islamaumaroc

الخطاب الملكي بمناسبة اليوم العالمي للقدس

  الحسن الثاني

237 العدد

ألقى جلالة الملك الحسن الثاني بمناسبة اليوم العالمي للقدس (18 ماي 1984) كلمة سامية جدد فيها التزام المغرب ملكا وحكومة وشعبا بالدفاع المستميت عن القضايا العربية والإسلامية مؤكدا حفظه الله استعداد بلادنا للتضحية بالدم في سبيل نصرة الأمة وتعزيز كفاحها العادل في فلسطين والقدس الشريفة.

وفيما يلي النص الكامل للكلمة الملكية السامية:

الحمد لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وعلى آله وصحبه،
شعبي العزيز،
إخواني المسلمين،
تقرر في الانعقاد الأخير للجنة القدس بفاس هنا، تلك اللجنة المنبثقة عن المؤتمر الإسلامي، تقرر أن يكون يوم ثامن عشر ماي من كل سنة يوم ذكرى القدس.
وهي في الحقيقة هذه الذكرى ليست إلا رمزية، ذلك أن القدس في قلوبنا ونصب أعيننا صباحا ومساء في كل يوم في كل أسبوع من كل شهر من كل سنة.
يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم : "وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين".
لننظر بكيفية سريعة شعبي العزيز إلى الأحقاب الماضية حتى نرى كيف ذهبت القدس من أيدينا وأصبحت محتلة، كان ذلك في سنة ألف وتسعمائة وسبع وستين فوقعت تلك الحرب الضروس المخجلة التي ذهبت في يوم واحد بالقدس الشريف، بالضفة الغربية من الأردن، بالجولان من سوريا، بسيناء وغزة من مصر، وكنا ولازلنا نظن أن الأسباب التي أدت إلى تلك الكارثة قد اضمحلت وانمحت مع السنين والأعوام، كنا نظن أن روح العجرفة والهيمنة والوصاية والحجر قد انقضت وانمحت من أوطاننا وبلداننا العربية حتى لا يمكن لأي أحد إذا صرخ أو غضب أو ضحك أن يعتقد أن صرخته أو غضبه أو ضحكته هي للعرب كافة من المغرب الأقصى إلى المشرق الأقصى، ولكن ويا للأسف، لم نعط للدروس حكمتها وناحيتها الإيجابية، وها نحن اليوم بالنسبة للمغرب وقبيل هذا اليوم بيومين نرى هيمنة أخرى وحماية أخرى وحجرا آخر يريد أن يسيطر على الموقف وأن يصبح وينصب نفسه الضمير الحي للدول الإسلامية والعربية، فعلى الجميع أن يعلم أن المغرب لا يلتزم عفوا أو بكيفية ظرفية، المغرب إذا التزم أولاء يحلل ما هي عناصر التزاماته ثم يضرب الحساب لما يتعلق ويترتب على تلك الالتزامات علما منه أن كل التزام كان ثنائيا أو جماعيا يتطلب من جميع الأطراف المعنية تنازلا عن رضى عن شيء من السيادة حتى يصبح الالتزام كاملا وشاملا، وحينما التزم المغرب غداة استقلاله بالانضمام إلى الجامعة العربية كان التزامه مخضرما، كان التزاما عقلانيا ووجدانيا، وجدانيا لأننا كنا دائما نطمح أن نصبح عضوا ممثلا في تلك الجامعة التي كنا نرى فيها ولا زلنا نرى، المعول والرمح والظل الذي سيمكننا من إضافة قوة للقوى العربية تعامل باللين وبالجد كلما اضطرت الظروف إلى ذلك للوصول إلى الأهداف العربية، إما الشاملة أو الجهوية، وكان كذلك التحاقنا بجامعتنا العربية امتدادا وجدانيا وعقلانيا للخطاب التاريخي الذي ألقاه جلالة محمد الخامس طيب الله ثراه الذي ننتسب إليه بالبنوة والتلمذة حينما ألقى خطابه التاريخي بطنجة، ذلك الخطاب الذي هز أركان الاستعمار ومن ذلك اليوم والمغرب يلتزم بالتزاماته التزاما كافيا وشافيا، التزاما واضحا لا غبار عليه، وضميرنا مرتاح ولا يمكن لمن أراد بنا السوء أن يركب المراكب المزيفة حتى يمد يده إلينا، المغرب كامل السيادة، المغرب يعقد فوق أرضه المؤتمرات المغربية التي يريد، ومن حقه أن يستدعي المغاربة أينما كانوا، ومن حقه أن يستدعي المغاربة اليهود أينما وجدوا، المهم أن المغرب أثناء ذلك المؤتمر الذي لم يكن مؤتمر الدولة، ولكن كان مؤتمرا داخلا في حرياتنا العامة - ولكن ربما هذا اللفظ بعض الدول في الشرق لا تعرفه، وأخاف ألا تعرفه منذ سنين، داخل في إطار حرياتنا العامة وأثناء ذلك المؤتمر ما صرح المغرب بشيء يمس القضية العربية، وما التزم المغرب بشيء، وما تنكر المغرب لأي التزام من التزاماته بل يعتقد المغرب أنه بمثل هذه اللقاءات يخدم القضية العربية، والذين هم اليوم يريدون أن ينالوا من المغرب، هم أعرف الناس على ما قلنا لهم أخيرا بواسطة مبعوثيهم ووزرائهم رغم جميع المحاولات الدبلوماسية والسياسية التي سيقوم بها المغرب سوف تجدون المغرب على العهد كما في الماضي وسوف تسمعون إطلاق النار، لا أقول الطلقة الأولى، ولكن الطلقة الثانية إذا ما اقتضى الحال، من بندقية مغربية وسوف تجدون الشهيد الأول أو الثاني جنديا، أو ضابطا مغربيا، مع هذا وهذا هو الالتزام والتضحية بالنفس والنفيس للوصول إلى الغرض المطلوب والمنشود، وما عدا هذا، فهو متروك لسيادة أية دولة عربية، ولا يمكن لأي أحد أن يرجع بنا إلى عهد المرحوم جمال عبد الناصر الذي كان يفرض ما يريد على من يريد إلا على المغرب، فهذه تذكرة أولا بتاريخ المغرب وبالتزامات المغرب وباستعمال المغرب لالتزاماته واحترامه إياها، وتذكرة كذلك بالأغلاط أو التغالطات أو التغليطات التي أوقعت العالم العربي والإسلامي في كارثة القدس، ولا أضيف إليها لا الجولان ولا الضفة الغربية ولا قطاع غزة ولا سيناء.
القدس، كما قلت لكم، ليس في حاجة أن يكون يوم 18ماي هو يوم القدس، يوم القدس، هو كل يوم، في قلب المغاربة والمسلمين وكنا نريد أن يدلي كل بلد مسلم بأكثر مما أدلى به، وبأغلى مما أعطاه لأن القدس هي القبلة الأولى والحرم الثالث، ولكن لي اليقين أن احتفالنا الرمزي في جميع قارات العالم وهذا هو المهم لأن المسلمين يوجدون في جميع القارات، أوربا، إفريقيا، آسيا، أمريكا، أمريكا اللاتينية، المهم هو أن تكون القلوب تنبض دقة واحدة في يوم واحد مفكرة في شيء واحد، مؤمنة بقضية موحدة آخذة العهد عليها وعلى من يرثها أن تسترجع كرامة العرب والمسلمين في القدس، وأن ترد للقدس قداسته.
إنك تعلم شعبي العزيز، أن المؤتمر الإسلامي الأول انعقد في الرباط لأن القدس بدأ فيها الصهاينة أعمالهم التخريبية بالمسجد وتلك الأعمال التخريبية لم تقف عند ذاك، بل استمرت تلك الأعمال وتلك الأفعال، واستمرت بكيفية هوجاء، واستمرت بكيفية لا تحترم لا التاريخ ولا الأصالة ولا الدين ولا الوحدانية التي يدين بها أبناء سيدنا إبراهيم عليه السلام، وفي اجتماع لجنة القدس الأخير، كان لك شعبي العزيز أن ترى بيد أخينا رئيس منظمة التحرير الفلسطينية السيد ياسر عرفات شقيقنا، أن تراه وبيده خريطة القدس، ما دمر منها وما هو في حالة التدمير وما هي المخططات التي تريد أن تنال من القدس وقدسيته وصبغته العربية، حقيقة أن مدينة القدس لهي الكفيلة أن تكون النبراس لكل من يدين بدين الوحدانية ولكل من يدين إما باليهودية أو بالنصرانية أو بالإسلام، علينا أن نبث في أذهان غير المسلمين أن  قضية القدس ليست قضية صراع عربي - إسرائيلي هي قضية صراع إسلامي - نصراني - مسيحي – صهيوني، هي قضية إذن تميز بين الحق والباطل، قضية من أقدس القضايا. وغريبة هذه القضية أنها لا تنبني - مشكلة القدس - لا تنبني لا على عنصرية بالنسبة للجلد ولا على عنصرية بالنسبة للغة ولا على عنصرية بالنسبة للدين، بالعكس، ربما هي القضية الوحيدة الماثلة بين أعيننا في هذا القرن، قرن المادة والتكنولوجيا والفضاء، هي القضية الوحيدة التي تجمعنا جميعا دون فرق بيننا لا في الجلدة ولا في النطق ولا في اللون ولا في الدين، هي القضية الوحيدة التي لا أرضية لها إلا القيم الروحية والرجوع إلى مناهل العقيدة، هي القضية الوحيدة التي تمكن من أن نرى ابن آدم مجردا من الأطماع، مجردا من الشره والنهم السياسي أو الاقتصادي أو حب التوسع، هي القضية الوحيدة قبل أن نلقى الله حفاة عراة، التي تظهر بني الإنسان بمظهره الحقيقي الكريم العزيز المتعلم المترفع عن جميع الظرفيات، ذلك الإنسان الذي لا يرى إلا ألوهية الله، ووحدانية الله، وقدسية كتب الله ورسله، هذا ما يجب علينا أن نفسر وأن نشرح وأن نحارب من أجله لا من أجل أن نصبح فلانا ضد فلان أو نريد أن نتطاول على فلان ظلما وعدوانا.
هذا هو الكتاب الذي يجب أن نتأبطه وأن نخترق به البحار والقارات لنصل إلى الأذهان الغالطة لأن أغلبية الأذهان غالطة في الموضوع، أن نصل إلى غزو الأذهان وفتح الأفكار والرجوع عن الغي والالتحاق بالصواب، وهذا ما قرره المؤتمر الإسلامي المنعقد بالدار البيضاء، وهذا ما أقرته لجنة القدس المجتمعة أخيرا بفاس.
كما تعلم شعبي العزيز، إن لخديمك هذا، مخاطبك اليوم، الشرف العظيم والجليل في آن واحد لأن يكون رئيسا للجنة القدس وأن تكون رئاسته تجددت ثلاث مرات، وكما قلت لك شعبي العزيز، حينما كنت أتكلم عن التزاماتك وعن المعنى الذي تعطي للالتزام ما يجري عليك، يجري على خديمك، قبل أن أقبل الرئاسة الأولى وأن أقبل تعددها مرتين أو ثلاث مرات، كنت أنا الأول أقيم عقلانيا ولير ديماغوجيا، أقيم المسؤولية، وكنت إذ ذاك بين اختيارين، أن أقبل الرئاسة علما مني أنها ستكبل يدي وأنها ستنقص شيئا ما من حرية تحركاتي وبالتالي من حرية تحركات السياسة الخارجية المغربية، ولكن اخترت بين حرية التحرك ونوعية التحرك فإذا كانت هذه الرئاسة أولا التزاما واستسلاما لثلاث وأربعين دولة تقيد شيئا ما من حرية التحرك، فهي لا تمنعنا من أن نميز بين نوعية العمل والتحرك، فنوعية التحرك هي متروكة لضمائرنا، ونوعية العمل متروكة لضمائرنا طبعا والتعريف بالهدف لا فالهدف هو تحرير القدس، وهذا لا مجال لأي تفسير فيه ولا لأي تعليق لأن الهدف واحد مفهوم ومعروف والتنقيص شيئا ما، عن رضا من لدن ومن طرفا أي عضو من أعضاء المؤتمر الإسلامي هذا شيء وارد لا هذا هو مقابل المعاملات الدولية ولكن التنقيص الجزئي من التحرك لا يعني أنه يمكن لأي واحد منا أن يجادل أخاه أو صاحبه إذا كانت الثقة موجودة المهم أن لا نتنكر لالتزام وأن لا نلتزم بالمنكر.
وبوعيك شبي العزيز، وبوعي الأمة الإسلامية كلها، وبتحملنا وصبرنا وبفصاحة حجتنا وبقيمة حججنا وتفسير حججنا سنصل إلى - كما قلت لك آنفا - أن نفسر لأبناء المولى إبراهيم عليه السلام أنه لا قضية تشرف الإنسان كقضية القدس، لأن قضية القدس تقدس الإنسان لأنه يعمل متجردا شريفا نزيها لوجه الله، ولوجه كتبه ورسله، تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض.
أظن شعبي العزيز، أنك فهمت خطابي وآمل أن يكون جميع إخواننا من الأسرة الإسلامية قد فهموا كذلك الخطاب وآمل أن نطوي الصفحات وأن نفتح السجل، هذا هو أول عيد للقدس، آمل أن نطوي فيه الصفعات وأن نبدأ جميعا في الأسرة الإسلامية السجل الجديد بصفحة بيضاء قدسية مقدسة.
ولنختتم بهذه الآية من الكتاب الكريم :
"وقالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، فهزموهم بإذن الله".
صدق الله العظيم والسلام عليكم ورحمة الله.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here