islamaumaroc

في التفسير الحضاري ( مالكم لا ترجون لله وقد خلقكم أطوارا) صدق الله العظيم

  حسن السائح

237 العدد

تقديم :
الإشكالية هي في طرح السؤال .. فالسؤال هو المنطلق الأساسي للمعرفة، وهو الذي يحدد الجواب ويعطيه القوة والبيان ... وكم من سؤال أضاع الوقت في النقاش الفارغ، أو لم يكن له جواب مناسب مفيد، ولقد كان سقراط فيلسوفا عظيما أمام فلسفته على السؤال والجواب، والسخرية من الجواب غير الموفى للسؤال أن للموضوع.
وموضوع الآية عن (التطور في الإسلام ) فهذا السؤال الكبير عن موضوع كبير يستلزم تحديد الجواب أمام سؤال واضح عن حقيقة التطور في الإسلام. ولن يتضح الجواب ليكون منطلقا للعمل والاستفادة إلا إذا حددت طريقة الجواب لمعرفة الجواب الحق ..!
وقد ضبط المنهج الإسلامي أسلوب السؤال ليكون واضحا في الجواب للعمل به وتبيان تطوره عبر الحاضر والمستقبل.
والإسلام في أمثلته لا ينطلق من فرضية أو من عشوائية ولكنه ينطلق من قانون الفطرة السليمة أي من قلة البداية المنسجمة والموافقة لفكر الإنسان ووجدانه وعلاقاته.. فتأتى المعادلات المعاملات ثابتة واضحة لأنها انطلقت من حقائق متفق عليها لا حقيقة الفرد الواحد، لأن هناك طرق مشتركة يجب مراعاتها في النوازل وبهذه الحقيقة المشتركة توجد في الفطرة أي الحقيقة الإنسانية الأولى التي يملك كل واحد منها متفق مصداقيتها تبعا لذلك ثم يأتي الجواب فيوضح القواعد الأساسية لبناء الجماعات البشرية وتكون القواعد معادلات وليست طقوسا وأوامر بل مبادئ وقيم.
ولهذا فكل ما جاء به الإسلام من أجوبة هي في الحقيقة تعابير عن مصالح (الجماعات ) ومصالح (الأفراد)، والمعادلة بين المصلحتين معا.
...وفي هذه الآية الكريمة إثارة انتباه أن يسائل الإنسان نفسه لماذا لا يرجو من الله وقارا .. ويجد الجواب في أن الخالق خلق الإنسان أطوارا.. فالتأمل في هذه الحقيقة تلبية لما تعتلج به نفس الإنسان من هواجس...
فكيف يحلل هذه الحقيقة لنفهم جزءا منها أو نحاول فهمه...
إن التغيير والتطور والتجديد والإصلاح والتقدم والصيرورة والطفرة كلمات في مقابل الأصالة والمحافظة والاستقرارية وبجانبها كلمات أخرى مثل الجمود والاستلاب والضلال والانحراف والتقليد ولكننا لن نهتم إلا بكلمتين التطور والتغيير.
وكلمة أطوار في الآية القرآنية هي جمع لطور لتؤكد على المقابلة بين الكمال في الخالق والنقص في المخلوق الذي يتطور من حال إلى حال ... ويكون معنى الآية مالكم لا ترجون وتأملون ... استقرارا عقائديا حتى لا تبقوا معرضين للتغيير لعدم استقراركم على رأي مع أن الخالق خلقكم أطوارا لتنتقلوا من حالة إلى حالة أحسن منها... فالتطور استقرار في التقدم، أما الغيرية فهي اتباع الغير أي التقليد. فالله لا يغير حالة قوم أحسوا بما أصابهم من الخروج عن خط التطور، وهذا الخط المستقيم حتى يغيروا ذاتهم ليعودوا إلى خط التطور الطبيعي.
فالتغيير الذاتي ينعكس على المجتمع المكون من أفراد وهو ذاتي أساسه الإيمان والتفكير. فالإيمان استقرار، والتفكير حركة يحمل على مخاطبة الذات ومحاسبتها باعتبار اللفة جوهر التفكير والتغيير، ووسيلة لإصلاح الذات، وإصلاح المجتمع في علاقاته العضوية بأفراده جميعهم لأن الفرد عضو في الجماعة عضوية بنيوية يؤثر ويتأثر بالبنيات الفكرية والأنظمة المفهومية، والأنماط السلوكية لنجعل منه فكرا موحدا على أساس إيمان عميق بواسطة لغة واحدة.
وإذا فهنالك فرق شاسع بين التغيير والتطور فكل تطور يستبطن تغييرا، وليس كل تغيير يكون تطورا... فالتطور والتغير يخضعان معا لحركة التضاد والتناقض لتظهر معرفة صالحة.
وللمعرفة قانون يعتمد على معادلات ثابتة ... لأن كل معرفة هي (وحدة معلومات ) في سياق متسلسل وكل وحدة معادلة رياضية مرتبطة بباقي المعادلات ارتباط السبب بالمسبب، والعلة بالمعلول، وعند اختلال أي شرط في المعادلة أو عند وضعها في غير مكانها الطبيعي تصبح فاسدة لا تعطي نتائجها... وأغلاط الإنسان تنشأ عن عدم ضبط المعادلات مما يؤدي إلى فساد النتائج، أو استحالتها، لأنها لم تبن على السلم الطبيعي في قانون الوصول إلى المعرفة.
فكل الحقائق الرياضية والأخلاقية والاجتماعية هي نتيجة معارف مرتكزة على معلومات مضبوطة بمعادلات متسلسلة  ويظهر ذكاء الإنسان في مدى استفادته من المعادلات، وإبرازها وكشفها واختراعها إن اقتضى الحال.
ولأجل أن يفكر الإنسان حتى يعمل توجد حوافز في طبيعة التكوين الإنساني تدفعه للعمل. وكلها مبنية على قانون التناقض والتضاد. سواء في ذات الفرد أوفي ذات الجماعة أوفي ذات الأمة ... ففي ذات الإنسان صراع بين الصراط المستقيم والصراط المعوج، بين صوت الحق، وصوت الباطل، ويترتب عن رجحان الصراط المستقيم الثواب والأجر، وعن الصراط المعوج العقاب والخسران ... وقد يكون الجزاء والثواب في درجات عند الله وقد يكون في رضى المجتمع. ومن رضي عنه خالقه رضي عنه مجتمعه، ومن أحب الله أودع الله في قلوب البشر محبته، وقد يكون العقاب بأن يكفر المسلم عن سيئاته بزجر نفسه. وقد يكون بعقاب الحد والقصاص والتعزير، وقانون التضاد هو حركة لخلق التناقض وترجيح الحق على الباطل، واختيار العدل دون الظلم. وفي مقابلة الحياة الدنيا كلها حياة الآخرة كلها، فمخالفة أوامر الله للانتصار على الشهوة والهوى في الصراع الذاتي قد تستوجب عقابا دنيويا، وقد تستوجبه دنيويا وأخرويا..
كل شيء، وقانون التضاد، والتناقض يولد صراعا مستمرا ليتولد عنه شيء جديد. والعالم يعيش هذا الصراع الذائب مادة وفكرة، في الحياة معادلة في استطاعة الإنسان أن يحققها لأنها تدخل في اختياراته وحريته، وهناك معادلات خارجة عن إرادته..
وقرر الإسلام أن الحياة صراع دائم (فلولا دفاع الله الناس بعضهم لبعض لفسدت الأرض)، وهو مناقض للكمال الإلهي، ( فلو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) وهذا الدفاع بين الناس هو صراع وحركة لتقع الصيرورة والتغير والجديد...
وهذا هو التطور، أما التغيير فهو حركة فقط غير واعية...

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here