islamaumaroc

دراسات في الأدب المغربي -15- ابن الياسمين

  عبد الكريم التواتي

237 العدد

قامت دولة الموحدين - وكما سبق أن أكدنا - على أسس من العلوم الدينية، وانطلقت في ارتيادها مجال الوعظ والإرشاد ثم مجال وميادين الدعوة لتأسيس دولة، من مبدأ التوحيد المطلق، القائم على صفاء العقيدة وخلوص الأعمال لله رب العالمين، وتبنت في أسس دعوتها فكرة علماء السنة من أمثال الغزالي الذي قيل إنه تنبأ بتسلمها زمام السلطة الزمنية من أيدي المرابطين الذين تنكروا لدعوته الإصلاحية بإحراق كتبه وبالأخص كتابه (الإحياء).
وقضى زعيم الدولة (ابن تومرت) زهرة شبابه بين دور العلم، يتلقى العلم من أفواه شوامخه، ويتتلمذ على فطاحله. وفي إحدى بيوتات طلبة العلم ارتبط مصيرا رجلي هذه الدولة: زعيمها الروحي (ابن تومرت) وباني أسس وجودها السياسي (عبد المومن)، وبها توثقت أواصر العمل المشترك بينهما، فكانت هذه المقدمات إرهاصا بأن الدولة ستحتضن العلم ورجاله، وتتبنى شؤونه وقضاياه، وترعى مصالح أهله واهتماماتهم.
فكانت تلك الصور الخالدة من التشجيع والرعاية التي تجلت في إنشاء دور الطلبة، وقيام ملوك هذه الدولة أنفسهم بحماية هؤلاء الطلبة، وإحلالهم المقامات السامية، من النوع الذي يتحدث عنه المراكشي صاحب المعجب، لدى تعرضه لموقف (يعقوب المنصور) ثالث خلفاء هذه الدولة، موقفه من أولائك الذين يسعون إلى التقليل من شأن الطلبة والعمل على إبعادهم عن اهتمام رئيس الدولة، فقد ذكروا أن (يعقوب المنصور) هذا رد على بعض أولائك المنتقدين لتشجيعه الملحوظ لطلبة العلم ردا عنيفا، سجلته كلمته الخالدة التي جاء فيها - وقد قالها بحضرة كافة كبار الموحدين - يسمعهم بعد أن بلغه حسدهم للطلبة على موقفه منهم وتقريبه لهم بل وخلوته بهم، قال: (يا معشر الموحدين، أنتم قبائل، فمن نابه منكم أمر فزع إلى قبيلته، وهؤلاء لا قبيل لهم، فأنا ملجأهم وإلي فزعهم، وإلي ينتسبون).
ثم كانت العطاءات المغرية للذين قدر لهم أن يتصلوا ببلاط هذه الدولة عن طريق العلم من أمثال: ابن زهر، وابن رشد، وابن طفيل، أو عن طريق الوزارة والكتابة من أمثال: ابن عطية، أو عن طريق الشعر خاصة من أمثال: (الجراوي) و(ابن حبوس ) وأضرابهما.
ولكن لأسباب أشرنا لبعضها فيما سبق، لم تتجسم عظمة هذه الدولة ثقافيا، ولم تبرز عبقرية أفكارها بالدرجة التي تستلفت الأنظار وتسترعي الاهتمام، إلا في الميادين الثقافية التي كان لها أقوى الاتصال بمنطلقها هي نفسها، أعني ميادين العلوم الدينية، وبالأخص علم الكلام والمقاصد وأصول الفقه والتفسير والحديث إلى حد ما، وأما الآداب بوجه عام، والشعر بوجه خاص، فلم يتجاوز نطاق الضروريات، أي الرسائل والخطب فيما يخص عموم الآداب، وغير قصائد المديح - إلا في النادر- فيما يخص مجال الشعر. وهكذا فنحن حين نحاول أن نضع جردا لأبرز الشخصيات الثقافية، في إطارها العام لهذا العهد، نستطيع أن نعدد العشرات من الشخصيات، في مختلف الأنشطة الفكرية، ففي خصوص مثقفي فاس لذلك العهد نجد كمبرزين.
في لائحة الفقهاء:
أبا محمد صالح بن جنون الهسكوري المتوفى سنة 653 هـ، وأبا الحجاج يوسف بن عمران المزدغي المتوفى سنة 655 هـ، وأبا محمد عبد الله بن عيسى التادلي الفاسي المتوفى سنة 604وفي لائحة علماء الحديث والتفسير نجد أمثال:
أبي عبد الله محمد بن قاسم التميمي المتوفي في حدود سنة 604 هـ، وأبا الحسن علي بن محمد المعروف بابن القطان المتوفي سنة 628 هـ، وأبا العباس أحمد بن يوسف السلمي المعروف بابن فرتون المتوفي سنة 666 هـ.
وفي لائحة فطاحل علماء الكلام نقف على أمثال:
أبي عمرو عثمان السلالجي المتوفي سنة 574 هـ، وأبي عبد الله محمد بن عبد الكريم الفندلاوي المعروف بابن الكتاني المتوفى سنة  596 هـ، والسيدة خبرونة.
وفي ميدان الطب والرياضيات:
نقف على العلماء أمثال: أبي محمد عبد الله بن محمد بن حجاج المعروف بابن الياسمين المتوفي سنة 601 هـ، وأبي الحجاج يوسف بن يحيى الإسرائيلي المعروف بابن سمعون المتوفى سنة 623 هـ.
حتى إذا جئنا إلى ميدان الشعر والأدب لم نجد من بين الذين يمكن إدراجهم ضمن قائمة هؤلاء - ولو مع تجاوز- سوى نفر قليل لا يتجاوز عددهم - في عموم المغرب - عدد رؤوس الأصابع، ومن أبرزهم، أو في مقدمتهم: ابن عطية، والجراوي، وابن حبوس، وسليمان الموحدي، وأبو حفص عمر الأغماتي، وابن الياسمين، وميمون الخطابي وابن عبدون المكناسي.
وقد احتضنت فاس من بين هؤلاء الثمانية نصفهم وهم: ابن حبوس المتوفي سنة 570 هـ والذي سبق تدارسه، ثم ابن الياسمين الذي سنحاول إلقاء أضواء عليه في هذا الفصل، ثم أبو حفص عمر الأغماتي المتوفي سنة 604 هـ، وميمون الخطابي المتوفي سنة 658 أو 659 هـ.
ثم إذا نحن أردنا أن نجمل ميزات أسلوب كل أدباء الدولة الموحدية، وأن نضع لها معالم، فما نظن أننا نجد أكثر دقة وأكثر شمولا من الكلمات التي أوردها الشاطبي في كتابه (الإنشادات والإفادات) منسوبة للوزير أبي عبد الله وصفا ابن زمرك، وتلك التي أفضى بها إثر عودته من جولة قام بها إلى المغرب أوائل عهد المرينيين، ذلك لأننا نرى - مع الأستاذ جنون - أن العهد المريني ليس إلا امتدادا لعهد الموحدين، أو بتعبير أصح وأصرح: إن هو إلا نتاج مدرستهم، قال الشاطبي - فيما نقله عنه المقري في نفح الطيب -: (أفادني صاحبنا الفقيه الكاتب أبو عبد الله بن زمرك، إثر إيابه إلى وطنه من رحلة العودة في علم البيان - أي لدى المغاربة - فوائد أذكر منها الآن ثلاثا:
الأولى: الفقه في اللغة: وهو النظر في مواقع الألفاظ، وأين استعملتها العرب، ومن مثل هذا الوجه (قَرِمَ ) [بفتح فكسر] وعَامَ إذا اشتهى، ولكن لا يستعمل (قَرِمَ ) إلا مع اللحم، ولا يستعمل (عام ) إلا مع اللبن فنقول: عمنا إلى اللبن، وكذلك قولهم: أصفر فاقع، وأحمر قان، ولا يقال بالعكس، وهذا كثير.
الثانية: تحري الألفاظ البعيدة عن طرفي الغرابة والابتذال: فلا يستبدل بالحوشي من اللغات، ولا المبتذل في ألسن العامة.
الثالثة: اجتناب كل صيغة تخرج الذهن عن أصل المعنى، أو تشوش عليه: إذ المقصود الوصول في بيان المعنى إلى أقصاه، والإتيان بما يحصله سريعا ويمكنه في الذهن، وتحري كل صيغة تمكن المعنى، وتحرض السامع على الاستماع .. وأخبرني أن كتاب المغرب يحافظون في شعرهم وكتابتهم على طريقة العرب، ويذمون ما عداها من طريقة المولدين، وأنها خارجة عن الفصاحة، قال الشاطبي: وتلك المعاني لا توجد إلا فيها.
وهذه الشهادة تفيد أمرين:
تفيد أولا أن أدباء المغرب: كتابا وشعراء - بالتعابير العربية القديمة - مولعون، وهذا ما يفسر لنا مسحة التقليد المشاهدة في أشكال تناولاتهم الأدبية والتي يصيغون فيها إنتاجهم، ويفسر لنا بالتالي لماذا لم يخترع المغاربة أوزانا للشعر جديدة، على غرار ما فعله الأندلسيون حين ابتكروا الأزجال والموشحات، ولكن باستثناء الملحون طبعا، وتفيدنا تلك الشهادة الشاطبية ثانيا: أن النقد الأدبي لتلك العهود في المغرب والأندلس كان قد قطع مراحل وأشواطا لا بأس بها في ميادين تقييم الإنتاج شكلا ومضمونا، والأمران معا يفيدان أن المغاربة كانوا - وما يزالون - يبرعون في الفقه بمعناه اللغوي العام، أي فقه اللغة وفقه التشريع، وكل العلوم التي تناولوها بالبحث والدرس، وهذا ما يلاحظ - حتى حاليا - في المدارس المسجدية - القرويين وابن يوسف أقدم جامعتين في العالم الإسلامي، وفي كل المعاهد التابعة لهما بالمغرب كمعهد (مكناس) و(الجديدة) و(تارودانت) و(وجدة)- حيث يعتنى في الدراسات المباشرة هناك -وبالدرجة الأولى- وبعد المضمون، يعتنى بالبحث عن مواقع الكلمات ومدلولاتها العينية من موقعها التعبيري إن صح التعبير.
ونرى بعد هذه الإلمامة الخاطفة حول ما أطلقنا عليه مميزات الثقافة الموحدية العامة، وبعد كلمتنا عن قيدوم شعراء هذه الدولة - ابن حبوس - الذي كان له وحده الحق في أن يعقب على القصائد الشعرية التي كانت تلقى أمام الخلفاء الموحدين إما بالمدح والتقريظ أو بالنقد والتجريح، أو نرى أن نشير في إيماءة خاطفة لابن الياسمين وآثاره الأدبية كنموذج لآداب علماء هذه الدولة، لأن ابن الياسمين كما نعلم جميعا هو من جهة الاختصاص يعد من علماء الحساب والرياضيات.
وابن الياسمين هو أبو محمد عبد الله بن محمد بن حجاج الفندلاوي الفاسي، ينحدر أصله من قلعة (فندلاوة )، تتلمذ على أبي عبد الله بن قاسم التميمي، الذي كان سمع من ابن حنين أثناء رحلته إلى المشرق، وحيث أقام خمسة عشر عاما يتلقى العلوم والإجازات من علمائها الفحول أمثال أبي طاهر السلفي، وأبي عبد الله الحضرمي، وابن بري، وأبي القاسم البوصيري، وأضرابهم.
ويظهر أن ابن الياسمين من الذين كانت لهم ذاكرة علمية تقنية كبيرة وفريدة، فقد تخصص منذ حداثته في الرياضيات: الحساب والعدد والهيئة والهندسة وعلم التنجيم، حتى قالوا عنه: إنه في هذا الميدان لا يشق له غبار، ولا يدرك له شأو، ولا ينازع في الاختصاص بمعرفة دقائق هذه العلوم واستكناه غوامضها، وقد وضع مؤلفات عدة في هذه العلوم، ومن أشهرها وأسيرها أرجوزته في علم الجبر التي كانت تقرأ عليه، في هذا الصدد ذكروا أنها سمعت عليه بإشبيلية سنة 587 هـ، ولطموحه السياسي لم يشأ أن يتقاعس عن الخوض في ميادين الشعر والأدب، إذ كانت تلك الميادين وحدها هي التي تتيح لمتعهديها والسابحين في أفلاكها أن يتسنموا ذرى الوظائف العليا للدولة، واستجابة لهذا الطموح أخذ يعالج بالإضافة إلى اختصاصاته العلمية ميادين الأدب حتى تمكن منها بما أظهره من فرسان حلبتها، ومضى يقطع الأشواط حتى استطاع أن يلفت إليه الأنظار وأن يتمكن من ربط مصيره السياسي بمصير السلطة الزمانية لعهده، واستطاع بالإضافة إلى ذلك أن يحقق مكاسب سياسية هائلة جعلته يرأس مثقفي زمانه، ويختص بخدمة (يعقوب المنصور) ثم بخدمة ولد المنصور من بعده.
وإذا كانت مجالات الثقافة محصورة بالملوك رؤساء الدول ومن يحيط بهم من حاشية الأمراء وكبار المحظوظين فقد أثار استئثار ابن الياسمين بيعقوب المنصور وبابنه عليه حفائظ أقرانه من الأدباء والشعراء والعلماء، مما جعلهم يدبرون له المكائد ويسعون بالوشايات ويدسون الدسائس، ثم ما انفكوا يرمونه بما كان معهودا أيامئذ من الاتهامات التي كان يرمى بها أمثاله، من زندقة وإلحاد وتدبير المؤامرات لمخدومه، وكل ذلك على أن يخلو لهم الجو بالقضاء عليه. وإذا كان قد استطاع أن يفلت من أشراك الدعايات المسمومة التي بنوها حوله فإنه لم يستطع أن ينجو من حبائل المتربصين به الدوائر وأن يصيبوا منه في النهاية مقتلا، حين لم ينالوه بنفث سموم الدعايات المغرضة قرروا تصفيته جسديا، وقد تمكنوا منه في الحمام حيث اغتالوه، إذ توفي ذبيحا بمراكش سنة 601 هـ.
ورجل من هذا الطراز، وفي تلك العهود، ما كان لرجال الطبقات والتراجم أن يحتفظوا بآثاره، وما يمكن أن يكون سجله عن معاصريه، خاصة وليس منهم إلا عدو حاسد أو مناوئ حاقد، ولهذا فإن ما عثر عليه من آثار ابن الياسمين مبثوثا في بعض كتب التراجم والطبقات كان مجرد أبيات متفرقة، وردت في محاورات ومناظرات جرت بينه وبين بعض نظرائه.
وتبدو على تلك الأبيات مسحة توتر الأعصاب، والحدة في الطبع، أما أسلوبها فهو إلى الأساليب العلمية أقرب.
وكان من المقدر المفروض أو المنتظر أن يورد له (ابن القاضي) صاحب الجذوة صورا من شعره يؤيد بها ما قاله عنه في تحليته التي جاء فيها: (وله القدم الراسخة في علوم الأدب، والباع الطويل في نظم الشعر)، وقد يكون عذر ابن القاضي هو نفس ما نعتذر به نحن من اختفاء آثار ابن الياسمين أو إعدامها من أولئك الذين أعدموه هو شخصيا، على أن هذه الظاهرة هي الغالبة في جل آثار أدبائنا إن لم نقل كلهم، وهذا موقف مؤرخي الآداب منها: أفلا تجب إعادة النظر في مقرر منهاج الأدب والنصوص من الآثار المغربية وجميع مؤسساتنا بما يضمن مزيد البحث عن هذه الكنوز المخبوءة التي لا نعرف عنها إلا تحليات مؤرخي آدابنا، حتى يشمل آثار آبائنا وجدودنا كلهم ليعتز بها أبناؤنا وأحفادنا ؟

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here