islamaumaroc

دراسات في الأدب المغربي -14- ابن حبوس.

  عبد الكريم التواتي

العدد 236 رجب 1404/ ماي 1984

إذا كان الأدب المغربي في عمومه، يمتاز بأن الخيال فيه يأتي بعد الحقيقة، وأن الطبع فيه يغلب التصنع، وأن القصد إلى الوضوح فيه أكثر منه إلى الغموض، فإن آداب فترة الموحدين - حيث تتجلى البيئة المغربية المنفصلة عن الشرق والأندلس - تمتاز بالخصوص :
من حيث المضمون والمجال بغلبة الروح الدينية مع الثورة على الجمود الفقهي، وبظهور بعض الأفكار الفلسفية والعلمية المزيجة بالحكمة إلى حد ما، وخاصة في آثار أدباء وشعراء عهد (يوسف بن عبد المومن ) الذي كان يضم بلاطه أمثال : ابن رشد، وابن طفيل، مما دعا (فريديريك الثاني) ملك إيطاليا إلى استفتاء علماء سبتة والمغاربة في عدة قضايا فلسفية، توجد من بين أجوبة (ابن سبعين ) التي يضمها كتابه (المسائل الصقلية ).
ومن حيث الأسلوب والشكل : فإن الأدب المغربي لهذه الفترة يمتاز باستمعال ألفاظ بربرية، وبظهور الزجل، وعروض البلد - وهو ما يطلق عليه لدى المغاربة بالشعر الملحون – ويمتاز أيضا بظهور الأوزان الخفيفة كالخفيف مع التفصيل في الأحداث، ثم بإدخال عنصر القصة.
وسنحاول لدى تناولنا آثار كبار شعراء هذه الدولة إبراز صور من هذه الميزات، وخاصة منها الميزة الدينية التي تجلت بصورة واضحة جدا في شعر (ميمون الخطابي) كما سنرى عند دراستنا لنبوياته الطويلة النفس التي بلفت حد الملاحم.
إلا أن الشاعرين : ابن حبوس، والجراوي، اعتبرا على الدوام لساني هذه الدولة الرسميين، وشاعريها المنافحين عن مبادئها الدينية والسياسية، والمشيدين بعظائمها الحربية، ومفاخرها العمرانية، فاستأثرا - لذلك - باهتمامات الدارسين، ومزيد عناية الباحثين، ونالت آثارهما أكبر قسط من الدراسة، وحظا لا بأس به من التحليل والتناول. وسنحاول بدورنا أن نلقي أضواء على حياة وآثار من نعتبرهم أبرز شخصيات هذه الدولة فكريا وثقافيا وأدبا شعرا ونثرا، (ابن حبيس) و(ابن الياسمين ) و(أبو حفص عمر الاغماتي) و(ميمون الخطابي) ثم (ابن العابد الفاسي) وذلك من خلال ما بين أيدينا من آثارهم. وبما أن ابن حبوس كان أسبقهم ظهورا وأسبق أولئك الخمسة اتصالا بالموحدين فقد رأينا أن نبدأ بإلقاء بعض الأضواء على حياته، على أن نتبع ذلك ببقية الخمسة إن شاء الله.
وابن حبوس أبو عبد الله محمد بن حسين ، ينتمي - حسبما جاء في الذيل والتكملة - بالولاء إلى آل ابن أبي العافية الذين ملكوا المغرب أيام تبعية المغرب سياسيا لأمويي الأندلس، إلا أن اسمه الصريح بالبربرية، وكون أصل ومنحدر أصول آل أبي العافية من بني (مقرول بن كسول ) إحدى قبائل حافرة (تازة ) البربرية، يجعل هذا الولاء في محل شك وتساؤل.
على أن في آثار الرجل ما تشتم منه رائحة أصله البربري، فعندما غضب عبد المومن على وزيره (أبي جعفر بن عطية ) ثم أعدمه، بعد أن سجنه طويلا لعدة أسباب ومبررات منها - فيما ذكروه - إفشاء أسرار الدولة، وأمر الشعراء أن يهجوا هذا الوزير المغضوب عليه، كان مما قاله ابن حبوس في الموضوع هذان البيتان :
أندلسي ليس من بربر ** يختلس الملك من البربر
لا تسلم البربر ما شيدت ** للملك القيسي من مفخر
ورأى ابن حبوس النور أول وروده الدنيا بفاس سنة خمسمائة هجرية : 500هـ، فهو إذن من حيث الواقع الميلادي، مرابطي النشأة والتكوين، إذا وضعنا في حسابنا أن دولة المرابطين لم تنهر نهائيا ولم تنته إلا في سنة 542 هـ، وإن عد - أي ابن حبوس - من حيث التصنيف التأريخي الأدبي موحديا. وقد أثبت المراكشي في معجبه مرابطيته تلك، وذكر(أنه كان في دولة لمتونة مقدما في الشعراء، حتى نقلت إليهم عنه حماقات، فهرب إلى الأندلس ) وسكت المراكشي عن نوعية هذه الحماقات وماهيتها.
إلا أن ما أبداه - لدى ظهور الموحدين - من حماس لدعوتهم، وتناصر لقضيتم، وتأييد لمذهبهم في العقائد والكلام، واعتناق مواقفهم العدائية تجاه جمود الفقهاء الذين كانوا السادة لعهد المرابطين قد يكون من بعض تلك الحماقات. كما أن ثورة الشباب قد تكون هي الأخرى حملته على انتقاد المرابطين بعد أن سار زمانا في ركابهم، فقد كان اتصاله بهم في مراكش بعد أوبته من جولته بتلمسان وهو يومئذ في عنفوان شبابه، والشباب طموح فقد يكون قدر أول الأمر أن في الإمكان استغلال نبوغه الأدبي، وما أظهره المرابطون تجاهه من تقدير وشفوف فلما أرى أن دون تحقيق أهدافه ومطامحه خرط القتاد، بسبب ما كان يفرضه الفقهاء من حصار على بلاط المرابطين، حتى لا يكون لغيرهم فيه مكان، مما أدى إلى كساد سوق الأدب والشعر، وإلى هزال مراكز أصحابهما، وشم في نفس الوقت رائحة انتقادات الموحدين، الذين كانوا قد بدؤوا ينشرون أفكارهم تحت غطاء من مؤاخذة المرابطين على ما ظنه الموحدون خروجا عن السنة وتنطعا، وهداه إحساسه المرهف إلى أن الظرف ظرف ترقب وأن المرحلة مرحلة انتقالية، وربما فكر نتيجة لكل ذلك - في سلوك سياسة التلاعب على الحبلين والضرب بحجر واحد عصفورين على التظاهر بالتعاون مع المرابطين، وفي نفس الوقت التعاون مع الموحدين، عن طريق انتقاد اعتماد المرابطين على الفقه والفقهاء في كل ما يأتون من الأمور أو يذرون، واستعمل في ذلك ما كان يتوفر عليه من سلاح أي الشعر، الذي اتخذه مطيته لتحقيق هدفه الثاني، فأخذ بواسطة الشعر ومن خلاله ينفث سمومه ويبث زفراته ويسجل إحساساته المكبوتة : والشعر في أصله وخاصة الهجاء منه والمديح - ليس إلا تنفيسا للكروب، وهروبا من جهامة الواقع الكريه.
ثم لئلا يغيظ القائمين على الوضع أحدث طريقا جديدا للتناول الشعري هو أشبه بما يسميه النقاد المحدثون بالرمزية إذ تبنى الدعوة إلى التمسك بالكتاب والسنة وحدهما، وفي نفس الوقت - ولعل هذا إرضاء للفقهاء أعداء الفلسفة - تبنى رفض الدعوة العقلانية، وقد ضمن خلاصة تجربته هذه، أو فلسفته تجاه الواقع المعيش في قصيدته الدالية الطويلة التي منها - كما في كتاب (الأعلام ) للعباس بن إبراهيم المراكشي :
عالج ظماءك في شريعة أحمد ** تسقى - إذا ما شئت - غير مصرد
وتملي اعطان الديانة علها  ** تدينك من حوض النبي محمد
يا للنبوة، فاقتبس من نورها ** واسلك على نهج الهداية تهتد
وإذا رأيت الصادرين عشية ** عن منهلي الدين الحنيف فأورد
الدين دين الله، لم يعبأ بمبـ ** ـتدع، ولم يحفل بضلة ملحد
قالوا : بنور العقل يدرك ما وراء ال ** ـغيب قلت : قدي من الدعوى، قدي
بالشرع يدرك كل شيء غائب ** والعقل ينكر كل ما لم يشهد
من لم يحط علما بغاية نفسه ** - وهي القريبة – من له بالأبعد؟
ولقد نرى الفلك المحيط، وعلم ما ** في بطنه أعيا على المترصد
سعد المجرة بالكواكب دائم ** في زعمهم، وسيمها لم يسعد
من خص بالسفلي جرم البدر أم ** من خص بالعلوي جرم الفرقد؟
ما شاهق الطود المنيف وإن علا ** إلا بمنزلة الحضيض إلا وهد
وجواز عكس الأمر – فردا – واضح ** للعقل، فازدد من يقينك ترشد
ذاك اختصاص، ليس يعلم كنهه ** من ليس يوصف بالبقاء السرمدي
خفض عليك – أبا فلان – أنها ** نوب، تطالعنا تروح وتغذي
سالت علينا للشكوك جداول ** بعد اليقين بها، ولما تنفد
وتبعقت بالكفلر فينا ألسن  ** لا تفقد التضليل من لم تفقد
أعداؤنا في ربنا أحبابنا  ** جروا الفؤاد، وأقبلوا في العود
كشف القناع، فلا هواد تريبنا ** حتى نغادرهم وراء المسقد
ستنالهم منا الغداة قوارع  ** إن لم تغلهم غولها فكان قد
وتصوب فيهم سحبنا بصواعق ** تلك التي جلبت منية (أربد) (1)
ولعمر غيرهم، وتلك الية  ** أن الحمام لجمعهم بالمرصد
قالوا : الفلاسفة : تلك عصابة ** جاءت من الدعوى بكل مفند
خدعت بألفاظ تروق لطافة  ** فإذا طلبت الحقيقة، لم توجد
أسعى، ولو أني نصرت عليهم ** للثمت في المهجات كل مهند
يلغى كتاب الله بيهن ظهورهم ** وجميع مسنون النبي محمد
يا قاتل الله الجهالة، أنها  ** ورق لأغصان الشباب الأملد

ورغم ما قيل من أن صاحبنا ابن حبوس هذا كان شاعر الموحدين الأوحد، وسجل مفاخرهم الأنجد، فإن كتب الطبقات والتراجم للرجال، نجدها ضنينة بأخباره، ولا تقدم شيئا مهما عما انتاب حياته من أحداث مما قد يساعد على كشف ما يكون منها قد أثر في اتجاهاته الأدبية والفكرية والمذهبية أو بلورت أفكاره الخاصة. على أنه ينبغي أن لا نغفل عن ذكر أن كل الذين تعرفوا للحديث عن ابن حبوس وذكروه إنما هو - من غير المحدثين - هؤلاء الأربع الذين نذكر أسماءهم حسب الترتيب التأريخي لوفياتهم :
1) عبد الواحد المراكشي (581 – 625 هـ) في كتابه (المعجب ).
2) أبو الخطاب بن دحية المتوفى سنة : (633هـ) في كتابه (المطرب في شعر أهل المغرب ).
3) ابن عبد المالك المراكشي المتوفي (703 هـ) في كتابه (الذيل والتكملة على الموصول والصلة).
4) العباس بن إبراهيم المراكشي المتوفى (959 هـ) في كتابه : (الأعلام بمن حل بمراكش وأغمات من الأعلام).
وقد ذكر الدكتور العباس الجراري - دعوة الحق : صفحة 56، العدد : 6، السنة : 4 - أن من بين الكتاب المعاصرين الذين تناولوا بالذكر صاحبنا ابن حبوس، المستعرب (بيرس ) في مجلة (هيسبريس) من غير أن يعتمد على درس أو تحليل. كما أن الأستاذ محمد الفاسي كان كتب عنه في مجلة (الثقافة ) المغربية بحثا قصيرا.
ولكن جميع أولئك المتناولين لحياة ابن حبوس لم يضيفوا شيئا أو معلومات جديدة لتلك التي أوردها عبد الواحد المراكشي عن تاريخ ولادته سنة (500) وتاريخ وفاته بمسقط رأسه سنة (570 هـ)، مع تحليته بهذه العبارة : (امتدح الأمراء وروى عنه أبو بكر عبد العزيز بن زيدان وغيره ) وتد أضاف صاحب الأعلام إلى تلك العبارة قوله : (وروى عن أبي بكر الأبيض، وروى عنه - أي عن ابن حبوس - أبو محمد التادلي.. ثم قال : وكان شاعرا، فلقا من جلة فحول الشعراء متفننا في معارف سوى ذلك من كلام ونحو ولغة).
ويستفاد من الأعلام كذلك أن الرجل كان مغرما في صباه وعصر شبيبته بالتجوال بعيدا عن مسقط رأسه فاس، خاصة بتلمسان وأحوازها قبل ظهور الموحدين وقبل ظهور أمر عبد المومن بالعدوة، وقبل أن يستولي على مراكش.
ولكن الأعلام يسكت عن أخبار الرجل قبل أن يتصل بعبد المومن ويربط مصيره بدولة الموحدين ولا يذكر عن اتصاله بهذه الدولة إلا ذلك الذي أصبح به ابن حبوس وبموجبه شاعر عبد المومن (يصحبه في ركابه، ويتنقل معه من فتح بجاية سنة 540هـ إلى فتح المهدية بتونس سنت 554 هـ.
وفي فتح بجاية سجل ابن حبوس الحادث في هذه القطعة الشعرية التي فيها رقة تدل على أن شاعريته لما تنضج بعد النضج الكامل حربيا، قال :
من القوم في الغرب تصغي إلى ** حديثهم أذن المشرق
جروا – والمنايا – إلى غاية ** فلم يسبقوها ولم تسبق
بأيديهم النار مشبوبة  ** فمهما تصب باطلا تحرق
يقودهم ملك أروع   ** فما زال منحدرا يرتقي
تخيره الله من آدم   ** تفرد بالسؤدد المطلق
إلى الناصرية سرنا معا  ** ولما تفتنا ولم تلحق
إلى برزة في ذرى أرعن  ** تجل عن السور والخندق
يعوذون منا بمولاهم  ** ومولاهم عاذ بالزورق
وأكسبه خوفه رقة   ** فلو خاض في البحر
أما فتح مدينة (المدية ) فلم يسجلها ابن حبوس، كما لم يسجلها أحد من شعراء هذه الدولة، ولا ندري سبب إحجام ابن حبوس من تسجيل مثل هذا الحدث وهو الشغوف والحريص على تناول كل أحداق الدولة الموحدية بالتسجيل الشعري، حتى أنه تناول بناء قصبة الرباط في قصيدة رائعة من قصائده المشهورة، وهي تلك التي مطلعها : ألا أيهذا البحر جاورك البحر.
ولهذا فمن المستغرب حقا أن لا يتناول فتح (المدية) لا من طرفه ولا من طرف الشعراء الآخرين غيره، إلا أن يكون ما قاله ابن حبوس في المناسبة كان من بين ما ضاع من آثاره، تلك التي قيل إنما بلفت خمسة آلاف بيت من الشعر، أو مآت أو لعل افتتاحها صلحا هو الذي قلل من أهمية الحادث في نظر أولئك الشعراء بما فيهم ابن حبوس.
وينهي صاحب الأعلام حديثه عن حياة ابن حبوس بما انتهى إليه مطافه، أي الإقامة بمسقط رأسه (فاس ) مكرما محترما وهناك في بيته كان زاره أبو الخطاب ابن دحية وأضافه وقدم له نسخة من ديوانه الشعري، وقال إن ابن دحية هذا قدم بدوره تلك النسخة إلى تلميذه الأمير الكامل الأيوبي الذي كان أبو الخطاب مؤدبه.
ولكن المراكشي صاحب المعجب الذي أحاط تقريبا بكل أخبار دولة الموحدين، وأخبار رجالها المبرزين لم يتحدث عن ابن حبوس إلا مرتين : الأولى حين ابتسم لابن حبوس الحظ، وأقبل الزمان، وأصبح شاعر الموحدين الأول وكان حظيا عند عبد المومن، وقد كال له المراكشي التقريظ والانتقاد معا، وسنعود لهذه القضية فيما بعد.
والمرة الثانية - وهي التي تهمنا هنا - فتلك التي وصف فيها صاحب المعجب ما كان أصاب ابن حبوس من ضيق وضنك وإهمال، ما اضطر معه إلى الفرار والالتجاء إلى الأندلس فرارا من المرابطين الذين كانوا قلبوا له ظهر المجن أو قلب لهم هو ظهر ذلك المجن، بين يئس من صلاح أحواله وشؤونه معهم. وفي هذا المجال يروي صاحب المعجب - ومن خط ابن حبوس نفسه، وقراءة ابنه عبد الله - القصة التالية، قال ابن حبوس : (دخلت مدينة - شلب - من بلاد الأندلس، ولي يوم دخلتها ثلاثة أيام لم أطعم فيها شيئا، فسألت عمن يقصد إليه فيها؟ فدلني بعض أهلها على رجل يعرف بابن المليح، فعمدت إلى بعض الوراقين فسألته سيحائة ودواة فأعطانيهما، فكتب أبياتا امتدحه فيها، وقصدت درره، فإذا هو في الدهليز، فسلمت عليه، فرحب بي ورد علي أحسن رد، وتلقاني أحسن لقاء، وقال أحسبك غريبا ؟ قلت : نعم، قال لي : من أي طبقات الناس أنت ؟ فأخبرته أني من أهل الأدب من الشعراء، وأنشدته الأبيات التي قلت فوقعت منه أحسن موقع، فأدخلني إلى منزله، وقدم إلي الطعام، وجعل يحدثني، فما رأيت أحسن محاضرة منه، فلما آن الانصراف، خرج ثم عاد، ومعه عبدان يحملان صندوقا، حتى وضعاه بين يدي، ففتحه فأخرج منه سبعمائة دينار مرابطية فدفعها إلي قائلا : هذه لك ثم دفع إلي مرة فيها أربعون دينارا، وقال : وهذه من عندي، فتعجبت من كلامه، وأشكل علي جدا فسألته من أين كانت هذه لي ؟ فقال لي سأحدثك. إني أوقفت أرضا من جملة مالي للشعراء، غلتها في كل سنة مائة دينار، ومنذ سبع سنين لم يأتني أحد لتوالي الفتن التي دهمت البلاد، فاجتمع هذا المال حتى سيق لك، وأما هذه فمن حر مالي، يعني الأربعين دينارا، فدخلت عليه جائعا فقيرا وخرجت عنه شبعان غنيا (المعجب صفحة 214 ) ويا ليته أورد الأبيات التي كان حبرها في مدح هذا الرجل. وقصة ابن حبوس هذه مع الكريم الأندلسي تشير – إن صحت
أولا : إلى مدى الوعي والنضج الأدبيين اللذين كانت تمرح فيهما الأندلس ومجتمعاتها.
ثانيا : إلى الجفاف والعقم الأدبيين أيضا اللذين كانت تشكوهما دولة المرابطين.
ثالثا : تشير إلى حالة ابن حبوس الضنكة وما انتهى إليه ما يمكن أن نسميه - في المنطق السياسي - تهورا، حين هم بمعاكسة الأحداث القائمة أعني مناهضة المرابطين، ولعل هذه النتيجة السلبية التي آلت إليها حاله مع المرابطين هي التي أمدته فيما بعد - وهو يدرج إلى سن الكهولة، ويفكر في البحث عن أسباب توصله بالدولة الموحدية الناشئة الفتية - أمدته بروافد زاخرة من الرؤية وحسن التصرف اللذين أبداهما في سائر ظروف علاقاته واتصالاته بالموحدين. فإذا كانت مواقفه أو بعضها على الأقل مع المرابطين تتمم بالتردد، وخاصة أمام قضاياهم الأساسية، والسياسة، كتلك التي تتصل بمركز الفقه المالكي من الدولة ورأي رعاياها العام، وبمركز سدنة هذا المذهب، أو تتسم حتى بالرعونة أحيانا، رعونة الشباب المتهور الذي كان يدفعه دون تحوط أو تحرز إلى مهاجمة أولئك الفقهاء من طريق خفي وغير مباشر، حين تبنى - كما أشرنا قبل - الدعوة إلى التمسك بنصوص الكتاب والمنة ونبذ كل ما سواهما مهما يكن هذا السوى : فلسفة أو غيرها، وهذا الغير لا يعني إلا الفقه، أقول إن نهاية مجده مع المرابطين الجهمة الكالحة، دفعته - وقد قرر أن يسير في ركاب الموحدين - إلى أن يتريت في خطواته، ويتثبت من مواقع أقدامه، وإلى الدرجة التي جعلته لا يعرب عن آرائه الخاصة، بما فيها تلك التي تساند رأي الدولة الموحدية نفسها، إلا بعد تقليبها على كافة الوجوه بل ومضغها واجترارها إن صح التعبير، حتى إذا أعرب فبالتورية والإيماءات الخفية، وجعلته أيضا لا يهاجم أعداءه كما كان يفعل، وإنما أصبح يداريهم ويمالئهم أحيانا ولو إلى حين. وقد ظهر هذا التريت من ابن حبوس بخصوص موقفين اثنين معينين :
الأول : في قصيدته اللامية التي مدح بها عبد المومن غداة عزمه على العبور إلى الأندلس، فقد ضمن ابن حبوس قصيدته تلك جل آراء الموحدين السياسية والدينية، بما فيها العقيدة الشيعية الإسماعلية والمهدوية المعصومة، ولكنه - وهو يتناول هذه الآراء - كان يلمح ولا يفصح ويثير ولا يبين وهذه اللامية هي التي يقول فيها :
بلغ الزمان بهديكم ما أملا  ** وتعلمت أيامه أن تعدلا
وبحسبه إن كان شيئا قابلا  ** وجد الهداية صورة فتشكلا
بخليفة المهدي سيدنا اغتدى ** نهج العلوم معبدا ومدللا
وتفجرت عين النباهة بعدما ** قد كان خاطرها أكل وأجبلا
قد صير المعقول قلبا ماثلا ** فمتى رميناه أصبنا المقتلا
ورعى جميم العلم في أوطانه ** من كان يبدي الضعف أن يتنقلا
وافيت حضرته المقدس تربها ** فإذا الذي أبصرت لن يتخيلا
ووقفت وسط سماطه فوجدته ** سوقا تقام على المعارف والعلى
لم ألق غلا عالما، وإزاءه  ** متعلما : متكثرا، متقللا
مدارسا تسع الرياضة لو رآى ** سقراط سيرتها لذم الهيكلا
وبصرت بالطوسي يفهق حوله وأبـ ** ـي المعالي : مجملا ومفصلا
لم ألق مصقعا أو مفلقا  ** ومجادلا عن دينه ومرسلا
والكل في علم الإمام مقصر ** حسب المبرز فيهم أن ليلا
واترك عكاظا والوفود بسوقه ** حذقا وسجبان الخطيب ودغفلا
يعشو لها الأعشى بنار محلق ** ويضم علقمة إليها جرولا
والحق بحضرته السنية واستمع ** للقول، واحذر - ويك - أن تتقولا
فيما كمال الدين والدنيا معا ** وسعادة الأرواح في أن تكملا
وأما الموقف الثاني : الذي ظهر فيه تريث ابن حبوس، وظهر فيه وعيه ونضجه فهو موقفه من الوزير ابن عطية كاتب دولة المرابطين الذي لم تكن العلاقات بينهما طيبة ولا حسنة، فقد في خدمت الظروف بوجه ما ابن عطية، حين ألقت به إثر استيلاء الموحدين على مراكش، في فرقة الرماة المسيحيين الذين كانوا يومئذ في جيش المرابطين يطاردون أحد الثوار الخارجين على الدولة، وإذ احتاج الجيش الموحدي الظافر لمن يراسل الخليفة ينهي إليه خبر النصر، تقدم ابن عطية الذي كان يتخفى في ثياب جندي بسيط للقيام بتلك المهمة، وما أن بلغ كتابه عبد المومن حتى أعجب بأسلوبه، فسأل عن صاحبه فدل عليه، فكان ذلك سببا في تسنمه - أي ابن عطية - من جديد سلم الشهرة فتربع على كرسي الوزارة.
وإذ وجد ابن حبوس نفسه أمام ابن عطية خصمه القديم وجها لوجه وابن عطية وزير، وهو ما يزال يبحث عن طرق الوصول ارتأى - بدل المناوأة والصدام والمواجهة والخصام - أن يمدح ابن عطية وأن يحاول الإشادة بكفاءته، وهكذا نراه يحبر قصيدا مطولا في الرجل مطلعه.
ألا زار من أم الخشيف خيالها ** ومن دونها البيداء يخفق آلها ؟
ومن ضمن أبيات هذه القصيدة قوله :
وزير العلى عندي من القول فضلة  ** رويتها في مدحكم وارتجالها
وما كنت أخشى مدة الدهر أن أرى ** تميد بي الدنيا وأنتم جبالها
..........إلخ.
ومما يدل على أن مدح ابن حبوس لابن عطية لم يكن وليد عاطفة صادقة ولا مجرد تعبير عن إعجاب بكفاءة الرجل إسراعه إلى تلبية رغبة عبد المومن في النيل من ابن عطية وهجوه وإبراز ما يجمل تنكيل عبد المومن به مبررا مقبولا غداة نكبه وقرار إعدامه، فقد أسرع إلى تلبية ما طلب منه مما رأينا له مثلا فيما سبق أن أوردناه له من مثل : أندلسي ليس من البربر إلخ ...
إلا أن من الإنصاف الإشارة إلى أن ما قاساه ابن حبوس من آلام الاغتراب والابتعاد عن مسقط رأسه، بسبب آرائه الخاصة في دولة المرابطين، تلك الآراء التي وصفت بالحماقات، قد خلف في أعماقه روسابات عفنة، كونت لديه ما قد نسميه أزمة أخلاقية تبلورت في آثاره الشعرية التي تناولت علاقاته بالناس والزمان وما قرره من اليأس من ملاحهما، بل واليأس حتى من مهنة الأدب والشعر، فقد انتمت به تلك الأزمة إلى الدعوة إلى أن لا جدوى من وراء الاشتغال بالأدب والشعر...
ومن شعر ابن حبوس الذي قاله في فترة إقصائه عن بلاط المرابطين، ذاما فيه الناس والزمان، وحاثا فيه - في نفس الوقت - على الرضى بالواقع في حدود ما يأمر به الدين، ولا يتجافى والشيم الإنسانية والكرامة النفسية، هذه القطعة :
رد الطرف حتى توافي النميرا ** فرب عسير أتاح يسيرا
وأرسل قلوصك طورا شمالا ** وطورا جنوبا وطورا دبورا
وشن على غازيات البلاد  ** من النقع والرمل جيشا مغيرا
وفر ماء وجهك حتى تجم  ** وأطف السموم به والهجيرا
وطرحت أنت قوي الجنـ  ** اح، لا عذر عندك ألا تطيرا
ولا تقعن وأنت السليم حيـ ** ث تضاهي المهيض الكسيرا
فأم الترحل تدعى ولدا  ** وأم الإقامة تدعى نزورا
وذو العجز يرضع ثديا حدورا ** وذو العزم يرضع ثديا درورا
يعز على النبل أني غدوت  ** أكنى أديبا واسمي فقيرا
وما ذاك أني هيابة  ** أخاف الرحيل وأشنا المسيرا
ولكن بحكم زمان غدا  ** يحط الجياد ويسمي الحميرا
أما عن ذمه الشعر وكيف كسدت سوقه فنقف له من بين ما نقف على هذه الأبيات :
يا غراب الشعر لا طرت ومليت الوقوعا
وإذا استيقـــظ شهم قوم ودت هجوعا
هبك لا تقنص عزا ؟ لم تقنص الخضوعا ؟
رمــت أن ترقى سريعا، فترديت سريعا
ربما اصطاد بغات شبعا، واصطدت جوعا
ولقد غـــال حبيبا، منك ما راع صريعا
وفي البيت الأخير تورية، حيث أراد ب(حبيب ) أبا تمام الطائي، أراد بـ (صريع ) مسلم بن الوليد صريع الغواني.
وقد أفضت به هذه الأزمة الأخلاقية إلى الدعوة إلى رفض فكرة الأخلاق إطلاقا، وإلى معاملة الناس بمثل نفاقهم ومرائهم فنسمع قطعته هذه التي ضمنها زفرته تلك ووضعها قانونا للتعامل بالمثل يقول :
أعد لناكبيك عصـا         ** واقضم ماضغيك حصى
وشعشع للورى شرقا     ** مع الساعات أو غصصا
وكــن وردا خبعثنـــة     ** يــــراوغ منهم قنصا
وعامـل بالخديعــة من    ** لقيـــت وبادر الفرصا
وغمـض عينيـك النجـ    ** ـلاء حتى تنعت الحوصا
وهز لمعشـــــر سيفا     ** وهـز لآخريــن عصا
وكاثر من يدب لك الضـ ** ـرأو اخرص كما خرصا
ولا تعتب علي، ولو ظفرت به لما خلصا 
وسوء ظنا بكل أخ، يقاسمك الثنا حصصا
ولا تحفل بإمعة، يخال الشحمة البرصا 
ولا تحرص، فرب فتى ضاع، عندما حرما
وحرص الطائر الواقع، صير جوه قفصا
لقد رخص الغلاء، وأهوت الأعلاق ما رخصا
وقد ذهب الوفاء، فلا يقول مغالط نقصا 
فلا تلزم مكان الظل، إن وفيته قلصا
وغن لذا الزمان إذا انتشى، وازمر إذا رقصا 
ومن شهد الخطوب، وعاش مثلي يشرح القصصا
ونحب أن نختم هذه المختارات الشعرية لابن حبوس بقطعته التي عنونها صاحب الأعلام ب(الاعتبارات ) على أن نختار منها بالخصوص الأبيات التالية :
قد غردت حمامة عبرة، وإنما يعتبر العاقل
يذكر بالكونين من جنة، ومن جحيم، ذكرها هابل
وإنما يعرض انموذجا، من ذاء وذا، نونبه الغافل
نعيمه، فيه الشقاء الذي يشفق منه العالم العامل
تكاد نفس المرء من حره تزول لولا أنه زائل
يا صاحبي والجد لي شيمة، وليس من أصحابي الهازل
نحن طلبان، فبادر بنا، من قبل أن يقنصنا الحابل
بحر سلمنا منه في ساحل، فما ترى أن عمر الساحل ؟
في حتن لا تنجيم الفتى حيلة، سواء الفارس والراجل.
وبعد، فتلك جذاذات أو نماذج شعرية أوردناها من آثار ابن حبوس، ومن مختلف المجالات التي ارتادها حسب ما بأيدينا من مراجع مما كان يشغل باله وبال معاصريه، وهي في جملتها تبين إلى أي مدى استطاع صاحبها أن يسهم في تصوير اهتماماته الخاصة ورؤاه لمجتمعه تصويرا بالكلمة المسعفة، وهي بالتالي - من حيث أسلوبها وتعابيرها - تبين مدى صدق كلمة (ابن الأبار) فيه حين قال عنه : ( إنه كان عالما محققا، وشاعرا مفلقا - أي بالنظر لقراء عصره قطعا - يتقدم أهل زمانه ، ويوقف على جودة شعره من ديوانه).
وقال فيه عبد الواحد المراكشي صاحب المعجب : (وكلمته قد تكون أصابت المعنى في وصف طريقة تناوله إنه كان ينحت على (نحو طريقة محمد ابن هانئ الأندلسي في قصد الألفاظ الرائعة، والقعاقع المهواة، وإيثار التقعير، إلا أن محمدا بن هانئ كان أجود منه طبعا، وأحلى مهيعا).
ولكن إذا كان ابن هانئ صورة مصغرة من أبي الطيب المتنبي من حيث الألفاظ وربما حتى القوالب، دون المعاني كلها طبعا - حتى درج الناس على تسميته بمتنبي المغرب فإن اتهام شاعرنا ابن حبوس - وقد حاول أن يكون أحد رواد المدرسة المتنبئية إن صح التعبير - بالسطو المتعمد على شعر زعيم المدرسة نعني (المتنبي)، كما يحاول اتهامه بذلك الأستاذ ابن تاويت التطواني فيه أي في هذا الاتهام أنه تغافل عما ألمحنا إليه مرارا عن فكرة التقليد للشرق والأندلس لدى أجدادنا المغاربة وربما حتى اليوم، حيث يقلد الشباب خطوات الشرق، ذلك أن أجدادنا كانوا يعتبرون هذا التقليد أسمى ما يتمناه الشاعر الناجح، على أننا لا نستبعد توارد الخواطر كما قد يقع الحافر على الحافر - كما يقول المثل العربي، أو على حد تعبير المتنبي نفسه، حين جوبه بأنه قد يكون سطا على بعض معاني من سبقوه من الشعراء.
كما أننا لا نستبعد كذلك الاقتباس الذي هو في عرف أولئك القوم مشروع، وإن يكن تغافل البعض عن التنصيص عليه مخل بأمانة الرسالة الأدبية.
ومهما يكن، فإن إنكار حسنات ابن حبوس شيء لا يمكن تخيله أو هضمه، وإن من أبرزها خلو شعره من الزخرف والتصنيع، تبعا لبساطة الحياة في عصره، ومن حسناته أيضا دفق عاطفته الجياشة بالمعطيات الحية التي تمس القلب في رفق، وتدغدغ الخلجات في همس، وتناغي الأحاسيس وإن يكن ذلك في لغة قد لا تؤثر في العقل بما فه الكفاية وأخيرا هذا الجرس الموسيقي الخفيف الوقع المحبب النغم، الذي يتساوق وصدق العاطفة، وتجافي التكلف والإجهاد عذوبته الشائقة، وحلاوته الرائقة، والتي لا يسعنا أمامها إلا أن نقول رحم الله ابن حبوس إن كان صورة حية لعصره وزمانه.

_______________
1 - أربد بن ربيعة كان جاء النبي صلى الله عليه وسلم مع عامر بن الطفيل يسألانه ساخرين عن هذا الإله الذي يدعو إليه أمن ذهب هو أم حديد أم خشب أمحجر فأصيب أحدهم بالطاعون وضعف الآخر.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here