islamaumaroc

الطب الأندلسي بين هفوة الإهمال وغفوة النسيان.-4-

  عبد الله العمراني

237 العدد

بنو زهر
في الشرق، اشتهرت بالبلاط العباسي، أسر مسيحية امتهنت الطب، وخدمت به خلفاء بني العباس، وغيرهم من أبناء الشعب العربي، وتلك مثل أسرة ماسويه، وأسرة حنين ابن إسحاق، وأسرة بختيشوع (1). وفي بلاد الغرب الإسلامي، اشتهرت في ميادين العلوم العربية والشرعية والطبية أسرة بني زهر، سلالة العلامة أبي عبد الله (أو أبي بكر) محمد بن عبد الملك بن معد، بن مران، بن زهر الإيادي الأندلسي الذي يقول عنه ابن أبي أصيبعة (عيون الأنباء جـ 3 ص 103) : "كان من جلة الفقهاء والمتميزين في علم الحديث بإشبيلية"، كما قال عنه المقري (نفح الطيب جـ 3 ص 14) أنه : "كان عالما بالرأي، حافظا للأدب، فقيها، حاذقا بالفتوى، متقدما فيها، متقنا للعلوم، فاضلا، جامعا للدراية والرواية". وقد توفي هذا الوالد الفاضل في طلبيرة Talavera  سنة 422 هـ (1031 م).
خدمت هذه الأسرة الطبية، ملوك المغرب والأندلس وشعبي البلدين، وفيما يلي ندرس أهم أعلامها :
أولهم : أبو مروان عبد الملك بن محمد المذكور أعلاه : كان من الأطباء المهرة الحاذقين، هو من الشخصيات الأندلسية التي رحلت إلى المشرق، حيث طبب هناك زمانا، وتولى رياسة الطب ببغداد، ثم بمصر، ثم بالقيروان. وعاد من الرحلة، فرجع إلى بلاده الأندلس، وقصد مدينة دانية، فرحب به أميرها مجاهد العامري، وأكرمه، وأمره بالمقام فيها، فأقام، وحظي عنده، واشتهر بالتقدم في صناعة الطب، وعلا صيته، وبز أقرانه في المهنة، وأورثها نسله من بعده.
وفي دانية، حرر بعض كتبه التي أورد فيها رأيه الشاذ في الحمام، إذ كان يعتقد أن الحمام يعفن الأجسام ويفسد الأمزجة. وقد عاب البعض هذا الرأي قائلا : «هذا رأي يخالفه فيه الأوائل والأواخر، ويشهد بخطئه الخواص والعوام، بل إذا استعمل على الترتيب الذي يجب، وبالتدريج الذي ينبغي، يكون رياضة فاضلة، ومهنة نافعة، لتفتيحه للمسام، وتطريته وتلطيفه لما غلظ من الكيموسات". ونحن نرى أن رأي ابن زهر ربما كان له ما يبرره، فعلى الرغم من أن الحمام يفتح المسام، ويطري الجسم، إلا أنه إذا أعوزته الشروط الصحية والخلقية كان وبالا على الجسم والخلق معا... ثم رحل أبو مروان من دانية إلى إشبيلية حيث توفاه الله بعد أن خلف ثروة ورباعا وضياعا.
ثانيهم : أبو العلاء زهر بن عبد الملك المذكور : اشتهر فعله وأدبه، وبالحذق في الطب، والاطلاع على دقائق الصنعة، وبكثرة التجارب لدرجة أنه كان يعرف مرضاه لأول نظرة، إن كان لا يستخبرهم عن آلامهم، وإنما يعرف أمراضهم بالنظر فقط إلى قواريرهم (أواني بولهم)، وبجس نبضهم. ويطلق النفسانيون على هذا النوع من العمل المعتمد على الخبرة، اسم "الحكم العملي"، اشتغل بالطب وهو صغير، وذلك منذ أيام المعتضد بالله أبي عمر وعباد ابن عباد ملك اشبيلية، وخدم دولة المرابطين، ونال الحظوة لديهم، وبخاصة أمير المسلمين يوسف بن تاشفين فقد عالجه بعاصمة المرابطين الأولى (أغمات )، وولده من بعده أمير المسلمين علي بن يوسف... الأمر الذي أكسبه شهرة فائقة، وأحله منزلة رفيعة جعلت قاضي قضاة اشبيلية العلامة ابن منظور القيسي يستغرب أن يمرض الطبيب ابن زهر ! فقال أبو العلاء زهر هذين
قالوا : ابن منظور تعجب دائبا  أنى مرضت، فقلت : يعثر من مشى
قد كان (جالينوس) يمرض دهره  فمن الفقيه المرتضى أكل الرشا
ومن شعره الرقيق في الغزل قوله :
يا راشقي بسهام ما لها غـرض             إلا الفـــؤاد، وما منه لها عـــوض
وممرضي بجفون حشوها سقـم            صحت ، ومن طبعها التمريض والمرض
أمنن ولو بخيال منك يطرقنـي              فقــد يسد مسد الجوهر العـــرض !
فيقول عنها أبو العلاء زهر :
سمعت بوصف الناس هندا فلم أزل أخا صبوة، حتى نظرت إلى هند
فلا أراني الله هنـــدا وزيهــا تمنيت أن أزداد بعـدا على بعـد
إن أعمال هذا الطبيب النطاسى التي فسحت له المجال لقرض الشعر، أتاحت له في الوقت نفسه الفرصة لتأليف كتب عديدة في الطب منها : كتاب الخواص - كتاب الأدوية المفردة - كتاب الإيضاح بشواهد الافتضاح، وينقد فيه الطبيب المصري علي بن رضوان في رده على كتاب حنين ابن اسحاق المسمى : "المسائل" أو "المدخل إلى صناعة الطب"، ومن كتبه أيضا : "النكت الطبية"، ألفه لإبنه أبي مروان عبد الملك الذي سنتحدث عنه بعد قليل، ومن كتبه كذلك كتاب "المجربات" وهو عبارة عن الملاحظات الطبية التي وضعها أبو العلاء زهر بمراكش، وأمر بجمعها أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين، وتوجد منها نسخة بمكتبة (الإسكوريال) عدد 844 (839). وقد تم جمع "المجربات" ببلاد المغرب والأندلس في جمادى الآخرة سنة 526 هـ (أبريل - مايو 1132م ) أي بعد موت مؤلفها بنحو سنة، حيث توفي بقرطبة ممتحنا من نغلة (خراج ) بين كتفيه سنة525 هـ (1131 م)، ودفن باشبيلية، خارج باب الفتح، رحمه الله.
ثالثهم : أبو مروان عبد الملك بن أبي العلاء زهر : ولد في اشبيلية في تاريخ غير مؤكد، وتوفي بها في آخر سنة 557 هـ (1162م) ودفن مع والده خارج باب الفتح. تعلم الطب على والده، وزاول المهنة وهو ابن ست عشرة سنة، ويبدو أنه كان أول طبيب «مختص»، فلم يكن "مشاركا"، مثل أفراد أسرته وسائر زملائه الأطباء. يقول عنه فيديل فرنانديث (2) :
"كان أول طبيب محض Puro تسجله العصور، لأنه انشغل فقط بالطب، متخليا بذلك عن صفة "الموسوعي"، التي كان يتحلى بها حكماء عصره : ولأنه رأى واجبا عليه أن يؤسس الفرق - الذي بقي منذئذ حتى اليوم - بين الطبيب، والجراح، والصيدلي أو عالم النبات"، وقال في موضع آخر (3):
«وظيفته كمدير للمستشفى، وضعت تحت تصرفه جثثا للتشريح. إن قراءة كتبه تسمح لنا بالتأكد من أنه مارس تشريح الحيوانات الحية، وجثث الموتى الآدميين على الرغم من أحكام الدين والجنس. كان أبو مروان ابن زهر أعظم جراح كلينيكي في عصره لدرجة أنه تمكن من إبراز الفروق بين الالتهابات الحادة أو المزمنة لغشاء القلب، وبين العلل أو الأدواء التي تعتري تجاويف القلب، فى استطاع التمييز أيضا بين القرحة وبين سرطان المعدة، وبين حمى المستنقعات (الملاريا) وبين سائر أنواع الحميات".
«كان مخترع القسطرة المريئية لتغذية المريض عند ضيق المرىء، واخترع الحقن الشرجية المغذية، وأسهم بنصيب من الأعمال والأفكار والاكتشافات رفع مقامه إلى الصف الأول بين شخصيات مجلس الأطباء Protomedicato كان ينعقد لاختبار المرشحين لمزاولة الطب بالأندلس".
لقد حظي طبيبنا هذا بتقدير الدولتين المرابطية والموحدية : فقد ألف للأمير المرابطي إبراهيم ابن يوسف بن تاشفين كتابه المخطوط العجيب : (الاقتصاد في صلاح الأجساد) الذي يتألف من 140 ورقة، والذي توجد منه نسخة خطية في مكتبة باريس... وقد خدم الخليفة الموحدي عبد المومن بن علي، ونال الحظوة لديه، وألف كتاب الأغذية، وكتاب "الترياق السبعيني" واختصره - كما يقول ابن أبي أصيبعة - عشاريا، واختصره سباعيا... ومن كتبه الهامة : كتاب "التيسير في المداواة والتدبير" الذي أهداه إلى ابنه الروحي وتلميذه أبي الوليد ابن رشد، وقد تمت ترجمة هذا الكتاب إلى اللاتينية سنة 1280 م، وفيه تتجلى شخصية أبي مروان عبد الملك بن أبي العلا زهر بشكل واضح... ومن كتبه أيضا كتاب «الزينة» ألفه لولده أبي بكر وهو يعالج أمر الدواء المسهل، وكيفية أخذه، كما ألف له كتاب "التذكرة". وله أيضا مقالة في "علل الكلى"، ورسالة في علتي "البرص والبهاق".
رابعهم : أبو بكر محمد بن أبي مروان عبد الملك بن أبي العلاء زهر : ولد باشبيلية سنة 507 هـ (1113 م) وتوفي سنة 595 هـ (1199 م)، نشأ وتعلم باشبيلية، وتميز في العلوم والأدب، وأخذ صناعة الطب عن أبيه، وباشر أعمالها، وخدم - مع والده - الدولتين المرابطية (اللمتونية) والموحدية. ولما توفي والده في عهد عبد المومن بن علي، حل محله كطبيب للقصر الملكي، وخدم بعده ابنه أبا يعقوب يوسف، وحفيده أبا يوسف يعقوب الملقب بالمنصور، كما خدم ابن المنصور أبا عبد الله محمد الناصر قبل أن يتوفاه الله في أول دولته على إثر أكلة سمه فيها وزير حسود هو أبو زيد عبد الرحمن بن يرجان، وكان من دهاة الموحدين.
على خلاف والده المتخصص في الطب، كان الوزير أبو بكر محمد الملقب بالحفيد لغويا وأديبا شاعرا. قال عنه ابن دحية : «كان شيخنا الوزير أبو بكر بن زهر بمكان من اللغة مكين، وقورد من الطلب عذب معين، وكان يحفظ شعر ذي الرمة وهو ثلث لغة العرب، مع الإشراف على جميع أقوال أهل الطب، والمنزلة العلياء عند أصحاب المغرب، مع سمو النسب، وكثرة الأموال والنشب. صحبته زمانا طويلا، واستفدت منه أدبا جليلا. (نفح جـ 3 ص. 1716).
من شعره وهو بمراكش يتشوق إلى ولد له صغير، خلفه وراءه في اشبيلية :
ولي واحد مثل فرخ القطا                 ة، صغيـر تخلفت قلبي لديه
وأفردت عنه، فيا وحشتـي               لذلك الشخيص وذاك الوجيه
تشوقنــي، وتشوقتــه                     فيبكــي علي، وأبكي عليه
وقد تعب الشوق ما بيننـا                 فنمــه إلــي، ومني إليه
وسمع الأبيات الخليفة الموحدي يعقوب المنصور، فقام بعمل يدل على تقديره للعلم، وعلى المنزلة السامية التي كان يحتلها الحفيد ابن زهر : أرسل الخليفة المهندسين إلى اشبيلية، وأمرهم أن يحيطوا علما ببيوت ابن زهر وحارته، ثم يبنوا مثلها في مراكش العاصمة، ففعلوا ما أمروا به في أقرب وقت، وأثثوها بمثل أثاثه، وجعلوا فيها مثل آلاته، ثم أمر المنصور بنقل عيال ابن زهر وأولاده وحشمه إلى تلك الدار، ثم احتال عليه حتى جاء إلى الموضع، فرآه أشبه شيء ببيته وحارته، فاحتار، وظن نفسه يحلم. ثم قيل له : ادخل المنزل الذي يشبه منزلك، فدخله فإذا ولده الذي تشوق إليه، يلعب في البيت فحصل له من الفرح والسرور ما لا مزيد عليه !!
ومن شعره، وقد اشتعل رأسه شيبا، قوله وقد نظر إلى المرآة فهاله ما رأى :
إني نظرت إلى المرآة إذ جليــت             فأنكــرت مقلتـــاي كل ما رأتا
رأيت فيها شويخا لسـت أعرفــه             وكنت أعرف فيها - قبل ذاك - فتى
فقلت : أين الذي بالأمس كان هنا ؟          متــى ترحل عن هذا المكان متى؟
فاستجهلتني، وقالت لي، وما نطقت : قد كان ذاك، وهذا – بعد ذاك – أتى
هون عليك، فهذا لا بقـــاء لـه أما تــرى العشب يفنى بعدما نبتا؟
كان الغواني يقلن : يا أخي، وقد  صار الغواني يقلن، اليوم : - يا أبتا
حقا إن أبا بكر ابن زهر، لم يكن مثل أبيه طبيبا مختصا، بل كان مشاركا في علوم شتى (قرآنية، حديثية، شرعية، أدبية) وكان شاعرا مفلقا كما رأينا في هذين النموذجين، بل كان شاعر موشحات، يقول عنه العلامة ابن دحية :"والذي انفرد به شيخنا وانقاد لطباعه، وصارت النبهاء فيه من خوله وأتباعه، الموشحات، وهي زبدة الشعر ونخبته، وخلاصة جوهره وصفوته، وهي من الفنون التي أغرب بها أهل المغرب على أهل المشرق، وظهروا فيها كالشمس الطالعة والضياء المشرق"، وخشية الإطالة نحيل القراء على كتب الأدب الأندلسي وتاريخه، ففيها ما يشفي الغليل، ويشبع النهم.
ألف أبو بكر ابن زهر لأبي يوسف يعقوب المنصور الموحدي كتابه "الترياق الخمسيني"، ومن العلوم أن عمل "الترياق" كان الخليفة لا يعهد به إلا لأكبر الأطباء مقاما، وأكثرهم كفاءة، وأمتنهم دينا، وهي صفات متوافرة كلها في هذا الطبيب الأديب اللبيب.
خامسهم : أبو محمد عبد الله بن أبي بكر المذكور : يذكر مترجموه أنه كان جميل الصورة، حسن الرأي، مفرط الذكاء، محمود الطريقة، محبا للبر الفاخر من الثياب، وكان كثير الاعتناء بصناعة الطب، والنظر فيها، وتحقيق معانيها. اشتغل مع والده، فحذق المهنة، ووقف على كثير من أسرارها. وكان الخليفة الموحدي أبو عبد الله محمد الناصر بن أبي يوسف يعقوب المنصور يحترمه، ويعرف مقدار علمه، ويقدر أسرته حق قدرها، وقد ألف كتابا عن "أمراض العيون".
كلفته رحلته الأولى إلى المغرب نحو عشرة آلاف دينار، ولما اجتمع بالخليفة الناصر في المهدية (بتونس) حين افتتحها، قاله : إني يا أمير المومنين - بحمد الله - بكل خير من إنعامكم وإحسانكم علي وعلى آبائي، وقد وصل إلي مما كان بيد أبي من إحسانكم، ما يغنيني مدة حياتي وأكثر، وإنما أتيت لأكون في الخدمة كما كان أبي، وأن أجلس في الموضع الذي كان يجلس فيه بين يدي أمير المومنين ... فأكرمه الناصر، إكراما كثيرا، وأطلق إليه من الأموال والنعم ما يفوق الوصف.
ولد بمدينة اشبيلية سنة 577 هـ  (1181 م)، وتوفي مسموما سنة 602 هـ (1205م ) برباط الفتح حيث دفن بصفة مؤقتة قبل أن ينقل جثمانه إلى مقبرة آبائه باشبيلية خارج باب الفتح، فكانت حياته خمسا وعشرين سنة فقط، - رحمه الله رحمة واسعة - وترك ولديه أبا مروان عبد الملك، وأبا العلاء محمد، وكلاها فاضل في نفسه، كريم في جنسه، وكان للأخير منهما اعتناء بالطب، واهتمام جيد بكتب جالينوس، كان آخر طبيب في هذه الأسرة التي خدمت الطب خدمات جلى.

أقوال ونظريات
نثبت فيا يلي بعمق الأقوال الحكيمة التي يمكن اعتبارها نظريات علمية، قال الحفيد أبو مروان عبد الملك :
- الخبرة وحدها هي الرشد الأمن، ومحك الممارسة المعقولة الصالحة لتبرئة ساحة الطبيب أو إدانته يوم القيامة.
- فن العلاج لا يتعلم بأبحاث فنية مفصلة، ولا بشقشقات سوفسطائية، ولكن بعمل دؤوب، مصحوب بالرأي الثاقب.
- لنفر من تغافل العجائز وعدم تبصرهن، فرارنا من ترهات المنجمين غير المجدية.
- ليس صحيحا تفوق بعض الأعضاء على بعض، ولا تفوق القلب والمخ على ما عداهما، إنما الكل في ارتباط وانسجام تامين.
- يوجد طبيبان : طبيب روح، وطبيب بدن، والأرواح ثلاثة : التي تعيش منها في المخ هي العاقلة، وتميز الإنسان عن الحيوان، وترجمانها : اللسان.
- أنبل الحواس : العين ........... ولا تقل أقوال ابن رشد عن هذه أهمية. قال :
- للمخ أربع خاصيات هي : التخيل، والتأمل أو الفكر، والذاكرة، والحافظة، وتتميز الأخيرة عن سابقتها بأنها متواصلة مستمرة، بينما الأولى متقطعة.
- يستقر التخيل بالجزء الأمامي من المخ، بينما تستقر الذاكرة في الجزء الخلفي منه.
- الأعراض التي ينبغي أن يركز عليها الطبيب، هي : الكظة، الدم ووفرته، والنبض، والبول، ثم تأثير الأيام العصبية الحرجة.
- الرثية (داء المفاصل ) تتحرك مرارا كثيرة إلى الأعضاء الداخلية.
- من الممكن أن تحبل امرأة من جراء استحمامها في حوض أمنى فيه رجل.

صوب المغيب
إذا اكتمل البدر، واستوفى الشهر أيام نصفه الأول، فلا ننتظر منه أن يبقى مكتملا، أو أن ينجو من نقصان، أو أن يتخلف عنه محاق، بل لا بد مما ليس منه بد ! هكذا حال الطب الأندلسي، إنه كالبدر، كان هلالا، ثم صار بدرا مكتل الدائرة، ثم عاد هلالا فمحاقا... لعل الفرق الوحيد بين الإثنين أن أحدها يختفي عن الأنظار ليرقب مرة أخرى فيظهر في الأفق من جديد، بينما الآخر اختفى ليظن محفوظا في الصدور، مسطورا في الكتب والصحائف ليس إلا.
ربما طال بنا الكلام، وربما كان المقام يتطلب الاختصار أو الاقتصار، لذا يمكن أن نكتفي بما مضى عن باقي التفاصيل، ويكفي هنا أن تقفز عن القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) إلى القرن الذي بعده، لنستضيء فيه بنور طبيبين أندلسيين متعاصرين بل صديقين : أحدهما : العبقري الغرناطي ذو الوزارتين لسان الدين ابن الخطيب السلماني، والآخر : طبيب ألمرية أبو جعفر أحد بن خاتمة الأنصاري توفى أولهما بفاس سنة 6776 هـ (1374 م)، وتوفى ثانيهما قبله سنة 770 هـ  (1369 م)، وترك كلاهما علما غزيرا، وذكرا جميلا وثناء عطرا... إن نور هذين الطبيين الساطع، الذي يغشى الأبصار أو يكاد، هو أشبة بنور الشمعة الذي يزداد قوة واتقادا قبيل الانطفاء.
للطبيب لسان الدين ابن الخطيب عدة كتب طبية بعضها في حكم المفقود :
1 - عمل من طب لمن حب : وهو من أهم أعماله الطبية، ألفه أثناء إقامته بفاس. يتألف من جزأين في نحو 320 صفحة من القطع الكبير. توجد منه نسخة حبست على خزانة جامع القرويين في رجب من سنة 806 هـ (يناير - فبراير 1404م ). ألف ابن الخطيب هذا الكتاب لولي نعمته المستعين بالله السلطان أبي سالم المريني، وبما جاء في التقديم قوله :
لما رأيت الأرض دونك قدرها      ورأيـــت حقك آخذا بعناني
أهديتك العلم الذي بقبولـــه          كتـــب الإله مزية الإنسان
واخترت فن الطب منه لقولهم :  العلم - فيما خرجوا - علمان :
فالعلم بالأديان علــم أول         والعلم بالأبـدان علم ثــان ...1لخ .
2 - أرجوزة في الطب : نظمها ابن الخطيب خلال إقامته بمدينة سلا (المغربية )، وتقع في نحو ستمائة وألف بيت، وتتضمن ذكر جميع الأمراض، ووصف أعراضها، وكيفية تدبيرها ومعالجتها.
وتعد هذه الأرجوزة في حكم المفقودة.
3 - رجز في الأغذية : ويقع في نحو مائتين وألف بيت، ويتضمن ذكر الأغذية مرتبة على حروف الهجاء، شارحا طباعها ومنافعها ومضارها وكيفية إصلاح خللها. ويقع في نحو ثلاثين ورقة من القطع المتوسط.
وقد افتتح الناظم هذا الرجز بقوله :
الحمد لله الذى ما من أذى         يلحقه، ولا احتاج لغذا
الصمد الفرد الذي لا يطعم      وعمت العالم منه النعم
4 - الوصول لحفظ الصحة في الفصول : توجد من هذا الكتاب بالمكتبة الملكية بالرباط ثلاث نسخ تقع إحداها في 149 لوحة كبيرة مزدوجة، وكان فراغ مؤلفه منه في 12 جمادى الأولى 771 هـ (12 – 12 – 1369 م ) بغرناطة المحروسة، وتقع الثانية في مائتي لوحة كبيرة، وتم نسخها للسلطان عبد الله الغالب السعدي في أواخر شعبان 978 هـ (أواخر يناير 1571)، بينما الثالثة تقع في 146 لوحة كبيرة، وتم نسخها في 22 من ذي الحجة، عام 1000 (29ا9ا1592م). وتوجد نسخة أخرى بخزانة جامع القرويين، تم انتساخها سنة 985هـ (1573م).
5 - الأرجوزة المعلومة : وهي منظومة في علاج السموم، وسماها هكذا، في مقابل "الأرجوزة المجهولة"، التي وضعها أبو بكر ابن طفيل، وتوجد منها نسخة بمكتبة جامع القرويين، ألف ابن الخطيب هذه الأرجوزة أثناء إقامته بمدينة سلا.
6 - مقنعة السائل عن المرض الهائل : وهي رسالة طبية كتبها ابن الخطيب بمناسبة انتشار الطاعون الجارف الذي اكتسح بلدان المشرق والمغرب والأندلس، ووصفه الأوربيون «بالموت الأسود" وكان هذا الوباء قد اكتسح هذه البلدان سنة 749 هـ (1348. 1349م )... يصف المؤلف هول هذا الوباء بقوله :
"ولم يتقدم - فيما اتصل بأولي الاطلاع على تواريخ الأمم - خبر وباء بلغ مبلغه من أخذه ما بين ولايتي المشرق والمغرب، واتصاله بالجزائر المنقطعة في البحر، واستئصاله أهل البيت والقرية، على سبيل واحدة، يتعلق بالناس تعلق النار بالحلفاء والهشيم، بأدنى ملامسة من المار بمريض، أو بمباشرة ثوبه وآنيته، وفيما ظهر فيه نفث الدم أشد، وعند قبض الروح أعظم". وذكر "أنه بين الأماكن الوبيئة أخف، وفي الضعفاء وأهل الشظف أفتك، وبصنفي النساء والصبيان أشطى..." أثبت ابن الخطيب في رسالته هذه أن المرض يعدي، وليس عقوبة إلهية كما كان البعض يعتقد.
توجد من هذه الرسالة نسخة بمكتبة الاسكوريال، تحمل رقم 1785. وقد نشرت بنصها العربي مع ترجمة ألمانية في "مجلة الأكاديمية البافارية"، سنة 1863م وتشغل عشر لوحات (39 -49) ضمن مجموع.
أما الطبيب الآخر، الأديب الأريب أبو جعفر أحد بن خاتمة الأنصاري، فقد كتب أيضا عن الطاعون المذكور الذي اجتاح بلدته (المرية ) في نفس السنة، وسمى رسالته : (تحصيل غرض القاصد، في تفصيل المرض الوافد)، وأثبت بالحجة والبرهان - كذلك - أن المرض معد. تشغل رسالة ابن خاتمة من المجموع المشار إليه أعلاه، اللوحات 49 - 105، وتعرفنا الرسالة بمعنى الوباء لغة واصطلاحا، وتصف كيف ظهر الوباء بألمرية، وما أوقعه بالسكان من الفتك الذريع : ثم تتحدث الرسالة عن التحوطات الواجب اتخاذها بهذا الصدد، كما تتحدث عن الأطعمة والأشربة المناسبة، وعن العلاج، وذلك في إسهاب وتفصيل أكثر من رسالة صديقه الحميم ابن الخطيب .
يقول روم لاندو (العرب والإسلام - تعريب م . البعلبكي) : "إن أيا من هذين الطبيبين، لم يقدم لنا تعريفا للعدوى جامعا مانعا، لأن تقدم المعرفة العلمية آنذاك، كان دون المستوى الذي يساعد على وضح مثل هذا التعريف، والحق أن الكلمة الفصل في الطبيعة الحقيقية للعدوى، ما كان لها أن تقال إلا في العصر الحديث مع مكتشفات "باستور" البكتريولوجية. ومع ذلك فقد كان ابن الخطيب وابن خاتمة أول من أعطيانا وصفا سريريا للعدوى، وبذلك أحدثا ثورة في مفاهيم عصرهما الطبية".

______________
1 – بختيشوع : كلمة سريانية الأصل، مركبة من "بخت" بمعنى : عبد، ومن : "شيوع" بمعنى : يسوع (المسيح).
2 – La Medicina Arabe en Espana, P. 80
3 – نفس المدر ص : 81.
4 -  اعتمدنا في تاريخ المولد والوفاة على ما ذكره المقرى في نفح الطيب (جـ 3 ص17)  نقلا عن أبي الخطاب ابن دحية مؤلف كتاب "المطرب من أشعار أهل المغرب".. ولا عبرة بما ذكره مؤلف "عيون الأنباء" (جـ 3 ص . 110) من أن وفاته كانت عام 596 هـ... وعمر نحو الستين سنة... إذ الصواب أنه عمر ثمانا وثمانين سنة هجرية. (86 سنة ميلادية) حيث توفى يوم الخميس 21 من ذي الحجة الحرام من تلك السنة 595: على أن هناك من يقول بأنه عمر إحدى وتسعين سنة هجرية.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here