عبيدة بن الحرث وحمزة وجعفر ومناقب علي وفضائل خديجة وبناتها (زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة ) وإبراهيم والحسن والحسين والعباس ثم مناقب الخلفاء الأربعة، ثم مناقب الزبير وبقية العشرة.

5 - الفتوحات الإلاهية الكبرى :
وهي أشهر مؤلفاته فرغ منها في جمادى الآخرة سنة 1189 وتولى بعضهم شرحها، وممن أقرأها بالمغرب الشيخ التاودي بن سودة (1209) والشيخ محمد بن أبي القاسم السجلماسي (1214)، وممن شرحها السند محمد بن عبد القادر الصبيحي - النافعي الزغلولي المعروف بابن قدور دفين زرهون (1231)، وكان شرحه للفتوحات في عهد مؤلفها.
أما في المشرق فقد حبس مؤلفه على إقرائه وتدريسه أحباسا في المدينة المنورة والإسكندرية فجعل، سنة 1201 - لمن يقرأ الفتوحات والجامع الصحيح الأسانيد من أهل المذاهب بالمدينة مائة دينار في كل ختمة يأخذ الفقيه مائتي دينار كل ثلاثة أشهر عن ختميتهما، وحبس على من يقرأ كتاب (الفتوحات ) ويدرسه في الاسكندرية أوقافا، وقد استمرت المادة على ذلك إلى عهد السلطان مولاي عبد الرحمن.
وكان للسلطان سيدي محمد بن عبد الله فضل كبير في نشاط حركة التأليف في عصره، فقد كلف ثلاثة من العلماء بشرح مشارق الصغاني هم الشيخ التاودي والسيد عبد القادر بوخريص، والمولى إدريس العراقي الحافظ، إلا أنه مات ولم يتمه، فأمر ولده المولى عبد الله بإكماله، وكلف السيد التهامي بن عمرو بشرح الأربعين النووية، وأمر كاتبه الغزال بتدوين رحلته للأندلس فكتب (نتيجة الاجتهاد) كما أمر كاتبه ابن عثمان بكتابة رحلته الحجازية فجمعها في (احراز المعلى والرقيب ) وكلف غير هؤلاء من العلماء بكتابة مسائل علمية أخرى.
ونقل إلى مراكش علماء من فاس منهم المولى عبد الله المنجرة والسيد محمد بن الشاهد، ومن مكناس السيد أحمد بن عثمان ومن تادلة السيد محمد بن عبد الرحمن الشريف، ومن سلا الطاهر بن عبد السلام، وهؤلاء وزعهم على مساجد مراكش، فكانوا يدرسون بها ويحضرون معه في مجالسه الحديثة التي كانت أساسا للمجالس الحديثية عند ملوك الدولة العلوية الشريفة، فقد اقتفى أثره في مجالسه العلماء ومباحثهم ولده السلطان المولى سليمان وابن أخيه وولي مهده السلطان المولى عبد الرحمن بن هشام بن محمد بن عبد الله حيث أصبحت المجالس الحديثية سنة مرعية إلى عهد جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله.
وكانت للسلطان المترجم مجالس أخرى مع العلماء والفقهاء والأدباء.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here