islamaumaroc

عالمية الإسلام -1-

  محمد كمال شبانة

235 العدد

يلاحظ أنه كثيرا ما تردد ويتردد على ألسنة الباحثين من المستشرقين  - لا سيما منهم من ساهموا بدراسات حول الأديان السماوية - هذا التساؤل :
هل كانت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم إنسانية عالمية ؟ وبمعنى أكثر وضوحا :
هل كانت دعوته إلى البشرية كافة؟ لا فرق بين من كانوا يدينون بدين ويؤمنون بكتاب من قبل، وبين من كانوا لا يزالون عبدة الأوثان أو بعض مظاهر قوى الطبيعة؟
إن هذه التساؤلات من كافة جوانبها، وبما ترمي إليه من معنى لم تكن لتلقى أمام هؤلاء الباحثين شرقا أو غربا إلا جوابا واحدا وأكيدا، هذا الجواب عليه أكثر من دليل، بل يفرضه وضوح الواقعية... وهو (أن الإسلام دين إنساني عالمي، يخاطب كافة الأمم دون تفرقة بين جنس أو لون، يستطيع أن يأوى إلى ظله كل إنسان من أهل البسيطة تحت راية الأخوة الإنسانية".
حقا، لقد بشر القرءان الكريم بهذه الدعوة، وأعلن المبدأ العام منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام، حين قال :
"وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا" وفي موطن آخر "وأرسلناك للناس رسولا، وكفى بالله شهيدا"، يضاف إلى هاتين الآيتين وغيرها حديث المصطفى صلوات الله وسلامه عليه "... وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، ويبعث إلى ألناس عامة" (1).
وهكذا جهر الرسول بهذه الدعوة امتثالا لأمر ربه :" فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين"(2). واقتفى أثره من بعده خلفاؤه الراشون والإسلام ما يزال حديث العهد، غض الإهاب، حتى تجلت ( البينة الواقعية) خلال فترة جد وجيزة، بحيث لم تتجاوز ربع قرن على ماهية هذه الدعوة العالمية الإسلامية، فانتظم في دين الله خلق من كافة السلالات، ولم تنقض على الهجرة النبوية ثلاثة قرون حتى احتوى الإسلام ساميين وحاميين وآرميين، عربا وفرسا وتركا، بل وهنديين وصينيين وإفريقيين، على اختلاف في المشارب، وتمايز بين الألسنة والألوان.
فهل يمكن القول  - والحال هكذا - إن هذه "البينة الواقعية" دليل دامغ على عمومية الإسلام، وإن هذا الدين قد تميز من بين الأديان الأخرى ذات الكتاب، وغير ذات الكتاب بهذه المزية العالمية الإنسانية؟
إنه ما من شك - إذا ما وضعنا نصب أعيننا الحقيقة العلمية المجردة تجاه هذه القضية - في أن نرى كافة الدعوات الدينية السابقة كانت تختص بالعصبية القومية، أو على استقطاب ذوي الأوثان والمولعين بمظاهر قوى الطبيعة، من عبدة الشمس أو النار أو ما إلى ذلك.. فالدعوة المسيحية اجتذبت إليها الرومان وغيرهم، وكان هؤلاء كافة من عبدة الأصنام، ولم يقيض لهذه الدعوة أن تجاوز هؤلاء إلى سواهم من ذوي العقائد الكتابية، وأن الموسوية كانت دعوتها محصورة في اليهود، وكذلك الأمر يقاس عند النظر إلى البرهمية التي ما فتئت ديانة عنصرية حتى انبثق عنها ما عرف بالنحلة البوذية، والتي كان نجاحها قاصرا على اجتذاب الوثنيين إليها في الصين واليابان، بيد أنها لم تفلح في أن تستقطب إليها أمة كتابية.
أما الإسلام فقد كان النجاح حليفه، في هذا المجال إلى أبعد الحدود، "فقد استقطب إليه أمما عريقة في المجد والحضارة تدين وتؤمن بكتاب، نلحظ هذا جليا حين وسعت قاعدة الإسلام - على سبيل المثال لا الحصر - بلاد فارس ومصر، وهما أمتان عريقتا الحضارة يومئذ. ومن الناحية الدينية كان الفرس يؤمنون بالله واليوم الآخر، كما يعتقدون بأن الروح خالدة، وبأن الثواب والعقاب واقع لا محالة يوم النشر، وكانت مصر بدورها آنئذ على دين المسيح، تحمل لواء الريادة... يومئذ بين معتنقي هذا الدين من بين الأمم الأخرى.
وبناء على تلك الحقائق... نلمس في الإسلام انفراده من بين الأديان الأخرى بمزية "العالمية والإنسانية" وصلاحيته للأمم جمعاء، لا نفرق في تقرير هذه الحقيقة بين أمم قطعت أشواطا في مضمار الحضارة والدين، وبين أمم لم يكتب لها حظ عظيم في مجالي الحضارة والدين.
لكننا نرى في القرن العشرين عصر التبشير والمبشرين أن هؤلاء يعزون انتصار الدعوة الإسلامية فيما لم ينتصروا فيه - بعد إقرارهم بغلبة الإسلام في إفريقيا - إلى أن بساطة الدين الإسلامي قد لاءمت طبيعة القبائل المتأخرة، كما أن هذا الدين سهل التناول لدى البدائيين من سلالات القارة السوداء (3).
بيد أن هذه الادعاءات وأشباهها رخيصة، فمن يلقي نظرة عابرة على واقع هذا الحال يرى أن هؤلاء المبشرين - بدل أن يأتوا بجديد من حجج حول هذه القضايا -  يريدون بمقالتهم تلك أن يعتذروا لأنفسهم عما أخفق سعيهم نحوه كمبشرين – هربا من الدفاع عن موقفهم الناطق بفشلهم الذريع في مهمتهم، فالأدلة الدامغة التي شهدت بصلاحية الدين الإسلامي لكافة الأمم شرقا وغربا كافية للرد على هؤلاء الذين أشبهوا بمن فقدوا صوابهم، فأخذوا يلتمسون لأنفسهم الأعذار الواهية.
"إن الوقائع العلمية هي الشهادة للإسلام بالصبغة الإنسانية العالمية، ولا حاجة بالدين إلى شهادة أخرى متى ثبت له من تاريخه الأول أنه يضم إليه شعوبا من جميع السلالات والعقائد ومن جميع الأطوار في الحضارة والمعيشة البدائية، وأن كتابه يخاطب الناس كافة، ويوجه الرسالة إلى كل سامع" (4).
يضاف إلى كل ما ذكرنا من الحقائق حيال هذه القضية أننا لو تصفحنا تاريخ الدعوة الإسلامية في ربوع دول آسيا لألفينا أنها لم ترتكز في ذيوعها بين هذه الأجناس بالتبشير، وإنما بانتشار المبادئ الإسلامية من عدالة اجتماعية، وحرية عقائدية، وقد تدعم مثل هذا بالقدوة العملية، وليس للغزوات والحروب التأثير الواقعي للانتشار الإسلامي، ولو أخذنا المسألة بنظرية القياس والنسبية لما وجدنا للوقائع الحربية التي خاضها المسلمون وزنا بالنسبة للجموع الهائلة من البشر من كافة الأجناس التي دخلت في دين الله أفواجا متتابعة... "وكل ما يرويه التاريخ من القتال بين المسلمين وغيرهم عن تلك الأرجاء - فإنما حدث بعد أن أصبح المسلمون... معدودين بالملايين، وإنما هو في جميع الأحوال قتال سياسة، وليس هو بقتال إكراه على الدين (5)" مصداقا لقوله تعالى :  "لا أكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي".

المستشرقون وانتشار الإسلام
هذا، ولا مناص من أن نفيض في الحديث قليلا حول هذه الدعوى، تلك التي يرددها كثيرون من المستشرقين الذين أعماهم التعصب، والتي يرون من خلالها أن الدعوة الإسلامية في عمومها مدينة في ذيوعها وانتشارها إلى الزحف البشري المدعم بالسلاح...
لقد ذهب الباحثون حيال هذه المسألة وعلاجها في ضوء الحقائق مذاهب شتى، فبينما نرى البعض يستند في الدفاع عن موقف الإسلام بالأدلة النقلية، من أدلة قرآنية، وأحاديث نبوية، قاصرا الحجة على هذا، مع التشريع والتفسير لما تضمنته تلك البراهين، نقول : بينما نرى هذا الفريق من المدافعين على هذا النحو من الأسلوب... إذ بنا نرى فريقا آخر قد اعتمد على الأسلوب المنطقي، محتكما إلى الواقع التاريخ... قبل أن يسوق دليلا من الكتاب أو السنة.
لكن ماذا يضيرنا في مجال البحث وتقصى الحقائق - ليكون أسلوب الإقناع أنسب - من أن نفرق بين الإسلام والقتال داخل الجزيرة العربية، وبين الإسلام والقتال خارج الجزيرة ؟
فالنسبة للجهاد الإسلامي داخل الجزيرة العربية.. نرى المسلمين قد اضطروا إلى الدفاع عن الدعوة المحمدية بدوافع دينية صرفة لا تشوبها أدنى دوافع اقتصادية تكون للمسلمين مصدر غنى أو إثراء، وقد كان عدد من أسلموا مند بدء الدعوة أسيادا في قومهم قبل أن يسلموا، ولو كان هؤلاء - وعلى رأسهم الرسول الكريم - يقصدون الجاه أو المال أو . . . السلطان لنزلوا عند رغبة قريش التي وعدتهم إن هم تخلوا عن دعوتهم بمثل ذلك،  وبأجل وأشرف نساء العرب.
أما فيما يتعلق بحروب الردة في عهد الخليفة الأول أبى بكر الصديق . . فإننا نرى بعض الباحثين مثل "فيليب حتى" مع آخرين من مؤرخي الغرب يقولون بأن الإسلام - يومئذ - لم يكن قد انتشر في كافة أنحاء الجزيرة العربية، وأن ما حدث من إسلام بعض القبائل إنما كان يعني إسلام زعماء هذه القبائل لا أفرادها . . .
والحقيقة من جانبنا واقعيا انه لم يكن في هذه الفترة بالذات الضمان لإسلام القبائل قاطبة إسلام المؤمن الحق، بمعنى حداثة عهد الجميع بالإسلام، ثم لو حدث مثل هذا فعلا فإن الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع كان قد ضمن خطبته الآية الكريمة : "اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا" (6).
فإعلان الرسول هذا، واستشهاده بهذه الآية وقتئذ يوحي بشكل قاطع أن الإسلام حتى هذه اللحظة قد بلغ مرحلة أصبح فيها قادرا على أن يسيطر على أي جزء من الجزيرة العربية. فإذا كان من حق القبائل القدرة على الإسلام بعد وفاة الرسول - بحجة أنها لم تسلم، أو لم يكن إسلامها وإيمانها عميقين - فإن الإسلام من حقه أيضا أن يعلم هذه القبائل - ولو بالقوة - كيف تكون مسلمة بعمق، وعليه فإن الخليفة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - العذر كل العذر في إجلاء كل من لم يسلم عن الجزيرة العربية.
يضاف إلى هذا أن حركة الردة - على ما حقق المسلمون فيها من توحيدا للجزيرة العربية كتمهيد لنشر الدعوة خارجها وترسم لخطى الرسول، واكتساب الخبرات الحربية - قد أدت إلى ظهور عبقريات عسكرية إسلامية، كما أنه لا تعدو أن تكون حركة التمرد هذه ثورة فئة ضالة مضلة ضد حكومة شرعية. فإذا أدركنا أن الإسلام هو  "الحكومة الشرعية" التي اعترفت بها كل الجزيرة العربية، فمن البديهي أن تبذل هذه الحكومة ما في وسعها لاستعادة هيبتها وإرساء قواعدها، حتى لو اضطرت إلى استعمال القوة من أجل إخماد هذه الثورة الفاسدة المفاجئة قبل أن تشب وتطغى . .
أما عن الإسلام والقتال خارج الجزيرة العربية فقد يتساءل البعض، فيقول : ألم يكن في الإمكان للإسلام أن يعيش . . . ويجاور الروم والفرس وهم يقتطعون بلاد الشام والعراق - سلما ومحبة ووفاقا؟
إن بلاد الشام والعراق بلاد عربية ومن حق عرب الجزيرة العربية أن يعملوا على استعادة ما نهب من أرضهم، فإن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة، وبمجيء الإسلام آن الأوان لأن يفعلوا... هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن القرءان الكريم آيات تحدد بصراحة "عالمية" هذا الدين، فعلى كل مسلم أن يبلع هذه الرسالة إلى الأمم أنى كانت... وعليه فإني أرى - مع كل باحث منصف - أن إيمان المسلمين بهذه العقيدة هو الدافع الأساسي الذي دفعهم إلى الجهاد، وأن... المكاسب الاقتصادية الناجمة بالضرورة عن هذه الفتوحات إنما هي فروع عن الدافع الأساسي، وليست الدافع نفسه، وأن الذي يعتقد بأن المسلمين هم الذين بدأوا الصدام يكون على خطأ كبير، ذلك أن الدعوة الإسلامية - كما هو معلوم – قد واجهت عداء الفرس والروم، فهذا كسرى أنوشروان يبعث إلى عامله في اليمن عند ظهور الدعوة يحثه على أن يبعث من رجاله من يأتيه بمحمد بن عبد الله هذا...
ثم إن واجب الرسول - كصاحب دعوة ورائد رسالة اقتضاه أن ينفذ أوامر ربه في نشر رسالته هذه، وهكذا بعث صلى الله عليه وسلم برسالة إلى ملوك وأباطرة الدول المجاورة، فنرى كسرى لم يحسن استقبال الرسول الموفد إليه، معبرا بذلك عن كراهيته للدعوة، وكذلك فعل الروم، وأن عرب غسان بدورهم قد قتلوا الرسول.
فالذي أتصوره - في خضم تلك الأحداث - أن قيصر الروم لو أمتثل للدعوة فأسلم، فإن الرسول كان سيبعث إلى بلاد الشام رجالا دعاة للإسلام يعلمونه للناس، وبالتالي هذا ستصبح بلاد الشام مسلمة دون اللجوء إلى الحرب، ولكن الدعوة - كما قلنا - قد قوبلت منذ بدايتها من هؤلاء وأمثالهم بالرفض الشديد والاستنكار، بل وفوق هذا فقد اتفق قيصر الروم وإمبراطور الفرس على تحريض القبائل - لا سيما المجاورة منها - على إثارة الفتن والاضطرابات ضد المسلمين، فهل مثل هذه النظم الحاكمة تقابل بالحسنى، وتجدي معها الكلمة الطيبة؟ لقد كان - والحق يقال - لا مناص للمسلمين من أن يعاملوا الروم والفرس وغيرهم ممن على شاكلتهم - والحالة هذه - باللفة التي يفهمونها...
إن الإسلام لم يحدد السيف كوسيلة أولية لنشره وحمله إلى الأمم والشعوب، بل كان السيف الأداة الأخيرة لعلاج تلك الأوضاع التي كانت تحتاج إلى الاقتلاع من الجذور لفسادها في ذاتها وإفسادها لشعوبها.
ونحن نرى في العصر الحاضر الصراع العنيف والقائم بين المعسكرين الدوليين الشرقي والغربي، كل منهما يدعى المعاذير ويلتمس المبررات لتدخله في السياسات العالمية، حتى ليصل التدخل إلى إشعال حرب عسكرية مقنعة، ليس لها أساس إلا الصراع الفكري العقائدي، فلو اعتبرنا الإسلام - مع فارق السمو في الاعتبار - أنه عقيدة فكرية واجتماعية غيرت المجتمع العربي، ألم يكن من الممكن أن يدخل العرب مع الروم والفرس في حرب ضروس، دفاعا عن عقيدتهم الفكرية هذه؟
لقد أخذ بعض المؤرخين الغربيين - لا سيما منهم المتحاملون على الإسلام - على هذا الدين تخييره للشعوب الأخرى بين الإسلام أو الجزية، وفي هذا المأخذ دلالة على الدوافع الاقتصادية التي حدت بالمسلمين إلى الحرب... بيد أن هدا التخيير الذي يتشدق به هؤلاء المؤرخون إنما يدل تماما على أن الإسلام لم يستعمل السيف وسيلة لنشره، وأنه لو قصد هذا لما قبل منهم غير الإسلام أو القتال. ثم إن الجزية إذا ما أخذناها على القياس الفردي فإنها كانت على درجة من الضآلة بحيث لا يمكن أن تعتبر مغنما ماديا ذا بال، إذ لم تكن في الواقع أكثر من ضريبة تدفع مقابل حماية المسلمين لهم، وليس في هذا ما يضير الإسلام، فإنه في عصرنا الحاضر تدفع كل الأمم والشعوب لحكوماتها الضرائب العديدة، والتي أحيانا ما تكون باهظة، وذلك مقابل أن توفر هذه الحكومات لشعوبها الحماية والحقوق الاجتماعية، وهذا بالضبط ما كان يحدث في العصر الإسلامي الأول، فقد كان المسلم يدفع الزكاة ولم يكن يدفع الجزية، لأنه كان يقدم دمه وحياته زكاة وجزية وخراجا إذا ما تطلب الأمر ذلك، وهكذا سار الأمر في ربوع... الأقطار التي دخلها الإسلام حاملا إليها نور الهداية والإيمان، ورافعا مشعل العدالة الاجتماعية التي سارت بذكرها الركبان، وأضحت مثلا يحتدى شرقا وغربا.

معالم الإسلام ومبادؤه
لقد كان ظهور الإسلام إنقاذا للمجتمعات عامة، وإعداد للمسؤولية التي ألقاها على عاتق العرب خاصة، فقد كفل هذا الدين السعادة لكل الأمم التي استظلت بظلاله الوارفة، سواء في ذلك سعادتها الدينية أم الدنيوية، ففي أمور الدين يعلو التوحيد كل مبادئه،  فليس في الإسلام أية شبهة من شبهات تعدد الآلهة "قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد". وفي الحديث الشريف بيان لمظهر التوحيد وما يستتبع ذلك من علامات الإيمان حين أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه : "بني الإسلام على خمس : شهادة ألا إلاه إلا الله وأن محمدا رسول الله ..." إلى آخر هذا الحديث المشهور. فالأمور التي تلي الشهادتين نعرف في الإسلام باسم "العبادات"، ولها في الدين فلسفة عميقة، من شأنها أن تنعم الروح والجسد كلاهما النعيم في الدنيا والآخرة، وهناك المؤلفات الدينية العديدة التي تتحدث عن فلسفة كل عبادة من هذه الأربع على حدة...
أما سعادة المجتمعات الدنيوية في ظل الإسلام فتتجلى في المبادئ التي أعلنها هذا الدين قانونا تنتظم به الدول، وهي : المساواة، والعدالة، والمثل الصالح من الحاكم.
لقد نادى الإسلام بالمساواة حين كان النظام الطبقي سائدا أقطار العالم جميعه، حتى لقد عانى السواد الأعظم لتلك الشعوب ما عانى من السيادة المطلقة، والمؤسف أن من كانوا يسمون أنفسهم "رجال الكنيسة والدين" هم الذين امتازوا من دون شعوبهم، ورعوا إلى جانبهم طبقة الإشراف والنبلاء، ليقتسم كلاهما النفوذ والسلطان، ولا معقب من بعد لأمرهما.
أما الإسلام فقد أرسى قاعدة "سيادة القانون" وهذا يعني أن الناس - أمام القانون – سواء، لا فرق بين كبير وصغير، ولا امتياز لقوي على ضعيف، فلا يصح أن نغمض عيوننا على جرائم وجنايات كبير من الكبراء، ونمسك بتلابيب صغير من الضعفاء، فالشواهد والوقائع تثبت أن ميكروبات السخط لا تنتشر إلا في مجتمعات المحسوبية والاستثناء وعدم المساواة. ويوم يعلم المواطن أن حقه سيصل إليه بغير وساطة ولا خطاب توصية، ولا وقوف على الأبواب يوم يعلم المواطن ويتأكد من كل هذا سوف يشعر بأنه يعيش في بلد سعيد.
كذلك دعا الإسلام إلى "العدالة المطلقة: بين الجميع على السواء، وبذلك قلب الأوضاع التي كانت تسود العالم، حيث أهاب بالحاكم - بادئ ذي بدء - أن يعمل للناس لا لنفسه، فأوجد الإسلام بذلك نوعا جديدا يومئذ - ولأول مرة - من الحكام المثاليين، والذين لا يتوفرون على أكثر مما يتوفر عليه الفرد العادي، حتى كأن من المحكومين - نتيجة ذلك - من يفوق الحاكم إمكانيات، وقد حدث ذلك الانقلاب الإسلامي في زمن كان فيه الحاكم في نظر الشعب ظل الله في أرضه، وهو مالك للناس وما يملكون، يسخرهم ليحققوا له متعه وملذاته، بل ومنع بطانته ممن قربتهم منه مرتبة، أو علت بهم عن سواد الشعب درجة. ولا عجب فقد كان بغارس - على سبيل المثال لا الحصر - ملوك يدعون أن الدماء الإلهية تجري في عروقهم، وأن طبيعتهم تختلف - لذلك - عن طبيعة البشر، فهم في درجة سامية، وشأن عزيز !!
لقد أشرق الإسلام على هذا العالم ليحقق المساواة - أولا وقبل كل شيء - بين محمد نفسه وبين أي فرد من الرعية، ولننظر في هذا إلى قصة زيد بن سفنة اليهودي صاحب الدين عند الرسول، حيث تأخر النبي عن الأداء عسرا، فحضر الرجل وجذب الرسول من ثوبه بقسوة قائلا : "إنكم يا بني عبد المطلب قوم مطل، أما آن لك يا محمد أن تسدد الدين؟ فذهل عمر بن الخطاب - وكان حاضرا - من قسوة اليهودي على الرسول، وانتضى سيفه وهم بقطع رقبته، ولكن الرسول المعلم والقدوة يحول بين عمر وبين ما يريد، ويصيح فيه صيحة الحق  "ضع يا عمر سيفك في جرابه، لقد كان من الخير لك أن تنصحني بحسن الأداء : وتنصحه بحسن الاقتضاء، فيري هذا الكلام من نفس اليهودي مسرى السحر، فيسلم بين يدي الرسول، مؤمنا بدين هذه مبادؤه. والأمثلة في الشأن في جانب الرسول كما في جانب خلفائه الراشدين تجل عن الحصر.. مساواة، وعدالة، مما يستحيل حدوثه في أي مجتمع آخر.
وقد عقد الزميل الدكتور عبد المنعم ماجد، أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة عين شمس بالقاهرة سابقا - فصلا خاصا عن إسلام الشعوب المفتوحة، وتحدث فيه عن الأعداد الضخمة من البشر الذين دخلوا في دين الله زرافات ووحدانا على عهد الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز، بعد أن سارت الركبان بعدالته حتى أضحى الإسلام دين السواد الأعظم من الفرس وأهل مصر وخراسان والشمال الإفريقي، "وهكذا... نرى أن موجات انتشار الإسلام قد ارتبطت في التاريخ بالعهود التي ساد فيها العدل والمساواة، وليس الأمر - كما زعم المغرضون - وليد سل السيوف ونشر الإرهاب" (7).

______________
1 -  رواه الشيخان.
2 -  الحجر : 94.
3 - عباس محمود العقاد، في : الإسلام والحضارة الإنسانية، ص : 30.
4 -  نفس المصدر : ص 32 .
5 – نفس المصدر، ص : 33.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here