islamaumaroc

الفكر الغربي على طريق الإسلام اليوم.

  أنور الجندي

237 العدد

في وقت متقارب من رمضان وشوال لعام 1403هـ، أعلن في فرنسا إسلام المفكرين الطبيب العالم موريس بوكاي، والفيلسوف اليساري روجيه جارودي. ماذا تعطي هذه الظاهرة للفكر الإسلامي، هل هي ثمرة حقيقية لأثر الإسلام في الفكر الغربي : هذا الأثر الذي بدأ منذ أكثر من سبعين عاما بكتابات (مترماسي كارليل) في كتابه الأبطال عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وكتابات (جوستاف لوبون ) في حضارة العرب وعن الإسلام وتصريحات برنارد شو الذي تنبأ بأن أوربا ستقبل الإسلام فكرا في خلال قرن من الزمان، هذا التيار الذي وصفناه في دراستنا (الإسلام في غزوة جديدة للفكر الإنساني) وقد جاءت بعد ذلك علامات كثيرة وإضافات أكدت وجود هذا التيار ولعمقه وامتداده بكتابات كثيرة كان من أبرزها كتاب (شمس الله تشرق على الغرب) للدكتورة سجريد هونكه وإسلام عبد الله كوليام، وعبد الكريم جرمانوس ، وخالد شلدريل وهم من أبرز الباحثين المفكرين الذين اهتدوا إلى الإسلام إلى ما كتبته مريم جميلة في الأخير، كل هذا يحاول أن يصور هذا المجرى الجديد الذي يريد أن يقتحم صمود الفكر الغربي وماديته ووثنيته، ويدل على أن هناك عديدا من كتاب الغرب بدأوا يتساءلون عن الإسلام كمخرج من الأزمة العالمية للإنسان المعاصر بعد أن جربوا إيديولوجيات لليبرالية والماركسية ودرسوا فكر البرهمية والبوذية وغيرها ولم يجدوا فيها مخرجا للنفس الإنسانية التي تواجه في الغرب أزمة الاغتراب والتمزق والغثيان والانحلال .
وقد جرت هذه الريح الصفراء في أوديتنا وحاولت أن تجتاح أبناءنا. الحقيقة أن هذين الرجلين مازالا من وقت يبحثان عن المنقذ والمخرج لقلقهما، وقد كان موريس بوكاي قد اتصل بهذه الدراسات عندما بدأ يدرس الظواهر العلمية التي تحدثت عنها الأديان، وقرأ ترجمات معاني القرآن وقرا التوراة والإنجيل، وكنا نلتقي به في الجزائر وفي العام 1399 المجرية وجهت إليه رسالة فقد رأيت إلحاح بعض المسلمين عليه في أن يعلن إسلامه، فقلت له إن ما تكتبه هذا يدل على أنك مسلم في أعماقك فإن تكن ظروفك الشخصية ما زالت تحول دون ذلك فإننا نرجو أن تكون من أهل لا إله إلا الله فقد قدمت للقرآن وللإسلام مجموعة طيبة من الحقائق في كتابك "الدين والكتب المقدسة والعلم" الذي ترجم إلى عديد من اللغات، وفي مقدمتها اللغة العربية قبل 1978. وكان من قبل قدم إلى القاهرة للبحث عن فرعون موسى الذي غرق وقد استولى على المومياء واكتشف الكسر الذي أصاب الجسد في مواضع مختلفة نتيجة الغرق، وكيف نجاه الله لتجري عليه الفحوص العلمية حيث أدخت أجهزة مضيئة إلى جوفه وصدق الله تعالى :"اليوم نجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية".
أما جارودي فقد شهد معنا الملتقى الإسلامي في 1399 هـ في (تمرنست) جنوب الجزائر ولم تكن قد بدرت منه بادرة ظهرت من بعد في كتابه "حوار الحضارات"، والحقيقة أن رأينا في جارودي، لم يكن مشجعا على هذه الخطوة الجريئة، فقد كنا نعتقد أنه يتطلع إلى الحضارة الإسلامية لتكون منقذا للحضارة الغربية عن طريق مفاهيم الإسلام في العدل الاجتماعي. ولكننا اليوم بعد أن تدافقت رسائله في السنوات الأخيرة : كيف تحققت إنسانية الإنسان، نداء إلى الأحياء، وكتابه الأخير قبل الإسلام بقليل الذي أطلق عليه (Promesses of Islam) والذي ترجم بكلمة (وعود الإسلام) هذه الرسائل تدرجت به في النظر إلى الإسلام على نحو جاء معه إعلان إسلامه مفاجئة حقيقية بينما كان إعلان إسلام بوكاي، مسألة وقت، كما يقولون.
وعلى كل حال، فإنني أزعم أن كلا الرجلين دخل الإسلام عن طريق القرآن : معجزة الدهر، وإلى قيام الساعة جاءت جارودي من منطلق الحضارة الإسلامية ومعطياتها العلمية وعدلها ورحمتها وعطائها الكريم للنفس الإنسانية والارتفاع بها عن العبودية للأوثان وللإنسان، وجاءت بوكاي من منطلق العلم الإسلامي وذلك الإعجاز القرآني الذي كشف عنه العلم الحديث في "حقائق" علمية وليس في نظريات قد تكون عرضة لتغير تفسيرات العلم.
وحين نمضي مع تجربة "موريس بوكاي" الطبيب، نجده ينطلق من نقطة «تطبيق مكتسبات العلم الحديث على الكتاب المقدس"، وقد أعطت هذه الدراسة التجريبية لنفس بوكاي ذلك اليقين الذي لا يتطرق إليه الشك بأن القرآن كتاب نزل موحى به من عند الله تبارك وتعالى، وأن الكتاب المقدس "التوراة والإنجيل" أو العهد القديم والعهد الجديد قد أصابه التحريف وقد أشار إلى نوعين من البعوث كشفت هذه الحقيقة : أولها : "أبحاث مجمع الفاتيكان الثاني 1970 ورأسه اللاهوتيون البريطانيون السبعة بما فيهم رئيس لجنة مذهب كنتيه اتحلا وقد نشروا أبحاثهم عام 1977 تحت عنوان "وهم الإله المجسم"، وهو عبارة عن منازعة حقيقية لفكرة التثليث.
أما أبحاث مجمع الفاتيكان ابتداء من عام 1970 وهي من إنتاج لاهوتيين مسيحيين قاموا بدراسة دقيقة لنصوص مستعملين كل العناصر التي تمنحها لهم المعرفة العصرية في مجال علم اللغة وعلم الآثار والتاريخ انطلاقا من حقيقة واقعة هي : "أن الناس اليوم يسلمون بأن الأناجيل الشرعية الأربعة ليست سوى، ترجمة لما كانت تعتقده في عيسى جماعات مختلفة لا تتفق على رأي واحد" وأن شروح الترجمة الكونية الأخيرة للتوراة (العهد الجديد- 1972) هي عمل اشترك في إنتاجه أكثر من مائة اختصاصي من الكاثوليك والبروتستانت لتصرح بذلك دون أي التباس أو غموض. بل إن مجمع الفاتيكان الثاني أكد في التصريح المجمعي (رقم4) أن هذه الكتب تتضمن نقصا وحتى باطلا وتبين الأعمال الحديثة أنه من المشروع تقييم الإنجيل بمثل هذه التقييمات فكيف يتصور كون هذه الأناجيل لا تنقل إلينا الحقيقة التي أوحى بها الله عندما نجد فيها مقاطع لا يقبلها العقل إطلاقا مثل هذه السلاسل من نسب عيسى التي هي تلفيقات خيال لوقا ومتى المقدمين لنا قوائم لأجداد مختلفة ونسب لوقا لعيسى منذ آدم خمسة وسبعين جدا. إن ما نعرفه من الحد الأدنى لتقدم الإنسان على وجه البسيطة ليجعل مثل هذا القول في عصرنا أمرا غير مقبول فكيف يلقن الله الناس ما لا يطابق الواقع ؟ كذلك أشار بوكاي إلى شكوك أخرى في الكتب المقدسة هي بمثابة تناقضات بين يوحنا ومرقس ولوقا ومتى بالنسبة لوقائع يوردها أحدهم على أنها حدثت "المعجزة" ويوردها الآخر على أنها ستقع عندما يبعث عيسى من جديد، ووصية عيسى، وقومه سر القربان المقدس، ويقول : هذه التناقضات درسها الخبراء المسيحيون وبينوا أن صناعات متتالية لنصوص إنجيلية قد لفقت انطلاقا من روايات سمعية عن عيسى كانت ذائعة لدى الجماعات المسيحية الأولى وأن ذلك كله أفضى إلى الأناجيل الحالية وهكذا يقوم الدليل القاطع على تلاعب الرجال بالمعلومات الأولية بهدف إنتاج نصوص مكتوبة للمناسبة أو للنضال (كما وصفها الأب كانجيير مدير معهد باريس الكاثوليكي) لأنها كانت نتيجة الصراعات بين جماعات متنافسة تسعى كل واحدة إلى إنقاذ نظراتها الخاصة.
هذا هو (التحدي الأول الذي واجه بوكاي) : الشك في مصادر الكتاب المقدس، أما (التحدي الثاني) فهو تناقض قصص العهد القديم : كقصة الخلق والطوفان فهي لا تتفق مع المعلومات الحديثة عن تكوين العالم أو معطيات التاريخ، ويحسم الموقف بقوله : لقد أدت المعارف العصرية والمتنوعة والمطبقة على دراسة النصوص بالأفكار الموضوعية إلى عدم منح التوراة تلك الأصالة التي كانت تضفى عليها دون برهان أو دليل في القرون الماضية وأن المعارف العصرية والاستعانة في دراسة التوراة بالمعطيات المفيدة لهذا البحث أدت في الغرب إلى تغيير المفاهيم التي كانت إلى ذلك الحين مفاهيم تقليدية ومسلما بها دون مناقشة. وأن العقول المضطربة بفعل الاكتشافات أدت إلى التشكيك في أصالة مجموعة الكتب اليهودية والمسيحية، مما جعل المعلومات العصرية، بالمقارنة مع الكتب المقدسة مؤدية إلى رفض الإيمان بالله، بل أن هذا الجحود وصل إلى حد رفض اعتبار ما يمكن أن يقدمه لهم الإسلام كأنما وحي الله قد وقف عند حد عيسى.
ثم يدخل إلى تجربته في وضوح فيقول :
قبل أن أعرف بزمن طويل ما يمكن أن تقودني إليه أي دراسة للإسلام كنت دائم الاعتقاد بأن المعرفة العلمية مهما كانت - ومهما قيل فيها - كفيلة جدا بأن تقود إلى التفكير في (وجود الله ) تبارك وتعالى.
ويتساءل : ألا يؤيد التعقد البالغ للكائنات العليا وجود تنظيم محكم جدا يقف وراء هذا الترتيب العجيب لظواهر الحياة ؟ فنحن حين نأخذ بعين الاعتبار ذلك التنظيم العجيب الذي يقف وراء نشوء الحياة وبقائها يبدو (عامل الصدفة ) كما لو كان أقل احتمالا أكثر فأكثر، ويوم أن شرعت في دراسة القرآن وجدت هذا التوافق بين الدين والعلم في تفكير يقوم أساسا على معطيات مادية. لقد وجدت في قراءة القرآن تجسيدا جديدا لهذا التوافق بين الدين والعلم : هذا التوافق الذي كان يمكن لدراسة النصوص التوراتية من حيث المنطق أن تعوقني عنه. ولقد كان لدراسة موضوعية لنص قرآني على ضوء المعارف العصرية جعلتني أكتشف كلاما يتعلق بظواهر طبيعية عديدة لا يمكن أن ننسبها إلى إنسان نظرا لما نعرفه عن تاريخ العلوم ، لقد تجلى لي أن دراسة القرآن على ضوء المعارف العصرية تقود إلى اكتشاف كلام قرآني سابق لزمانه بما يزيد على ألف سنة. إن ما نعرفه من تاريخ العلوم ليجعل من المستحيل أن يكون (إنسان) ما قبل نحو من أربعة عشر قرن هو قائله وحيث أن القرآن يضع أمام تفكيرنا تأكيدات تمثل تحديا للتفسير البشري فإنه يبدو أن كل تناقض بين الدين والعلم قد أبطله هو بالذات.
تجربة بوكاي مع القرآن
حينما نتأمل الحديث النبوي "أطلب العلم من المهد إلى اللحد" و «اطلب العلم ولو في الصين" بهذا تفسر دون صعوبة ذلك التقدم العلمي البحت الذي شهده العالم الإسلامي فيما بين القرن الثامن والقرن الثاني عشر الميلادي بينما لم نجد لدى البلدان المسيحية سوى التقليد المطلق مع المدرسة اللاهوتية السائدة وركود المعرفة، وفي عهد (قرطبة) الزاهر، كان الناس في مختف بلدان أوربا يؤمون جامعاتها الشهيرة للتزود من العلوم وقد كشفت لي تجربتي مع القرآن الحقائق التالية :
أولا : قد تبينت أن النص الموجود بين الدين اليوم (النص القرآني) هو عينه الذي كان متداولا في فجر الإسلام، فهذا اليقين شرط أساسي لصحة المقابلة بين نص القرآن والمعارف العصرية.
ثانيا : هناك عنصر هام يكمن في المقارنة بين نصوص القرآن ونصوص التوراة فيما يتعلق بالخلق على ضوء التصورات العامة الحديثة عن خلق الكون وتصوره، فنحن لا نجد في القرآن ما نجده في التوراة من أخطاء وهي ملاحظة تقضي نهائيا على الفرضية التي سبق أن ابديت الغرب ودون حجة والتي مفادها أن ما في القرآن يكون قد نقله إنسان ما من التوراة .
ثالثا : كل المعلومات التي قدمها القرآن عن الأرض ولاسيما دورة الماء في الطبيعة وعن مفاهيم تهم العلوم الطبيعية والفيزيولوجيا وتوالد البشر، كل هذه الآيات تعرض القول على إنسان موضوعي صادق النية إنه يستحيل على إنسان كان يعيش في العصر الذي نزل فيه القرآن أن يعبر بمثل هذا الكلام من تلقاء نفسه.
رابعا : بالمقارنة بين قصص قرآنية وقصص توراتية (الخلق - الطوفان - خروج موسى من مصر) تبين سلامة القرآن.
بالنسبة للتوراة، حددت زمانه في عصر لم تحصل فيه أية كارثة كونية لأسباب تاريخية باتت معروفة جيدا في عصرنا الحديث، في حين أن القصة التي أوردها القرآن للطوفان بوصفه عقابا سلطه الله على شعب نوح، بسبب كفره، لم يحدد له زمان، قصد أن لا يرقى إليها أي نقد من هذه الوجهة. فهل استطاع الناس فيما بين الحقبة التي وضعت فيها قصة التوراة والعصر الذي أوحي فيه القرآن أن يحصلوا على معارف في هذا الموضوع ؟
من المؤكد أنهم لم يحصلوا على شيء من ذلك، فكيف تسنى لرجل أن يستفيد منه كل ما لا يقبله العقل في العصر الحديث، وأن لا يعتمد من الأحداث والأخبار إلا ما يرتفع عن كل ثقة من الوجهة العلمية كما يقولون وكما تصدق هذه الفكرة على قصة الطوفان تصدق أيضا على ما جاء في القرآن بصدد موضوعات أخرى لا مناص من التسليم هنا بتفسير آخر غير التفسير البشري لا يمكن إلا أن يكون وحيا من الله جاء لتصحيح ما اقترفه الناس من أخطاء في صياغة الكتب السماوية السالفة.
خامسا : هناك تعارض صارخ بين التوراة (العهد القديم والعهد الجديد) بين مقاطع نصوصها وبين المعارف الحديثة، على أن ما يجري مجرى اليقين منذ أن حصلت لنا مفاهيم، كانت إلى ذلك الحين تعوزنا عن أصول نصوص التوراة وعن صياغتها التحريرية وبلوغها إلينا، هو أن دور التلاعبات البشرية بها دور كبير جدا، وأن كثيرا من النصوص هي كتابات المناسبة الظرفية مثل قمة التكوين الكهنوتية. في هذه الظروف تجد حالات عدم التوافق مع المعارف العصرية تفسيرها الكامل.
أما "القرآن" فإنه لا يتضمن شيئا ما يمكن للعلم أن يرفضه لأن كلامه كلام وقائع ثابتة مؤكدة وغير قابلة للتغيير، كما أن عددا من المعلومات الواردة فيه لا يمكن فهمها إلا في عصرنا هذا.
إذن فالمقابلة هنا بين الكتاب المقدس والعلم تتراءى لنا بوجه آخر فلم يعد هناك مجال للفصل بين الإثنين. إن اشتمال القرآن على جميع هذه العناصر التي هي من الوقائع الراهنة والتي أخذت في هذا القرن (العشرين) بفضل المعارف الحديثة بعدا كان مجهولا إلى ذلك الحين لتحملنا إلى دعوتكم إلى التدبر في هذه الآية الكريمة : "كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون".
هذا، في تقديري، هو المنطلق الحقيقي الذي انتهى بالدكتور موريس بوكاي إلى اليقين الكامل وإلى الديانة الإسلامية ! وكتابه الأخير (الإسلام من أين أتى) وإن كان لم تصلنا بعد مواده ونصوصه إلا أننا نعرف أنه يدور في هذا الإطار فهو يركز على بحث نشوء الإنسان في ضوء اكتشافات العلم من جهة، وأقوال الكتب المقدسة من جهة ثانية، وفيه يكشف عن أن الاكتشافات العلمية قد صدقت ما ورد في القرآن وأن الآيات البينات التي أعلنت منذ أربعة عشر قرنا قد كشفت عما يحاول أن يثبته العلم في عصرنا هذا، وهذا هو الإعجاز.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here