islamaumaroc

مصطفى صادق الرافعي في سيرته وأدبه.

  عيسى فتوح

235 العدد

ولد مصطفى بن الشيخ عبد الرزاق الرافعي في إحدى قرى محافظة "القليوبية" بمصر، تدعى "بهتيم" عام 1997، من أب أصله من طرابلس في لبنان، وأم من حلب في سوريا، وقد قدم أهله على مصر في القرن التاسع عشر، وتولى فريق منهم قضاء الحنفية، وأسرته كلها أسرة قضاء وعلم وورع، فورث منها الصلابة في الدين، والشك في الحق.
أخذ علوم القرءان عن أبيه، ثم دخل المدرسة الابتدائية وهو في الثانية عشرة من عمره، ونال شهادتها في السابعة عشرة، ولما بلغ الثلاثين أصيب بالصمم التام، على إثر مرض لازمه مبكرا، وامتد الداء إلى حلقه، حتى كاد يذهب بقدرته على الكلام، مما جعل في صوته رنينا أشبه بصوت الطفل وصراخه، فانقطع إلى الدين والإنتاج الأدبي.
كان الرافعي يقرأ ثماني ساعات كل يوم بلا توقف دون أن يمل، ولا يرى إلا وفي يده كتاب يقلب صفحاته، ويقال أنه حفظ كتاب "نهج البلاغة" للإمام علي بن أبي طالب وهو في القطار من طنطا إلى طلخا مقر عمله، ولم يبلغ العشرين من عمره.
عين كاتبا في محكمة "طلخا" الابتدائية عام 1899، ثم نقل إلى محكمة "ايتاى البارود" الشرعية، وبعدها إلى المحكمة الأهلية في طنطا، وظل فيها حتى توفي عام 1937.
كان الرافعي معتزا بنفسه وأدبه وأسرته، يقوم بعمله خير قيام، وقد عرف الحب في حياته فتغنى ونظم الشعر.
تأثر بالجاحظ والأصفهاني وهوغو عندما سمع بكتاب مترجم له جولات مع طه حسين وعباس محمود العقاد وغيرهما في النقد، وكتب في مجلة الرسالة.
للرافعي ديوان يقع في ثلاثة أجزاء، وله أيضا النظرات، وتاريخ آداب العرب، وإعجاز القرءان، وحديث القمر، والمساكين، ورسائل الأحزان، والسحاب الأحمر، وأوراق الورد، وتحت راية القرءان، وهو المعركة التي جرت بينه وبين طه حسين حول الشعر الجاهلي، وعلى السفور وهو المعركة التي جرت بينه وبين العقاد، ثم وحي القلم الذي يقع في جزئين، وهو مجموعة مقالات في مجلة الرسالة كتبها بين عامي 1934 و 1937.
كانت كتابة الرافعي مزيجا من نزعة إسلامية شديدة، وفكر متدين صادق الدين، وعاطفة قوية مشبوبة. تخضع في فترات الكتابة إلى ما يمليه العقل، وميل إلى الأخذ من الحياة الحديثة بما لا يخالف الشرع والأخلاق، وسمو روحي يدفع صاحبه إلى التقيد بالأخلاق الكريمة وقواعد الوفاء والشعور بالمسؤولية نحو المجتمع، والرغبة في إصلاحه والنهوض فيه.
مال في آخر حياته إلى الكتابة وخاصة كتابة القصة التي تتضمن الحكمة أو الموعظة، ولم تكن قصته إلا مقالا يسكبه في قالب قصصي، ويستمد مادتها من تراجم علماء الإسلام وعظمائه، وقد تحدث في بعض قصصه بلغة العصر، فصور روح أهله تصويرا صادقا دعمه بالعلوم والآداب الإسلامية، غير أنه لم يوفق في تصوير الألوان المحلية في القصة إلا قليلا.
أخذ في آخر حياته يفسر بعض الآيات القرآنية فينهج فيها نهجا قصصيا يبين فيه سمو القرءان الكريم وروعته ونبل غايته وسمو تعبيره، وهو عميق المعاني، كثير الاستقصاء لها، يستمدها من ثقافته الإسلامية، ومما قرأ من الكتب المترجمة.
يكثر الرافعي من المحسنات اللفظية والصور البيانية ولا سيما الكنايات والتشابيه، وهو متين العبارة، عربي الديباجة، يعرف الفروق في مترادف الكلام، ويعنى باختيار الألفاظ، ومواقعها، ويهتم بموسيقى الجملة، لكن أخذ عليه الغموض بعض الأحيان، لحشره المعاني الكثيرة في اللفظ القليل، وتلاعبه بالألفاظ، وتبديل مواقعها، لتؤدي معاني جديدة، فالنساء أنوار، والأنوار نساء، والأزهار أنوار ونساء. كما يجنح إلى غرابة الاستمارة وبعدها كقوله : "إذ يأتي لك وحدك، ويأتي وأنت وحدك"، وإلى التعابير كقوله : "وكانت ثمانية أرطال من الحياة في ثمانية أعوام من العمر"، واستعمال الألفاظ الفلسفية.
وهو من الكتاب الذين يقومون بجهد فني في كتاباتهم، فيصنعون جملهم، وينقحون عباراتهم، ونستطيع أن نقول في مقالاته ما قاله فيها تلميذه محمد سعيد العريان : "هي عمل الفكر وكد الذهن، وجهه الأعصاب، ومديد النفس في أسبوع كامل، ولكنها أخيرا مقالات".
وكان غزير الفكر، يملي عليه تدينه كثيرا من الحكم والمواعظ الخلقية، ويوجهه في كتابته توجيها اجتماعيا، إلا أن فكره لا يخلو - كما قلنا - من غموض، وانطلاقه لا يخلو من كثافة وجمود.
خص القسم الأكبر من مقالاته للدفاع عن الإسلام ومصر والشرق، ونزع فيها نزعة إسلامية شديدة، فيها من التدين والاندفاع الشيء الكثير.
ولكي نوضح ما قلنا، من أسلوبه في الكتابة، نثبت هذا المقطع الذي اقتطفناه من مقال له بعنوان : "موت أم" جاء فيه :
"همد الحي، وانطفأت عيناه، ولكنه تحرك في تاريخا، مما ضيق على نفسه أو وسع، وأصبح ينظر بعين من عمله، أما مبصرة أو كالعمياء، فلو تكلم يصف الحياة الدنيا لقال : أن هذه النجوم على الأرض مصابيح مأتم أقيم بليل، وما أعجب أن يجلس أهل المأتم ليضحكوا ويلعبوا. ولو نطق الموتى لقالوا : أيها الإحياء إن هذا الحاضر يمر، فيكون ماضيكم في الدنيا هو بعينه الذي يكون مستقبلكم في الآخرة، لا تزيدون فيه ولا تنقمون، وأن الدنيا تبدأ عندكم من الأعلى إلى الأدنى : من العظماء إلى الفقراء، ولكنها تنقلب في الآخرة، فتبدأ من الفقراء إلى العظماء".
لا شك أن شهرة الرافعي قامت بالدرجة الأولى على كتابه : "أوراق الورد" الذي كان يعتز به اعتزازه بأنفس ما كتب في أدب الإنشاء ويباهى ويفتخر. وكما تجد الأم سلواها في ولدها العزيز عن الزوج الحبيب الذي طواه الموت، وجد الرافعي العزاء في أطفال معانيه عن حبيبته العنيدة التي هجرته، ولم تترك له غير الأم المبرحة والأوجاع المضنية، وقد صب في هذا الكتاب النفيس فكر المفكر وعقل الأديب. وخيلة الفنان، فصور نفسه وخواطره في الحب، كما صور فنه وبيانه في لغة الحب... إنه وسائل لم يحملها البريد، ضمنها لهفته وحنينه وشوقه وتذللـه واستعطافه... فكل رسالة فيه تتواثب المنى الحالمة بين سطورها في خفة الفراشة الطائرة - كما يقول محمد سعيد العريان في مقدمة الكتاب - وكل رسالة تصف ما كان في خلوة نفس إلى نفس، وتقص في لغة الماضي حديث قلب إلى قلب، وتكشف عن سر الابتسامة ومعنى النظرة، وتتحدث عن جمال الطبيعة وفلسفة الكون، فهي ذكرى من الماضي البعيد : كان حبا في الدم فصار حديثا في الفكر، ثم استتبع شيء فشيئا.
كان الرافعي في أوراق الورد كالمنجم الذي يمتد في الأرض، ويتغلغل بعروق الذهب، وكان لا بد من الصبر عليه لاستخراج هذا الذهب، ولذلك قل من تحملوا المشقة لاستخلاصه من بين الصخور المتراكبة عليه وحواليه من طبقات الأرض... إنه منجم من المعاني الذهبية البكر، لو عرفه المتأدبون بن شبابنا لوضعوا أيديهم على أثمن كنز في العربية في معاني الحب والجمال يكون لهم غذاء ومادة في الشعر والبيان.
رحم الله الرافعي الأديب والمفكر والعاشق، فقد كان قمة شامخة من قمم الأدب العربي، لكنه لم يتمتع بالسهرة التي تمتع بها معاصروه كطه حسين والعقاد والمازني وشوقي والزيات وأحمد أمين وعبد العزيز البشري وغيرهم، ربما بسبب وعورة ألفاظه، وغرابة معانيه، وصعوبة إدراكها، وعاهة الصمم التي جعلته ينطوي على نفسه، ويبتعد عن المجتمع والناس، لكنه كان على كل حال صاحب مبدأ ثابت وعقيدة دينية راسخة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here